لمحات اجتماعيه من الفساد المالي والإداري في المجتمع العراقي

::cck::2145::/cck::
::introtext::

عرفت الأمم المتحدة الفساد بأنه سوء استعمال السلطة العامة لتحقيق مكاسب شخصية ضيقة، كما عرفه البنك الدولي بأنه استغلال المنصب العام بغرض تحقيق مكاسب شخصية، ويقع الفساد على الحق العام والمال العام في أي مجتمع، ويؤدي إلى تقويض شرعية الدولة، ويهدد النظام الديمقراطي فيها ويساعد على الثراء السريع غير المشروع، ويزيد من أعداد الفقراء والمهمشين في المجتمع.

::/introtext::
::fulltext::

عرفت الأمم المتحدة الفساد بأنه سوء استعمال السلطة العامة لتحقيق مكاسب شخصية ضيقة، كما عرفه البنك الدولي بأنه استغلال المنصب العام بغرض تحقيق مكاسب شخصية، ويقع الفساد على الحق العام والمال العام في أي مجتمع، ويؤدي إلى تقويض شرعية الدولة، ويهدد النظام الديمقراطي فيها ويساعد على الثراء السريع غير المشروع، ويزيد من أعداد الفقراء والمهمشين في المجتمع.

لقد اتخذت ظاهرة الفساد منحى عالمياً كما اتخذت أشكالاً مختلفة، وأفرزت نتائج اجتماعية واقتصادية وأخلاقية بالغة الخطورة على حركة النمو والتقدم في أي مجتمع تقع فيه، وقد اعتبرت ظاهرة عالمية تكيفت معها شركات عالمية ولاسيما العابرة للقارات حتى اعتبر الفساد في بعض الآراء ضرورة اقتصادية لتمريرمشاريع ضخمة في مجتمعات مختلفة. وتعد المجتمعات النامية من أكثر المجتمعات تضرراً من هذه الظاهرة، ففي الوقت الذي ينبغي أن تسير فيه هذه المجتمعات نحو التنمية والتقدم نراها وبفعل الفساد تراجعت وألحق الضرر بمواطنيها، وأنتج الوضع القائم فيها طبقة ثرية خلال فترة زمنية قياسية وأعداداً كبيرة من الفقراء والمهمشين مع تراجع واضح في خدماتها الأساسية وأيضاً تراجع حركة التحضر وازدياد درجة (ترييف) الكثيرمن مدنها،وقد كشف مقال نشره زياد عربية بن علي في مجلة دراسات استراتيجية في جامعة دمشق عام 2005 أن البنك الدولي قدّر أن الفساد يقضي على حوالي (7 في المائة) من الاقتصاد العالمي سنوياً،أي ما يقدر بنحو (2.3) تريليون دولار، وهو ما يعادل مجموع الموازنة الفيدرالية في الولايات المتحدة الأمريكية، وفي ما يتصل بواقع الظاهرة في المجتمع العراقي فهي تعد من أكثر الظواهر خطورة وتهديداً لحاضره ومستقبله، بل إنها تعدت حدودها ووصل صداها إلى أقصى بقاع الأرض حتى صنف العراق من بين الدول التي تتصدر العالم من حيث الفساد المالي والإداريبعدما كان من أوائل دول العالم من حيث النزاهة في حقبة السبعينات من القرن الماضي.

أولاً: الانهيار الإداري والفساد

ينبغي الإشارة إلى أن الدولة العراقية الحديثة التي تأسست مطلع القرن العشرين بنت نظاماً إدارياً مميزاً بين النظم الإدارية في المنطقة العربية، وشهد عمر الدولة ترسيخ تقاليد إدارية يشهد لها بالدقة والانسيابية، وتميزت بتراكم خبرات في العمل الإداري والوظيفي الموثق أنتجت سياقات أصيلة سواء في مجال سن اللوائح والقوانين أو في مجال القيادة الإدارية، ولاشك في أن عوامل التخلخل في هذه الأجهزة أصبحت متوفرة بعد أن مر العراق بحقبة من الأحداث والأزمات والحروب التي أخلّت كثيراً بمنظومة القيم الاجتماعية والإدارية حتى خرج كثير من السياقات الإدارية علىمسارها المعتاد لتظهر بؤر فساد متكررة في مؤسسات الدولة المختلفة.

من الآثار الخطيرة للفساد المالي والإداري في المجتمع العراقي زيادة حالات الفقر

ومن اللافت أن المعالجات التي ظهرت خلال تلك الحقبة لم تكن إلا محاولة ترقيع ما تم خرابه، ولعل أساس هذا الخراب هو خراب الإنسان نفسه الذي اختلت موازينه تحت وطأة تلك الظروف القاهرة، وعدم إعطاء هذا الإنسان فرصة لتنفس الصعداء، حتى إذا ماجاء الاحتلال الأمريكي للعراق وحدث انهيار الدولة عام 2003 فتحت الأبواب أمام الفساد على مصاريعها بشكل لم يسبق له مثيل في تاريخ الدولة العراقية الحديثة وهو ما يمكن أن نطلق عليه انهيار منظومة الدولة العراقية بكل مؤسساتها الرسمية، وما تم السعي إليه بعد ذلك ماهو إلا محاولات جمع شتات تلك التقاليد الإدارية من دون أن تتوفر خطط علمية أو إجراءات صارمة تعيد للإدارة جزءاً من مقوماتها، وساعد على تعزيز وتكريس هذا الواقع الانفلات الأمني خلال السنوات التي أعقبت الاحتلال وتسلل كثير من العناصر غير الأكفاء إلى مؤسسات الدولة المختلفة في ظل واقع إداري معاد التشكيل حديثاً وما نتج عن ذلك من عدم وضع الشخص المناسب في المكان المناسب وانتشار المحسوبية والعلاقات الشخصية وضعف القانون وظهور مراكز قوى متعددة في المجتمع مما أتاح الفرص أمام الكثيرين لاستغلال المنصب العام لتحقيق مكاسب شخصية وثراء سريع والاستفادة من الوضع القائم في تمرير الكثير من المشاريع الضخمة بتمويل ضخم يصب في نهاية المطاف بمصالح خاصة بعد أن كان متوقعاًأن يوظف لصالح المجتمع.

ثانياً: الفساد والفقر

من الآثار الخطيرة التي تركها ويتركها الفساد المالي والإداري في المجتمع العراقي زيادة حالات الفقر وأيضاً زيادة عدد الأثرياء بطريقة سريعة، وزاد الأمر تعقيداً عدم قدرة الدولة،في ظل الظروف الراهنة وانتشار الفساد في مؤسساتها المختلفة،على تقديم خدمات مفصلية للمجتمع ولاسيما في مجال الكهرباء وشبكة الصرف الصحي وحتى بعض المشاريع المنفذة اصطدمت بجدار الفساد فأفقدها وظيفتها الفعلية مما يجعل الحال أكثر خطورة لاسيما ما ينتظر خطط التنمية المزمع تنفيذها خلال السنوات القليلة المقبلةإذا ما بقيت عناصر الفساد منتشرة في جسم الدولة، الأمر الذي يهدد ملايين البشر حاضراً ومستقبلاًوهو ما يدعو إلى تضافر جهود المجتمع بكل فئاته للحد من هذه الظاهرة قبل تنفيذ أي خطة تنموية. ففي الوقت الذي ينبغي فيه معالجة مشكلة الفقر والتخفيف من معدلاته يجبأيضاً محاربة بؤر الفساد وتشخيص عناصره،ولن يتم ذلك إلا بقرار حكومي صارم يدعم شعبياً وعلى الصعد كافة.

ثالثاً: الفساد والاستثمار

لعل أبرز الآثار الاقتصادية للفساد الإداري والمالي هو تعطيل الخطط الإصلاحية وعدم تنفيذ المشاريع الاقتصادية بشكل يتلاءم مع حاجات المواطنين إليها، أو تنفيذ مشاريع غير مفصلية تقع في ظل الظروف الراهنة خارج اهتمام المواطنين، كما أن الفساد أدى إلى عدم استثمار أمثل للثروات الطبيعية مما أخل بحقوق الأجيال الحاضرة والأجيال التي لم تولد بعد، فلا تزال الثروات الطبيعية في البلاد لا ينظر إليها بمنظار تربوي وعلمي ينقل البلاد إلى حالة متطورة، بل إن النظرة إلى استثمار الثروات الطبيعية تسير وفق نظرة ضيقة تسيرها مصالح مناطق إقليمية أو محلية على حساب مصلحة البلاد العامة، فضلاً عن الآثار التي يتركها الوضع الأمني على حالة الاستثمار، فلا يزال هذا الوضع يمثل عائقاً حقيقياًأمام الاستثمار الوطني وإعمار البلاد من قبل شركات عالمية وفق تعاقدات تنظم مع الدولة لتنفيذ مشاريع إنمائية ضخمة ولاسيما ما يتصل منها بالبنى التحتية بالإضافة إلى غياب الآليات المناسبة لتحقيق الاستثمارات الوطنية،وتزداد الحالة تعقيداًإذا علمنا أن هذه المسائل مرتبطة أيضاً بحالات الفساد السائدة مما يشكلثقلاً إضافياً يعرقل عملية الاستثمار بالشكل الذي يخدم البلاد ولاسيما فيما يتصل بزيادة تكلفتها مما يجعل مردودها الخدمي مرتفعاً، وهذه النقطة تستوجب قبل الشروع بتنفيذ أي مشروع مستقبلي تطهير مؤسسات الدولة من العناصر المفسدة والتي تقف باستمرار بوجه أي استثمار أمثل للثروات بما يعود بالفائدة على المجتمع، ويحقق له تنمية مناسبة.

رابعاً: الفساد وحقوق الإنسان والديمقراطية

بات الفساد المالي والإداري المنتشر في مؤسسات الدولة يهدد بشكل جدي حقوق الإنسان والديمقراطية، وبرز هذا التهديد من خلال المعاملة غير المتكافئة للجميع وعدم وضع آليات الحق العام ولاسيما في مجال عدم حصول أصحاب الكفاءة والخبرة على المكانة المناسبة للاستفادة من إمكانياتهم في خدمة المجتمع، وقد أوجد ذلك بيئة عمل غير صالحة مما أضر بحقوق الكثير منهم،فضلاًعن الآثار التي يتركها الفساد في تعطيل وصول الخدمات اللازمة لشرائح اجتماعية هي بأمسّالحاجة إليها، كما أنه ألحق أضراراً بالأسرة والمجتمع جراء ذلك. ولذلك فإن تهديد حقوق الإنسان أضحى مسألة واضحة كما هي الحال مع الديمقراطية أيضاً لاسيما مع تزايد المخاوف من تشكل طبقة أو فئةأصحاب مصالح في مختلف مؤسسات الدولة مما يلحق أضراراً كذلك بآليات ممارسةالديمقراطيةابتداء من أصغر مؤسسة في الدولة إلى أكبرها. فالديمقراطية في أحد معانيها تعني إفساح المجال للرأي الآخر كي يقول كلمته ويراقب خطوات التنفيذ داخل مؤسسات الدولة، وتحقيق هذا الأمر يحتاج إلى وقت طويل كي يتبلور السلوك الرقابي بشكل موضوعي وعلمي وهو ما يعمل الفساد على عرقلته وتحجيم اتجاهاته، ولكي تأخذ الديمقراطية مسارها الصحيح ينبغي أن تتضافر الجهود الشعبية والرسمية لمحاربة الفساد وفضح عناصره وتحديد بؤره. وفي هذا المجال تظهر جهود هيئة النزاهة العراقية في الوقت الحاضر واضحة من خلال عقد المؤتمرات والندوات العلمية للكشف عن أسباب الظاهرة وتحديد الأساليب المناسبة للحد منها ووضع ذلك أمام الجهات التنفيذية لاتخاذ الإجراءات المناسبة إزاءها.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2145::/cck::
::introtext::

عرفت الأمم المتحدة الفساد بأنه سوء استعمال السلطة العامة لتحقيق مكاسب شخصية ضيقة، كما عرفه البنك الدولي بأنه استغلال المنصب العام بغرض تحقيق مكاسب شخصية، ويقع الفساد على الحق العام والمال العام في أي مجتمع، ويؤدي إلى تقويض شرعية الدولة، ويهدد النظام الديمقراطي فيها ويساعد على الثراء السريع غير المشروع، ويزيد من أعداد الفقراء والمهمشين في المجتمع.

::/introtext::
::fulltext::

عرفت الأمم المتحدة الفساد بأنه سوء استعمال السلطة العامة لتحقيق مكاسب شخصية ضيقة، كما عرفه البنك الدولي بأنه استغلال المنصب العام بغرض تحقيق مكاسب شخصية، ويقع الفساد على الحق العام والمال العام في أي مجتمع، ويؤدي إلى تقويض شرعية الدولة، ويهدد النظام الديمقراطي فيها ويساعد على الثراء السريع غير المشروع، ويزيد من أعداد الفقراء والمهمشين في المجتمع.

لقد اتخذت ظاهرة الفساد منحى عالمياً كما اتخذت أشكالاً مختلفة، وأفرزت نتائج اجتماعية واقتصادية وأخلاقية بالغة الخطورة على حركة النمو والتقدم في أي مجتمع تقع فيه، وقد اعتبرت ظاهرة عالمية تكيفت معها شركات عالمية ولاسيما العابرة للقارات حتى اعتبر الفساد في بعض الآراء ضرورة اقتصادية لتمريرمشاريع ضخمة في مجتمعات مختلفة. وتعد المجتمعات النامية من أكثر المجتمعات تضرراً من هذه الظاهرة، ففي الوقت الذي ينبغي أن تسير فيه هذه المجتمعات نحو التنمية والتقدم نراها وبفعل الفساد تراجعت وألحق الضرر بمواطنيها، وأنتج الوضع القائم فيها طبقة ثرية خلال فترة زمنية قياسية وأعداداً كبيرة من الفقراء والمهمشين مع تراجع واضح في خدماتها الأساسية وأيضاً تراجع حركة التحضر وازدياد درجة (ترييف) الكثيرمن مدنها،وقد كشف مقال نشره زياد عربية بن علي في مجلة دراسات استراتيجية في جامعة دمشق عام 2005 أن البنك الدولي قدّر أن الفساد يقضي على حوالي (7 في المائة) من الاقتصاد العالمي سنوياً،أي ما يقدر بنحو (2.3) تريليون دولار، وهو ما يعادل مجموع الموازنة الفيدرالية في الولايات المتحدة الأمريكية، وفي ما يتصل بواقع الظاهرة في المجتمع العراقي فهي تعد من أكثر الظواهر خطورة وتهديداً لحاضره ومستقبله، بل إنها تعدت حدودها ووصل صداها إلى أقصى بقاع الأرض حتى صنف العراق من بين الدول التي تتصدر العالم من حيث الفساد المالي والإداريبعدما كان من أوائل دول العالم من حيث النزاهة في حقبة السبعينات من القرن الماضي.

أولاً: الانهيار الإداري والفساد

ينبغي الإشارة إلى أن الدولة العراقية الحديثة التي تأسست مطلع القرن العشرين بنت نظاماً إدارياً مميزاً بين النظم الإدارية في المنطقة العربية، وشهد عمر الدولة ترسيخ تقاليد إدارية يشهد لها بالدقة والانسيابية، وتميزت بتراكم خبرات في العمل الإداري والوظيفي الموثق أنتجت سياقات أصيلة سواء في مجال سن اللوائح والقوانين أو في مجال القيادة الإدارية، ولاشك في أن عوامل التخلخل في هذه الأجهزة أصبحت متوفرة بعد أن مر العراق بحقبة من الأحداث والأزمات والحروب التي أخلّت كثيراً بمنظومة القيم الاجتماعية والإدارية حتى خرج كثير من السياقات الإدارية علىمسارها المعتاد لتظهر بؤر فساد متكررة في مؤسسات الدولة المختلفة.

من الآثار الخطيرة للفساد المالي والإداري في المجتمع العراقي زيادة حالات الفقر

ومن اللافت أن المعالجات التي ظهرت خلال تلك الحقبة لم تكن إلا محاولة ترقيع ما تم خرابه، ولعل أساس هذا الخراب هو خراب الإنسان نفسه الذي اختلت موازينه تحت وطأة تلك الظروف القاهرة، وعدم إعطاء هذا الإنسان فرصة لتنفس الصعداء، حتى إذا ماجاء الاحتلال الأمريكي للعراق وحدث انهيار الدولة عام 2003 فتحت الأبواب أمام الفساد على مصاريعها بشكل لم يسبق له مثيل في تاريخ الدولة العراقية الحديثة وهو ما يمكن أن نطلق عليه انهيار منظومة الدولة العراقية بكل مؤسساتها الرسمية، وما تم السعي إليه بعد ذلك ماهو إلا محاولات جمع شتات تلك التقاليد الإدارية من دون أن تتوفر خطط علمية أو إجراءات صارمة تعيد للإدارة جزءاً من مقوماتها، وساعد على تعزيز وتكريس هذا الواقع الانفلات الأمني خلال السنوات التي أعقبت الاحتلال وتسلل كثير من العناصر غير الأكفاء إلى مؤسسات الدولة المختلفة في ظل واقع إداري معاد التشكيل حديثاً وما نتج عن ذلك من عدم وضع الشخص المناسب في المكان المناسب وانتشار المحسوبية والعلاقات الشخصية وضعف القانون وظهور مراكز قوى متعددة في المجتمع مما أتاح الفرص أمام الكثيرين لاستغلال المنصب العام لتحقيق مكاسب شخصية وثراء سريع والاستفادة من الوضع القائم في تمرير الكثير من المشاريع الضخمة بتمويل ضخم يصب في نهاية المطاف بمصالح خاصة بعد أن كان متوقعاًأن يوظف لصالح المجتمع.

ثانياً: الفساد والفقر

من الآثار الخطيرة التي تركها ويتركها الفساد المالي والإداري في المجتمع العراقي زيادة حالات الفقر وأيضاً زيادة عدد الأثرياء بطريقة سريعة، وزاد الأمر تعقيداً عدم قدرة الدولة،في ظل الظروف الراهنة وانتشار الفساد في مؤسساتها المختلفة،على تقديم خدمات مفصلية للمجتمع ولاسيما في مجال الكهرباء وشبكة الصرف الصحي وحتى بعض المشاريع المنفذة اصطدمت بجدار الفساد فأفقدها وظيفتها الفعلية مما يجعل الحال أكثر خطورة لاسيما ما ينتظر خطط التنمية المزمع تنفيذها خلال السنوات القليلة المقبلةإذا ما بقيت عناصر الفساد منتشرة في جسم الدولة، الأمر الذي يهدد ملايين البشر حاضراً ومستقبلاًوهو ما يدعو إلى تضافر جهود المجتمع بكل فئاته للحد من هذه الظاهرة قبل تنفيذ أي خطة تنموية. ففي الوقت الذي ينبغي فيه معالجة مشكلة الفقر والتخفيف من معدلاته يجبأيضاً محاربة بؤر الفساد وتشخيص عناصره،ولن يتم ذلك إلا بقرار حكومي صارم يدعم شعبياً وعلى الصعد كافة.

ثالثاً: الفساد والاستثمار

لعل أبرز الآثار الاقتصادية للفساد الإداري والمالي هو تعطيل الخطط الإصلاحية وعدم تنفيذ المشاريع الاقتصادية بشكل يتلاءم مع حاجات المواطنين إليها، أو تنفيذ مشاريع غير مفصلية تقع في ظل الظروف الراهنة خارج اهتمام المواطنين، كما أن الفساد أدى إلى عدم استثمار أمثل للثروات الطبيعية مما أخل بحقوق الأجيال الحاضرة والأجيال التي لم تولد بعد، فلا تزال الثروات الطبيعية في البلاد لا ينظر إليها بمنظار تربوي وعلمي ينقل البلاد إلى حالة متطورة، بل إن النظرة إلى استثمار الثروات الطبيعية تسير وفق نظرة ضيقة تسيرها مصالح مناطق إقليمية أو محلية على حساب مصلحة البلاد العامة، فضلاً عن الآثار التي يتركها الوضع الأمني على حالة الاستثمار، فلا يزال هذا الوضع يمثل عائقاً حقيقياًأمام الاستثمار الوطني وإعمار البلاد من قبل شركات عالمية وفق تعاقدات تنظم مع الدولة لتنفيذ مشاريع إنمائية ضخمة ولاسيما ما يتصل منها بالبنى التحتية بالإضافة إلى غياب الآليات المناسبة لتحقيق الاستثمارات الوطنية،وتزداد الحالة تعقيداًإذا علمنا أن هذه المسائل مرتبطة أيضاً بحالات الفساد السائدة مما يشكلثقلاً إضافياً يعرقل عملية الاستثمار بالشكل الذي يخدم البلاد ولاسيما فيما يتصل بزيادة تكلفتها مما يجعل مردودها الخدمي مرتفعاً، وهذه النقطة تستوجب قبل الشروع بتنفيذ أي مشروع مستقبلي تطهير مؤسسات الدولة من العناصر المفسدة والتي تقف باستمرار بوجه أي استثمار أمثل للثروات بما يعود بالفائدة على المجتمع، ويحقق له تنمية مناسبة.

رابعاً: الفساد وحقوق الإنسان والديمقراطية

بات الفساد المالي والإداري المنتشر في مؤسسات الدولة يهدد بشكل جدي حقوق الإنسان والديمقراطية، وبرز هذا التهديد من خلال المعاملة غير المتكافئة للجميع وعدم وضع آليات الحق العام ولاسيما في مجال عدم حصول أصحاب الكفاءة والخبرة على المكانة المناسبة للاستفادة من إمكانياتهم في خدمة المجتمع، وقد أوجد ذلك بيئة عمل غير صالحة مما أضر بحقوق الكثير منهم،فضلاًعن الآثار التي يتركها الفساد في تعطيل وصول الخدمات اللازمة لشرائح اجتماعية هي بأمسّالحاجة إليها، كما أنه ألحق أضراراً بالأسرة والمجتمع جراء ذلك. ولذلك فإن تهديد حقوق الإنسان أضحى مسألة واضحة كما هي الحال مع الديمقراطية أيضاً لاسيما مع تزايد المخاوف من تشكل طبقة أو فئةأصحاب مصالح في مختلف مؤسسات الدولة مما يلحق أضراراً كذلك بآليات ممارسةالديمقراطيةابتداء من أصغر مؤسسة في الدولة إلى أكبرها. فالديمقراطية في أحد معانيها تعني إفساح المجال للرأي الآخر كي يقول كلمته ويراقب خطوات التنفيذ داخل مؤسسات الدولة، وتحقيق هذا الأمر يحتاج إلى وقت طويل كي يتبلور السلوك الرقابي بشكل موضوعي وعلمي وهو ما يعمل الفساد على عرقلته وتحجيم اتجاهاته، ولكي تأخذ الديمقراطية مسارها الصحيح ينبغي أن تتضافر الجهود الشعبية والرسمية لمحاربة الفساد وفضح عناصره وتحديد بؤره. وفي هذا المجال تظهر جهود هيئة النزاهة العراقية في الوقت الحاضر واضحة من خلال عقد المؤتمرات والندوات العلمية للكشف عن أسباب الظاهرة وتحديد الأساليب المناسبة للحد منها ووضع ذلك أمام الجهات التنفيذية لاتخاذ الإجراءات المناسبة إزاءها.

::/fulltext::
::cck::2145::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *