منظمات المجتمع المدني الخليجية ومكافحة الفساد: العوائق والتحديات المستقبلية
::cck::2139::/cck::
::introtext::
أظهر مؤشر مدركات الفساد لعام 2008 )منظمة الشفافية الدولية( تحسناً ملحوظاً لدى بعض دول الخليج تمثل في انخفاض مستويات الفساد الحكومي، لكن لم يوضح واضعو التقرير ما إذا كان هذا التحسن الطفيف حسب ذكرهم (ناتجاً عن زيادة في الإرادة السياسية لمكافحة الفساد أو يعكس قدرة الفوائض الكبيرة، والتي تغذي التنمية الاقتصادية السريعة على إخفاء الآثار السلبية للفساد).
::/introtext::
::fulltext::
أظهر مؤشر مدركات الفساد لعام 2008 )منظمة الشفافية الدولية( تحسناً ملحوظاً لدى بعض دول الخليج تمثل في انخفاض مستويات الفساد الحكومي، لكن لم يوضح واضعو التقرير ما إذا كان هذا التحسن الطفيف حسب ذكرهم (ناتجاً عن زيادة في الإرادة السياسية لمكافحة الفساد أو يعكس قدرة الفوائض الكبيرة، والتي تغذي التنمية الاقتصادية السريعة على إخفاء الآثار السلبية للفساد).
لعل ما أشار إليه التقرير في حاشيته المرفقة أكثر أهمية في مكافحة الفساد مثل أولوية (تعزيز الرقابة والمساءلة) نظراً للدور السلبي للفساد في تفاقم ظاهرة الفقر. وقد ألقى باحثو منظمة الشفافية الدولية مسؤولية مكافحة الفساد على المؤسسات (الرقابية القوية) وشددوا على أمية وجود الأطر القانونية، والتنظيم الدقيق من أجل ضمان تدني مستويات الفساد إلى أدنى حد، وبالتالي إتاحة المزيد من المشاركة الفعالة لجميع الناس في مجتمعاتهم، وتحقيق أقوى النتائج التنموية،بالإضافة إلى تحسين نوعية الحياة للمجتمعات المحلية المهمشة. وسواء اتفقنا بشكل كامل علىما توصلت إليه منظمة الشفافية الدولية في تقريرها للعام الحالي أو اعتبرنا بعض أجزائه تتطلب مزيداً من المراجعة والتمحيص، وحتى لو جادل البعض حول شرعية المعايير التقييمية التي استخدمها واضعو مؤشر مدركات الفساد، فالمحصلة الأخيرة هي أن دول الخليج العربية كبقية الدول العربية تعاني تفشي ظاهرة الفساد في الأجهزة الحكومية وهي بالطبع أحد أبرز العوائق المعاصرة والتي يجب أن يتم تجاوزها إذا رغبنا في تطوير أدائنا الحكومي الخليجي وجعله أكثر كفاءة من ذي قبل.
العوائق السياسية من أهم ما يعيق عمل منظمات المجتمع المدني في المجتمع الخليجي
ولكن لن يحدث تغيير فعلي، ولن تتحقق معالجة ناجحة لظاهرة الفساد الحكومي سوى عن طريق (إشراك منظمات المجتمع المدني الخليجية في مكافحة استشراء هذه الظاهرة السلبية) والتي لا بد لها من أن تُعطّل تنفيذ المشاريع التنموية الحيوية في دول الخليج، وتبطئ من تقدمنا السياسي والاقتصادي والاجتماعي وحتى الثقافي.فمنظمات المجتمع المدني الخليجية هي في المقام الأول مؤسسات أهلية مستقلة بشكل كامل عن الجهاز الحكومي، وتلعب نظيراتها في الدول الأخرى أدواراً حيوية في زيادة الوعي المجتمعي حول مختلف الظواهر السلبية. لكن في محيطنا الخليجي لا تزال هذه المنظمات تواجه معوقات حقيقية خاصة فيما يتعلق بنشاطها الرقابي للفساد الحكومي. فعلى سبيل المثال نعتقد أنّ الدور المجتمعي لهذه المنظمات لا يزال تقليدياً وفاعلاً في بعض الصعد الاجتماعية والثقافية،أي في تعزيز المفاهيم الوطنية والثقافية التي تدعو إلى الوئام والسلم الاجتماعي والتطوير الحضاري…إلخ، لكن نعتقد أنّ (التجربة الخليجية في تفعيل دور مؤسسات المجتمع المدني ومنحها مساحات حرة لتنفيذ رقابة محايدة للفساد الحكومي لا تزال تجربة في طور النمو وربما تعتبر قياساً إلى المعايير المتبعة في دول أخرى تجربة غير مكتملة وتحتاج إلى المزيد من الجهد والشفافية). ويرجع عدم فاعلية منظمات المجتمع المدني في دول الخليج في هذا الشأن لأسباب واضحة مثل الطريقة التقليدية التي تتبعها بعض الحكومات الخليجية في التعامل غير الجدي مع مؤسسات المجتمع المدني،حتى إنه في بعض الأحيان توجد إعاقات متعمدة لدور هذه المنظمات في مكافحة الفساد الحكومي. وهناك بالطبع أسباب مختلفة يمكن أن تشرح لنا ضعف أداء منظمات المجتمع المدني في دول الخليج منها: التحفظات السياسية التاريخية والعوائق القانونية الفعلية والتي لا تزال تمنع تلك المؤسسات الأهلية من تحقيق تطور حقيقي وعلى أرض الواقع خاصة في قضية مهمة مثل الفساد الحكومي. ولا يمكن بالطبع قيام مؤسسات المجتمع المدني مثل (جمعيات الشفافية) أو المؤسسات الأخرى المتخصصة في رقابة عمل الحكومة في أداء مهامها الإصلاحية،ولن تقدم مساهمات إيجابية في مجال مكافحة الفساد ما لم تتوفر لها تسهيلات فعلية من قبل الحكومات الخليجية حتى تمارس دورها الحيوي بحرية وشفافية كاملة.
منظمات المجتمع المدني والتحفظات الخليجية التقليدية
كما يحصل في كثير من الدول العربية لا تزال البيئات السياسية الخليجية تقليدية ومتحفظة نوعاً ما تجاه دور (منظمات المجتمع المدني). فعادة ما تتأسس تلك المنظمات في البيئات العربية عن طريق جهود فردية أو جماعية تطوعية، وعادة ما يحد من نشاطات تلك المنظمات المدنية القانون الخليجي المحلي والذي ربما لا يحتوي على فقرات واضحة تنظم نشاط منظمات المجتمع المدني كجهات رقابة شعبية. فالهوية القانونية لهذا النوع من المنظمات لا تزال غامضة بعض الشيء وربما يتم التعامل معها كأي من الجمعيات الخيرية محدودة النشاط وليس باعتبارها مؤسسات مستقلة تمتلك كياناً قانونياً مستقلاً يمنحها حيزاً من الحرية من الرقابة الحكومية الصارمة. والمشكلة هنا معقدة بعض الشيء ولها أبعاد تاريخية متعددة، فعلى سبيل المثال ربما تعتقد بعض الحكومات الخليجية أنّ منظمات المجتمع المدني على الأقل ما يذكر في بعض قوانينها الأساسية تسعى إلى تأسيس ما يطلق عليه (المجتمع المدني) كنقيض للدولة المعاصرة، وهذا التخمين ليس في محله وعادة ما يضع تلك المنظمات المدنية في مواجهة فعلية مع بعض الحكومات الخليجية. فلا يزال المصطلح الغربي (منظمات المجتمع المدني) غامضاً في بيئتنا السياسية الخليجية وربما يتساوى عند بعض الخليجيين مع الكيان السياسي الغريم أو بعض أفراد يشك في أنهم يرغبون في الخروج عن الوفاق الاجتماعي التاريخي، بل ربما يعتبر إنشاء مثل هذه المنظمات من قبل بعض الأفراد أو المجموعات تعدياً صارخاً على السلطات التنفيذية المحلية..وهكذا. وتوجد بالطبع تحفظات أخرى مشابهةتواجه قيام منظمات المجتمع المدني الخليجية بدورها الفعّال في مكافحة الفساد في بعض الأجهزة الحكومية وهي إمّا عدم وجود قوانين تنظم عمل تلك المنظمات التطوعية أو لاستمرار غموض هيكلها القانوني وعدم وضوح بعض أهدافها السياسية أو الاجتماعية. فعلى سبيل المثال، عادة ما تواجه بعض منظمات المجتمع المدني أنواعاً مختلفة من العوائق القانونية، ولا يفسح لها هذا الوضع القانوني الغامض مجالاً كبيراً للمناورة أو الحفاظ على استقلاليتها عن الأجهزة الحكومية. وإذا رغبت الحكومات الخليجية المختلفة في تفعيل دور هذه المنظمات المدنية فيجب أن تبدأ في منحها حيزاً أكبر من الحرية والاستقلالية في نقد العمل الحكومي. فالهدف أو المحصلة الأخيرة وراء مشاركة الأفراد العاديين في الرقابة على العمل الحكومي هي تحقيق مصلحة الجميع وإيجادإدارات حكومية ناجحة وفاعلة وتمتلك القدرة على استيعاب التحديات المحلية المختلفة،وتستطيع أن تجد حلولاً ناجعة للمشكلات المختلفة،بينما تبقى المنظمات المدنية تسهم بشكل أو آخر في تطوير العمل الحكومي وتثقيف عامة الناس حول الآثار السلبية والمدمرة لاستشراء (فيروس) الفساد.
قطر: مثال خليجي ناجح في مكافحة الفساد
حسب مؤشر مدركات الفساد أحرزت دولة قطر المركز الثامن والعشرين ومن بعدها دولة الإمارات بالمركز الخامس والثلاثين ومن ثم سلطنة عمان بالمركز الحادي والأربعين وممكلة البحرين بالمركز الثالث والأربعين ولتحتل دولة الكويت والمملكة العربية السعودية المركزين الخامس والستين والثمانين. وتم قياس مؤشر مدركات الفساد على 180 ترتيباً أتت الصومال كأكثر الدول فساداً في العالم. وتميزت دولة قطر في تقرير مدركات الفساد بحصولها على مركز متقدم، ما يشير إلى محاولات قطرية جادة لمكافحة ظاهرة الفساد الحكومي وتطوير المناهج الدراسية. والجدير بالذكر أنّ دولة قطر حققت بالفعل تطورات إيجابية في مجال مراجعة مناهجها الدراسية، فبالتعاون مع منظمة (راند) البحثية العالمية وهي مؤسسة غير ربحية تقدم توصيات واستشارات لمتخذي القرار، استطاعت قطر تطوير مناهج المرحلة الإعدادية والثانوية متبعة أفضل المعايير التربوية العالمية. ففي هذا التطور المشهود للمناهج الدراسية القطرية تم التركيز على محاربة التطرف والتشجيع على قبول الآخر وتشجيع النشءالقطري على اعتناق التسامح. وهذا التطور القطري ينطبق كذلك على مكافحة الفساد، حيث إنّ جودة وكفاءة التعليم المحلي ستؤثران إيجاباً في طريقة تفكير الأجيال المستقبلية حول هذه الظاهرة السلبية (الفساد والرشوة إلخ) عن طريق توسيع مداركهم حول العوائق الحقيقية أمام التطور والرقي الاقتصادي والاجتماعي والثقافي.
منظمات المجتمع المدني الرقابية والأجهزة الحكومية: مصالح مشتركة
لعل من أهم ما يعيق عمل منظمات المجتمع المدني في المجتمع الخليجي التقليدي هي العوائق السياسية، فيبدو أن صانع القرار الخليجي بشكل عام لا يزال يراوده بعض الشك في نوايا بعض منظمات المجتمع المدني والتي عادة ما تسعى بدورها إلى نقد العمل الحكومي بشكل شفاف وبنّاء. لكن ما نطالب به هنا هو التالي: سرعة قيام الحكومات الخليجية بتغيير نظرتها التقليدية تجاه هذا النوع من المؤسسات المدنية لأنه بشكل أو آخر ستستفيد أغلبية الأطراف إذا تحقق تناسق وتكامل بين نشاطات منظمات المجتمع المدني الخليجية وحكوماتها المحلية. بمعنى آخر، عندما تقوم منظمات المجتمع المدني كجمعيات الشفافية ومؤسسات مراقبة العمل البرلماني أو أي مؤسسة خليجية محلية تعنى بتطوير الشأن الاقتصادي أو التربوي أو السياسي الخليجي فيجب عدم النظر إليها كمنافس سياسي آخر ينتظر الفرصة للسيطرة على مقدرات الأمة! فمن المفروض أن تكون الحكومات الخليجية من أكثر داعمي منظمات المجتمع المدني لأنّ هذه الأخيرة تقدم خدمات ثمينة لحكوماتها عن طريق مراقبة كفاءة العمل الحكومي بشكل عام وتقديم اقتراحات تطور من أداء الإدارات الحكومية والوزارات. فأعضاء هذه المنظمات المدنية هم آخر الأمر مواطنون خليجيون يرغبون في تطوير بيئاتهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية لكي يستمر الجميع في الشعور بالأمن السياسي والاجتماعي والاقتصادي. فإذا كانت المحصلة الأخيرة لمساهمات منظمات المجتمع المدني الخليجية (إيجابية بشكل عام)، وإذا كانت أيضاً تدعم العمل الحكومي الكفء والذي يستند إلى أفضل المعايير الدولية فكيف يستمر النظر إلى هذه المنظمات كـ (عدو)خفي؟
تأثير الفساد في الحياة اليومية للمواطن الخليجي
لا بد من الاعتراف بأنّ الكثير من المواطنين الخليجيين العاديين لا يزالون يعانون تفشي الفساد في بعض الإدارات الحكومية نظراً لعدم توفر تراث ثقافي محلي يربط العمل الحكومي بالإنجاز الشخصي. فلا تزال أعداد هائلة من الموظفين الحكوميين الخليجيين تعتبر العمل في أي جهاز حكومي تحصيل حاصل وجزءاً من حقوق المواطنة. ولهذا وغيره من الأسباب عادة ما تتميز العلاقة بالغموض بين المواطن الخليجي العادي وموظف الدولة خاصة الذي يعمل في وزارات الخدمات،وربما تثير الكثير من الضغائن في بعض الأحيان. فالإعلام الخليجي التلفزيوني والصحافة الخليجية بشكل عام مليئة بتلك الانعكاسات السلبية عن صورة الموظف الحكومي الخليجي التقليدي، فبالإضافة إلى انغماس كلا الطرفين الموظف الحكومي والمراجع في بحر شاسع من البيروقراطية الحكومية غير الفعالة يتعامل بعض الموظفين الحكوميين مع المواطنين العاديين بطرق منافية لكل ما هو متوقع من موظف يفهم مسؤولياته تجاه وظيفته، ويعرف أنه لم يوضع في هذا الموقع أو ذاك إلا من أجل تسهيل الإجراءات الرسمية للمواطن العادي. لذا فإن منظمات المجتمع المدني مثل جمعيات الشفافية تركز الضوء عادة على هذا الخلل في العلاقة بين الموظف الحكومي والمواطن الخليجي، وتنشر تقارير وإحصائيات مختلفة عن مستويات الكفاءة الوظيفية. لكن مع كل هذا الجهد لا يبدو أنّ كثيراً من الحكومات الخليجية تعير اهتماماً كبيراً لما تبذله تلك المنظمات الأهلية. ومن أجل تطوير العمل الحكومي الخليجي يجب أن يتم تسهيل عمل منظمات المجتمع المدني سواء تلك التي تهتم بنشر الثقافة الديمقراطية في المجتمع الخليجي أو تلك التي تركز على دراسة ظاهرة الفساد الحكومي. فالمحصلة الأخيرة لنشاطات منظمات المجتمع المدني في دول الخليج هي تمكين الحكومات الخليجية من مراقبة أداء موظفيها مما يسهل مكافحة ظاهرة الرشوة أو أي نوع من الفساد الوظيفي والذي يقضي بشكل أو آخر على المُقدّرات الوطنية،حيث إن الفساد الوظيفي وتلقي الرشوة لهما أسباب مختلفة تتراوح ربما بين الجهل الوظيفي أو قلة الكفاءة الإدارية. ففي الولايات المتحدة الأمريكية تجري بعض الإدارات الفيدرالية اختباراً وظيفياً للكفاءة ويقيس بشكل روتيني مدى تعرف الموظف الفيدرالي إلى تلك المواقف الغامضة التي ربما تضعه موضع الشك في تلقى رشى من الآخرين. لذا فإن منظمات المجتمع المدني مثل جمعية الشفافية تستطيع تصميم اختبارات وظيفية من هذا النوع،وتستطيع أيضاً المساهمة في التوعية الوظيفية عن طريق عقد دورات تثقيفية بمشاركة الجهات الحكومية المحلية.
نظرة مستقبلية حول مكافحة الفساد في دول الخليج العربية
نعتقد أنه لن يتحقق تحسّن ملحوظ في مكافحة الفساد الحكومي في دول الخليج ما لم تبدأ الحكومات الخليجية في التعامل الجاد مع منظمات المجتمع المدني وخاصة تلك التي تركز على مكافحة الرشوة والفساد الوظيفي. وهذا التعامل الجاد يتطلب بالطبع المزيد من الشفافية في العمل الحكومي الخليجي مترافقاً مع رغبة صادقة في تطوير المجتمع الخليجي ورقيه. فالعلاقة بين الفساد في الأجهزة الحكومية والتطور الاجتماعي والحضاري علاقة تبادلية: فزيادة مستويات الرشوة على سبيل المثال يحكمها وجود خلل في توازن العلاقة بين الموظف والمراجع للإدارات الحكومية ما ينذر بما هو أسوأ وهو تفكك البيروقراطية الحكومية وتحولها أيضاً إلى ما هو أسوأ: طغيان الشللية و(الواسطة) والانتهاك الصارخ لحقوق الآخرين.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2139::/cck::
::introtext::
أظهر مؤشر مدركات الفساد لعام 2008 )منظمة الشفافية الدولية( تحسناً ملحوظاً لدى بعض دول الخليج تمثل في انخفاض مستويات الفساد الحكومي، لكن لم يوضح واضعو التقرير ما إذا كان هذا التحسن الطفيف حسب ذكرهم (ناتجاً عن زيادة في الإرادة السياسية لمكافحة الفساد أو يعكس قدرة الفوائض الكبيرة، والتي تغذي التنمية الاقتصادية السريعة على إخفاء الآثار السلبية للفساد).
::/introtext::
::fulltext::
أظهر مؤشر مدركات الفساد لعام 2008 )منظمة الشفافية الدولية( تحسناً ملحوظاً لدى بعض دول الخليج تمثل في انخفاض مستويات الفساد الحكومي، لكن لم يوضح واضعو التقرير ما إذا كان هذا التحسن الطفيف حسب ذكرهم (ناتجاً عن زيادة في الإرادة السياسية لمكافحة الفساد أو يعكس قدرة الفوائض الكبيرة، والتي تغذي التنمية الاقتصادية السريعة على إخفاء الآثار السلبية للفساد).
لعل ما أشار إليه التقرير في حاشيته المرفقة أكثر أهمية في مكافحة الفساد مثل أولوية (تعزيز الرقابة والمساءلة) نظراً للدور السلبي للفساد في تفاقم ظاهرة الفقر. وقد ألقى باحثو منظمة الشفافية الدولية مسؤولية مكافحة الفساد على المؤسسات (الرقابية القوية) وشددوا على أمية وجود الأطر القانونية، والتنظيم الدقيق من أجل ضمان تدني مستويات الفساد إلى أدنى حد، وبالتالي إتاحة المزيد من المشاركة الفعالة لجميع الناس في مجتمعاتهم، وتحقيق أقوى النتائج التنموية،بالإضافة إلى تحسين نوعية الحياة للمجتمعات المحلية المهمشة. وسواء اتفقنا بشكل كامل علىما توصلت إليه منظمة الشفافية الدولية في تقريرها للعام الحالي أو اعتبرنا بعض أجزائه تتطلب مزيداً من المراجعة والتمحيص، وحتى لو جادل البعض حول شرعية المعايير التقييمية التي استخدمها واضعو مؤشر مدركات الفساد، فالمحصلة الأخيرة هي أن دول الخليج العربية كبقية الدول العربية تعاني تفشي ظاهرة الفساد في الأجهزة الحكومية وهي بالطبع أحد أبرز العوائق المعاصرة والتي يجب أن يتم تجاوزها إذا رغبنا في تطوير أدائنا الحكومي الخليجي وجعله أكثر كفاءة من ذي قبل.
العوائق السياسية من أهم ما يعيق عمل منظمات المجتمع المدني في المجتمع الخليجي
ولكن لن يحدث تغيير فعلي، ولن تتحقق معالجة ناجحة لظاهرة الفساد الحكومي سوى عن طريق (إشراك منظمات المجتمع المدني الخليجية في مكافحة استشراء هذه الظاهرة السلبية) والتي لا بد لها من أن تُعطّل تنفيذ المشاريع التنموية الحيوية في دول الخليج، وتبطئ من تقدمنا السياسي والاقتصادي والاجتماعي وحتى الثقافي.فمنظمات المجتمع المدني الخليجية هي في المقام الأول مؤسسات أهلية مستقلة بشكل كامل عن الجهاز الحكومي، وتلعب نظيراتها في الدول الأخرى أدواراً حيوية في زيادة الوعي المجتمعي حول مختلف الظواهر السلبية. لكن في محيطنا الخليجي لا تزال هذه المنظمات تواجه معوقات حقيقية خاصة فيما يتعلق بنشاطها الرقابي للفساد الحكومي. فعلى سبيل المثال نعتقد أنّ الدور المجتمعي لهذه المنظمات لا يزال تقليدياً وفاعلاً في بعض الصعد الاجتماعية والثقافية،أي في تعزيز المفاهيم الوطنية والثقافية التي تدعو إلى الوئام والسلم الاجتماعي والتطوير الحضاري…إلخ، لكن نعتقد أنّ (التجربة الخليجية في تفعيل دور مؤسسات المجتمع المدني ومنحها مساحات حرة لتنفيذ رقابة محايدة للفساد الحكومي لا تزال تجربة في طور النمو وربما تعتبر قياساً إلى المعايير المتبعة في دول أخرى تجربة غير مكتملة وتحتاج إلى المزيد من الجهد والشفافية). ويرجع عدم فاعلية منظمات المجتمع المدني في دول الخليج في هذا الشأن لأسباب واضحة مثل الطريقة التقليدية التي تتبعها بعض الحكومات الخليجية في التعامل غير الجدي مع مؤسسات المجتمع المدني،حتى إنه في بعض الأحيان توجد إعاقات متعمدة لدور هذه المنظمات في مكافحة الفساد الحكومي. وهناك بالطبع أسباب مختلفة يمكن أن تشرح لنا ضعف أداء منظمات المجتمع المدني في دول الخليج منها: التحفظات السياسية التاريخية والعوائق القانونية الفعلية والتي لا تزال تمنع تلك المؤسسات الأهلية من تحقيق تطور حقيقي وعلى أرض الواقع خاصة في قضية مهمة مثل الفساد الحكومي. ولا يمكن بالطبع قيام مؤسسات المجتمع المدني مثل (جمعيات الشفافية) أو المؤسسات الأخرى المتخصصة في رقابة عمل الحكومة في أداء مهامها الإصلاحية،ولن تقدم مساهمات إيجابية في مجال مكافحة الفساد ما لم تتوفر لها تسهيلات فعلية من قبل الحكومات الخليجية حتى تمارس دورها الحيوي بحرية وشفافية كاملة.
منظمات المجتمع المدني والتحفظات الخليجية التقليدية
كما يحصل في كثير من الدول العربية لا تزال البيئات السياسية الخليجية تقليدية ومتحفظة نوعاً ما تجاه دور (منظمات المجتمع المدني). فعادة ما تتأسس تلك المنظمات في البيئات العربية عن طريق جهود فردية أو جماعية تطوعية، وعادة ما يحد من نشاطات تلك المنظمات المدنية القانون الخليجي المحلي والذي ربما لا يحتوي على فقرات واضحة تنظم نشاط منظمات المجتمع المدني كجهات رقابة شعبية. فالهوية القانونية لهذا النوع من المنظمات لا تزال غامضة بعض الشيء وربما يتم التعامل معها كأي من الجمعيات الخيرية محدودة النشاط وليس باعتبارها مؤسسات مستقلة تمتلك كياناً قانونياً مستقلاً يمنحها حيزاً من الحرية من الرقابة الحكومية الصارمة. والمشكلة هنا معقدة بعض الشيء ولها أبعاد تاريخية متعددة، فعلى سبيل المثال ربما تعتقد بعض الحكومات الخليجية أنّ منظمات المجتمع المدني على الأقل ما يذكر في بعض قوانينها الأساسية تسعى إلى تأسيس ما يطلق عليه (المجتمع المدني) كنقيض للدولة المعاصرة، وهذا التخمين ليس في محله وعادة ما يضع تلك المنظمات المدنية في مواجهة فعلية مع بعض الحكومات الخليجية. فلا يزال المصطلح الغربي (منظمات المجتمع المدني) غامضاً في بيئتنا السياسية الخليجية وربما يتساوى عند بعض الخليجيين مع الكيان السياسي الغريم أو بعض أفراد يشك في أنهم يرغبون في الخروج عن الوفاق الاجتماعي التاريخي، بل ربما يعتبر إنشاء مثل هذه المنظمات من قبل بعض الأفراد أو المجموعات تعدياً صارخاً على السلطات التنفيذية المحلية..وهكذا. وتوجد بالطبع تحفظات أخرى مشابهةتواجه قيام منظمات المجتمع المدني الخليجية بدورها الفعّال في مكافحة الفساد في بعض الأجهزة الحكومية وهي إمّا عدم وجود قوانين تنظم عمل تلك المنظمات التطوعية أو لاستمرار غموض هيكلها القانوني وعدم وضوح بعض أهدافها السياسية أو الاجتماعية. فعلى سبيل المثال، عادة ما تواجه بعض منظمات المجتمع المدني أنواعاً مختلفة من العوائق القانونية، ولا يفسح لها هذا الوضع القانوني الغامض مجالاً كبيراً للمناورة أو الحفاظ على استقلاليتها عن الأجهزة الحكومية. وإذا رغبت الحكومات الخليجية المختلفة في تفعيل دور هذه المنظمات المدنية فيجب أن تبدأ في منحها حيزاً أكبر من الحرية والاستقلالية في نقد العمل الحكومي. فالهدف أو المحصلة الأخيرة وراء مشاركة الأفراد العاديين في الرقابة على العمل الحكومي هي تحقيق مصلحة الجميع وإيجادإدارات حكومية ناجحة وفاعلة وتمتلك القدرة على استيعاب التحديات المحلية المختلفة،وتستطيع أن تجد حلولاً ناجعة للمشكلات المختلفة،بينما تبقى المنظمات المدنية تسهم بشكل أو آخر في تطوير العمل الحكومي وتثقيف عامة الناس حول الآثار السلبية والمدمرة لاستشراء (فيروس) الفساد.
قطر: مثال خليجي ناجح في مكافحة الفساد
حسب مؤشر مدركات الفساد أحرزت دولة قطر المركز الثامن والعشرين ومن بعدها دولة الإمارات بالمركز الخامس والثلاثين ومن ثم سلطنة عمان بالمركز الحادي والأربعين وممكلة البحرين بالمركز الثالث والأربعين ولتحتل دولة الكويت والمملكة العربية السعودية المركزين الخامس والستين والثمانين. وتم قياس مؤشر مدركات الفساد على 180 ترتيباً أتت الصومال كأكثر الدول فساداً في العالم. وتميزت دولة قطر في تقرير مدركات الفساد بحصولها على مركز متقدم، ما يشير إلى محاولات قطرية جادة لمكافحة ظاهرة الفساد الحكومي وتطوير المناهج الدراسية. والجدير بالذكر أنّ دولة قطر حققت بالفعل تطورات إيجابية في مجال مراجعة مناهجها الدراسية، فبالتعاون مع منظمة (راند) البحثية العالمية وهي مؤسسة غير ربحية تقدم توصيات واستشارات لمتخذي القرار، استطاعت قطر تطوير مناهج المرحلة الإعدادية والثانوية متبعة أفضل المعايير التربوية العالمية. ففي هذا التطور المشهود للمناهج الدراسية القطرية تم التركيز على محاربة التطرف والتشجيع على قبول الآخر وتشجيع النشءالقطري على اعتناق التسامح. وهذا التطور القطري ينطبق كذلك على مكافحة الفساد، حيث إنّ جودة وكفاءة التعليم المحلي ستؤثران إيجاباً في طريقة تفكير الأجيال المستقبلية حول هذه الظاهرة السلبية (الفساد والرشوة إلخ) عن طريق توسيع مداركهم حول العوائق الحقيقية أمام التطور والرقي الاقتصادي والاجتماعي والثقافي.
منظمات المجتمع المدني الرقابية والأجهزة الحكومية: مصالح مشتركة
لعل من أهم ما يعيق عمل منظمات المجتمع المدني في المجتمع الخليجي التقليدي هي العوائق السياسية، فيبدو أن صانع القرار الخليجي بشكل عام لا يزال يراوده بعض الشك في نوايا بعض منظمات المجتمع المدني والتي عادة ما تسعى بدورها إلى نقد العمل الحكومي بشكل شفاف وبنّاء. لكن ما نطالب به هنا هو التالي: سرعة قيام الحكومات الخليجية بتغيير نظرتها التقليدية تجاه هذا النوع من المؤسسات المدنية لأنه بشكل أو آخر ستستفيد أغلبية الأطراف إذا تحقق تناسق وتكامل بين نشاطات منظمات المجتمع المدني الخليجية وحكوماتها المحلية. بمعنى آخر، عندما تقوم منظمات المجتمع المدني كجمعيات الشفافية ومؤسسات مراقبة العمل البرلماني أو أي مؤسسة خليجية محلية تعنى بتطوير الشأن الاقتصادي أو التربوي أو السياسي الخليجي فيجب عدم النظر إليها كمنافس سياسي آخر ينتظر الفرصة للسيطرة على مقدرات الأمة! فمن المفروض أن تكون الحكومات الخليجية من أكثر داعمي منظمات المجتمع المدني لأنّ هذه الأخيرة تقدم خدمات ثمينة لحكوماتها عن طريق مراقبة كفاءة العمل الحكومي بشكل عام وتقديم اقتراحات تطور من أداء الإدارات الحكومية والوزارات. فأعضاء هذه المنظمات المدنية هم آخر الأمر مواطنون خليجيون يرغبون في تطوير بيئاتهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية لكي يستمر الجميع في الشعور بالأمن السياسي والاجتماعي والاقتصادي. فإذا كانت المحصلة الأخيرة لمساهمات منظمات المجتمع المدني الخليجية (إيجابية بشكل عام)، وإذا كانت أيضاً تدعم العمل الحكومي الكفء والذي يستند إلى أفضل المعايير الدولية فكيف يستمر النظر إلى هذه المنظمات كـ (عدو)خفي؟
تأثير الفساد في الحياة اليومية للمواطن الخليجي
لا بد من الاعتراف بأنّ الكثير من المواطنين الخليجيين العاديين لا يزالون يعانون تفشي الفساد في بعض الإدارات الحكومية نظراً لعدم توفر تراث ثقافي محلي يربط العمل الحكومي بالإنجاز الشخصي. فلا تزال أعداد هائلة من الموظفين الحكوميين الخليجيين تعتبر العمل في أي جهاز حكومي تحصيل حاصل وجزءاً من حقوق المواطنة. ولهذا وغيره من الأسباب عادة ما تتميز العلاقة بالغموض بين المواطن الخليجي العادي وموظف الدولة خاصة الذي يعمل في وزارات الخدمات،وربما تثير الكثير من الضغائن في بعض الأحيان. فالإعلام الخليجي التلفزيوني والصحافة الخليجية بشكل عام مليئة بتلك الانعكاسات السلبية عن صورة الموظف الحكومي الخليجي التقليدي، فبالإضافة إلى انغماس كلا الطرفين الموظف الحكومي والمراجع في بحر شاسع من البيروقراطية الحكومية غير الفعالة يتعامل بعض الموظفين الحكوميين مع المواطنين العاديين بطرق منافية لكل ما هو متوقع من موظف يفهم مسؤولياته تجاه وظيفته، ويعرف أنه لم يوضع في هذا الموقع أو ذاك إلا من أجل تسهيل الإجراءات الرسمية للمواطن العادي. لذا فإن منظمات المجتمع المدني مثل جمعيات الشفافية تركز الضوء عادة على هذا الخلل في العلاقة بين الموظف الحكومي والمواطن الخليجي، وتنشر تقارير وإحصائيات مختلفة عن مستويات الكفاءة الوظيفية. لكن مع كل هذا الجهد لا يبدو أنّ كثيراً من الحكومات الخليجية تعير اهتماماً كبيراً لما تبذله تلك المنظمات الأهلية. ومن أجل تطوير العمل الحكومي الخليجي يجب أن يتم تسهيل عمل منظمات المجتمع المدني سواء تلك التي تهتم بنشر الثقافة الديمقراطية في المجتمع الخليجي أو تلك التي تركز على دراسة ظاهرة الفساد الحكومي. فالمحصلة الأخيرة لنشاطات منظمات المجتمع المدني في دول الخليج هي تمكين الحكومات الخليجية من مراقبة أداء موظفيها مما يسهل مكافحة ظاهرة الرشوة أو أي نوع من الفساد الوظيفي والذي يقضي بشكل أو آخر على المُقدّرات الوطنية،حيث إن الفساد الوظيفي وتلقي الرشوة لهما أسباب مختلفة تتراوح ربما بين الجهل الوظيفي أو قلة الكفاءة الإدارية. ففي الولايات المتحدة الأمريكية تجري بعض الإدارات الفيدرالية اختباراً وظيفياً للكفاءة ويقيس بشكل روتيني مدى تعرف الموظف الفيدرالي إلى تلك المواقف الغامضة التي ربما تضعه موضع الشك في تلقى رشى من الآخرين. لذا فإن منظمات المجتمع المدني مثل جمعية الشفافية تستطيع تصميم اختبارات وظيفية من هذا النوع،وتستطيع أيضاً المساهمة في التوعية الوظيفية عن طريق عقد دورات تثقيفية بمشاركة الجهات الحكومية المحلية.
نظرة مستقبلية حول مكافحة الفساد في دول الخليج العربية
نعتقد أنه لن يتحقق تحسّن ملحوظ في مكافحة الفساد الحكومي في دول الخليج ما لم تبدأ الحكومات الخليجية في التعامل الجاد مع منظمات المجتمع المدني وخاصة تلك التي تركز على مكافحة الرشوة والفساد الوظيفي. وهذا التعامل الجاد يتطلب بالطبع المزيد من الشفافية في العمل الحكومي الخليجي مترافقاً مع رغبة صادقة في تطوير المجتمع الخليجي ورقيه. فالعلاقة بين الفساد في الأجهزة الحكومية والتطور الاجتماعي والحضاري علاقة تبادلية: فزيادة مستويات الرشوة على سبيل المثال يحكمها وجود خلل في توازن العلاقة بين الموظف والمراجع للإدارات الحكومية ما ينذر بما هو أسوأ وهو تفكك البيروقراطية الحكومية وتحولها أيضاً إلى ما هو أسوأ: طغيان الشللية و(الواسطة) والانتهاك الصارخ لحقوق الآخرين.
::/fulltext::
::cck::2139::/cck::
