من بوش إلى أوباما 5 تحديات عالمية يتوجب على واشنطن مواجهتها

::cck::1651::/cck::
::introtext::

مع حلول العشرين من يناير الماضي شعر الأمريكيون وكأن هناك موعداً فاصلاً في حياتهم بين مرحلتين مرحلة رئاسة عقائدية قادها الرئيس السابق جورج بوش بمشاركة تيارات اليمين على اختلاف توجهاتها سياسياً ودينياًمن دون أن نغفل تأثير جماعات الضغط عليها من لوبي مساند لإسرائيل مروراً بالمجمع الصناعي العسكري الأمريكي وصولاً إلى أساطين النفط، وبين رئاسة جديدة قادمة يقوم عليها رئيس شاب لا يملك سوى الأمل في مواجهة التركة المثقلة بالآثام والأخطاء التي تقترب من حد الخطايا.

::/introtext::
::fulltext::

مع حلول العشرين من يناير الماضي شعر الأمريكيون وكأن هناك موعداً فاصلاً في حياتهم بين مرحلتين مرحلة رئاسة عقائدية قادها الرئيس السابق جورج بوش بمشاركة تيارات اليمين على اختلاف توجهاتها سياسياً ودينياًمن دون أن نغفل تأثير جماعات الضغط عليها من لوبي مساند لإسرائيل مروراً بالمجمع الصناعي العسكري الأمريكي وصولاً إلى أساطين النفط، وبين رئاسة جديدة قادمة يقوم عليها رئيس شاب لا يملك سوى الأمل في مواجهة التركة المثقلة بالآثام والأخطاء التي تقترب من حد الخطايا.

لا يبدي أحد كيف لأوباما أن يواجه هذا الإرث بل هل سيقدر له أن يطفو فوق السطح أم أن فعل تلك الأهوال سيبقى كجبل الثلج أغلبه جاثم في قاع المحيط محاولاً خرق وغرق سفينة باراك أوباما؟

إن أمريكا وعن حق في مفترق طرق شديد الوعورة ولحظة بالغة الأهمية واختبارات لا توفر تهديد مكانة القطب الأوحد المنفرد بالعالم حتى الساعة.

وفي هذه الرؤية نحاول التوقف مع أهم القراءات التي تشغل ذهن الأمريكيين بين منعرجين، وهي قراءات للنخبة المفكرة من سياسيين وقادة مراكز فكر والتي باتت في السنوات الأخيرة المختبر الطبيعي لـ (تفريخ) قيادات أمريكا الحديثة.

رحيل بوش وصورة أمريكا

في أحدث تقارير واشنطن إشارة إلى لقاءات تلفزيونية عدة على درجة بالغة من الأهمية تعكس رؤية قادة المرحلة البوشية للسنوات الثماني الماضية، فعلى سبيل المثال قالت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كوندوليزا رايس في حوار لها مع برنامج (واجه الصحافة) الذي يقدمه ديفيد غريغوري إن العالم لا يزال يرى الولايات المتحدة مكاناً تحترم فيه كثير من القيم المثالية التي لها قبول في كل أنحاء العالم، ومكاناً يتمكن فيه فرد ذو حال متواضعة أن يحقق أشياء عظيمة، وفي هذا السياق بدا واضحاًأنها تلفت الانتباه إلى انتخاب الرئيس أوباما وربما كانت تتحدث عن الخلفية المتواضعة التي جاءت منها أصلاً. لكنها تكمل بالقول- فيما يشبه الاعتراف-بأنه قد تكون هناك بعض الأشياء التي قامت بها الولايات المتحدة لم تكن محل ترحيب من البعض وهناك البعض الآخر الذي رفضها إلا أن الولايات المتحدة لا تزال مكاناً محترماً عبر العالم أجمع.

غير أن اللهجة الاستعلائية لا تغيب عن لسان رايس حتى بعد الفشل الذريع الذي أصاب مشروعات أمريكا في العالم العربي على نحو خاص وهي صاحبة التعريف أو التعبير المغلوط الذي أثبت فشلاً ذريعاً(الفوضى الخلاقة)، تقول رايس إنه (ليس من التواضع أن يترك أفراد يعيشون في كنف القهر والظلم والاستبداد الذي تمارسه النظم الحاكمة عليهم، صحيح أن البعض مثل العرب ليسوا مستعدين بعد للعيش في ظل نظم ديمقراطية وقد يكون الأفارقة في بداية الطريق أيضاً، لكن ترك هؤلاء دون مساعدة أمر لا يمكن قبوله فهؤلاء البشر يستحقون الحياة ذاتها التي يعيشها مواطنو الولايات المتحدة، ويستحقون أيضاً الحصول على الحقوق والحريات الأساسية التي يجب أن يتمتع بها أي إنسان). ولعل تصريحات رايس تستدعي التساؤل أين هي تلك الاستحقاقات؟ وماذا نسمي إذن ما جرى في أبو غريب؟ وماذا عن أحاديث الأسلحة الفتاكة التي استخدمت في العراق ولم يكشف عنها النقاب بعد؟ هل كانت هذه هي وسائل نشر الديمقراطية عربياً وشرق أوسطياً؟

وكذلك كان مقدم البرنامج ديفيد غريغوري محاوراً بارعاً في فضح غالبية منظومة الأكاذيب الأمريكية البوشية، إذ سال أنه طوال ستة عشر عاماً أي طوال عهدي كلينتون وبوش لماذا لم تتدخل واشنطن مباشرة من أجل إيقاف مذابح رواندا ودارفور؟ وكان التساؤل هل لأنه لا يوجد نفط هناك لم تذهب العسكرية الأمريكية وتركت الناس لمصائرها تلاقي الموت حتفاً؟ جواب رايس كالعادة حاول الالتفاف على التساؤل والعودة من جديد للحلقة المفرغة التي استغلت للترويج لحرب العراق، إذ أكدت أن بلادها تدخلت في العراق بعد عمليات الإبادة الجماعية ضد الشيعة والأكراد وتدخلت في أفغانستان ضد حركة طالبان نظراً للممارسات القمعية ضد الشعب الأفغاني.

وترى رايس أنهفي مثل هذه الحالات التي يرتبط فيها احترام القيم التي تؤمن بها الولايات المتحدة وضرورة التحرك للدفاع عنها من جهة والأمن والمصالح القومية للولايات المتحدة من جهة أخرى كان لا بد من دور عسكري نشط تقوم به القوات المسلحة الأمريكية من أجل حماية الأبرياء، الأمر الذي يعني أنه وحتى ساعات الرحيل تبقى أمريكا بوش ورايس تاركة خلفها صورة لأمريكا ذات القوة المسلحة التي تهدد العدو والصديق على حد سواء.

ما فعله بوش كان نشر لفلسفة الحرب والصراع وعلى أوباما أن يفعل العكس

أوباما وهندسة السلام المقبلة

في سياق قراءة المشهد الأمريكي وبعمق في الفترة الواقعة بين رئيسين كانت مجلة (نيوزويك) الأمريكية ذائعة الصيت تفتح أبوابها لقراءة راقية من خمسة من كبار كتاب ومفكري أمريكا المعاصرين وأولهم فريد زكريا رئيس تحرير المجلة ذاتها والذي يرى أن أمام الرئيس أوباما فرصة غير مسبوقة لهندسة سلام للقرن الحادي والعشرين وكأنه يود القول إن ما فعله بوش كان نشر لفلسفة الحرب والصراع وعلى أوباما أن يفعل العكس، ماذا عن أهم رؤى زكريا؟

يقول في عالم يتميز بالتغيير سوف يبدأ عدد متزايد من البلدان ولاسيما قوى عظمى مثل روسيا والصين والهند برسم مسارها الخاص وسوف يقوض هذا بدوره الاستقرار أكثر فأكثر، وهنا لا تستطيع أمريكا إلى ما لا نهاية حماية كل الخطوط البحرية والتوسط في كل الاتفاقيات ومحاربة كل المجموعات الإرهابية، ففي غياب بعض الآليات لحل المشكلات المشتركة سوف يتعثر العالم كما نعرفه الآن أي عالم الاقتصاد المنفتح على كل المنافع الاجتماعية والسياسية التي تترتب عن هذا الانفتاح وقد يعود القهقرى.

ولدى الرئيس المنتخب أوباما نقاط قوة خاصة به أيضاً يقول عنها زكريا لن أبالغ في تضخيم أهمية الشخص لكن أوباما أصبح رمزاً عالمياً لا يشبه أحداً ممن عاصرتهم،وإذا ذهب إلى طهران مثلاً فسوف يستقطب على الأرجح حشداً من ملايين الأشخاص يفوق بكثير ما قد يحلم به أي رئيس، وإذا أظهرت إدارته في تعاطيها اليومي فهماً حقيقياً لوجهات نظر البلدان الأخرى وتعاطفاً مع طموحات الشعوب حول العالم فسوف تغير سمعة أمريكا بصورة مستمرة.

هل نحن أمام لحظة مختلفة في التاريخ الأمريكي إذا أمكن استغلالها على نحو جيد سارت الأمور على غير ما عهدته واشنطن في السنوات الثماني الماضية؟ يجيب رئيس تحرير الـ (نيوزويك) الأمريكية بالقول إنها لحظة نادرة في التاريخ من شأنها جعل أمريكا أكثر تجاوباً وأفضل تناغماً مع بقية العالم. وأن تساعد على إرساء مجموعة جديدة من الأفكار والمؤسسات لهندسة سلام القرن الحادي والعشرين يحقق الاستقرار والازدهار والكرامة لمليارات الأشخاص وبعد 10 سنوات يكون العالم قد تبدل، وتكون القوى الصاعدة أصبحت غير مستعدة لقبول أجندة موضوعة في واشنطن أو لندن أو بروكسل، لكن في هذه اللحظة أمام هذا الرجل فرصة فريدة لاستعمال القوة الأمريكية من أجل صياغة العالم من جديد،إنها لحظته ويجدر به انتهازها، على أن زكريا وقد ترك الإجابات مفتوحة فقد تولى شأنها عدد آخر من المنظّرين، فعلى سبيل المثال كان أندرو باسيفيتش يطالب واشنطن بأن تصنع تعبيراً محدداً للنصر يختلف عما رأته إدراة بوش.

طهران وخيار بين الحرب والسلم

على الجانب الإيراني فإن الذي يتصدى لمناقشة قضية البرنامج النووي الإيراني هو دنيس روس المبعوث السابق للولايات المتحدة في الشرق الأوسط وزميل الأبحاث في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى وصاحب المؤلف الشهير (فن الحكم: والسبيل لاستعادة مكانة أمريكا في العالم، ما الذي يضيفه روس في هذه القراءات المتصلة؟

يبدأ روس سطور مداخلته بمحاولة إزعاج لغالبية القوى التي تطلق عليها أوصاف المعتدلة فيقول أينما نظرنا في الشرق الأوسط اليوم نجد أن إيران تهدد المصالح الأمريكية والمنظومة السياسية، ويستشهد بأن سفيراً عربياً قال له أخيراًإن الإيرانيين يذكّرون القادة العرب بأن أمريكا لم تساعد رئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة والرئيس الجورجي ميخائيل ساكشفيلي عندما واجه المتاعب، وأن واشنطن تركتهما صفر اليدين في الواقع،أما إيران فقريبة ولن تتخلى عنهما، والنتيجة التي يود دنيس روس إيصالها للقارئ هي على هذا النحو. إذا كان الإيرانيون يلقون بثقلهم الآن فتخيلوا ما سيحصل إذا امتلكوا السلاح النووي، ويؤكد كذلك على أنه لم يفت الأوان لمنع إيران من حيازة القنبلة النووية لأهداف دفاعية وهجومية على السواء، لكن ليس مؤكداً أن المرشد الأعلى آية الله خامنئي مستعد للتضحية بأي شيء للحصول على الأسلحة النووية، ففي الواقع يظهر التاريخ أن حكومته تتفاعل مع الضغوط الخارجية فتضبط تصرفاتها عندما تشعر بأنها مهددة وتستغل الفرصة عندما ترتئي أن ذلك ممكن.

الحكومة الإيرانية تتفاعل مع الضغوط الخارجية وتضبط تصرفاتها عندما تشعر بأنها مهددة

حدث ذلك في عام 2003 عندما انهار الجيش العراقي أمام القوات الأمريكية وسارعت طهران إلى مديدها لواشنطن عبر سفير السويد فيما لاحقاً واصلت سعيها لحيازة أسلحة نووية لأن إدارة بوش لم تمارس ضغوطاً كافية عليها، ماهو السبيل إذن لإنهاء إشكالية برنامج إيران النووي؟ الجواب بحسب دنيس روس من خلال تقليل التركيز على الأمم المتحدة وتحويل الاهتمام نحو حمل الأوروبيين واليابانيين والصينيين والسعوديين على التعاون كلما أبدت واشنطن استعداداً للتحدث مباشرة مع إيران شعر الأطراف الآخرون بارتياح أكبر في زيادة الضغوط، كما أن الأوروبيين اشتكوا من أن الصينيين سوف ينتهزون الفرصة ويحلون مكانهم إذا خفضوا حجم أعمالهم مع إيران غير أن إشراك الصينيين سوف يهدئ هذه المخاوف.ويقول روس يجب أن نمد لإيران جزراً فاتحاً للشهية لإرساء توازن مع العصا الحادة هل هي سياسة العصا والجزرة من جديد؟ يجيب يتعين علينا تقديم منافع سياسية واقتصادية وأمنية لطهران شرط أن تغير سلوكها ليس في المجال النووي فقط إنما أيضاً في موضوع الإرهاب على حد زعمه، ويشرح: تبين العصا لإيران ما الذي تخسره إذا امتلكت السلاح النووي،أما الجزرة فتبين لقادتها ما الذي يكسبونه إذا تصرفوا باعتدال، هذه هي الخطوط التي يرسمها روس لأوباما لتفادي نتيجتين مروعتين: الأولى هي العيش مع إيران نووية، والثانية هي حيازتها للسلاح النووي.

لكن ما قد يفوت روس هو أن إيران أخذت في حسبانها تلك الاحتمالات، ولهذا لم تعد تحلم بالجزرة الأمريكية وبطبيعة الحال لم تعد كذلك تخشى من عصاها الغليظة التي تحطمت مؤخراً.

الشرق الأوسط وحدود القوة الأمريكية

المحقق أن ملف إيران هو أقرب الملفات سياسياً وجغرافياً من ملف الشرق الأوسط والنزاع العربي-الإسرائيلي الذي طال لمدة تناهز العقود الستة، وفي الحديث هنا يتناول البروفيسور جون ميرشايمر الذي أصدر بالشراكة مع زميلة البروفيسور ستيفن والت مؤخراً كتاب (اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية الأمريكية) وفيه وضحا إلى أي حد تتأثر السياسة الأمريكية سلباً من جراء الدعم غير المحدود لإسرائيل.

وفي الملف الذي نحن بصدده وفي الطريق إلى الرئاسة الأمريكية الجديدة يرى ميرشايمر أن الولايات المتحدة في ورطة كبيرة في الشرق الأوسط، فعلى الرغم من الوعود التي يطلقها باراك أوباما بالانسحاب من العراق فإنه ليس هناك أيةبوادر بأن المأزق هناك سوف ينتهي قريباً،كما أن إيران سوف تتجه سريعاً نحو حيازة رادع نووي و(حماس) تثبت حكمها في غزة،لكنه يقدم استراتيجية لبلاده يسميها (إرساء التوازن عن بعد) ويصفها بأنها أقل طموحاً من خطة الرئيس بوش لنشر الديمقراطية في مختلف أنحاء الشرق الأوسط، لكنها أفضل بكثير لحماية المصالح الأمريكية الفعلية،وبموجب هذه الاستراتيجية تتمركز القوات العسكرية الأمريكية خارج المنطقة، ويعني إرساء التوازن الاعتماد على قوى إقليمية مثل إيران والعراق والسعودية كي يضبط كل منها الآخر، وتظل واشنطن منخرطة دبلوماسياً وعند الحاجة تساعد الطرف الأضعف في حال اندلاع نزاع وستعمل أيضاً قواتها الجوية والبحرية على الرد بسرعة على التهديدات غير المتوقعة،لكن وهذه هي النقطة الرئيسية لا ترسل أمريكا جنوداً إلى الميدان إلا إذا انهار توازن القوى المحلي بطريقة خطيرة وهدد بلد ما بالسيطرة على البلدان الأخرى.

هل هذه استراتيجية جديدة أممستحدثة؟ الجواب لقد طُبقت من قبل الولايات المتحدة الأمريكية مسبقاً وبنجاح إلى حد بعيد خلال الجزء الأكبر من الحرب الباردة، وساعدت أمريكا العراق على احتواء إيران الثورية في الثمانينات من القرن الماضي ثم عندما هدد غزو العراق للكويت عام 1990 بجعل الأمور تميل لمصلحة بغداد شكلت الولايات المتحدة تحالفاً متعدد الجنسية لسحق آلة صدام حسين العسكرية، وفضائل هذه الاستراتيجية كما تتراءة لميرشايمر أنها تقلل احتمالات التورط في حرب دموية ومكلفة أخرى مثل حرب العراق والتخفيف من حدة الإرهاب الذي تعانيه أمريكا وتقلل مخاوف سوريا وإيران لجهة القول بزعزعة وقلب نظاميهما. والسبب القوي الأخير هو فشل كل الأساليب الأخرى وهي في كل الأحوال استراتيجية لن تلغي المشكلات التي تواجهها أمريكا دفعة واحدة، لكنها ستكون أقل تكلفة على الصعيدين المالي والبشري ويقر صاحبها بأنها ليست استراتيجية مضمونة 100 في المائة،لكنها الأقرب إلى النجاح على أننا نأخذ على تلك القراءة أنها تتعامل مع دول المنظمة بعيداً عن الوجود الإسرائيلي والخلافات الإقليمية والتطورات الطبيعية التاريخية للأنظمة وكأنها ثوابت لا تتغير. 

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1651::/cck::
::introtext::

مع حلول العشرين من يناير الماضي شعر الأمريكيون وكأن هناك موعداً فاصلاً في حياتهم بين مرحلتين مرحلة رئاسة عقائدية قادها الرئيس السابق جورج بوش بمشاركة تيارات اليمين على اختلاف توجهاتها سياسياً ودينياًمن دون أن نغفل تأثير جماعات الضغط عليها من لوبي مساند لإسرائيل مروراً بالمجمع الصناعي العسكري الأمريكي وصولاً إلى أساطين النفط، وبين رئاسة جديدة قادمة يقوم عليها رئيس شاب لا يملك سوى الأمل في مواجهة التركة المثقلة بالآثام والأخطاء التي تقترب من حد الخطايا.

::/introtext::
::fulltext::

مع حلول العشرين من يناير الماضي شعر الأمريكيون وكأن هناك موعداً فاصلاً في حياتهم بين مرحلتين مرحلة رئاسة عقائدية قادها الرئيس السابق جورج بوش بمشاركة تيارات اليمين على اختلاف توجهاتها سياسياً ودينياًمن دون أن نغفل تأثير جماعات الضغط عليها من لوبي مساند لإسرائيل مروراً بالمجمع الصناعي العسكري الأمريكي وصولاً إلى أساطين النفط، وبين رئاسة جديدة قادمة يقوم عليها رئيس شاب لا يملك سوى الأمل في مواجهة التركة المثقلة بالآثام والأخطاء التي تقترب من حد الخطايا.

لا يبدي أحد كيف لأوباما أن يواجه هذا الإرث بل هل سيقدر له أن يطفو فوق السطح أم أن فعل تلك الأهوال سيبقى كجبل الثلج أغلبه جاثم في قاع المحيط محاولاً خرق وغرق سفينة باراك أوباما؟

إن أمريكا وعن حق في مفترق طرق شديد الوعورة ولحظة بالغة الأهمية واختبارات لا توفر تهديد مكانة القطب الأوحد المنفرد بالعالم حتى الساعة.

وفي هذه الرؤية نحاول التوقف مع أهم القراءات التي تشغل ذهن الأمريكيين بين منعرجين، وهي قراءات للنخبة المفكرة من سياسيين وقادة مراكز فكر والتي باتت في السنوات الأخيرة المختبر الطبيعي لـ (تفريخ) قيادات أمريكا الحديثة.

رحيل بوش وصورة أمريكا

في أحدث تقارير واشنطن إشارة إلى لقاءات تلفزيونية عدة على درجة بالغة من الأهمية تعكس رؤية قادة المرحلة البوشية للسنوات الثماني الماضية، فعلى سبيل المثال قالت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كوندوليزا رايس في حوار لها مع برنامج (واجه الصحافة) الذي يقدمه ديفيد غريغوري إن العالم لا يزال يرى الولايات المتحدة مكاناً تحترم فيه كثير من القيم المثالية التي لها قبول في كل أنحاء العالم، ومكاناً يتمكن فيه فرد ذو حال متواضعة أن يحقق أشياء عظيمة، وفي هذا السياق بدا واضحاًأنها تلفت الانتباه إلى انتخاب الرئيس أوباما وربما كانت تتحدث عن الخلفية المتواضعة التي جاءت منها أصلاً. لكنها تكمل بالقول- فيما يشبه الاعتراف-بأنه قد تكون هناك بعض الأشياء التي قامت بها الولايات المتحدة لم تكن محل ترحيب من البعض وهناك البعض الآخر الذي رفضها إلا أن الولايات المتحدة لا تزال مكاناً محترماً عبر العالم أجمع.

غير أن اللهجة الاستعلائية لا تغيب عن لسان رايس حتى بعد الفشل الذريع الذي أصاب مشروعات أمريكا في العالم العربي على نحو خاص وهي صاحبة التعريف أو التعبير المغلوط الذي أثبت فشلاً ذريعاً(الفوضى الخلاقة)، تقول رايس إنه (ليس من التواضع أن يترك أفراد يعيشون في كنف القهر والظلم والاستبداد الذي تمارسه النظم الحاكمة عليهم، صحيح أن البعض مثل العرب ليسوا مستعدين بعد للعيش في ظل نظم ديمقراطية وقد يكون الأفارقة في بداية الطريق أيضاً، لكن ترك هؤلاء دون مساعدة أمر لا يمكن قبوله فهؤلاء البشر يستحقون الحياة ذاتها التي يعيشها مواطنو الولايات المتحدة، ويستحقون أيضاً الحصول على الحقوق والحريات الأساسية التي يجب أن يتمتع بها أي إنسان). ولعل تصريحات رايس تستدعي التساؤل أين هي تلك الاستحقاقات؟ وماذا نسمي إذن ما جرى في أبو غريب؟ وماذا عن أحاديث الأسلحة الفتاكة التي استخدمت في العراق ولم يكشف عنها النقاب بعد؟ هل كانت هذه هي وسائل نشر الديمقراطية عربياً وشرق أوسطياً؟

وكذلك كان مقدم البرنامج ديفيد غريغوري محاوراً بارعاً في فضح غالبية منظومة الأكاذيب الأمريكية البوشية، إذ سال أنه طوال ستة عشر عاماً أي طوال عهدي كلينتون وبوش لماذا لم تتدخل واشنطن مباشرة من أجل إيقاف مذابح رواندا ودارفور؟ وكان التساؤل هل لأنه لا يوجد نفط هناك لم تذهب العسكرية الأمريكية وتركت الناس لمصائرها تلاقي الموت حتفاً؟ جواب رايس كالعادة حاول الالتفاف على التساؤل والعودة من جديد للحلقة المفرغة التي استغلت للترويج لحرب العراق، إذ أكدت أن بلادها تدخلت في العراق بعد عمليات الإبادة الجماعية ضد الشيعة والأكراد وتدخلت في أفغانستان ضد حركة طالبان نظراً للممارسات القمعية ضد الشعب الأفغاني.

وترى رايس أنهفي مثل هذه الحالات التي يرتبط فيها احترام القيم التي تؤمن بها الولايات المتحدة وضرورة التحرك للدفاع عنها من جهة والأمن والمصالح القومية للولايات المتحدة من جهة أخرى كان لا بد من دور عسكري نشط تقوم به القوات المسلحة الأمريكية من أجل حماية الأبرياء، الأمر الذي يعني أنه وحتى ساعات الرحيل تبقى أمريكا بوش ورايس تاركة خلفها صورة لأمريكا ذات القوة المسلحة التي تهدد العدو والصديق على حد سواء.

ما فعله بوش كان نشر لفلسفة الحرب والصراع وعلى أوباما أن يفعل العكس

أوباما وهندسة السلام المقبلة

في سياق قراءة المشهد الأمريكي وبعمق في الفترة الواقعة بين رئيسين كانت مجلة (نيوزويك) الأمريكية ذائعة الصيت تفتح أبوابها لقراءة راقية من خمسة من كبار كتاب ومفكري أمريكا المعاصرين وأولهم فريد زكريا رئيس تحرير المجلة ذاتها والذي يرى أن أمام الرئيس أوباما فرصة غير مسبوقة لهندسة سلام للقرن الحادي والعشرين وكأنه يود القول إن ما فعله بوش كان نشر لفلسفة الحرب والصراع وعلى أوباما أن يفعل العكس، ماذا عن أهم رؤى زكريا؟

يقول في عالم يتميز بالتغيير سوف يبدأ عدد متزايد من البلدان ولاسيما قوى عظمى مثل روسيا والصين والهند برسم مسارها الخاص وسوف يقوض هذا بدوره الاستقرار أكثر فأكثر، وهنا لا تستطيع أمريكا إلى ما لا نهاية حماية كل الخطوط البحرية والتوسط في كل الاتفاقيات ومحاربة كل المجموعات الإرهابية، ففي غياب بعض الآليات لحل المشكلات المشتركة سوف يتعثر العالم كما نعرفه الآن أي عالم الاقتصاد المنفتح على كل المنافع الاجتماعية والسياسية التي تترتب عن هذا الانفتاح وقد يعود القهقرى.

ولدى الرئيس المنتخب أوباما نقاط قوة خاصة به أيضاً يقول عنها زكريا لن أبالغ في تضخيم أهمية الشخص لكن أوباما أصبح رمزاً عالمياً لا يشبه أحداً ممن عاصرتهم،وإذا ذهب إلى طهران مثلاً فسوف يستقطب على الأرجح حشداً من ملايين الأشخاص يفوق بكثير ما قد يحلم به أي رئيس، وإذا أظهرت إدارته في تعاطيها اليومي فهماً حقيقياً لوجهات نظر البلدان الأخرى وتعاطفاً مع طموحات الشعوب حول العالم فسوف تغير سمعة أمريكا بصورة مستمرة.

هل نحن أمام لحظة مختلفة في التاريخ الأمريكي إذا أمكن استغلالها على نحو جيد سارت الأمور على غير ما عهدته واشنطن في السنوات الثماني الماضية؟ يجيب رئيس تحرير الـ (نيوزويك) الأمريكية بالقول إنها لحظة نادرة في التاريخ من شأنها جعل أمريكا أكثر تجاوباً وأفضل تناغماً مع بقية العالم. وأن تساعد على إرساء مجموعة جديدة من الأفكار والمؤسسات لهندسة سلام القرن الحادي والعشرين يحقق الاستقرار والازدهار والكرامة لمليارات الأشخاص وبعد 10 سنوات يكون العالم قد تبدل، وتكون القوى الصاعدة أصبحت غير مستعدة لقبول أجندة موضوعة في واشنطن أو لندن أو بروكسل، لكن في هذه اللحظة أمام هذا الرجل فرصة فريدة لاستعمال القوة الأمريكية من أجل صياغة العالم من جديد،إنها لحظته ويجدر به انتهازها، على أن زكريا وقد ترك الإجابات مفتوحة فقد تولى شأنها عدد آخر من المنظّرين، فعلى سبيل المثال كان أندرو باسيفيتش يطالب واشنطن بأن تصنع تعبيراً محدداً للنصر يختلف عما رأته إدراة بوش.

طهران وخيار بين الحرب والسلم

على الجانب الإيراني فإن الذي يتصدى لمناقشة قضية البرنامج النووي الإيراني هو دنيس روس المبعوث السابق للولايات المتحدة في الشرق الأوسط وزميل الأبحاث في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى وصاحب المؤلف الشهير (فن الحكم: والسبيل لاستعادة مكانة أمريكا في العالم، ما الذي يضيفه روس في هذه القراءات المتصلة؟

يبدأ روس سطور مداخلته بمحاولة إزعاج لغالبية القوى التي تطلق عليها أوصاف المعتدلة فيقول أينما نظرنا في الشرق الأوسط اليوم نجد أن إيران تهدد المصالح الأمريكية والمنظومة السياسية، ويستشهد بأن سفيراً عربياً قال له أخيراًإن الإيرانيين يذكّرون القادة العرب بأن أمريكا لم تساعد رئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة والرئيس الجورجي ميخائيل ساكشفيلي عندما واجه المتاعب، وأن واشنطن تركتهما صفر اليدين في الواقع،أما إيران فقريبة ولن تتخلى عنهما، والنتيجة التي يود دنيس روس إيصالها للقارئ هي على هذا النحو. إذا كان الإيرانيون يلقون بثقلهم الآن فتخيلوا ما سيحصل إذا امتلكوا السلاح النووي، ويؤكد كذلك على أنه لم يفت الأوان لمنع إيران من حيازة القنبلة النووية لأهداف دفاعية وهجومية على السواء، لكن ليس مؤكداً أن المرشد الأعلى آية الله خامنئي مستعد للتضحية بأي شيء للحصول على الأسلحة النووية، ففي الواقع يظهر التاريخ أن حكومته تتفاعل مع الضغوط الخارجية فتضبط تصرفاتها عندما تشعر بأنها مهددة وتستغل الفرصة عندما ترتئي أن ذلك ممكن.

الحكومة الإيرانية تتفاعل مع الضغوط الخارجية وتضبط تصرفاتها عندما تشعر بأنها مهددة

حدث ذلك في عام 2003 عندما انهار الجيش العراقي أمام القوات الأمريكية وسارعت طهران إلى مديدها لواشنطن عبر سفير السويد فيما لاحقاً واصلت سعيها لحيازة أسلحة نووية لأن إدارة بوش لم تمارس ضغوطاً كافية عليها، ماهو السبيل إذن لإنهاء إشكالية برنامج إيران النووي؟ الجواب بحسب دنيس روس من خلال تقليل التركيز على الأمم المتحدة وتحويل الاهتمام نحو حمل الأوروبيين واليابانيين والصينيين والسعوديين على التعاون كلما أبدت واشنطن استعداداً للتحدث مباشرة مع إيران شعر الأطراف الآخرون بارتياح أكبر في زيادة الضغوط، كما أن الأوروبيين اشتكوا من أن الصينيين سوف ينتهزون الفرصة ويحلون مكانهم إذا خفضوا حجم أعمالهم مع إيران غير أن إشراك الصينيين سوف يهدئ هذه المخاوف.ويقول روس يجب أن نمد لإيران جزراً فاتحاً للشهية لإرساء توازن مع العصا الحادة هل هي سياسة العصا والجزرة من جديد؟ يجيب يتعين علينا تقديم منافع سياسية واقتصادية وأمنية لطهران شرط أن تغير سلوكها ليس في المجال النووي فقط إنما أيضاً في موضوع الإرهاب على حد زعمه، ويشرح: تبين العصا لإيران ما الذي تخسره إذا امتلكت السلاح النووي،أما الجزرة فتبين لقادتها ما الذي يكسبونه إذا تصرفوا باعتدال، هذه هي الخطوط التي يرسمها روس لأوباما لتفادي نتيجتين مروعتين: الأولى هي العيش مع إيران نووية، والثانية هي حيازتها للسلاح النووي.

لكن ما قد يفوت روس هو أن إيران أخذت في حسبانها تلك الاحتمالات، ولهذا لم تعد تحلم بالجزرة الأمريكية وبطبيعة الحال لم تعد كذلك تخشى من عصاها الغليظة التي تحطمت مؤخراً.

الشرق الأوسط وحدود القوة الأمريكية

المحقق أن ملف إيران هو أقرب الملفات سياسياً وجغرافياً من ملف الشرق الأوسط والنزاع العربي-الإسرائيلي الذي طال لمدة تناهز العقود الستة، وفي الحديث هنا يتناول البروفيسور جون ميرشايمر الذي أصدر بالشراكة مع زميلة البروفيسور ستيفن والت مؤخراً كتاب (اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية الأمريكية) وفيه وضحا إلى أي حد تتأثر السياسة الأمريكية سلباً من جراء الدعم غير المحدود لإسرائيل.

وفي الملف الذي نحن بصدده وفي الطريق إلى الرئاسة الأمريكية الجديدة يرى ميرشايمر أن الولايات المتحدة في ورطة كبيرة في الشرق الأوسط، فعلى الرغم من الوعود التي يطلقها باراك أوباما بالانسحاب من العراق فإنه ليس هناك أيةبوادر بأن المأزق هناك سوف ينتهي قريباً،كما أن إيران سوف تتجه سريعاً نحو حيازة رادع نووي و(حماس) تثبت حكمها في غزة،لكنه يقدم استراتيجية لبلاده يسميها (إرساء التوازن عن بعد) ويصفها بأنها أقل طموحاً من خطة الرئيس بوش لنشر الديمقراطية في مختلف أنحاء الشرق الأوسط، لكنها أفضل بكثير لحماية المصالح الأمريكية الفعلية،وبموجب هذه الاستراتيجية تتمركز القوات العسكرية الأمريكية خارج المنطقة، ويعني إرساء التوازن الاعتماد على قوى إقليمية مثل إيران والعراق والسعودية كي يضبط كل منها الآخر، وتظل واشنطن منخرطة دبلوماسياً وعند الحاجة تساعد الطرف الأضعف في حال اندلاع نزاع وستعمل أيضاً قواتها الجوية والبحرية على الرد بسرعة على التهديدات غير المتوقعة،لكن وهذه هي النقطة الرئيسية لا ترسل أمريكا جنوداً إلى الميدان إلا إذا انهار توازن القوى المحلي بطريقة خطيرة وهدد بلد ما بالسيطرة على البلدان الأخرى.

هل هذه استراتيجية جديدة أممستحدثة؟ الجواب لقد طُبقت من قبل الولايات المتحدة الأمريكية مسبقاً وبنجاح إلى حد بعيد خلال الجزء الأكبر من الحرب الباردة، وساعدت أمريكا العراق على احتواء إيران الثورية في الثمانينات من القرن الماضي ثم عندما هدد غزو العراق للكويت عام 1990 بجعل الأمور تميل لمصلحة بغداد شكلت الولايات المتحدة تحالفاً متعدد الجنسية لسحق آلة صدام حسين العسكرية، وفضائل هذه الاستراتيجية كما تتراءة لميرشايمر أنها تقلل احتمالات التورط في حرب دموية ومكلفة أخرى مثل حرب العراق والتخفيف من حدة الإرهاب الذي تعانيه أمريكا وتقلل مخاوف سوريا وإيران لجهة القول بزعزعة وقلب نظاميهما. والسبب القوي الأخير هو فشل كل الأساليب الأخرى وهي في كل الأحوال استراتيجية لن تلغي المشكلات التي تواجهها أمريكا دفعة واحدة، لكنها ستكون أقل تكلفة على الصعيدين المالي والبشري ويقر صاحبها بأنها ليست استراتيجية مضمونة 100 في المائة،لكنها الأقرب إلى النجاح على أننا نأخذ على تلك القراءة أنها تتعامل مع دول المنظمة بعيداً عن الوجود الإسرائيلي والخلافات الإقليمية والتطورات الطبيعية التاريخية للأنظمة وكأنها ثوابت لا تتغير. 

::/fulltext::
::cck::1651::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *