رؤية حول كيفية تطوير العلاقات الأمريكية – الخليجية
::cck::1660::/cck::
::introtext::
من نافلة القول، أن العلاقات الأمريكية – الخليجية ذات خصوصية متمايزة لأهميتها الاستراتيجية، وأيضاً أهميتها في مجال أمن الطاقة، وضمان استمرار تدفق إمدادات النفط، وعدم سيطرة دولة معادية لمصالح الولايات المتحدة على المنطقة، ومن ثم توليها الولايات المتحدة أهمية كبيرة لتأثيرها البارز في الاقتصاد العالمي، وتزايد الاستثمارات الأمريكية في مجال القطاع النفطي الخليجي، وأهمية تأمين أمن واستقرار دول المنطقة الخليجية.
::/introtext::
::fulltext::
من نافلة القول، أن العلاقات الأمريكية – الخليجية ذات خصوصية متمايزة لأهميتها الاستراتيجية، وأيضاً أهميتها في مجال أمن الطاقة، وضمان استمرار تدفق إمدادات النفط، وعدم سيطرة دولة معادية لمصالح الولايات المتحدة على المنطقة، ومن ثم توليها الولايات المتحدة أهمية كبيرة لتأثيرها البارز في الاقتصاد العالمي، وتزايد الاستثمارات الأمريكية في مجال القطاع النفطي الخليجي، وأهمية تأمين أمن واستقرار دول المنطقة الخليجية.
من زاوية أخرى، تبرز ضخامة التطور المتسارع في العلاقات الاقتصادية، وما تشهده من مزيد من الترابط الاقتصادي، والعديد من القفزات النوعية في حجم الاعتماد المتبادل بين الطرفين، سواء على صعيد التبادلات أو الاستثمار، حيث يبلغ حجم الأصول الأجنبية لدول مجلس التعاون الخليجي الست ما يتجاوز ألفي مليار دولار بنهاية عام 2008، منها 420 مليار دولار استثمارات سعودية.
وعلى خلاف اتساع دائرة التفاؤلات بوصول إدارة باراك أوباما لسدة الحكم، وربما الشطط في هذا الشأن، تبقى حقيقة أن السياسة الخارجية الأمريكية سياسة ذات طابع مؤسسي قائمة على عمل تنظيمي استراتيجي، لا تتبدل مرتكزاتها الأساسية بتغير الإدارات المتعاقبة في ما يخص الثوابت، لا سيما عدم تهديد الأمن القومي والمصالح الأمريكية في مجال النفط، والزعامة والسيطرة في الخليج، والاقتصاد، وحفظ وجود وأمن الدولة العبرية.
وتشير المعطيات إلى أن الإدارة الجديدة من غير المتوقع أن تلقي بثقلها في قضايا المنطقة بصورة عاجلة، باستثناءات فرضتها المستجدات المتولدة عن العدوان الإسرائيلي على غزة ومخرجاته. وتقصر الأماني والتفاؤلات، وحتى الأحلام الوردية، بالنظر إلى كون سياسات الدول الكبرى أو المتوسطة، تتأسس على قاعدة المصالح، وعلى حسابات وتقديرات دقيقة للمكاسب والخسائر المتوقعة. وليس بخاف بروز حالة من (عدم الارتياح) التي تمر بها علاقات الطرفين نتيجة (التشوهات) التي طالت هذه العلاقة على المستويات الأمنية والسياسية والاقتصادية والثقافية، وبالتالي تزايد التطلعات مع الإدارة الجديدة في أن تكون سياساتها أكثر حكمة وإنصافاً مما كانت عليه في عهد سلفه، عبر قدر من المراجعة والمناصحة والمكاشفة، حيث تبدو عموم المنطقة مقبلة على تغيرات كبرى وعميقة تطال رسم الجغرافية السياسية، وموازين القوى الإقليمية، تحتم أن تكون الدول العربية، خاصة الخليجية، حاضرة وغير مغيبة ومتفاعلة، لا سيما في ضوء مدخلات ومخرجات العدوان الإسرائيلي الوحشي مؤخراً على سكان قطاع غزة.
إن قاعدة الارتكاز في هذه الرؤية، هي الحاجة الماسة إلى بلورة رؤية عربية واضحة ومتماسكة وموحدة، إن أمكن، في ضوء الرغبة الأمريكية الجامحة في الاستفراد بكل دولة خليجية على حدة، ومن ثم أهمية التوافق الخليجي الكامل والدور الموحد للقوى الخليجية الاقتصادية والسياسية.
تتطلع دول مجلس التعاون الخليجي إلى قيام إدارة أوباما بوضع القضية الفلسطينية على رأس سياساتها الخارجية

السياسة الخارجية الأمريكية لا تتبدل مرتكزاتها الأساسية بتغيير الإدارات المتعاقبة
وعلى خلفية المستجدات الراهنة في منطقة الشرق الأوسط، تبرز أهمية إيجاد معالجات فعالة للمشكلات والتحديات الخطيرة التي ولدتها السياسات الخاطئة لإدارة جورج بوش. وفي هذا السياق، وبخصوص القضية المركزية، ورغم الإقرار بصعوبة ومحدودية القدرة الخليجية على تغيير الموقف الأمريكي من قضايا المنطقة، تتطلع دول مجلس التعاون الخليجي إلى قيام إدارة أوباما بوضع القضية الفلسطينية على رأس سياساتها الخارجية لإنهاء معاناة الشعب الفلسطيني جراء تواصل الاحتلال، على أسس ومرتكزات قرارات (الشرعية الدولية) ومبادرة السلام العربية ومتطلباتها بحيادية وموضوعية وفاعلية واجبة، وليس المشاركة في تنفيذ (أجندة) الدولة العبرية – عبر الدعم والتأييد والإسناد – ومزيد من الجهد في دفع مسار التسوية وفق رؤية مستجدة لا تتأسس على مجرد ممارسة الضغط على الجانب الفلسطيني للتنازل عن حقوقه المشروعة، بتجاهل متعمد لبعض القضايا والجوانب الجوهرية ذات الصلة، أو التركيز على عزل سوريا وتهميش دورها الإقليمي، أو الضغط على العرب لتسريع عملية (التطبيع) مع إسرائيل – كما حدث في مؤتمر أنابوليس – قبل التوصل إلى تسوية عادلة وشاملة ودائمة وسلام كامل مع الدولة العبرية، أو تغض الطرف عن السياسات العدوانية والاستيطانية المعوقة لجهود التسوية، وعدم إدراك أن أمن الخليج وثيق الصلة بالقضية الفلسطينية وما يولده توالي المشاهد الدموية اليومية بحق الشعب الفلسطيني وانتهاك المقدسات والعدوان والعربدة الإسرائيلية من تأجيج المشاعر الإنسانية الغاضبة وانعكاساتها على الاستقرار الوطني. ومن الصعوبة بمكان على دول الخليج الاستمرار في ارتباطها بالولايات المتحدة في ظل غياب خطوات ملموسة من قبلها لترميم وإصلاح صورة الولايات المتحدة في الذهنية العربية، وما تفرزه من تعكير (صفو) العلاقات الخليجية – الأمريكية.
ومن زاوية أخرى، تتزايد المخاوف الخليجية من التحديات المقبلة في العراق، وما تنويه إدارة أوباما من سحب القوات الأمريكية، بصورة متدرجة خلال 16 شهراً، حتى نهاية 2011، تفادياً لنشوب حرب أهلية طاحنة، تمتد ألسنة لهيبها إلى دول الجوار، وتجعل من العراق ساحة خصبة لجماعات وقوى التطرف والعنف، وتجنب مخرجات ما يمكن حدوثه من فراغ أمني وسياسي تتولد عنه فرصة لقوى إقليمية لزيادة التدخل والنفوذ في الشأن العراقي، وتهديد هويته العربية والإسلامية. هذه الاعتبارات تحتم الحضور الخليجي الجماعي لوجوب اقتران ذلك بخطوات فعالة وإيجابية من أجل تدعيم إعادة بناء الجيش والشرطة العراقيين، وتفعيل جهود تحقيق مصالحة وطنية داخلية حقيقية، ودعم عملية إعادة الإعمار، وإفساح مجال أكبر للأمم المتحدة ودول الجوار للمساعدة في جهود تحقيق الأمن واستقرار الأوضاع في العراق، بعد ما خلقته الولايات المتحدة من حالة عدم الاستقرار والتوازن من خلال تدمير العراق، وإيجاد حالة صراعية مع إيران انعكست على توريط دول الخليج. وإذا كان من ضمن أهم أهداف الاستراتيجية الأمريكية باحتلال العراق هو حرمانه من قدراته العسكرية وإخراجه من معادلة الصراع العربي–الصهيوني إلى حين حسم هذا الصراع وفقاً للمفهوم الأمريكي–الإسرائيلي، عطفاً على تنامي صفقات السلاح الأمريكية لدول الخليج والعراق ذاته، بعد انهيار ما كان يعرف بـ (الجبهة الشرقية)، فالأمر بات يتطلب بحث صيغة ممكنة تجعل من العراق حائط الصد الأول في مواجهة أي أطماع إقليمية، أو على أدنى تقدير تدارس كيفية مساعدة العراق لكي يكون إحدى دعامات الأمن والاستقرار في المنطقة، سواء في المرحلة التي يجري فيها الانسحاب أو بعدها.
الإدارة الجديدة من غير المتوقع أن تلقي بثقلها في قضايا المنطقة بصورة عاجلة
وعلى صعيد المخاوف الخليجية من الطموحات والبرنامج النووي الإيراني المثير للجدل، وما يولده من تزايد النفوذ السياسي الإيراني المتنامي في المنطقة، وتهديد معادلة الأمن في الخليج، يمكن القول إنه ليس هناك ثمة اعتراض عربي أو خليجي، من حيث المبدأ، على فكرة قيام الإدارة الجديدة بفتح قنوات الحوار مع إيران لتأسيس علاقات ثنائية طبيعية، ومعالجة القضايا العالقة عبر الحوار، وبالطرق والوسائل السلمية لدرء التصعيد والمقاربة العسكرية، والعمل على احتواء الطموحات الإيرانية المتنامية سلمياً، خشية السيناريو المخيف والمزعج، ومخاطر المساعي الأمريكية لجذب دول مجلس التعاون الخليجي إلى تحالف أمريكي يقود العالم لافتعال أزمة مع إيران أو معاداتها كدولة مشاغبة تعطي للحماية الأمريكية مبرراتها في المنطقة، لكون إيران باتت في صلب الاستراتيجية الأمنية الأمريكية لمنطقة الخليج، من أجل مواجهة إيران عسكرياً في حال فشل الجهود الدبلوماسية والحوار معها، وبقية العقوبات غير العسكرية المباشرة – الاقتصادية والمالية، بل يمكن اعتبار تأسيس هذه العلاقات الطبيعية يمثل تطوراً إيجابياً من المتوقع أن يصب في النهاية في مجرى مصلحة الأمن والاستقرارالإقليمي. وعلى الضفة المقابلة، وفي ضوء العديد من المؤشرات والمعطيات، والإدراك بأن جوهر وجذر الخلاف الإيراني الغربي هو المنافسة على السيطرة الإقليمية، وعلى هوية وحدود الدور الذي يريد كلا الطرفين أن يلعبه في المنطقة، ومن ثم بروز احتمالات (صفقة) قد تتضمن غض الطرف عن البرنامج النووي الإيراني السلمي، والسماح بتواصله من دون ضغوط أمريكية أو دولية كبيرة، ووضعه تحت الرقابة الدولية، بل ومساعدات تكنولوجية، بما فيها التكنولوجيا المخصصة للأغراض النووية السلمية ومساعدات تجارية، وضمها إلى اتفاق التجارة الدولية، ومن قبلها الاعتراف بدور إيراني إقليمي وأمني متميز في المنطقة والإقليم مقابل وقف التخصيب على أراضيها. ولم يعد الأمر يحتمل الاستمرار في سياسة رد الفعل، وانتظار أن تأتي المبادرات من الولايات المتحدة أو غيرها، بل أخذ زمام المبادرة بتوظيف ما يتوافر من قدرات متاحة لبلورة رؤى وسياسات مشتركة متماسكة وموحدة، وتوافر الإرادة الجماعية، والتمسك بالقواسم والمصالح المشتركة، والتخلي نسبياً عن بعض الأوهام التي يتعلق بها البعض لإدارة العلاقات الخليجية مع الولايات المتحدة وغيرها من القوى الدولية والإقليمية الكبرى، لتحقيق المصالح الخليجية بصفة خاصة، والعربية بصفة عامة، وليس خصماً منها. وبالتخصيص، ثمة ضرورة لمحاولة خليجية جادة للتعامل مع المشكل الإيراني من خلال قنواتها الخاصة، من دون تدخل أمريكي مشكوك في نواياه وتكلفته الباهظة، والتوصل إلى رسم إطار لحركة إيران المقبولة في هذا التصور، بما لا يعطي إيران حقوقاً أو امتيازات أكبر مما تستحقه كدولة رئيسية في الإقليم، تعيش معها دول أخرى رئيسية لا يتوجب التقليل من شأنها. وفي سياق البحث عن القواسم والمصالح المشتركة، من الأهمية وضع دعوة الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد لدول الخليج إلى تحسين علاقاتها مع إيران على المحك، وتجسيدها في تدابير عملية ملموسة، على قاعدة حسن الجوار، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والحفاظ على المصالح المشتركة، عبر إرسال رسائل مطمئنة من إيران، سواء على صعيد أزمة إنهاء احتلال الجزر الإماراتية الثلاث بالطرق السلمية أو التوغل في العراق، والتدخلات التي لا يمكن تجاهلها في مملكة البحرين، وصولاً إلى ترقية التبادلات التجارية البينية والاستثمارات المشتركة وغيرها. ومع إدراك حقيقة المشروع الإيراني في المنطقة، يتوجب البحث في كيفية التكامل معه، وإيجاد أرضية مشتركة تحت المظلة الإسلامية بما يعود بالنفع على الجميع، عوضاً عن التصادم.
وفي التحليل الأخير، بات من المهم البحث عن شراكة حقيقية خليجية – أمريكية تتأسس على المصالح والمنافع المتبادلة، بعيدة عن الإملاءات، ووجوب إدراك الخصوصية الخليجية، وتبديد الهواجس المرتبطة بأمن الطاقة ودور الدولار الأمريكي في أسواق الخليج المالية، ومكانة الدول المصدرة للنفط كقوة صاعدة في الشؤون المالية العالمية، ودرء أثر الأزمة المالية العالمية في كل من الاقتصاد الأمريكي واقتصادات دول الخليج العربية. وعلى صعيد آخر، ثمة ضرورة خليجية بعدم وضع (كل البيض) في السلة الأمريكية، بل تنويع علاقاتها وتفاعلاتها مع القوى الدولية والإقليمية الفاعلة بما يعود بالنفع على مصلحة شعوبها، وقبل فوات الآوان.
ومع الإقرار بأهمية صيغة (الطاقة مقابل الأمن)، فإن العلاقات المتبادلة أكثر من مجرد هذه الصيغة بعدم تجاهل مقومات أخرى للعلاقة الطبيعية.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1660::/cck::
::introtext::
من نافلة القول، أن العلاقات الأمريكية – الخليجية ذات خصوصية متمايزة لأهميتها الاستراتيجية، وأيضاً أهميتها في مجال أمن الطاقة، وضمان استمرار تدفق إمدادات النفط، وعدم سيطرة دولة معادية لمصالح الولايات المتحدة على المنطقة، ومن ثم توليها الولايات المتحدة أهمية كبيرة لتأثيرها البارز في الاقتصاد العالمي، وتزايد الاستثمارات الأمريكية في مجال القطاع النفطي الخليجي، وأهمية تأمين أمن واستقرار دول المنطقة الخليجية.
::/introtext::
::fulltext::
من نافلة القول، أن العلاقات الأمريكية – الخليجية ذات خصوصية متمايزة لأهميتها الاستراتيجية، وأيضاً أهميتها في مجال أمن الطاقة، وضمان استمرار تدفق إمدادات النفط، وعدم سيطرة دولة معادية لمصالح الولايات المتحدة على المنطقة، ومن ثم توليها الولايات المتحدة أهمية كبيرة لتأثيرها البارز في الاقتصاد العالمي، وتزايد الاستثمارات الأمريكية في مجال القطاع النفطي الخليجي، وأهمية تأمين أمن واستقرار دول المنطقة الخليجية.
من زاوية أخرى، تبرز ضخامة التطور المتسارع في العلاقات الاقتصادية، وما تشهده من مزيد من الترابط الاقتصادي، والعديد من القفزات النوعية في حجم الاعتماد المتبادل بين الطرفين، سواء على صعيد التبادلات أو الاستثمار، حيث يبلغ حجم الأصول الأجنبية لدول مجلس التعاون الخليجي الست ما يتجاوز ألفي مليار دولار بنهاية عام 2008، منها 420 مليار دولار استثمارات سعودية.
وعلى خلاف اتساع دائرة التفاؤلات بوصول إدارة باراك أوباما لسدة الحكم، وربما الشطط في هذا الشأن، تبقى حقيقة أن السياسة الخارجية الأمريكية سياسة ذات طابع مؤسسي قائمة على عمل تنظيمي استراتيجي، لا تتبدل مرتكزاتها الأساسية بتغير الإدارات المتعاقبة في ما يخص الثوابت، لا سيما عدم تهديد الأمن القومي والمصالح الأمريكية في مجال النفط، والزعامة والسيطرة في الخليج، والاقتصاد، وحفظ وجود وأمن الدولة العبرية.
وتشير المعطيات إلى أن الإدارة الجديدة من غير المتوقع أن تلقي بثقلها في قضايا المنطقة بصورة عاجلة، باستثناءات فرضتها المستجدات المتولدة عن العدوان الإسرائيلي على غزة ومخرجاته. وتقصر الأماني والتفاؤلات، وحتى الأحلام الوردية، بالنظر إلى كون سياسات الدول الكبرى أو المتوسطة، تتأسس على قاعدة المصالح، وعلى حسابات وتقديرات دقيقة للمكاسب والخسائر المتوقعة. وليس بخاف بروز حالة من (عدم الارتياح) التي تمر بها علاقات الطرفين نتيجة (التشوهات) التي طالت هذه العلاقة على المستويات الأمنية والسياسية والاقتصادية والثقافية، وبالتالي تزايد التطلعات مع الإدارة الجديدة في أن تكون سياساتها أكثر حكمة وإنصافاً مما كانت عليه في عهد سلفه، عبر قدر من المراجعة والمناصحة والمكاشفة، حيث تبدو عموم المنطقة مقبلة على تغيرات كبرى وعميقة تطال رسم الجغرافية السياسية، وموازين القوى الإقليمية، تحتم أن تكون الدول العربية، خاصة الخليجية، حاضرة وغير مغيبة ومتفاعلة، لا سيما في ضوء مدخلات ومخرجات العدوان الإسرائيلي الوحشي مؤخراً على سكان قطاع غزة.
إن قاعدة الارتكاز في هذه الرؤية، هي الحاجة الماسة إلى بلورة رؤية عربية واضحة ومتماسكة وموحدة، إن أمكن، في ضوء الرغبة الأمريكية الجامحة في الاستفراد بكل دولة خليجية على حدة، ومن ثم أهمية التوافق الخليجي الكامل والدور الموحد للقوى الخليجية الاقتصادية والسياسية.
تتطلع دول مجلس التعاون الخليجي إلى قيام إدارة أوباما بوضع القضية الفلسطينية على رأس سياساتها الخارجية

السياسة الخارجية الأمريكية لا تتبدل مرتكزاتها الأساسية بتغيير الإدارات المتعاقبة
وعلى خلفية المستجدات الراهنة في منطقة الشرق الأوسط، تبرز أهمية إيجاد معالجات فعالة للمشكلات والتحديات الخطيرة التي ولدتها السياسات الخاطئة لإدارة جورج بوش. وفي هذا السياق، وبخصوص القضية المركزية، ورغم الإقرار بصعوبة ومحدودية القدرة الخليجية على تغيير الموقف الأمريكي من قضايا المنطقة، تتطلع دول مجلس التعاون الخليجي إلى قيام إدارة أوباما بوضع القضية الفلسطينية على رأس سياساتها الخارجية لإنهاء معاناة الشعب الفلسطيني جراء تواصل الاحتلال، على أسس ومرتكزات قرارات (الشرعية الدولية) ومبادرة السلام العربية ومتطلباتها بحيادية وموضوعية وفاعلية واجبة، وليس المشاركة في تنفيذ (أجندة) الدولة العبرية – عبر الدعم والتأييد والإسناد – ومزيد من الجهد في دفع مسار التسوية وفق رؤية مستجدة لا تتأسس على مجرد ممارسة الضغط على الجانب الفلسطيني للتنازل عن حقوقه المشروعة، بتجاهل متعمد لبعض القضايا والجوانب الجوهرية ذات الصلة، أو التركيز على عزل سوريا وتهميش دورها الإقليمي، أو الضغط على العرب لتسريع عملية (التطبيع) مع إسرائيل – كما حدث في مؤتمر أنابوليس – قبل التوصل إلى تسوية عادلة وشاملة ودائمة وسلام كامل مع الدولة العبرية، أو تغض الطرف عن السياسات العدوانية والاستيطانية المعوقة لجهود التسوية، وعدم إدراك أن أمن الخليج وثيق الصلة بالقضية الفلسطينية وما يولده توالي المشاهد الدموية اليومية بحق الشعب الفلسطيني وانتهاك المقدسات والعدوان والعربدة الإسرائيلية من تأجيج المشاعر الإنسانية الغاضبة وانعكاساتها على الاستقرار الوطني. ومن الصعوبة بمكان على دول الخليج الاستمرار في ارتباطها بالولايات المتحدة في ظل غياب خطوات ملموسة من قبلها لترميم وإصلاح صورة الولايات المتحدة في الذهنية العربية، وما تفرزه من تعكير (صفو) العلاقات الخليجية – الأمريكية.
ومن زاوية أخرى، تتزايد المخاوف الخليجية من التحديات المقبلة في العراق، وما تنويه إدارة أوباما من سحب القوات الأمريكية، بصورة متدرجة خلال 16 شهراً، حتى نهاية 2011، تفادياً لنشوب حرب أهلية طاحنة، تمتد ألسنة لهيبها إلى دول الجوار، وتجعل من العراق ساحة خصبة لجماعات وقوى التطرف والعنف، وتجنب مخرجات ما يمكن حدوثه من فراغ أمني وسياسي تتولد عنه فرصة لقوى إقليمية لزيادة التدخل والنفوذ في الشأن العراقي، وتهديد هويته العربية والإسلامية. هذه الاعتبارات تحتم الحضور الخليجي الجماعي لوجوب اقتران ذلك بخطوات فعالة وإيجابية من أجل تدعيم إعادة بناء الجيش والشرطة العراقيين، وتفعيل جهود تحقيق مصالحة وطنية داخلية حقيقية، ودعم عملية إعادة الإعمار، وإفساح مجال أكبر للأمم المتحدة ودول الجوار للمساعدة في جهود تحقيق الأمن واستقرار الأوضاع في العراق، بعد ما خلقته الولايات المتحدة من حالة عدم الاستقرار والتوازن من خلال تدمير العراق، وإيجاد حالة صراعية مع إيران انعكست على توريط دول الخليج. وإذا كان من ضمن أهم أهداف الاستراتيجية الأمريكية باحتلال العراق هو حرمانه من قدراته العسكرية وإخراجه من معادلة الصراع العربي–الصهيوني إلى حين حسم هذا الصراع وفقاً للمفهوم الأمريكي–الإسرائيلي، عطفاً على تنامي صفقات السلاح الأمريكية لدول الخليج والعراق ذاته، بعد انهيار ما كان يعرف بـ (الجبهة الشرقية)، فالأمر بات يتطلب بحث صيغة ممكنة تجعل من العراق حائط الصد الأول في مواجهة أي أطماع إقليمية، أو على أدنى تقدير تدارس كيفية مساعدة العراق لكي يكون إحدى دعامات الأمن والاستقرار في المنطقة، سواء في المرحلة التي يجري فيها الانسحاب أو بعدها.
الإدارة الجديدة من غير المتوقع أن تلقي بثقلها في قضايا المنطقة بصورة عاجلة
وعلى صعيد المخاوف الخليجية من الطموحات والبرنامج النووي الإيراني المثير للجدل، وما يولده من تزايد النفوذ السياسي الإيراني المتنامي في المنطقة، وتهديد معادلة الأمن في الخليج، يمكن القول إنه ليس هناك ثمة اعتراض عربي أو خليجي، من حيث المبدأ، على فكرة قيام الإدارة الجديدة بفتح قنوات الحوار مع إيران لتأسيس علاقات ثنائية طبيعية، ومعالجة القضايا العالقة عبر الحوار، وبالطرق والوسائل السلمية لدرء التصعيد والمقاربة العسكرية، والعمل على احتواء الطموحات الإيرانية المتنامية سلمياً، خشية السيناريو المخيف والمزعج، ومخاطر المساعي الأمريكية لجذب دول مجلس التعاون الخليجي إلى تحالف أمريكي يقود العالم لافتعال أزمة مع إيران أو معاداتها كدولة مشاغبة تعطي للحماية الأمريكية مبرراتها في المنطقة، لكون إيران باتت في صلب الاستراتيجية الأمنية الأمريكية لمنطقة الخليج، من أجل مواجهة إيران عسكرياً في حال فشل الجهود الدبلوماسية والحوار معها، وبقية العقوبات غير العسكرية المباشرة – الاقتصادية والمالية، بل يمكن اعتبار تأسيس هذه العلاقات الطبيعية يمثل تطوراً إيجابياً من المتوقع أن يصب في النهاية في مجرى مصلحة الأمن والاستقرارالإقليمي. وعلى الضفة المقابلة، وفي ضوء العديد من المؤشرات والمعطيات، والإدراك بأن جوهر وجذر الخلاف الإيراني الغربي هو المنافسة على السيطرة الإقليمية، وعلى هوية وحدود الدور الذي يريد كلا الطرفين أن يلعبه في المنطقة، ومن ثم بروز احتمالات (صفقة) قد تتضمن غض الطرف عن البرنامج النووي الإيراني السلمي، والسماح بتواصله من دون ضغوط أمريكية أو دولية كبيرة، ووضعه تحت الرقابة الدولية، بل ومساعدات تكنولوجية، بما فيها التكنولوجيا المخصصة للأغراض النووية السلمية ومساعدات تجارية، وضمها إلى اتفاق التجارة الدولية، ومن قبلها الاعتراف بدور إيراني إقليمي وأمني متميز في المنطقة والإقليم مقابل وقف التخصيب على أراضيها. ولم يعد الأمر يحتمل الاستمرار في سياسة رد الفعل، وانتظار أن تأتي المبادرات من الولايات المتحدة أو غيرها، بل أخذ زمام المبادرة بتوظيف ما يتوافر من قدرات متاحة لبلورة رؤى وسياسات مشتركة متماسكة وموحدة، وتوافر الإرادة الجماعية، والتمسك بالقواسم والمصالح المشتركة، والتخلي نسبياً عن بعض الأوهام التي يتعلق بها البعض لإدارة العلاقات الخليجية مع الولايات المتحدة وغيرها من القوى الدولية والإقليمية الكبرى، لتحقيق المصالح الخليجية بصفة خاصة، والعربية بصفة عامة، وليس خصماً منها. وبالتخصيص، ثمة ضرورة لمحاولة خليجية جادة للتعامل مع المشكل الإيراني من خلال قنواتها الخاصة، من دون تدخل أمريكي مشكوك في نواياه وتكلفته الباهظة، والتوصل إلى رسم إطار لحركة إيران المقبولة في هذا التصور، بما لا يعطي إيران حقوقاً أو امتيازات أكبر مما تستحقه كدولة رئيسية في الإقليم، تعيش معها دول أخرى رئيسية لا يتوجب التقليل من شأنها. وفي سياق البحث عن القواسم والمصالح المشتركة، من الأهمية وضع دعوة الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد لدول الخليج إلى تحسين علاقاتها مع إيران على المحك، وتجسيدها في تدابير عملية ملموسة، على قاعدة حسن الجوار، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والحفاظ على المصالح المشتركة، عبر إرسال رسائل مطمئنة من إيران، سواء على صعيد أزمة إنهاء احتلال الجزر الإماراتية الثلاث بالطرق السلمية أو التوغل في العراق، والتدخلات التي لا يمكن تجاهلها في مملكة البحرين، وصولاً إلى ترقية التبادلات التجارية البينية والاستثمارات المشتركة وغيرها. ومع إدراك حقيقة المشروع الإيراني في المنطقة، يتوجب البحث في كيفية التكامل معه، وإيجاد أرضية مشتركة تحت المظلة الإسلامية بما يعود بالنفع على الجميع، عوضاً عن التصادم.
وفي التحليل الأخير، بات من المهم البحث عن شراكة حقيقية خليجية – أمريكية تتأسس على المصالح والمنافع المتبادلة، بعيدة عن الإملاءات، ووجوب إدراك الخصوصية الخليجية، وتبديد الهواجس المرتبطة بأمن الطاقة ودور الدولار الأمريكي في أسواق الخليج المالية، ومكانة الدول المصدرة للنفط كقوة صاعدة في الشؤون المالية العالمية، ودرء أثر الأزمة المالية العالمية في كل من الاقتصاد الأمريكي واقتصادات دول الخليج العربية. وعلى صعيد آخر، ثمة ضرورة خليجية بعدم وضع (كل البيض) في السلة الأمريكية، بل تنويع علاقاتها وتفاعلاتها مع القوى الدولية والإقليمية الفاعلة بما يعود بالنفع على مصلحة شعوبها، وقبل فوات الآوان.
ومع الإقرار بأهمية صيغة (الطاقة مقابل الأمن)، فإن العلاقات المتبادلة أكثر من مجرد هذه الصيغة بعدم تجاهل مقومات أخرى للعلاقة الطبيعية.
::/fulltext::
::cck::1660::/cck::
