الأزمة المالية العالمية وتداعياتها على السوق الخليجية المشتركة
::cck::1823::/cck::
::introtext::
بعد مرور عام على بدء تنفيذ بناء كيان ووحدة اقتصادية تمثلت في (السوق الخليجية المشتركة) لدول مجلس التعاون الخليجي في منطقة الخليج العربي، ننظر إلى هذا الكيان نظرة ممتنة على أنه أحد أشجع وأنجح مشروعات الوحدة في المنطقة العربية. فماذا حققت السوق المشتركة من مزايا ومكاسب لمواطنيها خلال العام المنصرم؟ وما هو موقعها في ظل قيام الاتحادات الاقتصادية العالمية؟ وما مدى صمودها الاقتصادي في ظل الأزمة العالمية الحالية؟ أسئلة نحاول الإجابة عليها من خلال هذا المقال.
::/introtext::
::fulltext::
بعد مرور عام على بدء تنفيذ بناء كيان ووحدة اقتصادية تمثلت في (السوق الخليجية المشتركة) لدول مجلس التعاون الخليجي في منطقة الخليج العربي، ننظر إلى هذا الكيان نظرة ممتنة على أنه أحد أشجع وأنجح مشروعات الوحدة في المنطقة العربية. فماذا حققت السوق المشتركة من مزايا ومكاسب لمواطنيها خلال العام المنصرم؟ وما هو موقعها في ظل قيام الاتحادات الاقتصادية العالمية؟ وما مدى صمودها الاقتصادي في ظل الأزمة العالمية الحالية؟ أسئلة نحاول الإجابة عليها من خلال هذا المقال.
لقد انبثقت السوق الخليجية المشتركة لتكون إحدى اللبنات الأساسية لبناء الوحدة الاقتصادية الخليجية التي ينشدها كل مواطن خليجي سواء كان مستثمراً أو تاجراً أو مستهلكاً، في الوقت الذي لم تستطع فيه الدول العربية إلى الآن ومنذ نصف قرن الاتفاق على مشروع تكوين السوق المشتركة بالاتحاد فيما بينها. ويتم من خلال هذه السوق المشتركة دعم اقتصادات دول المجلس، وتعزيز موقفها التفاوضي مع التكتلات الاقتصادية العالمية، وتقوية قدرتها التنافسية في الاقتصاد العالمي، وقد سعت السوق منذ نشأتها إلى إذابة الفروقات والاختلافات في السياسات الاقتصادية الوطنية لتوحيد قوى العرض والطلب ودمجها في الدول الأعضاء من خلال التحرير الكامل لتجارة السلع والخدمات وعناصر الإنتاج، وتوفير مزيد من فرص العمل لمواطني دول المجلس. ويرى مراقبون أن السوق الخليجية المشتركة تعني أن تتحول دول المجلس شيئاً فشيئاً إلى قوة اقتصادية لا يستهان بها في مواجهة الكيانات والتجمعات الإقليمية الجيواقتصادية والجيوسياسية الأخرى، وتهدف الخطوات المستقبلية للسوق الخليجية، إلى استكمال خطوات التقارب الاقتصادي عبر التنفيذ الكامل للاتحاد الجمركي، وتحقيق الاتحاد النقدي واعتماد العملة الخليجية المشتركة، ويرى عبدالخالق عبدالله، أستاذ العلوم السياسية في جامعة الإمارات أن انطلاق السوق الخليجية المشتركة يحمل في طياته تحديات تشريعية وفنية كثيرة لضمان نجاحها على المدى البعيد، أهمها تفكيك التشريعات وإعادة صياغتها بما يتلاءم مع الواقع الجديد الذي يفترض أنه يزيل الحواجز كلياً للأفراد والبضائع، بهدف بلوغ وحدة اقتصادية متكاملة على شاكلة الاتحاد الأوروبي، ويرى البعض أن أهم المكاسب المتوقعة من السوق المشتركة ضمان انسياب السلع بين دول المجلس بما يؤدي إلى زيادة التنافس بين المؤسسات الخليجية لمصلحة المستهلك، بخاصة أن السوق الخليجية تتصف بسيولة عالية وقدرة شرائية واستثمارية لا تتوافر لأي من أسواق المنطقة. وتتمتع اقتصادات دول المجلس بنمو ملحوظ نتيجة للفوائض المالية التي حققتها في السنوات الخمس الماضية، ما يجعلها في وضع جيد في التعامل مع الأزمة المالية الحالية، وبعد مرور عام على الانطلاق المشترك للسوق، فمن السابق لأوانه القول إن السوق المشتركة أثرت في مستوى التجارة البينية بشكل واسع، إلا أننا نلمس بوضوح ما حققته السوق الخليجية المشتركة من مزايا وإنجازات اقتصادية، فقد تحقق من خلال تفعيل السوق المشتركة منذ إعلان الدوحة توفير مزايا لمواطني دول المجلس، حيث تمَلك أكثر من 35 ألف مواطن خليجي عقاراتفي دول المجلس كافة، وأكثر من 550 شركة مساهمة عامة شارك فيها خليجيون في مختلف دول المجلس واستفاد 17 ألف مستثمر خليجي من مميزات السوق، وأكثر من 20 ألفاًاستفادوا من المظلة التأمينية التي شملت مواطني دول المجلس العاملين خارج دولهم. كما قفز حجم التجارة الخارجية للمنطقة خلال العام المنصرم إلى أكثر من 700 مليار دولار منها 220 ملياراً من الواردات و470 ملياراً من التصدير، وأن فائضٍ الميزان التجاري الإجمالي للدول الأعضاء، بلغ 250 مليار دولار،وحققت اقتصادات دول مجلس التعاون المنتجة للنفط نمواً متوقعاً بواقع 277 مليار دولار في 2008 قبل أن تشهد تراجعاً متوقعاً في عام 2009، وأن إجمالي الناتج المحلي لدول المجلس سجل أرقاماً قياسية لتصل إلى 1.098 تريليون دولار في عام 2008 بزيادة قيمتها 277 مليار دولار عن العام الماضي.
فالتوقعات تشير إلى أن مساحة التجارة البينية ستتسع بين دول المجلس على الرغم من تداعيات الأزمة المالية العالمية، فدول مجلس التعاون لا تزال تتمتع بمستوى مرتفع من الادخار المحلي، وتستخدم تكنولوجيا مناسبة وتتخصص في صناعات بتروكيماوية ناجحة.

السوق الخليجية تتصف بسيولة عالية وقدرة شرائية واستثمارية لا تتوافر لأي من أسواق المنطقة
هل الأزمة الراهنة مالية أم اقتصادية؟
من الصعب القول إن هناك اتفاقاً قائماً بين المحللين بالنسبة لهذه الأزمة، حيث ترى الآراء الغالبة أن هذه الأزمة أزمة مالية أكثر مما هي أزمة اقتصادية عينية، مستندين في تفسيرهم إلى أن مقومات الاقتصاد العيني أو الحقيقي لا تزال سليمة وصلبة إلى حد كبير، ومن المتوقع أن يسجل معدل نمو إجمالي الناتج المحلي الحقيقي تباطؤاً في عام 2009 ليصل إلى 4 في المائة مقابل 5.8 في المائة عام 2008، بسبب انخفاض معدلات إنتاج النفط والقيود التي يشهدها قطاع الائتمان، بالإضافة إلى انخفاض أسعار النفط بدرجة كبيرة بسبب تراجع الطلب العالمي عليه. ومن المتوقع أيضاً أن يتراجع إجمالي الناتج المحلي الحقيقي للقطاع غير النفطي بنسبة في المائة 5.4 بالنسبة لمنطقة الخليج في عام 2009 مقابل في المائة 6.5 عام 2008. وأوضح التقرير الصادر عن (معهد التمويل الدولي) أن مدى التباطؤ سوف تتباين معدلاته بدرجة كبيرة في أنحاء منطقة الخليج بسبب الاعتماد على التوسع السابق وسياسات الاقتصاد الكلي الشامل في كل دولة على حدة، مشيراً إلى أن محركات النمو في المنطقة ستستمر في قطاعات البناء للقطاع الخاص وتجارة التجزئة والنقل مدفوعة بحوافز التمويل النفطي وتحسن بيئة قطاع الأعمال. ووضع التقرير سيناريو متشائماً حيال نتائج الأزمة المالية العالمية على أداء اقتصادات دول الخليج؛ حيث ورد فيه أنها ستتضرر بدرجة كبيرة من الركود المحتمل في الاقتصادات الصاعدة خارج منطقة الخليج، وسوف ينتج عن ذلك انخفاض أسعار النفط بدرجة أكبر بمتوسط 50 دولاراً للبرميل في عام 2009. كما سوف ينتج عن الأضرار التي سوف تلحق باقتصادات دول الخليج انخفاض الإنفاق الحكومي وانخفاض نمو القطاع الخاص وحدوث عملية تصحيح في السوق العقاري في المنطقة. وسوف تؤدي هذه العوامل إلى انخفاض نمو القطاع غير النفطي، وإذا استمر هذا الموقف السلبي، فإن مدى التدهور في أداء النمو في عام 2010 سوف يكون شديداً بدرجة أكبر.إلا أن واقع دول المجلس الاقتصادي خلاف ذلك، فلديها القدرة الاقتصادية والمالية على تجاوز واحتواء تداعيات الأزمة المالية العالمية من خلال ما ذكر من ارتفاع معدلات النمو، وهنا نود أننبين أن للتكتلات الاقتصادية النابعة من التكامل الاقتصادي دوراً كبيراً في تحجيم الآثار الحالية للأزمة ومن دونها لكان الضرر أكبر، ومن الخطأ تشبيه ما يحدث اليوم من ركود اقتصادي بما حدث من كساد عام 1929، كما جاء في كتابات الكثير من المحللين الاقتصاديين، فالعقد الأول من الألفية الحالية شهد انطلاق تكتلات اقتصادية قادرة على امتصاص الأزمات وتشظيتها خلاف ما حدث قبل ثمانية عقود، فالتكامل ليس مجرد ظاهرة اقتصادية عرفها الاقتصاد الدولي بقدر ما هو توجه أصيل ودائم تسعى إليه دول العالم باختلاف مراحل تطورها وحجم مواردها وتباين دوافعها، وتهدف التكتلات الاقتصادية إلى أمور عديدة- ليست بالضرورة كلها اقتصادية – بل قد تكون سياسية واجتماعية وعسكرية. كما أن التكتل الاقتصادي يؤدي إلى تنويع الإنتاج بطريقة اقتصادية، وهذا قد يحمي اقتصادات الدول الأعضاء من بعض الانتكاسات والتقلبات والأزمات، فالتقليل من الاعتماد على الخارج يؤدي إلى محدودية التأثر بالتقلبات الاقتصادية والسياسية التي تحدث في المجتمعات خارج هذه المنطقة، خاصة إذا كان العمل التكاملي قد وصل إلى مرحلة متقدمة كـ (السوق المشتركة)، حيث يحل التبادل الاقتصادي داخل المنطقة التكاملية محل الانفتاح على العالم الخارجي المتأزم. وفيما يلي السبب الرئيسي في إحداث هذه الأزمة، ألا وهو الخلل الموجود بين النمو المالي والنمو الاقتصادي، حيث كان النمو المالي أكثر سرعة من النمو الاقتصادي الفعلي في قطاعات إنتاج السلع والخدمات. وكانت الاستثمارات الأجنبية في البورصات وأسواق العملات عاملاً مهماً في تسريع النمو المالي فيها، حيث شكلت نحو 48 في المائة من الأموال المتحركة في البورصات وأسواق العملات. ورغم ضخامة حجم الاستثمارات الأجنبية غير المباشرة في تلك الأسواق، فإن تلك الاستثمارات تمتعت بقوة وبقدرة على تحديد اتجاه حركة الأسهم والعملات في بعض الدول اعتماداً على استراتيجيات استخدام كل الوسائل في إيجاد اتجاه معين لحركة الأسهم والعملات على النحو الذي يحقق مصالح كبار المستثمرين الأجانب الذين خلقوا هذا الاتجاه.
السوق الخليجية المشتركة قد تتأثر بتداعيات هذه الأزمة على الأقل في الأجل القصير
وفي ضوء ما تقدم، فإن السوق الخليجية المشتركة قد تتأثر بتداعيات هذه الأزمة على الأقل في الأجل القصير، وهذا التأثر سيكون محدوداً لأنه ستكون هناك معدلات نمو في الصادرات الوطنية بنسبة أقل من السنوات الماضية، وذلك ليس لقصور في قطاع الأعمال الخليجي، ولكن بسبب عدم قدرة نظام المدفوعات لدى الأسواق الخارجية، خاصة في الولايات المتحدة وأوروبا، على مساندة المستوردين هناك بالقدر الكافي حتى لو كانت لديهم رغبة في استيراد المنتجات الخليجية.كما أن هذه الأزمة قد تخلق فرصاً للمستوردين المحليين، لأن الشركات في الأسواق العالمية ستقدم تسهيلات كبيرة لشراء البضائع من قبل المستوردين، بغية الحصول على سيولة يتفادون بها المعوقات والمشكلات التي سببتها الأزمة، وإلى جانب ذلك فإن الأسواق المحلية قد تكون مستهدفة خلال الفترة المقبلة لتصريف البضائع المستوردة من الدول التي تدعم عملتها بشكل كبير، والتي ستسعى جاهدة إلى تعويض تراجع أسواق صادراتها في أوروبا وأمريكا بالتوجه إلى الأسواق ذات القوة الشرائية المرتفعة مثل أسواق دول مجلس التعاون. كما أن على الدول العربية أن تعمد إلى إزالة كافة العوائق أمام حركة السلع وعوامل الإنتاج، خاصة رؤوس الأموال والعمالة فيما بينها، مع زيادة في معدلات التبادل التجاري البيني، أي أن يزيد انفتاح اقتصادات الدول العربية على بعضها بعضاً بدلاً من انفتاحها على الغرب. وفي الوقت نفسه، على الدول العربية أن تضع برامج للتنمية الاقتصادية والاجتماعية على مستوى المنطقة، يكون هدفها الأول بناء اقتصاد متنوع ومتماسك يستطيع أن يحقق متطلبات الرفاهية للمواطنين، وإذا كان ما لا يدرك كله لا يترك جله، فلا بد من حلول أقل نجاعة، تقدم حصانة جزئية غير كاملة، والحلول الجزئية هي السعي إلى:
* تحقيق التوازن في موازين التعاملات الخارجية، وذلك من خلال الضغط على الواردات من السلع غير الضرورية، وتفعيل سياسات تشجيع الصادرات ورفع كفاءة إنتاج السلع والخدمات حتى تكون قادرة على المنافسة بقوة في الأسواق الدولية.
* تحسين النظام المصرفي الذي يتأتى من إدخال المزيد من الإصلاحات على الجوانب القانونية وأساليب الرقابة،وأيضاً إدخال بعض التحسينات على قواعد التداول في الأسواق المالية العربية. كما يجب عدم إطلاق العنان لآليات السوق في إدارة وتشغيل الاقتصاد، فالأسواق لا تصحح نفسها بنفسها إلا عندما تكون الانحرافات بين الطلب والعرض ضئيلة، أما إذا كانت الانحرافات كبيرة، فإن آليات السوق تعجز عن إحداث التصحيح، وإذا ترك لها المجال كي تعمل كيفما تشاء فإنها تؤدي إلى كوارث اقتصادية، ولا مفر في مثل هذه الحالات من تدخل قوة من خارج السوق لاستعادة التوازن ممثلة في الحكومات وصندوق النقد الدولي.
* ضرورة العمل على توفير قدر من الحماية للتجارة الخارجية للدول النامية، وذلك عن طريق تعزيز التكتلات الاقتصادية الإقليمية فيما بين هذه الدول. وبالنسبة للدول العربية لم تعد السوق العربية المشتركة مجرد مشروع سياسي، وإنما ضرورة بقاء لاقتصادات ومجتمعات هذه الدول، وهي مضطرة إلى فتح أسواقها أمام التجارة الدولية بلا عقبات، حتى إن كانت تتمتع بفترة سماح لن يطول أمدها كثيراً.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1823::/cck::
::introtext::
بعد مرور عام على بدء تنفيذ بناء كيان ووحدة اقتصادية تمثلت في (السوق الخليجية المشتركة) لدول مجلس التعاون الخليجي في منطقة الخليج العربي، ننظر إلى هذا الكيان نظرة ممتنة على أنه أحد أشجع وأنجح مشروعات الوحدة في المنطقة العربية. فماذا حققت السوق المشتركة من مزايا ومكاسب لمواطنيها خلال العام المنصرم؟ وما هو موقعها في ظل قيام الاتحادات الاقتصادية العالمية؟ وما مدى صمودها الاقتصادي في ظل الأزمة العالمية الحالية؟ أسئلة نحاول الإجابة عليها من خلال هذا المقال.
::/introtext::
::fulltext::
بعد مرور عام على بدء تنفيذ بناء كيان ووحدة اقتصادية تمثلت في (السوق الخليجية المشتركة) لدول مجلس التعاون الخليجي في منطقة الخليج العربي، ننظر إلى هذا الكيان نظرة ممتنة على أنه أحد أشجع وأنجح مشروعات الوحدة في المنطقة العربية. فماذا حققت السوق المشتركة من مزايا ومكاسب لمواطنيها خلال العام المنصرم؟ وما هو موقعها في ظل قيام الاتحادات الاقتصادية العالمية؟ وما مدى صمودها الاقتصادي في ظل الأزمة العالمية الحالية؟ أسئلة نحاول الإجابة عليها من خلال هذا المقال.
لقد انبثقت السوق الخليجية المشتركة لتكون إحدى اللبنات الأساسية لبناء الوحدة الاقتصادية الخليجية التي ينشدها كل مواطن خليجي سواء كان مستثمراً أو تاجراً أو مستهلكاً، في الوقت الذي لم تستطع فيه الدول العربية إلى الآن ومنذ نصف قرن الاتفاق على مشروع تكوين السوق المشتركة بالاتحاد فيما بينها. ويتم من خلال هذه السوق المشتركة دعم اقتصادات دول المجلس، وتعزيز موقفها التفاوضي مع التكتلات الاقتصادية العالمية، وتقوية قدرتها التنافسية في الاقتصاد العالمي، وقد سعت السوق منذ نشأتها إلى إذابة الفروقات والاختلافات في السياسات الاقتصادية الوطنية لتوحيد قوى العرض والطلب ودمجها في الدول الأعضاء من خلال التحرير الكامل لتجارة السلع والخدمات وعناصر الإنتاج، وتوفير مزيد من فرص العمل لمواطني دول المجلس. ويرى مراقبون أن السوق الخليجية المشتركة تعني أن تتحول دول المجلس شيئاً فشيئاً إلى قوة اقتصادية لا يستهان بها في مواجهة الكيانات والتجمعات الإقليمية الجيواقتصادية والجيوسياسية الأخرى، وتهدف الخطوات المستقبلية للسوق الخليجية، إلى استكمال خطوات التقارب الاقتصادي عبر التنفيذ الكامل للاتحاد الجمركي، وتحقيق الاتحاد النقدي واعتماد العملة الخليجية المشتركة، ويرى عبدالخالق عبدالله، أستاذ العلوم السياسية في جامعة الإمارات أن انطلاق السوق الخليجية المشتركة يحمل في طياته تحديات تشريعية وفنية كثيرة لضمان نجاحها على المدى البعيد، أهمها تفكيك التشريعات وإعادة صياغتها بما يتلاءم مع الواقع الجديد الذي يفترض أنه يزيل الحواجز كلياً للأفراد والبضائع، بهدف بلوغ وحدة اقتصادية متكاملة على شاكلة الاتحاد الأوروبي، ويرى البعض أن أهم المكاسب المتوقعة من السوق المشتركة ضمان انسياب السلع بين دول المجلس بما يؤدي إلى زيادة التنافس بين المؤسسات الخليجية لمصلحة المستهلك، بخاصة أن السوق الخليجية تتصف بسيولة عالية وقدرة شرائية واستثمارية لا تتوافر لأي من أسواق المنطقة. وتتمتع اقتصادات دول المجلس بنمو ملحوظ نتيجة للفوائض المالية التي حققتها في السنوات الخمس الماضية، ما يجعلها في وضع جيد في التعامل مع الأزمة المالية الحالية، وبعد مرور عام على الانطلاق المشترك للسوق، فمن السابق لأوانه القول إن السوق المشتركة أثرت في مستوى التجارة البينية بشكل واسع، إلا أننا نلمس بوضوح ما حققته السوق الخليجية المشتركة من مزايا وإنجازات اقتصادية، فقد تحقق من خلال تفعيل السوق المشتركة منذ إعلان الدوحة توفير مزايا لمواطني دول المجلس، حيث تمَلك أكثر من 35 ألف مواطن خليجي عقاراتفي دول المجلس كافة، وأكثر من 550 شركة مساهمة عامة شارك فيها خليجيون في مختلف دول المجلس واستفاد 17 ألف مستثمر خليجي من مميزات السوق، وأكثر من 20 ألفاًاستفادوا من المظلة التأمينية التي شملت مواطني دول المجلس العاملين خارج دولهم. كما قفز حجم التجارة الخارجية للمنطقة خلال العام المنصرم إلى أكثر من 700 مليار دولار منها 220 ملياراً من الواردات و470 ملياراً من التصدير، وأن فائضٍ الميزان التجاري الإجمالي للدول الأعضاء، بلغ 250 مليار دولار،وحققت اقتصادات دول مجلس التعاون المنتجة للنفط نمواً متوقعاً بواقع 277 مليار دولار في 2008 قبل أن تشهد تراجعاً متوقعاً في عام 2009، وأن إجمالي الناتج المحلي لدول المجلس سجل أرقاماً قياسية لتصل إلى 1.098 تريليون دولار في عام 2008 بزيادة قيمتها 277 مليار دولار عن العام الماضي.
فالتوقعات تشير إلى أن مساحة التجارة البينية ستتسع بين دول المجلس على الرغم من تداعيات الأزمة المالية العالمية، فدول مجلس التعاون لا تزال تتمتع بمستوى مرتفع من الادخار المحلي، وتستخدم تكنولوجيا مناسبة وتتخصص في صناعات بتروكيماوية ناجحة.

السوق الخليجية تتصف بسيولة عالية وقدرة شرائية واستثمارية لا تتوافر لأي من أسواق المنطقة
هل الأزمة الراهنة مالية أم اقتصادية؟
من الصعب القول إن هناك اتفاقاً قائماً بين المحللين بالنسبة لهذه الأزمة، حيث ترى الآراء الغالبة أن هذه الأزمة أزمة مالية أكثر مما هي أزمة اقتصادية عينية، مستندين في تفسيرهم إلى أن مقومات الاقتصاد العيني أو الحقيقي لا تزال سليمة وصلبة إلى حد كبير، ومن المتوقع أن يسجل معدل نمو إجمالي الناتج المحلي الحقيقي تباطؤاً في عام 2009 ليصل إلى 4 في المائة مقابل 5.8 في المائة عام 2008، بسبب انخفاض معدلات إنتاج النفط والقيود التي يشهدها قطاع الائتمان، بالإضافة إلى انخفاض أسعار النفط بدرجة كبيرة بسبب تراجع الطلب العالمي عليه. ومن المتوقع أيضاً أن يتراجع إجمالي الناتج المحلي الحقيقي للقطاع غير النفطي بنسبة في المائة 5.4 بالنسبة لمنطقة الخليج في عام 2009 مقابل في المائة 6.5 عام 2008. وأوضح التقرير الصادر عن (معهد التمويل الدولي) أن مدى التباطؤ سوف تتباين معدلاته بدرجة كبيرة في أنحاء منطقة الخليج بسبب الاعتماد على التوسع السابق وسياسات الاقتصاد الكلي الشامل في كل دولة على حدة، مشيراً إلى أن محركات النمو في المنطقة ستستمر في قطاعات البناء للقطاع الخاص وتجارة التجزئة والنقل مدفوعة بحوافز التمويل النفطي وتحسن بيئة قطاع الأعمال. ووضع التقرير سيناريو متشائماً حيال نتائج الأزمة المالية العالمية على أداء اقتصادات دول الخليج؛ حيث ورد فيه أنها ستتضرر بدرجة كبيرة من الركود المحتمل في الاقتصادات الصاعدة خارج منطقة الخليج، وسوف ينتج عن ذلك انخفاض أسعار النفط بدرجة أكبر بمتوسط 50 دولاراً للبرميل في عام 2009. كما سوف ينتج عن الأضرار التي سوف تلحق باقتصادات دول الخليج انخفاض الإنفاق الحكومي وانخفاض نمو القطاع الخاص وحدوث عملية تصحيح في السوق العقاري في المنطقة. وسوف تؤدي هذه العوامل إلى انخفاض نمو القطاع غير النفطي، وإذا استمر هذا الموقف السلبي، فإن مدى التدهور في أداء النمو في عام 2010 سوف يكون شديداً بدرجة أكبر.إلا أن واقع دول المجلس الاقتصادي خلاف ذلك، فلديها القدرة الاقتصادية والمالية على تجاوز واحتواء تداعيات الأزمة المالية العالمية من خلال ما ذكر من ارتفاع معدلات النمو، وهنا نود أننبين أن للتكتلات الاقتصادية النابعة من التكامل الاقتصادي دوراً كبيراً في تحجيم الآثار الحالية للأزمة ومن دونها لكان الضرر أكبر، ومن الخطأ تشبيه ما يحدث اليوم من ركود اقتصادي بما حدث من كساد عام 1929، كما جاء في كتابات الكثير من المحللين الاقتصاديين، فالعقد الأول من الألفية الحالية شهد انطلاق تكتلات اقتصادية قادرة على امتصاص الأزمات وتشظيتها خلاف ما حدث قبل ثمانية عقود، فالتكامل ليس مجرد ظاهرة اقتصادية عرفها الاقتصاد الدولي بقدر ما هو توجه أصيل ودائم تسعى إليه دول العالم باختلاف مراحل تطورها وحجم مواردها وتباين دوافعها، وتهدف التكتلات الاقتصادية إلى أمور عديدة- ليست بالضرورة كلها اقتصادية – بل قد تكون سياسية واجتماعية وعسكرية. كما أن التكتل الاقتصادي يؤدي إلى تنويع الإنتاج بطريقة اقتصادية، وهذا قد يحمي اقتصادات الدول الأعضاء من بعض الانتكاسات والتقلبات والأزمات، فالتقليل من الاعتماد على الخارج يؤدي إلى محدودية التأثر بالتقلبات الاقتصادية والسياسية التي تحدث في المجتمعات خارج هذه المنطقة، خاصة إذا كان العمل التكاملي قد وصل إلى مرحلة متقدمة كـ (السوق المشتركة)، حيث يحل التبادل الاقتصادي داخل المنطقة التكاملية محل الانفتاح على العالم الخارجي المتأزم. وفيما يلي السبب الرئيسي في إحداث هذه الأزمة، ألا وهو الخلل الموجود بين النمو المالي والنمو الاقتصادي، حيث كان النمو المالي أكثر سرعة من النمو الاقتصادي الفعلي في قطاعات إنتاج السلع والخدمات. وكانت الاستثمارات الأجنبية في البورصات وأسواق العملات عاملاً مهماً في تسريع النمو المالي فيها، حيث شكلت نحو 48 في المائة من الأموال المتحركة في البورصات وأسواق العملات. ورغم ضخامة حجم الاستثمارات الأجنبية غير المباشرة في تلك الأسواق، فإن تلك الاستثمارات تمتعت بقوة وبقدرة على تحديد اتجاه حركة الأسهم والعملات في بعض الدول اعتماداً على استراتيجيات استخدام كل الوسائل في إيجاد اتجاه معين لحركة الأسهم والعملات على النحو الذي يحقق مصالح كبار المستثمرين الأجانب الذين خلقوا هذا الاتجاه.
السوق الخليجية المشتركة قد تتأثر بتداعيات هذه الأزمة على الأقل في الأجل القصير
وفي ضوء ما تقدم، فإن السوق الخليجية المشتركة قد تتأثر بتداعيات هذه الأزمة على الأقل في الأجل القصير، وهذا التأثر سيكون محدوداً لأنه ستكون هناك معدلات نمو في الصادرات الوطنية بنسبة أقل من السنوات الماضية، وذلك ليس لقصور في قطاع الأعمال الخليجي، ولكن بسبب عدم قدرة نظام المدفوعات لدى الأسواق الخارجية، خاصة في الولايات المتحدة وأوروبا، على مساندة المستوردين هناك بالقدر الكافي حتى لو كانت لديهم رغبة في استيراد المنتجات الخليجية.كما أن هذه الأزمة قد تخلق فرصاً للمستوردين المحليين، لأن الشركات في الأسواق العالمية ستقدم تسهيلات كبيرة لشراء البضائع من قبل المستوردين، بغية الحصول على سيولة يتفادون بها المعوقات والمشكلات التي سببتها الأزمة، وإلى جانب ذلك فإن الأسواق المحلية قد تكون مستهدفة خلال الفترة المقبلة لتصريف البضائع المستوردة من الدول التي تدعم عملتها بشكل كبير، والتي ستسعى جاهدة إلى تعويض تراجع أسواق صادراتها في أوروبا وأمريكا بالتوجه إلى الأسواق ذات القوة الشرائية المرتفعة مثل أسواق دول مجلس التعاون. كما أن على الدول العربية أن تعمد إلى إزالة كافة العوائق أمام حركة السلع وعوامل الإنتاج، خاصة رؤوس الأموال والعمالة فيما بينها، مع زيادة في معدلات التبادل التجاري البيني، أي أن يزيد انفتاح اقتصادات الدول العربية على بعضها بعضاً بدلاً من انفتاحها على الغرب. وفي الوقت نفسه، على الدول العربية أن تضع برامج للتنمية الاقتصادية والاجتماعية على مستوى المنطقة، يكون هدفها الأول بناء اقتصاد متنوع ومتماسك يستطيع أن يحقق متطلبات الرفاهية للمواطنين، وإذا كان ما لا يدرك كله لا يترك جله، فلا بد من حلول أقل نجاعة، تقدم حصانة جزئية غير كاملة، والحلول الجزئية هي السعي إلى:
* تحقيق التوازن في موازين التعاملات الخارجية، وذلك من خلال الضغط على الواردات من السلع غير الضرورية، وتفعيل سياسات تشجيع الصادرات ورفع كفاءة إنتاج السلع والخدمات حتى تكون قادرة على المنافسة بقوة في الأسواق الدولية.
* تحسين النظام المصرفي الذي يتأتى من إدخال المزيد من الإصلاحات على الجوانب القانونية وأساليب الرقابة،وأيضاً إدخال بعض التحسينات على قواعد التداول في الأسواق المالية العربية. كما يجب عدم إطلاق العنان لآليات السوق في إدارة وتشغيل الاقتصاد، فالأسواق لا تصحح نفسها بنفسها إلا عندما تكون الانحرافات بين الطلب والعرض ضئيلة، أما إذا كانت الانحرافات كبيرة، فإن آليات السوق تعجز عن إحداث التصحيح، وإذا ترك لها المجال كي تعمل كيفما تشاء فإنها تؤدي إلى كوارث اقتصادية، ولا مفر في مثل هذه الحالات من تدخل قوة من خارج السوق لاستعادة التوازن ممثلة في الحكومات وصندوق النقد الدولي.
* ضرورة العمل على توفير قدر من الحماية للتجارة الخارجية للدول النامية، وذلك عن طريق تعزيز التكتلات الاقتصادية الإقليمية فيما بين هذه الدول. وبالنسبة للدول العربية لم تعد السوق العربية المشتركة مجرد مشروع سياسي، وإنما ضرورة بقاء لاقتصادات ومجتمعات هذه الدول، وهي مضطرة إلى فتح أسواقها أمام التجارة الدولية بلا عقبات، حتى إن كانت تتمتع بفترة سماح لن يطول أمدها كثيراً.
::/fulltext::
::cck::1823::/cck::
