أمن الخليج ومستقبل الدور الأوروبي

::cck::2135::/cck::
::introtext::

بين الانسحاب البريطاني من شرقي قناة السويس في عام 1971 ويومنا هذا، ثمة تحوّلات عديدة طرأت على الدور الأوروبي في الخليج ومعادلة الأمن فيه، على أن الأبرز في ذلك أن أوروبا باتت تتحرك في الخليج ضمن مسارين متوازيين في الغالب، الأول يمثله الاتحاد الأوروبي، والثاني يمثله التحرك المنفرد أو الأحادي لدوله. كذلك، أضحى التفاعل الأوروبي – الخليجي تفاعلاً بين كتلتين إقليميتين، وذلك بموازاة خطه الثنائي.

::/introtext::
::fulltext::

بين الانسحاب البريطاني من شرقي قناة السويس في عام 1971 ويومنا هذا، ثمة تحوّلات عديدة طرأت على الدور الأوروبي في الخليج ومعادلة الأمن فيه، على أن الأبرز في ذلك أن أوروبا باتت تتحرك في الخليج ضمن مسارين متوازيين في الغالب، الأول يمثله الاتحاد الأوروبي، والثاني يمثله التحرك المنفرد أو الأحادي لدوله. كذلك، أضحى التفاعل الأوروبي – الخليجي تفاعلاً بين كتلتين إقليميتين، وذلك بموازاة خطه الثنائي.

كان المتغير الآخر في مسار العلاقات الخليجية – الأوروبية على مستوى المضمون، حيث تفوّق البُعد الاقتصادي على البُعدين السياسي والأمني، على خلاف المشهد الراهن للعلاقات الخليجية – الأمريكية. ولا يُغيّر كثيراً من هذه الحقيقة ما نشهده من صفقات تسلّح أو تعاون أمني وعسكري مشترك بين أوروبا والخليج.

والمتغير الثالث في الدور الأوروبي في الخليج هو متغير استراتيجي، كوني المنشأ، أو لنقل ذا صلة وثيقة بالبيئة الراهنة للنظام الدولي. وتحديداً، فقد كان هذا الدور في يوم مضى جزءاً من العصر الأوروبي، وخاصة ما عُرف بعصر السلام البريطاني. وكان هذا هو الحال السائد حتى نهاية الحرب العالمية الثانية، وهو لم يتغير كثيراً حتى الانسحاب البريطاني من الخليج. واعتباراً من مطلع سبعينات القرن العشرين، أمكن القول، وإن بشيء من الحذر، إن السياسة الأوروبية في الخليج تحركت في إطار الصراع الاستراتيجي بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، مع ضرورة التأكيد على نسبية هذه المقولة.

وفي مرحلة ما بعد الحرب الباردة، بدت أوروبا ذات دور مستقل في المنطقة، أو على الأقل تحركت بهذا الاتجاه. وقد تعزز هذا التوجه مع تزايد ثقل الاتحاد الأوروبي في الساحة الدولية، وسعيه لبلورة سياسة خارجية وأمنية مستقلة. وعلى الرغم من ذلك، يبقى التباين بين السياستين الأوروبية والأمريكية في الخليج محدوداً على مستوى التوصيف الاستراتيجي العام، إذ إن الاستثناء يكمن فقط في كون الاقتصاد مركز الثقل في العلاقات الخليجية – الأوروبية، في حين ارتدت علاقة الولايات المتحدة بالمنطقة بعداً متقدماً في مضمونه الأمني والعسكري، وذلك اعتباراً من عام 1980، ليتعاظم بعد ذلك على وقع حرب الخليج الثانية، وما أفرزته من متغيرات استراتيجية في بيئة الأمن الإقليمي.

في يوم مضى، كانت أوروبا صاحبة اليد العليا في منطقة الخليج. وكانت أساطيلها تحدد موازين القوى ووجهة الأمن وشكل الحياة السياسية. لقد سيطر الهولنديون على هرمز ومداخله، وسعوا من خلاله إلى فرض معادلة جديدة لأمن القارة الهندية، وممرات التوابل القادمة من سومطرة. لكن الهولنديين فرضوا سلطانهم قبل ذلك على معظم إقليم الخليج ليصيغوا فيه أشكالاً خاصة للتجارة والسياسة والأمن، قد تركوا إرثاً لا تزال بعض معالمه حاضرة. وكما الهولنديون، كذلك البرتغاليون، كان لهم تاريخهم في هذه المنطقة، وقد كان أكثر وزناً وأطول أمداً؛ حيث بسط البرتغاليون سيطرتهم شبه المطلقة على مياه وأراضي الخليج.

 وتالياً، كان البريطانيون آخر رواد العصر الأوروبي في المنطقة. وخلافاً للهولنديين والبرتغاليين، فقد جاء عصر (السلام البريطاني) في الخليج متسماً ببعدٍ كوني واسع النطاق. فقد كانت السيطرة البريطانية هنا جزءاً من خطة تأمين الهند، ووقف انسياب النفوذ الروسي إلى المياه الدافئة، حيث تداخلت على نحو شديد معادلة الأمن في كل من هرمز وبلوشستان. لقد كانت الحسابات الاستراتيجية غاية في الصعوبة والتعقيد، وكان النظام الدولي يتسم بسيولة بالغة، حيث كثر فيه اللاعبون الكبار من ذوي الأوزان المتقاربة. ومن هنا، اتصفت السيطرة البريطانية على الخليج بحضور عسكري ومدني كبير ومتعاظم، إلا أن البريطانيين كان عليهم أن يدفعوا في نهاية المطاف ثمن هيمنة الحسابات الكونية على حضورهم في الخليج وعموم شرق السويس، إذ أتت الحرب العالمية الثانية بتداعياتها القاسية لترفع عالياً من حدة الضغوط على الخزانة البريطانية. وهنا جاء الانسحاب من الخليج نتاجاً لمعطى بريطاني داخلي بقدر كونه إفرازاً لمتغير كوني تمثل في بروز القوتين الأمريكية والسوفييتية على حساب القوى الأوروبية، وخاصة البريطانية والفرنسية.

وأياً يكن حكم التاريخ على التجربة الأوروبية في هذه المنطقة، فإن أوروبا اليوم ليست أوروبا الأمس. وانطلاقاً من هذه الحقيقة، يمكن البدء في تحليل مقاربتها لأمن الخليج.

في الحرب العراقية – الإيرانية، بدا ميل دول أوروبا الغربية الرئيسية للعراق الأكثر وضوحاً في مواقف الغرب، علماً بأننا لا نتحدث هنا عن سياسة أوروبية واحدة بل عن سياسات عدة. وقد كانت فرنسا بوابة الغرب إلى العراق، المنحاز إلى الكتلةالاشتراكية رغم عدم انحيازه الرسمي، وكان ينظر إلى التعاون الفرنسي – العراقي،الأمني والاقتصادي الواسع باعتباره تعاوناً بين العراق والكتلة الغربية، وأنالفرنسيين يتحركون في علاقتهم مع العراق بضوء أخضر أمريكي، في ظل فترات انقطاعوفتور في العلاقات الأمريكية – العراقية. وقد رمت فرنسا بثقلها خلف بغداد في الحرب، وكان لمقاتلاتها، التي زُود بها الجيش العراقي، دور بالغ في تحديد مسار المعركة. وعلى الرغم من ذلك، ظل الأوروبيون متمسكين بمقاربة حذرة تجاه طهران تحمل في جوهرها نمطاً معقداً من الحسابات، وهي مقاربة لا تزال محتفظة بكثير من مضامينها، رغم التوترات المتأتية على خلفية الملف النووي الإيراني وقضايا إقليمية أخرى. وضمن أمور أخرى، برزت لدى الأوساط الأوروبية خشية من أن تقود (المسألة الإيرانية) إلى انقسام أوروبي – أمريكي مماثل لذلك الذي حدث بشأن العراق في عام 2003. ومن هنا، جاء التحرك الأطلسي المنسق بشأن التعامل مع طهران،  فالأوروبيون يحتفظون بمصالح تجارية واقتصادية عديدة في إيران، تبلورت بصفة خاصة في الفترة بين عامي (1997 – 2005)، وتركزت أساساً في قطاع الطاقة، حيث تزود إيران فرنسا بـ 7 في المائة من نفطها، وتزود إيطاليا بـ 11 في المائة، بلجيكا 14 في المائة، اليونان 24 في المائة، وتركيا 22 في المائة.

وفي عامي (1990 – 1991)، كانت حرب الخليج الثانية أحد المعالم المبكرة لتحولات ما بعد الحرب الباردة،وكانت هذه الحرب في أحد أوجهها امتحاناً عسيراً للتحالف الأطلسي، رغم الوفاقالظاهري الذي جمعه فيها. بيد أن تداعيات حرب الخليج لم تكن بالأمر السار تماماً للأوروبيين، وخاصة فرنسا، التي ما لبثت أنشعرت بفداحة الكارثة، حيث انهارت مصالحها دون مقابل مواز. وهنا، وجدتالتجاذبات الفرنسية – الأمريكية إحدى خلفياتها في هذه الحرب. وبين حرب الخليج الثانية وعملية (ثعلب الصحراء)، التي شنتها الولايات المتحدة على العراق في عام 1998، بدا الافتراقالأمريكي – الفرنسي في الشأن العراقي وقد أخذ بعداً أكثر مدى، وتُرجم ذلك جزئياً بانسحاب باريس من برنامج الطلعات الجوية على مناطق الحظر الجوي في شمال العراق وجنوبها. ولاحقاً، انتقد الفرنسيون صراحة الولايات المتحدة وبريطانيا لشنهما غارات جوية علىبغداد، معتبرين أن لا مسوغ لها في القانون الدولي.

وفي عام 2003، مثلت بريطانيا الحليف الأول للولايات المتحدة في غزو العراق، كما كانت إسبانيا الضلع الثالثة في إعلان (قمة الأزور)، الذي أعطى الرئيس العراقي الراحل صدام حسين مهلة يومين لمغادرة البلاد قبل بدء العمليات العسكرية. وإضافة إلى بريطانيا وإسبانيا، شاركت كلٌ من بولندا ورومانيا بقوات كبيرة نسبياً في الغزو، وقد انقسم الاتحاد الأوروبي على نفسه بين مؤيد لمنطق التدخل العسكري لتغيير نظام بغداد وبين معارض له. وشمل صف المؤيدين كلاً من بريطانيا، إسبانيا، إيطاليا، هولندا، الدنمارك، بولندا، التشيك، المجر ودول البلطيق.أما الصف المعارض فتمثل بصفة أساسية في فرنسا، ألمانيا وبلجيكا، وبدرجة أقل اليونان والنرويج والسويد. بل إن فرنسا هددت مسبقاً باستخدام (الفيتو) إذا ما سعت الولايات المتحدة لاستصدار قرار من مجلس الأمن الدولي يعطيها الحق في استخدام القوة العسكرية ضد العراق.

ظل الأوروبيون متمسكين بمقاربة حذرة تجاه طهران تحمل نمطاً معقداً من الحسابات

وعلى نحو جزئي، يمكن إرجاع انقسام الأعضاء الدائمين بمجلس الأمن حول غزو العراق إلى اختلاف تفسيراتهم للقرار الرقم (1441) الذي كان يُعد حينها آخر القرارات الدولية التي صدرت في حق العراق منذ حرب الخليج الثانية. فقد رأت الولايات المتحدة أنّ هذا القرار يُعطيها الحق بصورة تلقائية في استخدام القوة ضد نظام بغداد، في حين رأت فرنسا وروسيا والصين أنّ القرار لا يمنح هذا الحق، وأنّ الغرض منه ينحصر في تمكين المفتشين الدوليين من العودة إلى العراق ومنحهم صلاحيات أوسع لمباشرة مهامهم. بيد أن جوهر الخلاف الأوروبي – الأمريكي لم يرتبط بتفسير قرارات مجلس الأمن بل بتصورات خاصة بمستقبل أوروبا ودورها العالمي، تبنتها بصفة أساسية فرنسا جاك شيراك وألمانيا غيرهارد شرودر. وعلى الرغم من ذلك، فإن شيراك تحرك بعد وقت قصير من سقوط بغداد ليعيد صياغة موقفه على نحو قريب من واشنطن، وإن ظل رافضاً مبدأ مساهمة فرنسا العسكرية في العمليات الجارية في العراق، كما رفض أي دور مباشر لحلف شمال الأطلسي (الناتو) في تلك العمليات، والأمر الذي كان الأمريكيون يعتزمون إقراره في قمة الحلف التي عُقدت في اسطنبول في يونيو 2004.

 وبدأت فرنسا مسيرة العودة إلى العراق لاستدراك ما يمكن استدراكه من مصالحها الاقتصادية والنفطية فيه، حيث خاطب وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير الصحفيين، لدى زيارته بغداد في إبريل 2007، قائلاً (نحن نطوي الصفحة). وعلى خلاف رئيسه نيكولا ساركوزي، كَانَ كوشنير أحد السياسيين الفرنسيينِ البارزينِ القلائل الذين أيدوا الخيار العسكري لإسقاط حكومة صدام حسين، معتبراً ذلك إجراء تفرضه الضرورات الإنسانيةِ. وقد وضع كوشنير العراق كإحدى أولوياته كوزير للخارجية الفرنسية، إلى جانب دور أكثر نشاطاً في النزاعاتِ الدائرة في دارفور وكوسوفو ولبنان.

وبالعودة إلى التفاعلات الأوروبية مع دول الداخل الخليجي، فإنه إضافة إلى مسارات التعاون الأمنية والسياسية، أو بموازاتها، ظل مشروع اتفاقية التجارة الحرة الخليجية – الأوروبية يهيمن منذ نحو عشرين عاماً على المقاربة المنشودة للعلاقة بين الجانبين.

وفي منتصف إبريل 2008، قال الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي عبدالرحمن بن حمد العطية إن (الاتحاد الأوروبي يطرح دائماً مسائل مثل أسلحة الدمار الشامل وقضايا حقوق الإنسانوقضايا أخرى بعيدة كل البُعد عما يجري من حراك سياسي في منظومة مجلس التعاون)، في إشارة إلى الصعوبات السياسية التي تعترض المفاوضين الخليجيين في المداولات الجارية مع نظرائهم الأوروبيين. وكانت مفوضة العلاقات الخارجية في الاتحاد الأوروبي بينيتا فيريرو – والدنر قد صرحت بأن موضوع حقوق الإنسان جزء من اتفاقية التجارة الحرة مع مجلس التعاون الخليجي. وفي الأصل، تجد هذه القضية جذورها الأبعد مدى في منظور أوروبا للعلاقة بدول العالم الثالث. وعلى الرغم من ذلك، لا بد من تسوية الأمر على أسس من الحكمة والتوازن.

إضافة إلى هذه المسألة الجديدة أو التي أعيدت صياغتها، فإن المفاوضات حول البنود الأساسية في اتفاقية التجارة الحرة الأوروبية – الخليجية لا تزال تواجه صعوبات متفاوتة الحدة، سواء في القطاع السلعي أو قطاع الخدمات أو في التصوّر الخاص بالجداول الزمنية المختلفة، إذ لا تزال ثمة خلافات متعلقة بتحرير قطاعات الخدمات والاستثمار والمشتريات الحكومية في دول مجلس التعاون الخليجي.

ويعتبر الاتحاد الأوروبي الشريك التجاري الأول لدول مجلس التعاون الخليجي، وبلغت قيمة صادراته لهذه الدول أكثر من 36.4 مليار يورو في عام 2006، في حين بلغت وارداته منها 45 مليار يورو، وقُدر حجم صادرات الأجهزةَ الأوروبية لدول المجلس بأكثر من 21.8 مليار يورو؛ بينما ارتفعت صادرات الطاقة الخليجية إلى الاتحاد الأوروبي إلى 26.2 مليار يورو، وذلك ضمن مؤشرات العام نفسه.

 

::/fulltext::

50-18-55b
Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2135::/cck::
::introtext::

بين الانسحاب البريطاني من شرقي قناة السويس في عام 1971 ويومنا هذا، ثمة تحوّلات عديدة طرأت على الدور الأوروبي في الخليج ومعادلة الأمن فيه، على أن الأبرز في ذلك أن أوروبا باتت تتحرك في الخليج ضمن مسارين متوازيين في الغالب، الأول يمثله الاتحاد الأوروبي، والثاني يمثله التحرك المنفرد أو الأحادي لدوله. كذلك، أضحى التفاعل الأوروبي – الخليجي تفاعلاً بين كتلتين إقليميتين، وذلك بموازاة خطه الثنائي.

::/introtext::
::fulltext::

بين الانسحاب البريطاني من شرقي قناة السويس في عام 1971 ويومنا هذا، ثمة تحوّلات عديدة طرأت على الدور الأوروبي في الخليج ومعادلة الأمن فيه، على أن الأبرز في ذلك أن أوروبا باتت تتحرك في الخليج ضمن مسارين متوازيين في الغالب، الأول يمثله الاتحاد الأوروبي، والثاني يمثله التحرك المنفرد أو الأحادي لدوله. كذلك، أضحى التفاعل الأوروبي – الخليجي تفاعلاً بين كتلتين إقليميتين، وذلك بموازاة خطه الثنائي.

كان المتغير الآخر في مسار العلاقات الخليجية – الأوروبية على مستوى المضمون، حيث تفوّق البُعد الاقتصادي على البُعدين السياسي والأمني، على خلاف المشهد الراهن للعلاقات الخليجية – الأمريكية. ولا يُغيّر كثيراً من هذه الحقيقة ما نشهده من صفقات تسلّح أو تعاون أمني وعسكري مشترك بين أوروبا والخليج.

والمتغير الثالث في الدور الأوروبي في الخليج هو متغير استراتيجي، كوني المنشأ، أو لنقل ذا صلة وثيقة بالبيئة الراهنة للنظام الدولي. وتحديداً، فقد كان هذا الدور في يوم مضى جزءاً من العصر الأوروبي، وخاصة ما عُرف بعصر السلام البريطاني. وكان هذا هو الحال السائد حتى نهاية الحرب العالمية الثانية، وهو لم يتغير كثيراً حتى الانسحاب البريطاني من الخليج. واعتباراً من مطلع سبعينات القرن العشرين، أمكن القول، وإن بشيء من الحذر، إن السياسة الأوروبية في الخليج تحركت في إطار الصراع الاستراتيجي بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، مع ضرورة التأكيد على نسبية هذه المقولة.

وفي مرحلة ما بعد الحرب الباردة، بدت أوروبا ذات دور مستقل في المنطقة، أو على الأقل تحركت بهذا الاتجاه. وقد تعزز هذا التوجه مع تزايد ثقل الاتحاد الأوروبي في الساحة الدولية، وسعيه لبلورة سياسة خارجية وأمنية مستقلة. وعلى الرغم من ذلك، يبقى التباين بين السياستين الأوروبية والأمريكية في الخليج محدوداً على مستوى التوصيف الاستراتيجي العام، إذ إن الاستثناء يكمن فقط في كون الاقتصاد مركز الثقل في العلاقات الخليجية – الأوروبية، في حين ارتدت علاقة الولايات المتحدة بالمنطقة بعداً متقدماً في مضمونه الأمني والعسكري، وذلك اعتباراً من عام 1980، ليتعاظم بعد ذلك على وقع حرب الخليج الثانية، وما أفرزته من متغيرات استراتيجية في بيئة الأمن الإقليمي.

في يوم مضى، كانت أوروبا صاحبة اليد العليا في منطقة الخليج. وكانت أساطيلها تحدد موازين القوى ووجهة الأمن وشكل الحياة السياسية. لقد سيطر الهولنديون على هرمز ومداخله، وسعوا من خلاله إلى فرض معادلة جديدة لأمن القارة الهندية، وممرات التوابل القادمة من سومطرة. لكن الهولنديين فرضوا سلطانهم قبل ذلك على معظم إقليم الخليج ليصيغوا فيه أشكالاً خاصة للتجارة والسياسة والأمن، قد تركوا إرثاً لا تزال بعض معالمه حاضرة. وكما الهولنديون، كذلك البرتغاليون، كان لهم تاريخهم في هذه المنطقة، وقد كان أكثر وزناً وأطول أمداً؛ حيث بسط البرتغاليون سيطرتهم شبه المطلقة على مياه وأراضي الخليج.

 وتالياً، كان البريطانيون آخر رواد العصر الأوروبي في المنطقة. وخلافاً للهولنديين والبرتغاليين، فقد جاء عصر (السلام البريطاني) في الخليج متسماً ببعدٍ كوني واسع النطاق. فقد كانت السيطرة البريطانية هنا جزءاً من خطة تأمين الهند، ووقف انسياب النفوذ الروسي إلى المياه الدافئة، حيث تداخلت على نحو شديد معادلة الأمن في كل من هرمز وبلوشستان. لقد كانت الحسابات الاستراتيجية غاية في الصعوبة والتعقيد، وكان النظام الدولي يتسم بسيولة بالغة، حيث كثر فيه اللاعبون الكبار من ذوي الأوزان المتقاربة. ومن هنا، اتصفت السيطرة البريطانية على الخليج بحضور عسكري ومدني كبير ومتعاظم، إلا أن البريطانيين كان عليهم أن يدفعوا في نهاية المطاف ثمن هيمنة الحسابات الكونية على حضورهم في الخليج وعموم شرق السويس، إذ أتت الحرب العالمية الثانية بتداعياتها القاسية لترفع عالياً من حدة الضغوط على الخزانة البريطانية. وهنا جاء الانسحاب من الخليج نتاجاً لمعطى بريطاني داخلي بقدر كونه إفرازاً لمتغير كوني تمثل في بروز القوتين الأمريكية والسوفييتية على حساب القوى الأوروبية، وخاصة البريطانية والفرنسية.

وأياً يكن حكم التاريخ على التجربة الأوروبية في هذه المنطقة، فإن أوروبا اليوم ليست أوروبا الأمس. وانطلاقاً من هذه الحقيقة، يمكن البدء في تحليل مقاربتها لأمن الخليج.

في الحرب العراقية – الإيرانية، بدا ميل دول أوروبا الغربية الرئيسية للعراق الأكثر وضوحاً في مواقف الغرب، علماً بأننا لا نتحدث هنا عن سياسة أوروبية واحدة بل عن سياسات عدة. وقد كانت فرنسا بوابة الغرب إلى العراق، المنحاز إلى الكتلةالاشتراكية رغم عدم انحيازه الرسمي، وكان ينظر إلى التعاون الفرنسي – العراقي،الأمني والاقتصادي الواسع باعتباره تعاوناً بين العراق والكتلة الغربية، وأنالفرنسيين يتحركون في علاقتهم مع العراق بضوء أخضر أمريكي، في ظل فترات انقطاعوفتور في العلاقات الأمريكية – العراقية. وقد رمت فرنسا بثقلها خلف بغداد في الحرب، وكان لمقاتلاتها، التي زُود بها الجيش العراقي، دور بالغ في تحديد مسار المعركة. وعلى الرغم من ذلك، ظل الأوروبيون متمسكين بمقاربة حذرة تجاه طهران تحمل في جوهرها نمطاً معقداً من الحسابات، وهي مقاربة لا تزال محتفظة بكثير من مضامينها، رغم التوترات المتأتية على خلفية الملف النووي الإيراني وقضايا إقليمية أخرى. وضمن أمور أخرى، برزت لدى الأوساط الأوروبية خشية من أن تقود (المسألة الإيرانية) إلى انقسام أوروبي – أمريكي مماثل لذلك الذي حدث بشأن العراق في عام 2003. ومن هنا، جاء التحرك الأطلسي المنسق بشأن التعامل مع طهران،  فالأوروبيون يحتفظون بمصالح تجارية واقتصادية عديدة في إيران، تبلورت بصفة خاصة في الفترة بين عامي (1997 – 2005)، وتركزت أساساً في قطاع الطاقة، حيث تزود إيران فرنسا بـ 7 في المائة من نفطها، وتزود إيطاليا بـ 11 في المائة، بلجيكا 14 في المائة، اليونان 24 في المائة، وتركيا 22 في المائة.

وفي عامي (1990 – 1991)، كانت حرب الخليج الثانية أحد المعالم المبكرة لتحولات ما بعد الحرب الباردة،وكانت هذه الحرب في أحد أوجهها امتحاناً عسيراً للتحالف الأطلسي، رغم الوفاقالظاهري الذي جمعه فيها. بيد أن تداعيات حرب الخليج لم تكن بالأمر السار تماماً للأوروبيين، وخاصة فرنسا، التي ما لبثت أنشعرت بفداحة الكارثة، حيث انهارت مصالحها دون مقابل مواز. وهنا، وجدتالتجاذبات الفرنسية – الأمريكية إحدى خلفياتها في هذه الحرب. وبين حرب الخليج الثانية وعملية (ثعلب الصحراء)، التي شنتها الولايات المتحدة على العراق في عام 1998، بدا الافتراقالأمريكي – الفرنسي في الشأن العراقي وقد أخذ بعداً أكثر مدى، وتُرجم ذلك جزئياً بانسحاب باريس من برنامج الطلعات الجوية على مناطق الحظر الجوي في شمال العراق وجنوبها. ولاحقاً، انتقد الفرنسيون صراحة الولايات المتحدة وبريطانيا لشنهما غارات جوية علىبغداد، معتبرين أن لا مسوغ لها في القانون الدولي.

وفي عام 2003، مثلت بريطانيا الحليف الأول للولايات المتحدة في غزو العراق، كما كانت إسبانيا الضلع الثالثة في إعلان (قمة الأزور)، الذي أعطى الرئيس العراقي الراحل صدام حسين مهلة يومين لمغادرة البلاد قبل بدء العمليات العسكرية. وإضافة إلى بريطانيا وإسبانيا، شاركت كلٌ من بولندا ورومانيا بقوات كبيرة نسبياً في الغزو، وقد انقسم الاتحاد الأوروبي على نفسه بين مؤيد لمنطق التدخل العسكري لتغيير نظام بغداد وبين معارض له. وشمل صف المؤيدين كلاً من بريطانيا، إسبانيا، إيطاليا، هولندا، الدنمارك، بولندا، التشيك، المجر ودول البلطيق.أما الصف المعارض فتمثل بصفة أساسية في فرنسا، ألمانيا وبلجيكا، وبدرجة أقل اليونان والنرويج والسويد. بل إن فرنسا هددت مسبقاً باستخدام (الفيتو) إذا ما سعت الولايات المتحدة لاستصدار قرار من مجلس الأمن الدولي يعطيها الحق في استخدام القوة العسكرية ضد العراق.

ظل الأوروبيون متمسكين بمقاربة حذرة تجاه طهران تحمل نمطاً معقداً من الحسابات

وعلى نحو جزئي، يمكن إرجاع انقسام الأعضاء الدائمين بمجلس الأمن حول غزو العراق إلى اختلاف تفسيراتهم للقرار الرقم (1441) الذي كان يُعد حينها آخر القرارات الدولية التي صدرت في حق العراق منذ حرب الخليج الثانية. فقد رأت الولايات المتحدة أنّ هذا القرار يُعطيها الحق بصورة تلقائية في استخدام القوة ضد نظام بغداد، في حين رأت فرنسا وروسيا والصين أنّ القرار لا يمنح هذا الحق، وأنّ الغرض منه ينحصر في تمكين المفتشين الدوليين من العودة إلى العراق ومنحهم صلاحيات أوسع لمباشرة مهامهم. بيد أن جوهر الخلاف الأوروبي – الأمريكي لم يرتبط بتفسير قرارات مجلس الأمن بل بتصورات خاصة بمستقبل أوروبا ودورها العالمي، تبنتها بصفة أساسية فرنسا جاك شيراك وألمانيا غيرهارد شرودر. وعلى الرغم من ذلك، فإن شيراك تحرك بعد وقت قصير من سقوط بغداد ليعيد صياغة موقفه على نحو قريب من واشنطن، وإن ظل رافضاً مبدأ مساهمة فرنسا العسكرية في العمليات الجارية في العراق، كما رفض أي دور مباشر لحلف شمال الأطلسي (الناتو) في تلك العمليات، والأمر الذي كان الأمريكيون يعتزمون إقراره في قمة الحلف التي عُقدت في اسطنبول في يونيو 2004.

 وبدأت فرنسا مسيرة العودة إلى العراق لاستدراك ما يمكن استدراكه من مصالحها الاقتصادية والنفطية فيه، حيث خاطب وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير الصحفيين، لدى زيارته بغداد في إبريل 2007، قائلاً (نحن نطوي الصفحة). وعلى خلاف رئيسه نيكولا ساركوزي، كَانَ كوشنير أحد السياسيين الفرنسيينِ البارزينِ القلائل الذين أيدوا الخيار العسكري لإسقاط حكومة صدام حسين، معتبراً ذلك إجراء تفرضه الضرورات الإنسانيةِ. وقد وضع كوشنير العراق كإحدى أولوياته كوزير للخارجية الفرنسية، إلى جانب دور أكثر نشاطاً في النزاعاتِ الدائرة في دارفور وكوسوفو ولبنان.

وبالعودة إلى التفاعلات الأوروبية مع دول الداخل الخليجي، فإنه إضافة إلى مسارات التعاون الأمنية والسياسية، أو بموازاتها، ظل مشروع اتفاقية التجارة الحرة الخليجية – الأوروبية يهيمن منذ نحو عشرين عاماً على المقاربة المنشودة للعلاقة بين الجانبين.

وفي منتصف إبريل 2008، قال الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي عبدالرحمن بن حمد العطية إن (الاتحاد الأوروبي يطرح دائماً مسائل مثل أسلحة الدمار الشامل وقضايا حقوق الإنسانوقضايا أخرى بعيدة كل البُعد عما يجري من حراك سياسي في منظومة مجلس التعاون)، في إشارة إلى الصعوبات السياسية التي تعترض المفاوضين الخليجيين في المداولات الجارية مع نظرائهم الأوروبيين. وكانت مفوضة العلاقات الخارجية في الاتحاد الأوروبي بينيتا فيريرو – والدنر قد صرحت بأن موضوع حقوق الإنسان جزء من اتفاقية التجارة الحرة مع مجلس التعاون الخليجي. وفي الأصل، تجد هذه القضية جذورها الأبعد مدى في منظور أوروبا للعلاقة بدول العالم الثالث. وعلى الرغم من ذلك، لا بد من تسوية الأمر على أسس من الحكمة والتوازن.

إضافة إلى هذه المسألة الجديدة أو التي أعيدت صياغتها، فإن المفاوضات حول البنود الأساسية في اتفاقية التجارة الحرة الأوروبية – الخليجية لا تزال تواجه صعوبات متفاوتة الحدة، سواء في القطاع السلعي أو قطاع الخدمات أو في التصوّر الخاص بالجداول الزمنية المختلفة، إذ لا تزال ثمة خلافات متعلقة بتحرير قطاعات الخدمات والاستثمار والمشتريات الحكومية في دول مجلس التعاون الخليجي.

ويعتبر الاتحاد الأوروبي الشريك التجاري الأول لدول مجلس التعاون الخليجي، وبلغت قيمة صادراته لهذه الدول أكثر من 36.4 مليار يورو في عام 2006، في حين بلغت وارداته منها 45 مليار يورو، وقُدر حجم صادرات الأجهزةَ الأوروبية لدول المجلس بأكثر من 21.8 مليار يورو؛ بينما ارتفعت صادرات الطاقة الخليجية إلى الاتحاد الأوروبي إلى 26.2 مليار يورو، وذلك ضمن مؤشرات العام نفسه.

 

::/fulltext::
::cck::2135::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *