كليات الإعلام في الجامعات الخليجيّة: المنهجيّة المفقودة وأزمة صناعة الإعلامي

::cck::1543::/cck::
::introtext::

لم تعد وظيفة الجامعة في مجتمع المعلومات وعصر الرقميّات، وظيفة نمطية بمخرجاتها التعليميّة ووسائلها التربوية، بل أصبحت مراكز تعليم وإبداع في ظل ثورة رقمية ساعدت على النفاذ إلى مصادر المعلومات وتبادلها وبناء القدرات للبحث عن المعلومات وتنظيمها ومعالجتها من أجل تطبيقها في مجال التعليم والبحث والتنمية الإنسانية، والأهم توليد معرفة جديدة غير تقليدية وتوظيفها لتوصيف المشكلات وحلها.

::/introtext::
::fulltext::

لم تعد وظيفة الجامعة في مجتمع المعلومات وعصر الرقميّات، وظيفة نمطية بمخرجاتها التعليميّة ووسائلها التربوية، بل أصبحت مراكز تعليم وإبداع في ظل ثورة رقمية ساعدت على النفاذ إلى مصادر المعلومات وتبادلها وبناء القدرات للبحث عن المعلومات وتنظيمها ومعالجتها من أجل تطبيقها في مجال التعليم والبحث والتنمية الإنسانية، والأهم توليد معرفة جديدة غير تقليدية وتوظيفها لتوصيف المشكلات وحلها.

إن نجاح عمليات التنمية مرتبط بقدرة الدول على بناء مجتمع المعرفة الذي يمثل فيه التعليم عموماً والتعليم العالي خصوصاً ركيزة أساسية، لكن هذا التعليم ينبغي أن يتغير وفق فلسفة العصر وخصوصية الواقع، فلا يمكن الحديث اليومعن تعليم عصر الصناعة القائم على ثنائية المنتج والمستهلك، أي مدارس تنتج وأسواق عمل تستهلك، مقابل جمود المعارف والمهارات، وإنما ينبغي أن يكون التعليم، برأي خبراء التربية والتعليم، فاعلاً في تحقيق:

1- الوفاق بين المتناقضات الكامنة في منظومة التعليم والكامنة في منظومة التربية، إلى التناقضات بين العالمي والمحلي، والذاتي والموضوعي، والتقليدي والحداثي، والمادي والروحي، والشمولي والتخصصي.

2- التوازن بين العناصر التربوية، أي بين الثلاثية: العلمي والتكنولوجي والأخلاقي.

3- استيعاب ظاهرة انفجار المعرفة، أي كيفية الملاءمة بين تضخم المعرفة وقدرة الإنسان على استيعابها، ومراعاة الفارق الجوهري بين المعلومات والمعرفة.

4- التغلب على آفة التلقي السلبي، وإدراك أن التعليم فعل إيجابي إرادي يدعمه التحدي وتثريه المشاركة، ويحبطه التهديد وقتل روح المبادرة، وأن يكون (التعليم شيئاً يفعله الطلبة وليس شيئاً يفعل لهم).

5- التمحور حول المتعلم، أي تحويل التعليم إلى تعلم، ويعني إكساب المتعلم القدرة على التعليم ذاتياً، ومواصلة تعلمه طيلة حياته.

6- الانطلاق من الأستاذ، أي لا بد من أن ننمي لديه القدرة ذاتها، بأن تكسب مهنيته طابعاً بحثياً، وألا نعطيه منهجاً سابق التجهيز.

7- تكوين فلسفة تعليمية واضحة تقدم رؤية متقدمة للحاضر وتستشرف المستقبل، وتقوم على مبادئ أساسية وجوهرية هي:

– التعلم لا التعليم مدخلاً.

– توجيه مسيرة التعلم فكراً واستراتيجية.

– إنتاج محتوى تعليمي عالي الجودة.

– إدخال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في التعليم.

– تنميّة البحث العلمي كمصدر للتعلم والتنمية.

كليات الإعلاموأزمة المنهجية الفكرية

كشفت دراسة أطلقها مركز دراسات الاقتصاد الرقمي (مدار) أن حجم الإنفاق على قطاع التعليم في دول الخليج العربية وصل إلى 26 مليار دولار أمريكي في العام الماضي، حيث جاءت هذه الزيادة نتيجةً لالتزام دول المنطقة بتطوير أنظمتها التعليمية؛ كما توقعت دراسات تربوية أن حجم الإنفاق على التعليم في دول الخليج العربية سيتجاوز حد الـ 35 مليار دولار خلال عام 2009.

ومع ذلك يواجه التعليم في دول الخليج، كما جاء في إحدى الدراسات التي أعدت من قبل مجلس التعاون الخليجي، مشكلات عديدة أبرزها: القصور في بعض مدخلاته،  ولا سيما بالنسبة إلى نوعية الأساتذة والمديرين، وانخفاض مستوى مخرجاته، وخاصة في بعض المهارات والمواقف.

كما تشير الدراسات إلى أن واقع التعليم في الدول الأعضاء يغلب عليه الجانب النظري والاستمرار في تصميم المناهج وإعداد الكتب والمواد التعليمية بالأساليب التقليدية التي تكرس حفظ المعلومات واسترجاعها عن عمليتي التعليم والتقويم، مما يقلل الاهتمام بالمهارات التعليمية العليا والبحث العلمي، بالإضافة إلى أن النظم التعليمية في هذه الدول تعاني ضعف تطابق مخرجاتها وطلب سوق العمل، وافتقارها إلى المرونة للتكيف مع احتياجاته المتغيّرة، وبطغيان الصفة الجامعية على مؤسساته، مما يجعله قاصراً عن توفير التنوع المطلوب الذي يلبي الاحتياجات المتعددة لسوق العمل، بالإضافة إلى سيطرة التخصصات الأدبية والنظرية على برامج التعليم الجامعي، حيث تبلغ نسبته الثلثين تقريباً في أغلب هذه الدول.

ولا بد من الاعتراف بأن معظم الجامعات الخليجية تفتقد الفلسفة التعليمية التي تحدد أهدافها وتبلور نظمها التعليمية، لافتقارها إلى دور (المفكر الجامعي الاستراتيجي) وإلى (القائد الإداري المفكر) بما يجعلها قادرة على خلق نموذجها الخاص، ورؤيتها من دون استنساخ لنظم جامعية أجنبية قد لا تتطابق مع البيئة التعليمية للمكان وخصوصية هوية التعليم، ومهارات الطلبة ومخرجات التعليم الثانوي، وهذا ما جعلها بالنتيجة جامعات تدريس فقط أي مدارس تعليم عام تحت مسمى مؤسسات تعليم عال.

كما تعاني الجامعات في دول الخليج من مشكلات عديدة أبرزها طبيعة أهداف الجامعة ورسالتها العلمية، وهي طبيعة تقليدية لا تحتكم للمعايير العلمية، وتفتقد الرؤية والاستراتيجية في بناء نظامها الجامعي، كما يختفي دور المفكر القيادي الجامعي الذي يؤسس لها استراتيجية واضحة لمسيرتها. فقد أضحت بعض الجامعات أداة من أدوات تكريس السلطة القائمة ونظامها التعليمي، الذي يعتمد على تخريج من يملأ الفراغ في مختلف مؤسسات المجتمع بحد أدنى من المعرفة التقليدية التي لم تراجع طيلة عقود.

ومثلما تعاني الجامعات الخليجية من هذه المشكلات، فإن كليات الإعلام تأخذ من تقاليد الجامعة التقليدية الكثير من أفكارها وأنماطها، فنحن اليوم أمام كليات إعلام خارج عصر العولمة والثورة المعلوماتية، تجتر ماضي الإعلام التقليدي ونظرياته ومناهجه التي لاتزال تبحث في التقنيات التقليدية للإذاعة والتلفزيون والصحافة والطباعة، وتناقش تقاليد العمل الإعلامي في فترة خمسينات القرن الماضي، رغم أننا نعيش ثورة الرقميات، ومغادرة معظم المؤسسات الإعلامية الخليجية التقنيات القديمة التي لم تعد صالحة في عصر الأقمار الصناعية.

ولعل أبرز التحديات التي تواجه دول الخليج العربية على الصعيد الدولي في المرحلة المقبلةتتمثل بشكل عام في استمرار تزايد الاندماج والترابط بين الدول في ظل تحرير نظامالتجارة العالمية واستمرار إنشاء التكتلات الاقتصادية ومناطق التجارة الحرة وازديادأهمية العلوم والتقنية وأيضاً ازدياد أهمية المكون المعرفي والتقني. وهذه المظاهر العالمية لايمكن لهذه الدول أن تنافس فيها، وتكون فاعلة ومتفاعلة إلا بوجودإعلامي مدرب وقوي يستطيع أن يعبر عن مجمل القضايا الوطنية بموضوعية وعالمية.

غياب المفهوم الإعلامي الصحيح للتدريب سيؤدي إلى وجود مخرجات إعلامية ضعيفة

وهنا لابد من تحديد الإشكاليات والتحديات التي تواجة كليات أو أقسام الإعلام في الدول الخليجية أبرزها:

1-غياب المنهجية التي تحدد فلسفتها وأهدافها بحيث تضع لها خريطة طريق توضح لها رؤيتها الاستراتيجية وفكرها وتميزها، فنحن اليوم نعاني غياباً واضحاً في الرؤية المحددة للعمل الأكاديمي والتعليمي، وللخطط التكتيكية والاستراتيجية،والأهم غياب(المفكر الإداري)، وسيطرة (الإداري التقليدي) التي تختفي في توجهاته روح الإبداع، وفكرة التحديث والتطوير.بمعنى أدق،عندما تغيب الفلسفة التعليمية والرؤية الشاملة للجامعة كمؤسسة تعليمية، فإننا نتوقع أيضاً ضعف الوحدات والكيانات المرتبطة بها،وهذا ما يحدث لكليات الإعلام العربية بشكل عام والخليجية بشكل خاص،حيث سيادةالفوضى بدلاً من التخطيط،والنمطية بدلاً من التجديد،والفردية بدلاً من الجماعية،والضعف بدلاً من الجودة.

2-المناهج النائمة التي تفتقد روح العصر الرقمي وخصوصية المكان والزمان، فنحن اليوم نشهد استنساخاً للمناهج بين كليات الإعلام، وهو استنساخ بليد وآلي فيه قدر كبير من الاستسهال الجامد بعيداً عن الإبداع ومفهوم التلاقح الإيجابي،وهو يعكس الصورة النمطية للفكر الجامعي التقليدي، مثلما يعكس أيضاً غياب التفكير المبدع في البحث عن الأفكار الخلاقة.

إن أزمة تحديث وتطوير المناهج، هي أزمة فكر قبل أن تكون مجرد منهج دراسي، وهي ترتبط بطريقة أسلوب تفكير ومنهج، لأن معظم كليات الإعلام تميل إلى صنع وجودها من الآخرين بطريقة ميكانيكية، وتستسلم لها تحت حجة خبرتها الطويلة والعريقة، مع أن هذا الكلام يفتقد الكثير من المنطق والواقعية، فنحن نرى الكثير منها لاتزال مناهجها تعيش خارج العصر رغم مرور نصف قرن على تأسيسها. وهذا لايعني أيضاً عدم الاستفادة من تجاربها الناجحة.

والملاحظ أن هذه الكليات تبتعد أحياناً عن السوق الإعلامي، وتختار الأسهل من البرامج، لأن التنوع مطلوب فيالتخصصات، فليست الكتابة الإخبارية هي فقط التي يمكن أن تؤدي إلى فرص عمل للخريجين، إنما هناك تخصصات أخرى تحتاجها الصناعة الإعلامية بشدة مثل الإضاءة، المونتاج علىالحاسوب، والصوت، والغرافيك، والأبحاث الهادفة والتي تخدم العمل الإعلامي وكتّابومصممي الأفكار الإعلانية والترويج الإعلاني، ولذلك نقول إن الحاجة دائمة إلى دراسة واقعية وموضوعيةللسوق الإعلامي.

إن دور الكليات غير التقليدية مسايرة العصر لتخريج (الإعلامي الشامل) والقادر على أداء ولعب أكثر من دور في العمل الإعلامي، بحيث تكون لديه القدرة على الصياغة والتصوير وإرسال رسالة قصيرة بمضمون الخبر وتسجيل حوار مع المصادر، وهو ما يطلق عليه ثقافة «One ManUnit» (الرجل الوحدة).

3-التدريب: تعاني كليات الإعلام غياب فلسفة للتدريب والتأهيل، وعدم وجود خطة واضحة لها، تأخذ في الاعتبار حقائق الميدان الإعلامي ومتطلباته، وخصوصية كليات الإعلام التي تعتمد في الأساس على التطبيقات العملية، ومن دونها لايمكن أن تصنع الإعلامي المطلوب، وهذا يعني أهمية إيلاء التطبيقات العملية في المناهج الدراسية،فبالقدر الذي نلمس فيه كافة الجامعات العالمية والدولية الكبرى تسعى إلى تعديل برامجها الدراسية (خصوصاً في المراحل الدراسية لمرحلة البكالوريوس) إلى تقليص الدور التنظيري الأكاديمي في البحث وإلى مزجه مع الدور التطبيقي الممارس، نجد جامعاتنا العربية بما فيها الجامعات الخليجية لا تزال خطواتها محدودة في هذا الجانب. والمطلوب تخصيص حصة أكبر في البرنامج الجامعي لتخصصات تطبيقية ومهارية.

أصبحت كليات الإعلام تتسابق في جعل الدراسة باللغة الإنكليزية تحت حجج العولمة 

ولابد من الاعتراف بأن هناك محاولات جيدة في مجال التدريب، لكنها لا تزال عاجزة عن تحقيق أهدافها الحقيقية، وهي أهداف صناعة (الإعلامي الرقمي) المرتبط بالعصر، وتكمن الأزمة في غياب الفلسفة والرؤية للجامعات.

ومن دون شك فإن هناك إشكاليات في التدريب، داخلياً وخارجياً، فمعظم الكليات تعاني نقصاً واضحاً في إمكاناتها التكنولوجية والفنية على صعيد توفير المعدات والأجهزة المتطورة، وبعضها لايزال يعمل في استوديوهات ومختبرات تقليدية، بحيث يجد الطالب نفسه في مأزق إثبات الوجود عندما يعمل في المؤسسات الإعلامية بعد التخرج. أما خارجياً، فهناك أكثر من إشكالية في العلاقة بين كليات الإعلام والمؤسسات الإعلامية، تتلخص بأن هناك عدم فهم مشترك للشراكة الحقيقية، والتباساً في معنى فلسفة التدريب وهدفه، وعدم وجود خطة لتدريب الطلبة سواء كانت داخل المؤسسة الأكاديمية أو الإعلامية،ولهذا يرى بعض خبراء الإعلام ضرورة أن تعيد أقسام الإعلام في دول الخليج هيكلة أقسامها الإعلامية بهدف تخريج الإعلامي المهني الكفء، وذلك لمواجهة الاتهامات التي يتقول بها الإداريون في المؤسسات الصحافية، ويزعمون بأن هذه الجامعات تخرّج صحفيين (جاهلين) والافتقار إلى الحرفية في تخصصهم الإعلامي. وهذا لايتم إلا عبر وضع برامج تدريبية وتعليمية عالية المستوى تدحض اتهامات المؤسسات الصحفية. وتبادر الجامعات إلى الرد على هذا التقصير بمخرجات على درجة عالية من المهارة والأداء الجيد الذي يرتفع بالعملية الصحفية والإعلامية إلى مستوى التحديات التي يواجهها الإعلام الخليجي في عصر العولمة والكونية.

يضاف إلى ذلك، دعم مباشر من المؤسسات الإعلامية للمؤسسات الأكاديمية في مجال التجهيزات التقنية والفنية وإقامة مختبرات وغرف أخبار في الجامعات وتوفير مدربين من أصحاب الخبرة، لتلعب دور (الحاضنات)التي تسبق مرحلة انطلاقهم في سوق العمل.مع ضرورة تبادل الخبرات وتحقيق التواصل بين طلاب أقسام الإعلام في جامعات دول مجلس التعاون الخليجي وإيجاد جسور التواصل بين أقسام الإعلام في الجامعات المختلفة في مجال التدريب وسوق العمل.

باختصار هناك إشكالية غياب ثقافة الهدف من التدريب في المؤسسة الأكاديمية والإعلامية، فالتدريب الإعلامي يجب أن يقوم على أسس معلومة يتم فيها جمع المعلومات لا عن المناخ الذي يعمل به الإعلامي فقط، لكن عن احتياجاته التدريبية ونقاط ضعفه التي يجب معالجتها، إلى جانب انتقاء العناصر التي ستحقق أعلى استفادة من التدريب وليست عناصر عشوائية،وأعتقد أن غياب المفهوم الإعلامي الصحيح للتدريب سيؤدي إلى وجود مخرجات إعلامية ضعيفة وسوق عمل غير معياري وصحفي تنقصه الوسائل التي تمكنه من أداء عمله بحرفية عالية.

ولابد من الاعتراف أيضاً بوجود خلل، فبالمؤسسات الأكاديمية والإعلامية، فالأولى تفتقر إلى الربط بينها وبين سوق العمل والاستمرارية (المحدثة للتراكم) وقائمة على التلقين والنقل والاقتباس والمحاكاة للدراسات الغربية، ولا تقوم بأية دراسات جادة تجيب عن الأسئلة الجوهرية التي يطرحها الواقع العربي، وفيها تهميش وغياب للرؤية النقدية، وأيضاً تهميش للأفراد المبدعين والجادينبالإضافة إلى قلة المدربين المحليين.  أما المؤسسات الإعلامية فإنها تعاني أزمة مركبة على ثلاثة مستويات: أكاديمي ومهني وعلى مستوى الجمهور،كما تفتقر إلى المؤسسية، مما يصعب التواصل العلمي بينهما بشكل طبيعي.

تنشيط كليات الإعلام في الجامعات الخليجية وتطويرها لا يتمان إلا بوجود نظام تعليم جامعي متفاعل مع العصر

4-الاستاذ الجامعي، هو الأبرز في العملية التعليمية، وربما يكون أكثر أهمية وحضوراًمن زملائه في الكليات الأخرى، وله أدوار كثيرة في العملية التعليمية بجوانبها النظرية والتطبيقية.ويبدو أن هناك معايير علمية ضعيفة في اختيار الأستاذ في كليات الإعلام الخليجية ترتكز عادة على الشكل أكثر من المضمون، تأخذ صيغة المباهاة، فخريج الولايات المتحدة والغرب هم الأوفر حظاً في الاختيار من دون اعتبارات لشروط الخبرة العملية، بمعنى أن المعايير تأخذ صفة أحادية الجانب وتغفل عوامل كثيرة أهمها: البحث والتدريب والخبرة والممارسة، وهي معايير دقيقة وذات صبغة علمية رصينة تحتاجها كليات الإعلام أكثر من غيرها.

إن كليات الإعلام لاتحتاج إلى شهادات نظرية في الإعلام، إنما تحتاج إلى الأستاذ الممارس الذي عاش داخل المؤسسات الإعلامية، ومارس العمل الإعلامي بكل تفاصيله، والقادرعلى توصيل خبراته النظرية والعملية معاً إلى طلبته. ومن المؤسف أن نجد الكثير من حاملي الشهادات العليا، ومن خريجي جامعات عالمية لم يمارس طيلة حياته الكتابة الصحفية والإذاعية،وأحياناً لايجيد كتابة خبر صحفي من أسطر عدة بشكل علمي، ويفتقد الحضور الإعلامي كمساهم أو خبير أو كاتب.مثلماتختفي معايير أخرى للأستاذ كباحث علمي ومدرب وصاحب خبرة، وهي إشكالية كبيرة أسهمت بشكل واضح في تدني المستوى العلمي لهذه الكليات، وأضعفت جودة مخرجات التعليم، وصناعة الإعلامي المتميز.

5- الطالب، هو الركن الآخر من العملية التعليمية،حيث مخرجات التعليم الثانوي أسهمت في بناء طلبة يتمتعون بثقافة ضعيفة لاتلبي انتقالهم إلى الجامعة،وبالذات إلى كليات الإعلام، ولكن الظروف العامة ساعدتهم على أن يكونوا في هذه الكليات لأسباب عديدة منها موضوعية وغير موضوعية.والملاحظ أن كليات الإعلام الخليجية تقبل الطلبة بمعدلات أقل بكثير من الكليات الأخرى، رغم أن هناك بعض الجامعات العربية والعالمية لاتقبل إلا أصحاب المواهب العلمية والثقافية، وأصحاب الدرجات العليا التي قد تصل أحياناً إلى أكثرمن(90 في المائة).

ومن دون شك، فإن أعداد وتأهيل الطلبة ضعيفي الثقافة والموهبة والاستعداد هما عملية عسيرة للكليات بسبب خصوصية تدريس الإعلام بشقيه النظري والعملي، وحاجته إلى قدرات مهيئة لدخول هذا التخصص، ومدارك معرفية مقبولة، والأهم الرغبة والاستعداد للعمل الإعلامي،لأن الكثير منهم يختار هذا التخصص باعتباره تخصصاً سهلاً أو بسبب ضعف معدله في الثانوية، وبالتالي فإن الصورة تبدو مؤلمة، حيث جيش من الطلبة الخريجين العاطلين عن العمل ترفضهم المؤسسات الإعلامية.

6- لغة الدراسة، وهي مشكلة خليجية بامتياز، حيث أصبحت كليات الإعلام تتسابق في جعل الدراسة باللغة الإنكليزية، تحت حجج العولمة وريادة وانتشارهذه اللغة رغم أن سوق العمل الإعلامي يتعارض مع هذا الاتجاه، ومع أن بلداناً كثيرة متطورة تحرص على أن تكون الدراسة بلغتهم الأصلية كاليابان و(إسرائيل) والصين وغيرها، إلاّ أننا نصرعلى قتل لغتنا العربية في أوطاننا، وقتل شبابنا بطريقة جلد الذات من دون مراعاة خصوصية هويتنا وثقافتنا، وبالتالي فإن هذه الكليات تخرّج طلبة لايجيدون أحياناً اللغة الإنكليزية والعربية،ولاحتى كتابة خبر صحفي أو تقرير صغير.ولاندري هل إن خريج هذه الكليات سيعمل في صحيفة (الواشنطن بوست) و(نيويورك تايمز) و(التايمز اللندنية) أم في صحف الخليج التي تفتقر بشكل واضح إلى مواطنيها.

إن الدفاع عن اللغة العربية لايلغي الحقيقة بأن طلبة الإعلام لابد أن يمتلكوا مهارات اللغة الإنكليزية للتعامل مع التكنولوجيا الرقمية ومع مصادر الأخبار الدولية، أوحتى العمل في وسائل الإعلام باللغة الإنكليزية، ولكن ينبغي أن تكون العربية هي لغة الدراسة الأساسية، وأن تكون اللغة الإنكليزية هي اللغة الثانية وليس العكس.

وباختصار شديد، فإن تنشيط كليات الإعلام في الجامعات الخليجية وتطويرها لا يتمان إلا بوجود نظام تعليم جامعي متفاعل مع العصر ويحمل خصوصيات الواقع، ويبرز هوية التعليم من دون استنساخ، من خلال فلسفة تعليمية تقوم على مبدأ التعليم والمعلومات والاستثمار، ووجود القائد الجامعي المفكر، مع الحاجة إلى وجود بيئة مزدهرة في هذه الجامعات تجعلها قادرة على تنفيذ فلسفتها التعليمية وبرامجها الأكاديميّة والبحثيّة، من منطلق أن الجامعة هي حاضنة الإبداع العلمي، وتطوير الاختراعات، ومركز الإبداع والتعلم، وتوليد الأفكار الجديدة، ومختبر لصناعة المستقبل. 

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1543::/cck::
::introtext::

لم تعد وظيفة الجامعة في مجتمع المعلومات وعصر الرقميّات، وظيفة نمطية بمخرجاتها التعليميّة ووسائلها التربوية، بل أصبحت مراكز تعليم وإبداع في ظل ثورة رقمية ساعدت على النفاذ إلى مصادر المعلومات وتبادلها وبناء القدرات للبحث عن المعلومات وتنظيمها ومعالجتها من أجل تطبيقها في مجال التعليم والبحث والتنمية الإنسانية، والأهم توليد معرفة جديدة غير تقليدية وتوظيفها لتوصيف المشكلات وحلها.

::/introtext::
::fulltext::

لم تعد وظيفة الجامعة في مجتمع المعلومات وعصر الرقميّات، وظيفة نمطية بمخرجاتها التعليميّة ووسائلها التربوية، بل أصبحت مراكز تعليم وإبداع في ظل ثورة رقمية ساعدت على النفاذ إلى مصادر المعلومات وتبادلها وبناء القدرات للبحث عن المعلومات وتنظيمها ومعالجتها من أجل تطبيقها في مجال التعليم والبحث والتنمية الإنسانية، والأهم توليد معرفة جديدة غير تقليدية وتوظيفها لتوصيف المشكلات وحلها.

إن نجاح عمليات التنمية مرتبط بقدرة الدول على بناء مجتمع المعرفة الذي يمثل فيه التعليم عموماً والتعليم العالي خصوصاً ركيزة أساسية، لكن هذا التعليم ينبغي أن يتغير وفق فلسفة العصر وخصوصية الواقع، فلا يمكن الحديث اليومعن تعليم عصر الصناعة القائم على ثنائية المنتج والمستهلك، أي مدارس تنتج وأسواق عمل تستهلك، مقابل جمود المعارف والمهارات، وإنما ينبغي أن يكون التعليم، برأي خبراء التربية والتعليم، فاعلاً في تحقيق:

1- الوفاق بين المتناقضات الكامنة في منظومة التعليم والكامنة في منظومة التربية، إلى التناقضات بين العالمي والمحلي، والذاتي والموضوعي، والتقليدي والحداثي، والمادي والروحي، والشمولي والتخصصي.

2- التوازن بين العناصر التربوية، أي بين الثلاثية: العلمي والتكنولوجي والأخلاقي.

3- استيعاب ظاهرة انفجار المعرفة، أي كيفية الملاءمة بين تضخم المعرفة وقدرة الإنسان على استيعابها، ومراعاة الفارق الجوهري بين المعلومات والمعرفة.

4- التغلب على آفة التلقي السلبي، وإدراك أن التعليم فعل إيجابي إرادي يدعمه التحدي وتثريه المشاركة، ويحبطه التهديد وقتل روح المبادرة، وأن يكون (التعليم شيئاً يفعله الطلبة وليس شيئاً يفعل لهم).

5- التمحور حول المتعلم، أي تحويل التعليم إلى تعلم، ويعني إكساب المتعلم القدرة على التعليم ذاتياً، ومواصلة تعلمه طيلة حياته.

6- الانطلاق من الأستاذ، أي لا بد من أن ننمي لديه القدرة ذاتها، بأن تكسب مهنيته طابعاً بحثياً، وألا نعطيه منهجاً سابق التجهيز.

7- تكوين فلسفة تعليمية واضحة تقدم رؤية متقدمة للحاضر وتستشرف المستقبل، وتقوم على مبادئ أساسية وجوهرية هي:

– التعلم لا التعليم مدخلاً.

– توجيه مسيرة التعلم فكراً واستراتيجية.

– إنتاج محتوى تعليمي عالي الجودة.

– إدخال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في التعليم.

– تنميّة البحث العلمي كمصدر للتعلم والتنمية.

كليات الإعلاموأزمة المنهجية الفكرية

كشفت دراسة أطلقها مركز دراسات الاقتصاد الرقمي (مدار) أن حجم الإنفاق على قطاع التعليم في دول الخليج العربية وصل إلى 26 مليار دولار أمريكي في العام الماضي، حيث جاءت هذه الزيادة نتيجةً لالتزام دول المنطقة بتطوير أنظمتها التعليمية؛ كما توقعت دراسات تربوية أن حجم الإنفاق على التعليم في دول الخليج العربية سيتجاوز حد الـ 35 مليار دولار خلال عام 2009.

ومع ذلك يواجه التعليم في دول الخليج، كما جاء في إحدى الدراسات التي أعدت من قبل مجلس التعاون الخليجي، مشكلات عديدة أبرزها: القصور في بعض مدخلاته،  ولا سيما بالنسبة إلى نوعية الأساتذة والمديرين، وانخفاض مستوى مخرجاته، وخاصة في بعض المهارات والمواقف.

كما تشير الدراسات إلى أن واقع التعليم في الدول الأعضاء يغلب عليه الجانب النظري والاستمرار في تصميم المناهج وإعداد الكتب والمواد التعليمية بالأساليب التقليدية التي تكرس حفظ المعلومات واسترجاعها عن عمليتي التعليم والتقويم، مما يقلل الاهتمام بالمهارات التعليمية العليا والبحث العلمي، بالإضافة إلى أن النظم التعليمية في هذه الدول تعاني ضعف تطابق مخرجاتها وطلب سوق العمل، وافتقارها إلى المرونة للتكيف مع احتياجاته المتغيّرة، وبطغيان الصفة الجامعية على مؤسساته، مما يجعله قاصراً عن توفير التنوع المطلوب الذي يلبي الاحتياجات المتعددة لسوق العمل، بالإضافة إلى سيطرة التخصصات الأدبية والنظرية على برامج التعليم الجامعي، حيث تبلغ نسبته الثلثين تقريباً في أغلب هذه الدول.

ولا بد من الاعتراف بأن معظم الجامعات الخليجية تفتقد الفلسفة التعليمية التي تحدد أهدافها وتبلور نظمها التعليمية، لافتقارها إلى دور (المفكر الجامعي الاستراتيجي) وإلى (القائد الإداري المفكر) بما يجعلها قادرة على خلق نموذجها الخاص، ورؤيتها من دون استنساخ لنظم جامعية أجنبية قد لا تتطابق مع البيئة التعليمية للمكان وخصوصية هوية التعليم، ومهارات الطلبة ومخرجات التعليم الثانوي، وهذا ما جعلها بالنتيجة جامعات تدريس فقط أي مدارس تعليم عام تحت مسمى مؤسسات تعليم عال.

كما تعاني الجامعات في دول الخليج من مشكلات عديدة أبرزها طبيعة أهداف الجامعة ورسالتها العلمية، وهي طبيعة تقليدية لا تحتكم للمعايير العلمية، وتفتقد الرؤية والاستراتيجية في بناء نظامها الجامعي، كما يختفي دور المفكر القيادي الجامعي الذي يؤسس لها استراتيجية واضحة لمسيرتها. فقد أضحت بعض الجامعات أداة من أدوات تكريس السلطة القائمة ونظامها التعليمي، الذي يعتمد على تخريج من يملأ الفراغ في مختلف مؤسسات المجتمع بحد أدنى من المعرفة التقليدية التي لم تراجع طيلة عقود.

ومثلما تعاني الجامعات الخليجية من هذه المشكلات، فإن كليات الإعلام تأخذ من تقاليد الجامعة التقليدية الكثير من أفكارها وأنماطها، فنحن اليوم أمام كليات إعلام خارج عصر العولمة والثورة المعلوماتية، تجتر ماضي الإعلام التقليدي ونظرياته ومناهجه التي لاتزال تبحث في التقنيات التقليدية للإذاعة والتلفزيون والصحافة والطباعة، وتناقش تقاليد العمل الإعلامي في فترة خمسينات القرن الماضي، رغم أننا نعيش ثورة الرقميات، ومغادرة معظم المؤسسات الإعلامية الخليجية التقنيات القديمة التي لم تعد صالحة في عصر الأقمار الصناعية.

ولعل أبرز التحديات التي تواجه دول الخليج العربية على الصعيد الدولي في المرحلة المقبلةتتمثل بشكل عام في استمرار تزايد الاندماج والترابط بين الدول في ظل تحرير نظامالتجارة العالمية واستمرار إنشاء التكتلات الاقتصادية ومناطق التجارة الحرة وازديادأهمية العلوم والتقنية وأيضاً ازدياد أهمية المكون المعرفي والتقني. وهذه المظاهر العالمية لايمكن لهذه الدول أن تنافس فيها، وتكون فاعلة ومتفاعلة إلا بوجودإعلامي مدرب وقوي يستطيع أن يعبر عن مجمل القضايا الوطنية بموضوعية وعالمية.

غياب المفهوم الإعلامي الصحيح للتدريب سيؤدي إلى وجود مخرجات إعلامية ضعيفة

وهنا لابد من تحديد الإشكاليات والتحديات التي تواجة كليات أو أقسام الإعلام في الدول الخليجية أبرزها:

1-غياب المنهجية التي تحدد فلسفتها وأهدافها بحيث تضع لها خريطة طريق توضح لها رؤيتها الاستراتيجية وفكرها وتميزها، فنحن اليوم نعاني غياباً واضحاً في الرؤية المحددة للعمل الأكاديمي والتعليمي، وللخطط التكتيكية والاستراتيجية،والأهم غياب(المفكر الإداري)، وسيطرة (الإداري التقليدي) التي تختفي في توجهاته روح الإبداع، وفكرة التحديث والتطوير.بمعنى أدق،عندما تغيب الفلسفة التعليمية والرؤية الشاملة للجامعة كمؤسسة تعليمية، فإننا نتوقع أيضاً ضعف الوحدات والكيانات المرتبطة بها،وهذا ما يحدث لكليات الإعلام العربية بشكل عام والخليجية بشكل خاص،حيث سيادةالفوضى بدلاً من التخطيط،والنمطية بدلاً من التجديد،والفردية بدلاً من الجماعية،والضعف بدلاً من الجودة.

2-المناهج النائمة التي تفتقد روح العصر الرقمي وخصوصية المكان والزمان، فنحن اليوم نشهد استنساخاً للمناهج بين كليات الإعلام، وهو استنساخ بليد وآلي فيه قدر كبير من الاستسهال الجامد بعيداً عن الإبداع ومفهوم التلاقح الإيجابي،وهو يعكس الصورة النمطية للفكر الجامعي التقليدي، مثلما يعكس أيضاً غياب التفكير المبدع في البحث عن الأفكار الخلاقة.

إن أزمة تحديث وتطوير المناهج، هي أزمة فكر قبل أن تكون مجرد منهج دراسي، وهي ترتبط بطريقة أسلوب تفكير ومنهج، لأن معظم كليات الإعلام تميل إلى صنع وجودها من الآخرين بطريقة ميكانيكية، وتستسلم لها تحت حجة خبرتها الطويلة والعريقة، مع أن هذا الكلام يفتقد الكثير من المنطق والواقعية، فنحن نرى الكثير منها لاتزال مناهجها تعيش خارج العصر رغم مرور نصف قرن على تأسيسها. وهذا لايعني أيضاً عدم الاستفادة من تجاربها الناجحة.

والملاحظ أن هذه الكليات تبتعد أحياناً عن السوق الإعلامي، وتختار الأسهل من البرامج، لأن التنوع مطلوب فيالتخصصات، فليست الكتابة الإخبارية هي فقط التي يمكن أن تؤدي إلى فرص عمل للخريجين، إنما هناك تخصصات أخرى تحتاجها الصناعة الإعلامية بشدة مثل الإضاءة، المونتاج علىالحاسوب، والصوت، والغرافيك، والأبحاث الهادفة والتي تخدم العمل الإعلامي وكتّابومصممي الأفكار الإعلانية والترويج الإعلاني، ولذلك نقول إن الحاجة دائمة إلى دراسة واقعية وموضوعيةللسوق الإعلامي.

إن دور الكليات غير التقليدية مسايرة العصر لتخريج (الإعلامي الشامل) والقادر على أداء ولعب أكثر من دور في العمل الإعلامي، بحيث تكون لديه القدرة على الصياغة والتصوير وإرسال رسالة قصيرة بمضمون الخبر وتسجيل حوار مع المصادر، وهو ما يطلق عليه ثقافة «One ManUnit» (الرجل الوحدة).

3-التدريب: تعاني كليات الإعلام غياب فلسفة للتدريب والتأهيل، وعدم وجود خطة واضحة لها، تأخذ في الاعتبار حقائق الميدان الإعلامي ومتطلباته، وخصوصية كليات الإعلام التي تعتمد في الأساس على التطبيقات العملية، ومن دونها لايمكن أن تصنع الإعلامي المطلوب، وهذا يعني أهمية إيلاء التطبيقات العملية في المناهج الدراسية،فبالقدر الذي نلمس فيه كافة الجامعات العالمية والدولية الكبرى تسعى إلى تعديل برامجها الدراسية (خصوصاً في المراحل الدراسية لمرحلة البكالوريوس) إلى تقليص الدور التنظيري الأكاديمي في البحث وإلى مزجه مع الدور التطبيقي الممارس، نجد جامعاتنا العربية بما فيها الجامعات الخليجية لا تزال خطواتها محدودة في هذا الجانب. والمطلوب تخصيص حصة أكبر في البرنامج الجامعي لتخصصات تطبيقية ومهارية.

أصبحت كليات الإعلام تتسابق في جعل الدراسة باللغة الإنكليزية تحت حجج العولمة 

ولابد من الاعتراف بأن هناك محاولات جيدة في مجال التدريب، لكنها لا تزال عاجزة عن تحقيق أهدافها الحقيقية، وهي أهداف صناعة (الإعلامي الرقمي) المرتبط بالعصر، وتكمن الأزمة في غياب الفلسفة والرؤية للجامعات.

ومن دون شك فإن هناك إشكاليات في التدريب، داخلياً وخارجياً، فمعظم الكليات تعاني نقصاً واضحاً في إمكاناتها التكنولوجية والفنية على صعيد توفير المعدات والأجهزة المتطورة، وبعضها لايزال يعمل في استوديوهات ومختبرات تقليدية، بحيث يجد الطالب نفسه في مأزق إثبات الوجود عندما يعمل في المؤسسات الإعلامية بعد التخرج. أما خارجياً، فهناك أكثر من إشكالية في العلاقة بين كليات الإعلام والمؤسسات الإعلامية، تتلخص بأن هناك عدم فهم مشترك للشراكة الحقيقية، والتباساً في معنى فلسفة التدريب وهدفه، وعدم وجود خطة لتدريب الطلبة سواء كانت داخل المؤسسة الأكاديمية أو الإعلامية،ولهذا يرى بعض خبراء الإعلام ضرورة أن تعيد أقسام الإعلام في دول الخليج هيكلة أقسامها الإعلامية بهدف تخريج الإعلامي المهني الكفء، وذلك لمواجهة الاتهامات التي يتقول بها الإداريون في المؤسسات الصحافية، ويزعمون بأن هذه الجامعات تخرّج صحفيين (جاهلين) والافتقار إلى الحرفية في تخصصهم الإعلامي. وهذا لايتم إلا عبر وضع برامج تدريبية وتعليمية عالية المستوى تدحض اتهامات المؤسسات الصحفية. وتبادر الجامعات إلى الرد على هذا التقصير بمخرجات على درجة عالية من المهارة والأداء الجيد الذي يرتفع بالعملية الصحفية والإعلامية إلى مستوى التحديات التي يواجهها الإعلام الخليجي في عصر العولمة والكونية.

يضاف إلى ذلك، دعم مباشر من المؤسسات الإعلامية للمؤسسات الأكاديمية في مجال التجهيزات التقنية والفنية وإقامة مختبرات وغرف أخبار في الجامعات وتوفير مدربين من أصحاب الخبرة، لتلعب دور (الحاضنات)التي تسبق مرحلة انطلاقهم في سوق العمل.مع ضرورة تبادل الخبرات وتحقيق التواصل بين طلاب أقسام الإعلام في جامعات دول مجلس التعاون الخليجي وإيجاد جسور التواصل بين أقسام الإعلام في الجامعات المختلفة في مجال التدريب وسوق العمل.

باختصار هناك إشكالية غياب ثقافة الهدف من التدريب في المؤسسة الأكاديمية والإعلامية، فالتدريب الإعلامي يجب أن يقوم على أسس معلومة يتم فيها جمع المعلومات لا عن المناخ الذي يعمل به الإعلامي فقط، لكن عن احتياجاته التدريبية ونقاط ضعفه التي يجب معالجتها، إلى جانب انتقاء العناصر التي ستحقق أعلى استفادة من التدريب وليست عناصر عشوائية،وأعتقد أن غياب المفهوم الإعلامي الصحيح للتدريب سيؤدي إلى وجود مخرجات إعلامية ضعيفة وسوق عمل غير معياري وصحفي تنقصه الوسائل التي تمكنه من أداء عمله بحرفية عالية.

ولابد من الاعتراف أيضاً بوجود خلل، فبالمؤسسات الأكاديمية والإعلامية، فالأولى تفتقر إلى الربط بينها وبين سوق العمل والاستمرارية (المحدثة للتراكم) وقائمة على التلقين والنقل والاقتباس والمحاكاة للدراسات الغربية، ولا تقوم بأية دراسات جادة تجيب عن الأسئلة الجوهرية التي يطرحها الواقع العربي، وفيها تهميش وغياب للرؤية النقدية، وأيضاً تهميش للأفراد المبدعين والجادينبالإضافة إلى قلة المدربين المحليين.  أما المؤسسات الإعلامية فإنها تعاني أزمة مركبة على ثلاثة مستويات: أكاديمي ومهني وعلى مستوى الجمهور،كما تفتقر إلى المؤسسية، مما يصعب التواصل العلمي بينهما بشكل طبيعي.

تنشيط كليات الإعلام في الجامعات الخليجية وتطويرها لا يتمان إلا بوجود نظام تعليم جامعي متفاعل مع العصر

4-الاستاذ الجامعي، هو الأبرز في العملية التعليمية، وربما يكون أكثر أهمية وحضوراًمن زملائه في الكليات الأخرى، وله أدوار كثيرة في العملية التعليمية بجوانبها النظرية والتطبيقية.ويبدو أن هناك معايير علمية ضعيفة في اختيار الأستاذ في كليات الإعلام الخليجية ترتكز عادة على الشكل أكثر من المضمون، تأخذ صيغة المباهاة، فخريج الولايات المتحدة والغرب هم الأوفر حظاً في الاختيار من دون اعتبارات لشروط الخبرة العملية، بمعنى أن المعايير تأخذ صفة أحادية الجانب وتغفل عوامل كثيرة أهمها: البحث والتدريب والخبرة والممارسة، وهي معايير دقيقة وذات صبغة علمية رصينة تحتاجها كليات الإعلام أكثر من غيرها.

إن كليات الإعلام لاتحتاج إلى شهادات نظرية في الإعلام، إنما تحتاج إلى الأستاذ الممارس الذي عاش داخل المؤسسات الإعلامية، ومارس العمل الإعلامي بكل تفاصيله، والقادرعلى توصيل خبراته النظرية والعملية معاً إلى طلبته. ومن المؤسف أن نجد الكثير من حاملي الشهادات العليا، ومن خريجي جامعات عالمية لم يمارس طيلة حياته الكتابة الصحفية والإذاعية،وأحياناً لايجيد كتابة خبر صحفي من أسطر عدة بشكل علمي، ويفتقد الحضور الإعلامي كمساهم أو خبير أو كاتب.مثلماتختفي معايير أخرى للأستاذ كباحث علمي ومدرب وصاحب خبرة، وهي إشكالية كبيرة أسهمت بشكل واضح في تدني المستوى العلمي لهذه الكليات، وأضعفت جودة مخرجات التعليم، وصناعة الإعلامي المتميز.

5- الطالب، هو الركن الآخر من العملية التعليمية،حيث مخرجات التعليم الثانوي أسهمت في بناء طلبة يتمتعون بثقافة ضعيفة لاتلبي انتقالهم إلى الجامعة،وبالذات إلى كليات الإعلام، ولكن الظروف العامة ساعدتهم على أن يكونوا في هذه الكليات لأسباب عديدة منها موضوعية وغير موضوعية.والملاحظ أن كليات الإعلام الخليجية تقبل الطلبة بمعدلات أقل بكثير من الكليات الأخرى، رغم أن هناك بعض الجامعات العربية والعالمية لاتقبل إلا أصحاب المواهب العلمية والثقافية، وأصحاب الدرجات العليا التي قد تصل أحياناً إلى أكثرمن(90 في المائة).

ومن دون شك، فإن أعداد وتأهيل الطلبة ضعيفي الثقافة والموهبة والاستعداد هما عملية عسيرة للكليات بسبب خصوصية تدريس الإعلام بشقيه النظري والعملي، وحاجته إلى قدرات مهيئة لدخول هذا التخصص، ومدارك معرفية مقبولة، والأهم الرغبة والاستعداد للعمل الإعلامي،لأن الكثير منهم يختار هذا التخصص باعتباره تخصصاً سهلاً أو بسبب ضعف معدله في الثانوية، وبالتالي فإن الصورة تبدو مؤلمة، حيث جيش من الطلبة الخريجين العاطلين عن العمل ترفضهم المؤسسات الإعلامية.

6- لغة الدراسة، وهي مشكلة خليجية بامتياز، حيث أصبحت كليات الإعلام تتسابق في جعل الدراسة باللغة الإنكليزية، تحت حجج العولمة وريادة وانتشارهذه اللغة رغم أن سوق العمل الإعلامي يتعارض مع هذا الاتجاه، ومع أن بلداناً كثيرة متطورة تحرص على أن تكون الدراسة بلغتهم الأصلية كاليابان و(إسرائيل) والصين وغيرها، إلاّ أننا نصرعلى قتل لغتنا العربية في أوطاننا، وقتل شبابنا بطريقة جلد الذات من دون مراعاة خصوصية هويتنا وثقافتنا، وبالتالي فإن هذه الكليات تخرّج طلبة لايجيدون أحياناً اللغة الإنكليزية والعربية،ولاحتى كتابة خبر صحفي أو تقرير صغير.ولاندري هل إن خريج هذه الكليات سيعمل في صحيفة (الواشنطن بوست) و(نيويورك تايمز) و(التايمز اللندنية) أم في صحف الخليج التي تفتقر بشكل واضح إلى مواطنيها.

إن الدفاع عن اللغة العربية لايلغي الحقيقة بأن طلبة الإعلام لابد أن يمتلكوا مهارات اللغة الإنكليزية للتعامل مع التكنولوجيا الرقمية ومع مصادر الأخبار الدولية، أوحتى العمل في وسائل الإعلام باللغة الإنكليزية، ولكن ينبغي أن تكون العربية هي لغة الدراسة الأساسية، وأن تكون اللغة الإنكليزية هي اللغة الثانية وليس العكس.

وباختصار شديد، فإن تنشيط كليات الإعلام في الجامعات الخليجية وتطويرها لا يتمان إلا بوجود نظام تعليم جامعي متفاعل مع العصر ويحمل خصوصيات الواقع، ويبرز هوية التعليم من دون استنساخ، من خلال فلسفة تعليمية تقوم على مبدأ التعليم والمعلومات والاستثمار، ووجود القائد الجامعي المفكر، مع الحاجة إلى وجود بيئة مزدهرة في هذه الجامعات تجعلها قادرة على تنفيذ فلسفتها التعليمية وبرامجها الأكاديميّة والبحثيّة، من منطلق أن الجامعة هي حاضنة الإبداع العلمي، وتطوير الاختراعات، ومركز الإبداع والتعلم، وتوليد الأفكار الجديدة، ومختبر لصناعة المستقبل. 

::/fulltext::
::cck::1543::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *