العراق والخليج.. السياقات السياسية والاستراتيجية
::cck::1360::/cck::
::introtext::
فرضت العلاقات الخليجية-العراقية نفسها على كثير من النقاش السياسي والاستراتيجي خلال الأعوام الستة الماضية. وبدت عودة العراق إلى عمقه العربي-الخليجي مطلباً لدى النخبة الفكرية، كما عامة الناس، في الخليج.
::/introtext::
::fulltext::
فرضت العلاقات الخليجية-العراقية نفسها على كثير من النقاش السياسي والاستراتيجي خلال الأعوام الستة الماضية. وبدت عودة العراق إلى عمقه العربي-الخليجي مطلباً لدى النخبة الفكرية، كما عامة الناس، في الخليج.
وعلى الرغم من ظروفه الصعبة والاستثنائية، فقد ظل العراق مقصداً دائماً لدى الخليجيين بمختلف انتماءاتهم الاجتماعية والمناطقية، وظل أيضاً التفاعل اليومي معه هدفاً حرص الناس على إدامته. وهذه قضية ربما لم يلحظها كثيرون خارج المنطقة. وفي الصورة المقابلة، يُمكن القول إنه على الرغم من حضورها المتقدم في الحياة الشعبية، والتفاعل الأهلي، فإن العلاقات الخليجية-العراقية، ظلت أسيرة لطابعها الإشكالي، الذي بدا على قدر من التعقيد.
لقد بدت الإشكالية الحاكمة لهذه العلاقات، ذات طبيعة مركبة من منظومة عناصر، هي: الموروث التاريخي، والتشكيل الجغرافي-السياسي، وغياب التوازن على مستوى الثقل الجيوبوليتيكي العام (Geopolitical Weight)، وتفاوت الخيارات السياسية، وتباين الاتجاهات الخارجية للدولة.
وهذا النمط المتحد من الإشكاليات (Complex Problematic) الحاكمة للعلاقات الخليجية-العراقية، أو لنقل للعلاقة بين شمال الخليج وداخله، يُمكن وصفه، على نحو مبدئي بـ (الإشكالية الجيوسياسية) (Geopolitical Problematic)، وذلك ارتكازاً على المدلول الجامع أو التوليفي للمصطلح.
وبعد ذلك، فإن القضية المطروحة على صعيد منهجي هي: كيف يُمكن بناء علاقات خليجية-عراقية بعيدة عن احتمالات التفجر في ظل إشكالية جيوسياسية؟
وهناك ثلاثة خيارات يُمكن لدول الخليج العربية الأخذ بها، هي: أولاً، بناء توازن جديد للقوى. ثانياً، الانضواء في معاهدة عدم اعتداء بوجود طرف أو أطراف ضامنة. ثالثاً، زيادة ما يُعرف بـ (كلفة الفكاك) (The Cost of Disengagement)، على النحو الذي تبدو فيه العلاقات الخليجية-العراقية ضرورة لا غنى عنها لكافة الأطراف المعنية.
وهذه الدراسة، تفترض أن الخيار الثالث هو الأكثر قدرة على السير بالعلاقات الخليجية-العراقية، إلى حيث الأمان والتطوّر. وهي ترى وهناً في الخيار الثاني، وعدم صلاحية في الخيار الأول.
وسوف نقوم بمناقشة كل خيار على حدة. إلا أننا سنبدأ بقراءة (الإشكالية الجيوسياسية) في سياقها التاريخي، الذي بدأ الحاضر مشدوداً إليه، إن لم نقل أسيراً له.
أولاً: الإشكالية الجيوسياسية في سياقها التاريخي
يُعتبر النظام الإقليمي الخليجي نظاماً فرعياً عن النظامالإقليمي الشرق أوسطي، وهو مؤتلف من ثماني وحدات سياسية، هي: دول مجلس التعاون الخليجي الست والعراق وإيران.ومن هنا، فإن مصطلح العلاقات الخليجية-العراقية يُعد مصطلحاً إشكالياً(Problematic Term)، نستخدمه للتعبير عن جزء من التفاعلات البينية داخل النظام الإقليمي الخليجي. وتحديداً بين دول مجلس التعاون الخليجي من جهة والعراق من جهة أخرى.
ويعود تشكل هذا النظام، بالمعنى النظامي للمصطلح، إلى مطلع العقد السابع من القرن العشرين، حين أضحت كافة وحداته دولاً مستقلة. وفي عام 1981، تشكل مجلس التعاون الخليجي ليعبر عن قواسم فرعية مشتركة بين عدد من وحدات النظام، إنما دون أن يُعيد رسم التوازنات في داخله.
وفي السياق التاريخي للتطوّرات، يُمكن النظر إلى فترة العهد الملكي في العراق باعتبارها فترة استقطاب دولي حاد، شكلت مناخاً طارداً لفرص التقارب الخليجي العراقي، ليس لأن العراق والخليج كانا ضمن خيارين دوليين متباينين، بل لأن الاستقطاب الدولي، الذي رمى بظلاله على المنطقة في أربعينات وخمسينات القرن الماضي دفع ضمناً باتجاه تشكيل تطلع عراقي نحو النفوذ والزعامة الإقليمية، التي هدفت إلى منافسة الجيران على الجبهات كافة. وسعت القيادة العراقية لإيجاد تحالفات إقليمية ضاغطة على الخاصرة الخليجية. وتارةً ذهبت للأتراك، كي توازن بهم الإيرانيين، وأخرى سعت إلى مغازلة الإيرانيين لتضغط بهم على الخليجيين، وثالثة سعت إلى توسيع ثغرات التناقض السعودي البريطاني.
وعندما وصل عبدالكريم قاسم ، إلى دفة الحكم، في الرابع عشر من يوليو من عام 1958، سارع إلى طرح نفسه زعيماً قومياً، وتطلّع إلى إبراز دور العراق القومي والإقليمي في مقابل الجمهورية العربية المتحدة، السورية-المصرية. وهنا طرح قاسم شعاراً جديداً هو (البوابة الشرقية للوطن العربي)، حيث العراق يُمثلها، ليعزز بذلك من أوراقه في مقابل البعث والناصرية. وفي الوقت نفسه مقابل إيران، التي عناها بهذا الشعار. وهنا وجد قاسم نفسه في خضم استقطاب إقليمي لم يكن قد أعدّ له عدته الكافية.
وما يعنينا تحديداً، هو أن اصطدام قاسم بطهران، أو لنقل تأطير هذا الاصطدام بإطار إيديولوجي، قد أعاد بناء مناخ التقاطب في منطقة الخليج العربي. وفي إعادة البناء هذه، تعمّق التقاطب الخليجي-العراقي وتزايد تموضعه الإيديولوجي، بل عكس للمرة الأولى نفسه على الأوضاع المحلية في دول الخليج نفسها، حيث وجد (الزعيم) قاسم بين الخليجيين من يؤمن بمقولاته وينحو باتجاه تطلعاته. وهنا لم تتأثر البيئة الداخلية الخليجية على صعيد العلاقة بين الأنظمة وحسب، بل كذلك على مستوى الساحة الشعبية، التي وجدت نفسها هي الأخرى في خضم استقطاب متشعب وحاد.
وقبل أن نتحدث عن تجربة حزب البعث العربي الاشتراكي في العراق، الثانية بصفة خاصة، يُمكننا القول، على وجه مجمل، إن عهد عبدالسلام عارف (ومن بعده أخوه عبدالرحمن)، كان أقل ركوناً إلى سياسة التموضع الإيديولوجي. وعرف الرئيسان عارف بأنهما أقرب إلى الناصرية منها إلى البعث.
وإذا كانت مقولات العهدين الملكي والقاسمي، قد انتهت بتموضع إيديولوجي طارد لفرص التعايش الإقليمي، فإن البعث قد بدأ عهده الأول، كما الثاني (اعتباراً من يوليو 1968) بنفير إيديولوجي غير مسبوق في تاريخ المنطقة. وحيث تحركت إذاعة (صوت الجماهير) لتدعو صراحةً إلى الإطاحة بالأنظمة الخليجية من الكويت إلى عُمان. وسارت أناشيد الحزب ومنشوراته في الاتجاه ذاته. واتجه بعث العراق محاولاً مد ذراعيه إلى الاتجاهات القومية الأخرى في الخليج. وكان إقليم ظفار العُماني، ساحة متقدمة في التقاطب السياسي والإيديولوجي بين العواصم الخليجية وكل من بغداد وعدن، كما بينهما وبين طهران، وذلك مع ملاحظة أن هذه الأخيرة كانت تحتفظ حتى عام 1979 بقوات عسكرية في الإقليم العُماني.
وفي عام 1975 جاءت اتفاقية الجزائر بين بغداد وطهران، لتدفع باتجاه إعادة رسم جزئي لبيئة التفاعلات في النظام الإقليمي الخليجي، فقد هدّأت الحرب الإعلامية والنفسية بين العراقيين والإيرانيين، وفسحت الطريق أمام العراق لتركيز جهوده نحو الداخل الخليجي.
وهنا وجدت دول الداخل الخليجي نفسها أمام نمط متزايد من الضغوط المتأتية من التطلعات العراقية والإيرانية، هذه التطلعات التي لم تُعِد إنتاج الصراع بين بغداد وطهران وحسب، بل كذلك بينهما وبين الخليجيين. وبهذا المعنى لم تكن اتفاقية الجزائر سوى إعادة تدوير لمخرجات التقاطب الإقليمي، تحركت فيه مواقع الأطراف المختلفة.
وفي الأخير، انتهى العقد السابع من القرن العشرين من دون أن تكون هناك ملامح خيار أمني محدد على مستوى النظام الإقليمي الخليجي. ولم تكن هناك، في الوقت نفسه، مقاربة واضحة لهذا الأمن، على صعيد قمة النظام الدولي، أو لنقل على صعيد السياسة الأمريكية في المنطقة. وفوق ذلك كله، كانت البيئة الدولية تمر بمرحلة شديدة من الاستقطاب بين المعسكرين الشرقي والغربي، وحيث بدت التطورات عاصفة، من أفغانستان إلى الكاريبي.
وفي طهران سقط الشاه وسقطت بذلك أحلامه الكبرى، ليس في قيادة الخليج وحسب، بل في آسيا برمتها. وبينما سارع الإيرانيون إلى سحب قواتهم من ظفار، بدأ ثمة اضطراب في الرؤية الخاصة بالعلاقة مع دول الداخل الخليجي.
ثانياً: النظام الإقليمي الخليجي يستكمل تفاعلاته الصراعية
لقد فهم الحدث الإيراني في بغداد على أنه تهديد وجود فاق كل التحديات التي مر بها حزب البعث العربي الاشتراكي العراقي منذ عودته الثانية للسلطة في عام 1968. وتالياً، دفعت أزمة الثقة إلى إلغاء اتفاقية الجزائر لعام 1975، لتبدأ الحرب العراقية-الإيرانية. وبعد سنوات ثماني، انتهت الحرب إثر قبول إيران بقرار مجلس الأمن الدولي الرقم (598)، الصادر في 20 يوليو 1987، تاركة خلفها قدراً مهولاً من الخسائر المادية والبشرية.
وقادت الحرب العراقية-الإيرانية إلى خروج العراق قوة متضخمة عسكرياً، وخاوية في قدراتها الاقتصادية، وكانت تالياً معرضة لاحتمالات الانفجار الداخلي. وبتفاعل ذلك مع الدعاوى التي تم استحضارها على عجل، وعلى نحو ملتبس ومزعوم، تم توجيه الجيش العراقي ليعبر الحدود ثانية، ولكن جنوباً هذه المرة، حيث الكويت. وبذلك استكمل النظام الإقليمي الخليجي تفاعلاته الصراعية، إنما ببَعدٍ دولي أكثر وضوحاً، وحيث جاءت (عاصفة الصحراء) لتطيح بالتوازن الاستراتيجي (The Strategic Balance) الهش في المنطقة وإلى يومنا هذا.
وكان انتعاش الاستقطاب الإقليمي وانتشاره أفقياً ضمن مستويات غير معهودة، التداعي الآخر لحرب الخليج الثانية. وتجلى التداعي الثالث للحرب في عودة الموازن الخارجي(Foreign Balancer) كخيار متداول على صعيد مقاربة أمن الخليج، وذلك للمرة الأولى منذ انسحاب بريطانيا من شرقي السويس.
خيار توازن القوى لا يبدو خياراً راجحاً في معادلة النظام الإقليمي الخليجي
أما التداعي الرابع، فقد تجلى في ارتفاع وتيرة الإنفاق العسكري، وهو الأمر الذي عكس تنامي الهواجس الأمنية و تضخمها. وضمن تداعيات الحرب أيضاً، جاء ميلاد (إعلان دمشق) وجاءت المشاركة الخليجية في مؤتمر مدريد للسلام.
وفي جانب آخر من تفاعلات البيئة الإقليمية، بدت معطيات ما بعد حرب الخليج الثانية وكأنها تدفع باتجاه التقاء إيراني-خليجي، وهذا ما حدث على نحو مجمل. بيد أن التوترات الأمريكية-الإيرانية، والنزاع الإماراتي-الإيراني المديد، بدت عوامل طرد لفرص الاقتراب الحقيقي الاستراتيجي الطابع بين الجانبين.
وكذلك، عادت العلاقات الإيرانية-العراقية لتبلغ ذروة التأزّم، مع اتهام بغداد لطهران بدعم وتمويل التظاهرات التي تحركت في الجنوب والشمال بُعيد حرب الخليج الثانية.
وفي اليمن، أضافت حرب عام 1994، بُعداً آخر لتوترات البيئة الإقليمية، وزادت من حدة الاستقطاب فيها.
وعلى مستوى العلاقات الخليجية-العراقية ذاتها، اتجهت هذه العلاقات بعد حرب الخليج الثانية نحو احتقان مديد. وعلى الرغم من ذلك، فقد كان الخليجيون حذرين تجاه مقولات إسقاط حكومة الرئيس العراقي صدام حسين. وتأتّى هذا الحذر على خلفية حسابات، امتزج فيها ما هو أمني بما هو سياسي واستراتيجي.
ثالثاً: العلاقات الخليجية-العراقية استناداً إلى مبدأ توازن القوى
وإذا كانت هذه المنطقة قد حملت ثقل التاريخ، الذي ما انفك يرمي بإسقاطاته على حاضرها، فما هو السبيل لتجنب إعادة إنتاج الماضي، والسيطرة على ضغوطه، لنصل في الحد الأدنى إلى مستقبل ينعدم فيه النمط العنيف والحاد من التوترات؟
إحدى الفرضيات، تتمثل في بناء إقليمي ينهض على توازن للقوى، يدفع باتجاه إيجاد الاستقرار وإدامته، استناداً إلى مبدأ الردع المتبادل، والذي يمنع أي طرف من المبادرة إلى شن الحرب أو العدوان لإدراكه بفداحة الثمن الذي سوف يدفعه.
العلاقات الخليجية-العراقية ضرورة لا غنى عنها لكافة الأطراف المعنية
وقد حدد مورجنتاو عنصرين أساسيين يرتكز عليهما مفهوم توازن القوى. الأول: مادي، ينصرف إلى وجود تعادل حسابي على مستوى القدرات العسكرية للأطراف المعنية. والثاني: إدراكي، خاص بتوافر إدراكٍ، لدى هذه الأطراف بأهمية وجود ذلك التعادل، باعتباره الوسيلة المثلى للحفاظ على الأمن. ووفق تصور مورجنتاو، فإن توازن القوى يجب أن يستند إلى قدرات ذاتية ( Self Reliance) على نحو حصري. في حين رأى كينيث والتز، أحد أبرز منظّري الواقعية الجديدة، إمكان تحقيق التوازن عبر مزيج من عناصر القوة الداخلية والخارجية.

وفي التجربة الإقليمية القريبة، شهد النظام الإقليمي الخليجي ما يُمكن تعريفه بحذر بأنه شكل من أشكال توازن القوى غير المستقر، الذي غابت فيه المفاهيم الواضحة للردع، رغم سباق التسلح الذي اتصف به. وكان من نتيجة ذلك أن انزلقت المنطقة إلى حربين مدمرتين في غضون عقد من الزمن، كما وجدت حرب العراق، في عام 2003، إحدى خلفياتها المبكرة في حرب الخليج الثانية ذاتها.
اتجهت العلاقات الخليجية-العراقية بعد حرب الخليج الثانية نحو احتقان مديد
ولا ترى هذه الدراسة، رجحاناً في الأخذ بمبدأ توازن القوى كسبيل لتحقيق الأمن في الخليج، وذلك للأسباب التي سنأتي على ذكرها. على أنه يجب القول ابتداءً إن خيار توازن القوى في النظام الإقليمي الخليجي لا يرتبط بالعلاقات الخليجية-العراقية وحسب، بل كذلك الخليجية-الإيرانية، والعراقية-الإيرانية. وبالتالي، فإن تباعاته تعني كافة وحدات النظام، بل إنه لا يقوم في الأصل، إلا باعتماده كمبدأ أمني من قبل جميع القوى الرئيسية في الإقليم.
أما لماذا لا يبدو نظام توازن القوى خياراً صالحاً للنظام الإقليمي الخليجي، فذلك يعود للأسباب التالية:
1- الاختلال الكبير في التوزيع النسبي للقوة بين دول الإقليم، الأمر الذي يفضي بالضرورة إلى توازن غير حقيقي أو غير مستقر للقوى. ولعل الصورة المباشرة والمرئية لهذه المعضلة تتبدى بوجه خاص في حسابات القوة العسكرية في الإقليم.
وفي الإطار الكلي، هناك ثلاثة أبعاد لمعضلة التفاوت في القدرات بين وحدات النظام الإقليمي الخليجي: الأول مادي، يرتبط بطبيعة المقومات المادية، الجغرافية والبشرية والاقتصادية. والثاني معنوي، يتعلق بمستوى القدرات الحضارية، خاصة الخبرة القتالية، والتصنيع العسكري، والبحوث الأمنية والعلوم العسكرية عامة. والثالث سياسي، يتجلى في منظومة التحالفات الخارجية التي ترتكز عليها الدولة أو مجموعة مؤتلفة من الدول بحيث تسخر هذه التحالفات (التي ليس بالضرورة أن تتضمن بعداً دفاعياً) في تعزيز ثقلها الجيوبوليتيكي.
وعلى صعيد المقومات المادية، يبرز التوزيع النسبي لحجم الكتلة السكانية بين دول النظام الإقليمي الخليجي، باعتباره بعداً جوهرياً، تأصيلياً أو تأسيسياً، لمعضلة توازن القوى في هذا النظام. وعلى الرغم من التحولات الطفيفة التي حدثت في العقدين الماضيين في خريطة التوزيع النسبي للكتلة الديموغرافية بين دول الإقليم، إلا أن الندرة السكانية بقيت سمة ملازمة لدول مجلس التعاون الخليجي، في حين حافظت كل من إيران والعراق على تفوقهما النسبي، حيث تجاوز عدد سكان إيران، وفق آخر تعداد رسمي 66 مليون نسمة، في حين وصل حجم الكتلة الديموغرافية في العراق إلى 28,9 مليون نسمة. وكانت القفزة الأساسية على مستوى الداخل الخليجي، قد حدثت في المملكة العربية السعودية، التي ارتفع سكانها إلى 28,6 مليون نسمة، وفقاً لآخر تعداد جرى تنظيمه، في حين بدت الدول الأخرى في الإقليم بعيدة كثيراً عن هذه الأرقام.
ونتيجة لندرة عدد سكان دول مجلس التعاون الخليجي، بات من الصعب عليها تكوين جيوش قوية قادرة على الدفاع عنها، خاصة مع عدم توجهها لتعبئة السكان للانخراط بالخدمة العسكرية. وثمة تفاوت آخر لا يقل اتساعاً، يرتبط بمستوى مكونات التسليح لدول الإقليم، وخاصة قياساً إلى الطفرة التي حدثت في إيران.
وعند الانتقال إلى مسألة الخبرات القتالية والتصنيع العسكري، ضمن دول الإقليم، نجد أن المعطيات تميل بشكل كبير لمصلحة العراق وإيران. وهذا أمر مفهوم مادمنا نتحدث عن دولتين خاضتا حرباً على مدى ثمانية أعوام.
أما على صعيد المقوم السياسي، بما هو عنصر في معادلة حساب القوة، واستتباعاً توازن القوى داخل النظم الإقليمية، يُمكن القول إن هذا المقوّم يرتكز إلى منظومة التحالفات الخاصة بالدولة، اعتماداً على كل من المكانة الجيوستراتيجية. والخيار الإيديولوجي (جاذبية الخيار). والقوة الاقتصادية، حيث يُسيّل رأس المال إلى نفوذ سياسي.
إن التحالفات الخارجية، المتينة والمتماسكة، للدولة تُشكل عنصراً أصيلاً في وزنها الجيوبوليتيكي العام، الأمر الذي يُعزز من ثقلها النسبي في معادلة التوازن الإقليمي.
الخليجيون والعراقيون معنيون على حد سواء بنسج شبكة من المشاريع والمصالح المتبادلة
وعلى الرغم من ذلك، علينا أن نقر بأننا أمام مقولة نسبية وحسب. فمنظومة التحالفات الخارجية قد تكون عامل ضعف للدولة، إن لم يتم نسجها وفق تصوّر مدرك، يأخذ في حسابه على نحو مسبق طبيعة وحدود التداعيات المترتبة عليها من قبل الأطراف والوحدات الفاعلة الأخرى داخل النظام الإقليمي، ومستوى الهامش الذي يُمكن له التحرك فيه، وأين تقف تحلفاته؟ وضمن أي معطيات؟ وبأي ثمن؟
وعلى مستوى النظام الإقليمي الخليجي، بدا المقوم السياسي ثغرة كبيرة في جدار القوة الإيرانية منذ عام 1979 والقوة العراقية اعتباراً من عام 1990 كحد أدنى.
وفيما يرتبط بالقوة الإيرانية، ثمة اختلال كبير بين مقومات بعدها المادي والحضاري من جهة، ومقومات بعدها السياسي من جهة أخرى. وهذه معضلة لا ترمي بتداعياتها على إيران وحدها بل على محيطها الإقليمي أيضاً، فالمعادلة لا تبدو صفرية في كافة أوجهها بين ضعف المقوم السياسي الإيراني والقوة الكلية للأقطاب الأخرى داخل النظام الإقليمي. نعم هي صفرية في بعدها المرتبط بالوزن الكلي للقوة، لكنها طردية في بعدها السياسي، وهذه هي المفارقة التي تشهدها البيئة الخليجية. فعزلة إيران السياسية خلقت استقطاباً متنامياً وجلبت ضغوطاً مطردة على جيرانها، غير الموحدين أصلاً في مقاربتهم حيالها.
2 – إمكانية انتعاش الاستقطاب السياسي في المنطقة.
إضافة إلى التباين في التوزيع النسبي للقوة بين وحدات النظام الإقليمي الخليجي، تتبدى المعضلة الأخرى لخيار توازن القوى في إمكان إنعاشه لمناخ الاستقطاب السياسي، ودفعه باتجاه حرب باردة إقليمية، ترمي بظلالها السلبية على فرص الاستقرار الإقليمي.
3 – إعطاء دور أكبر للموازن الخارجي.
تتجلى المعضلة الثالثة لهذا الخيار، على الصعيد الإقليمي الخليجي، في دفعه الضمني لعدد من وحدات النظام للارتكاز إلى موازن خارجي للحفاظ على أمنها.
بيد أنه بالنسبة للعلاقات الخليجية-العراقية، على وجه التحديد، فإن قضية الموازن الخارجي منتفية، وذلك بفعل استناد منظومة تحالفات كل من دول الداخل الخليجي والعراق إلى الولايات المتحدة الأمريكية.
4 – إمكانية انزلاق دول المنطقة إلى سباق تسلّح محموم.
تتبدى المعضلة الرابعة لخيار توازن القوى في خطر نشوب سباق تسلّح إقليمي. وهذا ما شهده الخليج لسنوات طويلة ، مقترباً في ذلك من نموذج إقليم أمريكا اللاتينية، الأكثر تماثلاً مع النظام الخليجي، من حيث البنية، وخريطة انتشار القوة، ودور القوى الخارجية، وتحديداً الولايات المتحدة.
وننتهي من كل ذلك للقول إن خيار توازن القوى لا يبدو خياراً راجحاً في معادلة النظام الإقليمي الخليجي، ولا يبدو جديراً بدول المنطقة اعتماده كأساس لأمنها أو كدليل لعلاقاتها البينية، بما في ذلك العلاقات المراد نسجها بين دول مجلس التعاون الخليجي والعراق.
رابعاً: معاهدة عدم اعتداء بوجود أطراف ضامنة
يتمثل أحد الخيارات، التي يُمكن افتراضها للسيطرة على ما اصطلحنا عليه بـ (الإشكالية الجيوسياسية)، الحاكمة للعلاقات الخليجية-العراقية، في (معاهدة عدم اعتداء بوجود أطراف ضامنة).
ومعاهدة كهذه، يُمكن أن تتخذ، على مستوى الشكل، واحداً من نموذجين: الأول، بين العراق وكل دولة خليجية على حدة. وهذا النموذج هو السائد في تجربة العلاقات الدولية.
ويتمثل النموذج الآخر في اتفاقية يكون أحد طرفيها العراق، وطرفها الثاني مجلس التعاون الخليجي، بما هو ممثل اعتباري لأعضائه. وهذا النموذج ربما يستدعي إطاراً قانونياً تمهيدياً على مستوى مجلس التعاون ذاته.
وبطبيعة الحال، يبدو النموذج الثاني أكثر يُسراً بالمعيار الإجرائي، لكنه أكثر تعقيداً على مستوى حيثياته القانونية والدستورية، فضلاً عن السياسية. أما الدول الضامنة، فيمكن أن تتمثل في إحدى أو بعض القوى العربية أو الدولية.
وهذا الخيار، يبدو منطقياً بوجه عام. وهو يُعد بالمدلول الفلسفي صورة من صوَر الدبلوماسية الوقائية.
وعلى الرغم من ذلك، فإن إحدى الثغرات الكامنة فيه قد تتمثل في استبدال خطر الحرب الساخنة بالسلام البارد، وربما بالعودة مجدداً إلى مناخ الحرب الباردة الإقليمية.
خامساً: زيادة (كلفة الفكاك) كطريق للتعايش الإقليمي
الخيار الثالث الذي يُمكن افتراضه للسيطرة على (الإشكالية الجيوسياسية)، في العلاقات الخليجية-العراقية، هو دخول دول مجلس التعاون الخليجي والعراق في شبكة مصالح متداخلة على نحو وثيق، بحيث يقود ابتعاد أو استبعاد أي طرف منها إلى خسائر غير محتملة.وهنا يتحقق ما يُمكن أن نصطلح عليه بـ (الأمن من خلال الازدهار). ونعني به ازدهار فرص التنمية والتكامل الإقليمي.
وتقترح هذه الدراسة الأخذ بهذا الخيار، لكونه ينسجم مع مبدأ التعاون الإقليمي بمدلوله العام، ولأنه عديم المخاطر على العلاقات البينية بين وحدات الإقليم، وهو لا يصطدم، من جهة أخرى، مع الخصوصيات المحلية لهذه الوحدات، ولا يتعارض مع شكل واتجاه خياراتها الخارجية.
إن الخليجيين والعراقيين معنيون، على حد سواء، بنسج شبكة من المشاريع والمصالح المتبادلة، تتسع مع مرور الزمن لشتى مجالات التعاون الاقتصادي والمدني، لتؤكد خيار التعايش الإقليمي. وتجعل من الأمن والاستقرار حقيقة ثابتة.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1360::/cck::
::introtext::
فرضت العلاقات الخليجية-العراقية نفسها على كثير من النقاش السياسي والاستراتيجي خلال الأعوام الستة الماضية. وبدت عودة العراق إلى عمقه العربي-الخليجي مطلباً لدى النخبة الفكرية، كما عامة الناس، في الخليج.
::/introtext::
::fulltext::
فرضت العلاقات الخليجية-العراقية نفسها على كثير من النقاش السياسي والاستراتيجي خلال الأعوام الستة الماضية. وبدت عودة العراق إلى عمقه العربي-الخليجي مطلباً لدى النخبة الفكرية، كما عامة الناس، في الخليج.
وعلى الرغم من ظروفه الصعبة والاستثنائية، فقد ظل العراق مقصداً دائماً لدى الخليجيين بمختلف انتماءاتهم الاجتماعية والمناطقية، وظل أيضاً التفاعل اليومي معه هدفاً حرص الناس على إدامته. وهذه قضية ربما لم يلحظها كثيرون خارج المنطقة. وفي الصورة المقابلة، يُمكن القول إنه على الرغم من حضورها المتقدم في الحياة الشعبية، والتفاعل الأهلي، فإن العلاقات الخليجية-العراقية، ظلت أسيرة لطابعها الإشكالي، الذي بدا على قدر من التعقيد.
لقد بدت الإشكالية الحاكمة لهذه العلاقات، ذات طبيعة مركبة من منظومة عناصر، هي: الموروث التاريخي، والتشكيل الجغرافي-السياسي، وغياب التوازن على مستوى الثقل الجيوبوليتيكي العام (Geopolitical Weight)، وتفاوت الخيارات السياسية، وتباين الاتجاهات الخارجية للدولة.
وهذا النمط المتحد من الإشكاليات (Complex Problematic) الحاكمة للعلاقات الخليجية-العراقية، أو لنقل للعلاقة بين شمال الخليج وداخله، يُمكن وصفه، على نحو مبدئي بـ (الإشكالية الجيوسياسية) (Geopolitical Problematic)، وذلك ارتكازاً على المدلول الجامع أو التوليفي للمصطلح.
وبعد ذلك، فإن القضية المطروحة على صعيد منهجي هي: كيف يُمكن بناء علاقات خليجية-عراقية بعيدة عن احتمالات التفجر في ظل إشكالية جيوسياسية؟
وهناك ثلاثة خيارات يُمكن لدول الخليج العربية الأخذ بها، هي: أولاً، بناء توازن جديد للقوى. ثانياً، الانضواء في معاهدة عدم اعتداء بوجود طرف أو أطراف ضامنة. ثالثاً، زيادة ما يُعرف بـ (كلفة الفكاك) (The Cost of Disengagement)، على النحو الذي تبدو فيه العلاقات الخليجية-العراقية ضرورة لا غنى عنها لكافة الأطراف المعنية.
وهذه الدراسة، تفترض أن الخيار الثالث هو الأكثر قدرة على السير بالعلاقات الخليجية-العراقية، إلى حيث الأمان والتطوّر. وهي ترى وهناً في الخيار الثاني، وعدم صلاحية في الخيار الأول.
وسوف نقوم بمناقشة كل خيار على حدة. إلا أننا سنبدأ بقراءة (الإشكالية الجيوسياسية) في سياقها التاريخي، الذي بدأ الحاضر مشدوداً إليه، إن لم نقل أسيراً له.
أولاً: الإشكالية الجيوسياسية في سياقها التاريخي
يُعتبر النظام الإقليمي الخليجي نظاماً فرعياً عن النظامالإقليمي الشرق أوسطي، وهو مؤتلف من ثماني وحدات سياسية، هي: دول مجلس التعاون الخليجي الست والعراق وإيران.ومن هنا، فإن مصطلح العلاقات الخليجية-العراقية يُعد مصطلحاً إشكالياً(Problematic Term)، نستخدمه للتعبير عن جزء من التفاعلات البينية داخل النظام الإقليمي الخليجي. وتحديداً بين دول مجلس التعاون الخليجي من جهة والعراق من جهة أخرى.
ويعود تشكل هذا النظام، بالمعنى النظامي للمصطلح، إلى مطلع العقد السابع من القرن العشرين، حين أضحت كافة وحداته دولاً مستقلة. وفي عام 1981، تشكل مجلس التعاون الخليجي ليعبر عن قواسم فرعية مشتركة بين عدد من وحدات النظام، إنما دون أن يُعيد رسم التوازنات في داخله.
وفي السياق التاريخي للتطوّرات، يُمكن النظر إلى فترة العهد الملكي في العراق باعتبارها فترة استقطاب دولي حاد، شكلت مناخاً طارداً لفرص التقارب الخليجي العراقي، ليس لأن العراق والخليج كانا ضمن خيارين دوليين متباينين، بل لأن الاستقطاب الدولي، الذي رمى بظلاله على المنطقة في أربعينات وخمسينات القرن الماضي دفع ضمناً باتجاه تشكيل تطلع عراقي نحو النفوذ والزعامة الإقليمية، التي هدفت إلى منافسة الجيران على الجبهات كافة. وسعت القيادة العراقية لإيجاد تحالفات إقليمية ضاغطة على الخاصرة الخليجية. وتارةً ذهبت للأتراك، كي توازن بهم الإيرانيين، وأخرى سعت إلى مغازلة الإيرانيين لتضغط بهم على الخليجيين، وثالثة سعت إلى توسيع ثغرات التناقض السعودي البريطاني.
وعندما وصل عبدالكريم قاسم ، إلى دفة الحكم، في الرابع عشر من يوليو من عام 1958، سارع إلى طرح نفسه زعيماً قومياً، وتطلّع إلى إبراز دور العراق القومي والإقليمي في مقابل الجمهورية العربية المتحدة، السورية-المصرية. وهنا طرح قاسم شعاراً جديداً هو (البوابة الشرقية للوطن العربي)، حيث العراق يُمثلها، ليعزز بذلك من أوراقه في مقابل البعث والناصرية. وفي الوقت نفسه مقابل إيران، التي عناها بهذا الشعار. وهنا وجد قاسم نفسه في خضم استقطاب إقليمي لم يكن قد أعدّ له عدته الكافية.
وما يعنينا تحديداً، هو أن اصطدام قاسم بطهران، أو لنقل تأطير هذا الاصطدام بإطار إيديولوجي، قد أعاد بناء مناخ التقاطب في منطقة الخليج العربي. وفي إعادة البناء هذه، تعمّق التقاطب الخليجي-العراقي وتزايد تموضعه الإيديولوجي، بل عكس للمرة الأولى نفسه على الأوضاع المحلية في دول الخليج نفسها، حيث وجد (الزعيم) قاسم بين الخليجيين من يؤمن بمقولاته وينحو باتجاه تطلعاته. وهنا لم تتأثر البيئة الداخلية الخليجية على صعيد العلاقة بين الأنظمة وحسب، بل كذلك على مستوى الساحة الشعبية، التي وجدت نفسها هي الأخرى في خضم استقطاب متشعب وحاد.
وقبل أن نتحدث عن تجربة حزب البعث العربي الاشتراكي في العراق، الثانية بصفة خاصة، يُمكننا القول، على وجه مجمل، إن عهد عبدالسلام عارف (ومن بعده أخوه عبدالرحمن)، كان أقل ركوناً إلى سياسة التموضع الإيديولوجي. وعرف الرئيسان عارف بأنهما أقرب إلى الناصرية منها إلى البعث.
وإذا كانت مقولات العهدين الملكي والقاسمي، قد انتهت بتموضع إيديولوجي طارد لفرص التعايش الإقليمي، فإن البعث قد بدأ عهده الأول، كما الثاني (اعتباراً من يوليو 1968) بنفير إيديولوجي غير مسبوق في تاريخ المنطقة. وحيث تحركت إذاعة (صوت الجماهير) لتدعو صراحةً إلى الإطاحة بالأنظمة الخليجية من الكويت إلى عُمان. وسارت أناشيد الحزب ومنشوراته في الاتجاه ذاته. واتجه بعث العراق محاولاً مد ذراعيه إلى الاتجاهات القومية الأخرى في الخليج. وكان إقليم ظفار العُماني، ساحة متقدمة في التقاطب السياسي والإيديولوجي بين العواصم الخليجية وكل من بغداد وعدن، كما بينهما وبين طهران، وذلك مع ملاحظة أن هذه الأخيرة كانت تحتفظ حتى عام 1979 بقوات عسكرية في الإقليم العُماني.
وفي عام 1975 جاءت اتفاقية الجزائر بين بغداد وطهران، لتدفع باتجاه إعادة رسم جزئي لبيئة التفاعلات في النظام الإقليمي الخليجي، فقد هدّأت الحرب الإعلامية والنفسية بين العراقيين والإيرانيين، وفسحت الطريق أمام العراق لتركيز جهوده نحو الداخل الخليجي.
وهنا وجدت دول الداخل الخليجي نفسها أمام نمط متزايد من الضغوط المتأتية من التطلعات العراقية والإيرانية، هذه التطلعات التي لم تُعِد إنتاج الصراع بين بغداد وطهران وحسب، بل كذلك بينهما وبين الخليجيين. وبهذا المعنى لم تكن اتفاقية الجزائر سوى إعادة تدوير لمخرجات التقاطب الإقليمي، تحركت فيه مواقع الأطراف المختلفة.
وفي الأخير، انتهى العقد السابع من القرن العشرين من دون أن تكون هناك ملامح خيار أمني محدد على مستوى النظام الإقليمي الخليجي. ولم تكن هناك، في الوقت نفسه، مقاربة واضحة لهذا الأمن، على صعيد قمة النظام الدولي، أو لنقل على صعيد السياسة الأمريكية في المنطقة. وفوق ذلك كله، كانت البيئة الدولية تمر بمرحلة شديدة من الاستقطاب بين المعسكرين الشرقي والغربي، وحيث بدت التطورات عاصفة، من أفغانستان إلى الكاريبي.
وفي طهران سقط الشاه وسقطت بذلك أحلامه الكبرى، ليس في قيادة الخليج وحسب، بل في آسيا برمتها. وبينما سارع الإيرانيون إلى سحب قواتهم من ظفار، بدأ ثمة اضطراب في الرؤية الخاصة بالعلاقة مع دول الداخل الخليجي.
ثانياً: النظام الإقليمي الخليجي يستكمل تفاعلاته الصراعية
لقد فهم الحدث الإيراني في بغداد على أنه تهديد وجود فاق كل التحديات التي مر بها حزب البعث العربي الاشتراكي العراقي منذ عودته الثانية للسلطة في عام 1968. وتالياً، دفعت أزمة الثقة إلى إلغاء اتفاقية الجزائر لعام 1975، لتبدأ الحرب العراقية-الإيرانية. وبعد سنوات ثماني، انتهت الحرب إثر قبول إيران بقرار مجلس الأمن الدولي الرقم (598)، الصادر في 20 يوليو 1987، تاركة خلفها قدراً مهولاً من الخسائر المادية والبشرية.
وقادت الحرب العراقية-الإيرانية إلى خروج العراق قوة متضخمة عسكرياً، وخاوية في قدراتها الاقتصادية، وكانت تالياً معرضة لاحتمالات الانفجار الداخلي. وبتفاعل ذلك مع الدعاوى التي تم استحضارها على عجل، وعلى نحو ملتبس ومزعوم، تم توجيه الجيش العراقي ليعبر الحدود ثانية، ولكن جنوباً هذه المرة، حيث الكويت. وبذلك استكمل النظام الإقليمي الخليجي تفاعلاته الصراعية، إنما ببَعدٍ دولي أكثر وضوحاً، وحيث جاءت (عاصفة الصحراء) لتطيح بالتوازن الاستراتيجي (The Strategic Balance) الهش في المنطقة وإلى يومنا هذا.
وكان انتعاش الاستقطاب الإقليمي وانتشاره أفقياً ضمن مستويات غير معهودة، التداعي الآخر لحرب الخليج الثانية. وتجلى التداعي الثالث للحرب في عودة الموازن الخارجي(Foreign Balancer) كخيار متداول على صعيد مقاربة أمن الخليج، وذلك للمرة الأولى منذ انسحاب بريطانيا من شرقي السويس.
خيار توازن القوى لا يبدو خياراً راجحاً في معادلة النظام الإقليمي الخليجي
أما التداعي الرابع، فقد تجلى في ارتفاع وتيرة الإنفاق العسكري، وهو الأمر الذي عكس تنامي الهواجس الأمنية و تضخمها. وضمن تداعيات الحرب أيضاً، جاء ميلاد (إعلان دمشق) وجاءت المشاركة الخليجية في مؤتمر مدريد للسلام.
وفي جانب آخر من تفاعلات البيئة الإقليمية، بدت معطيات ما بعد حرب الخليج الثانية وكأنها تدفع باتجاه التقاء إيراني-خليجي، وهذا ما حدث على نحو مجمل. بيد أن التوترات الأمريكية-الإيرانية، والنزاع الإماراتي-الإيراني المديد، بدت عوامل طرد لفرص الاقتراب الحقيقي الاستراتيجي الطابع بين الجانبين.
وكذلك، عادت العلاقات الإيرانية-العراقية لتبلغ ذروة التأزّم، مع اتهام بغداد لطهران بدعم وتمويل التظاهرات التي تحركت في الجنوب والشمال بُعيد حرب الخليج الثانية.
وفي اليمن، أضافت حرب عام 1994، بُعداً آخر لتوترات البيئة الإقليمية، وزادت من حدة الاستقطاب فيها.
وعلى مستوى العلاقات الخليجية-العراقية ذاتها، اتجهت هذه العلاقات بعد حرب الخليج الثانية نحو احتقان مديد. وعلى الرغم من ذلك، فقد كان الخليجيون حذرين تجاه مقولات إسقاط حكومة الرئيس العراقي صدام حسين. وتأتّى هذا الحذر على خلفية حسابات، امتزج فيها ما هو أمني بما هو سياسي واستراتيجي.
ثالثاً: العلاقات الخليجية-العراقية استناداً إلى مبدأ توازن القوى
وإذا كانت هذه المنطقة قد حملت ثقل التاريخ، الذي ما انفك يرمي بإسقاطاته على حاضرها، فما هو السبيل لتجنب إعادة إنتاج الماضي، والسيطرة على ضغوطه، لنصل في الحد الأدنى إلى مستقبل ينعدم فيه النمط العنيف والحاد من التوترات؟
إحدى الفرضيات، تتمثل في بناء إقليمي ينهض على توازن للقوى، يدفع باتجاه إيجاد الاستقرار وإدامته، استناداً إلى مبدأ الردع المتبادل، والذي يمنع أي طرف من المبادرة إلى شن الحرب أو العدوان لإدراكه بفداحة الثمن الذي سوف يدفعه.
العلاقات الخليجية-العراقية ضرورة لا غنى عنها لكافة الأطراف المعنية
وقد حدد مورجنتاو عنصرين أساسيين يرتكز عليهما مفهوم توازن القوى. الأول: مادي، ينصرف إلى وجود تعادل حسابي على مستوى القدرات العسكرية للأطراف المعنية. والثاني: إدراكي، خاص بتوافر إدراكٍ، لدى هذه الأطراف بأهمية وجود ذلك التعادل، باعتباره الوسيلة المثلى للحفاظ على الأمن. ووفق تصور مورجنتاو، فإن توازن القوى يجب أن يستند إلى قدرات ذاتية ( Self Reliance) على نحو حصري. في حين رأى كينيث والتز، أحد أبرز منظّري الواقعية الجديدة، إمكان تحقيق التوازن عبر مزيج من عناصر القوة الداخلية والخارجية.

وفي التجربة الإقليمية القريبة، شهد النظام الإقليمي الخليجي ما يُمكن تعريفه بحذر بأنه شكل من أشكال توازن القوى غير المستقر، الذي غابت فيه المفاهيم الواضحة للردع، رغم سباق التسلح الذي اتصف به. وكان من نتيجة ذلك أن انزلقت المنطقة إلى حربين مدمرتين في غضون عقد من الزمن، كما وجدت حرب العراق، في عام 2003، إحدى خلفياتها المبكرة في حرب الخليج الثانية ذاتها.
اتجهت العلاقات الخليجية-العراقية بعد حرب الخليج الثانية نحو احتقان مديد
ولا ترى هذه الدراسة، رجحاناً في الأخذ بمبدأ توازن القوى كسبيل لتحقيق الأمن في الخليج، وذلك للأسباب التي سنأتي على ذكرها. على أنه يجب القول ابتداءً إن خيار توازن القوى في النظام الإقليمي الخليجي لا يرتبط بالعلاقات الخليجية-العراقية وحسب، بل كذلك الخليجية-الإيرانية، والعراقية-الإيرانية. وبالتالي، فإن تباعاته تعني كافة وحدات النظام، بل إنه لا يقوم في الأصل، إلا باعتماده كمبدأ أمني من قبل جميع القوى الرئيسية في الإقليم.
أما لماذا لا يبدو نظام توازن القوى خياراً صالحاً للنظام الإقليمي الخليجي، فذلك يعود للأسباب التالية:
1- الاختلال الكبير في التوزيع النسبي للقوة بين دول الإقليم، الأمر الذي يفضي بالضرورة إلى توازن غير حقيقي أو غير مستقر للقوى. ولعل الصورة المباشرة والمرئية لهذه المعضلة تتبدى بوجه خاص في حسابات القوة العسكرية في الإقليم.
وفي الإطار الكلي، هناك ثلاثة أبعاد لمعضلة التفاوت في القدرات بين وحدات النظام الإقليمي الخليجي: الأول مادي، يرتبط بطبيعة المقومات المادية، الجغرافية والبشرية والاقتصادية. والثاني معنوي، يتعلق بمستوى القدرات الحضارية، خاصة الخبرة القتالية، والتصنيع العسكري، والبحوث الأمنية والعلوم العسكرية عامة. والثالث سياسي، يتجلى في منظومة التحالفات الخارجية التي ترتكز عليها الدولة أو مجموعة مؤتلفة من الدول بحيث تسخر هذه التحالفات (التي ليس بالضرورة أن تتضمن بعداً دفاعياً) في تعزيز ثقلها الجيوبوليتيكي.
وعلى صعيد المقومات المادية، يبرز التوزيع النسبي لحجم الكتلة السكانية بين دول النظام الإقليمي الخليجي، باعتباره بعداً جوهرياً، تأصيلياً أو تأسيسياً، لمعضلة توازن القوى في هذا النظام. وعلى الرغم من التحولات الطفيفة التي حدثت في العقدين الماضيين في خريطة التوزيع النسبي للكتلة الديموغرافية بين دول الإقليم، إلا أن الندرة السكانية بقيت سمة ملازمة لدول مجلس التعاون الخليجي، في حين حافظت كل من إيران والعراق على تفوقهما النسبي، حيث تجاوز عدد سكان إيران، وفق آخر تعداد رسمي 66 مليون نسمة، في حين وصل حجم الكتلة الديموغرافية في العراق إلى 28,9 مليون نسمة. وكانت القفزة الأساسية على مستوى الداخل الخليجي، قد حدثت في المملكة العربية السعودية، التي ارتفع سكانها إلى 28,6 مليون نسمة، وفقاً لآخر تعداد جرى تنظيمه، في حين بدت الدول الأخرى في الإقليم بعيدة كثيراً عن هذه الأرقام.
ونتيجة لندرة عدد سكان دول مجلس التعاون الخليجي، بات من الصعب عليها تكوين جيوش قوية قادرة على الدفاع عنها، خاصة مع عدم توجهها لتعبئة السكان للانخراط بالخدمة العسكرية. وثمة تفاوت آخر لا يقل اتساعاً، يرتبط بمستوى مكونات التسليح لدول الإقليم، وخاصة قياساً إلى الطفرة التي حدثت في إيران.
وعند الانتقال إلى مسألة الخبرات القتالية والتصنيع العسكري، ضمن دول الإقليم، نجد أن المعطيات تميل بشكل كبير لمصلحة العراق وإيران. وهذا أمر مفهوم مادمنا نتحدث عن دولتين خاضتا حرباً على مدى ثمانية أعوام.
أما على صعيد المقوم السياسي، بما هو عنصر في معادلة حساب القوة، واستتباعاً توازن القوى داخل النظم الإقليمية، يُمكن القول إن هذا المقوّم يرتكز إلى منظومة التحالفات الخاصة بالدولة، اعتماداً على كل من المكانة الجيوستراتيجية. والخيار الإيديولوجي (جاذبية الخيار). والقوة الاقتصادية، حيث يُسيّل رأس المال إلى نفوذ سياسي.
إن التحالفات الخارجية، المتينة والمتماسكة، للدولة تُشكل عنصراً أصيلاً في وزنها الجيوبوليتيكي العام، الأمر الذي يُعزز من ثقلها النسبي في معادلة التوازن الإقليمي.
الخليجيون والعراقيون معنيون على حد سواء بنسج شبكة من المشاريع والمصالح المتبادلة
وعلى الرغم من ذلك، علينا أن نقر بأننا أمام مقولة نسبية وحسب. فمنظومة التحالفات الخارجية قد تكون عامل ضعف للدولة، إن لم يتم نسجها وفق تصوّر مدرك، يأخذ في حسابه على نحو مسبق طبيعة وحدود التداعيات المترتبة عليها من قبل الأطراف والوحدات الفاعلة الأخرى داخل النظام الإقليمي، ومستوى الهامش الذي يُمكن له التحرك فيه، وأين تقف تحلفاته؟ وضمن أي معطيات؟ وبأي ثمن؟
وعلى مستوى النظام الإقليمي الخليجي، بدا المقوم السياسي ثغرة كبيرة في جدار القوة الإيرانية منذ عام 1979 والقوة العراقية اعتباراً من عام 1990 كحد أدنى.
وفيما يرتبط بالقوة الإيرانية، ثمة اختلال كبير بين مقومات بعدها المادي والحضاري من جهة، ومقومات بعدها السياسي من جهة أخرى. وهذه معضلة لا ترمي بتداعياتها على إيران وحدها بل على محيطها الإقليمي أيضاً، فالمعادلة لا تبدو صفرية في كافة أوجهها بين ضعف المقوم السياسي الإيراني والقوة الكلية للأقطاب الأخرى داخل النظام الإقليمي. نعم هي صفرية في بعدها المرتبط بالوزن الكلي للقوة، لكنها طردية في بعدها السياسي، وهذه هي المفارقة التي تشهدها البيئة الخليجية. فعزلة إيران السياسية خلقت استقطاباً متنامياً وجلبت ضغوطاً مطردة على جيرانها، غير الموحدين أصلاً في مقاربتهم حيالها.
2 – إمكانية انتعاش الاستقطاب السياسي في المنطقة.
إضافة إلى التباين في التوزيع النسبي للقوة بين وحدات النظام الإقليمي الخليجي، تتبدى المعضلة الأخرى لخيار توازن القوى في إمكان إنعاشه لمناخ الاستقطاب السياسي، ودفعه باتجاه حرب باردة إقليمية، ترمي بظلالها السلبية على فرص الاستقرار الإقليمي.
3 – إعطاء دور أكبر للموازن الخارجي.
تتجلى المعضلة الثالثة لهذا الخيار، على الصعيد الإقليمي الخليجي، في دفعه الضمني لعدد من وحدات النظام للارتكاز إلى موازن خارجي للحفاظ على أمنها.
بيد أنه بالنسبة للعلاقات الخليجية-العراقية، على وجه التحديد، فإن قضية الموازن الخارجي منتفية، وذلك بفعل استناد منظومة تحالفات كل من دول الداخل الخليجي والعراق إلى الولايات المتحدة الأمريكية.
4 – إمكانية انزلاق دول المنطقة إلى سباق تسلّح محموم.
تتبدى المعضلة الرابعة لخيار توازن القوى في خطر نشوب سباق تسلّح إقليمي. وهذا ما شهده الخليج لسنوات طويلة ، مقترباً في ذلك من نموذج إقليم أمريكا اللاتينية، الأكثر تماثلاً مع النظام الخليجي، من حيث البنية، وخريطة انتشار القوة، ودور القوى الخارجية، وتحديداً الولايات المتحدة.
وننتهي من كل ذلك للقول إن خيار توازن القوى لا يبدو خياراً راجحاً في معادلة النظام الإقليمي الخليجي، ولا يبدو جديراً بدول المنطقة اعتماده كأساس لأمنها أو كدليل لعلاقاتها البينية، بما في ذلك العلاقات المراد نسجها بين دول مجلس التعاون الخليجي والعراق.
رابعاً: معاهدة عدم اعتداء بوجود أطراف ضامنة
يتمثل أحد الخيارات، التي يُمكن افتراضها للسيطرة على ما اصطلحنا عليه بـ (الإشكالية الجيوسياسية)، الحاكمة للعلاقات الخليجية-العراقية، في (معاهدة عدم اعتداء بوجود أطراف ضامنة).
ومعاهدة كهذه، يُمكن أن تتخذ، على مستوى الشكل، واحداً من نموذجين: الأول، بين العراق وكل دولة خليجية على حدة. وهذا النموذج هو السائد في تجربة العلاقات الدولية.
ويتمثل النموذج الآخر في اتفاقية يكون أحد طرفيها العراق، وطرفها الثاني مجلس التعاون الخليجي، بما هو ممثل اعتباري لأعضائه. وهذا النموذج ربما يستدعي إطاراً قانونياً تمهيدياً على مستوى مجلس التعاون ذاته.
وبطبيعة الحال، يبدو النموذج الثاني أكثر يُسراً بالمعيار الإجرائي، لكنه أكثر تعقيداً على مستوى حيثياته القانونية والدستورية، فضلاً عن السياسية. أما الدول الضامنة، فيمكن أن تتمثل في إحدى أو بعض القوى العربية أو الدولية.
وهذا الخيار، يبدو منطقياً بوجه عام. وهو يُعد بالمدلول الفلسفي صورة من صوَر الدبلوماسية الوقائية.
وعلى الرغم من ذلك، فإن إحدى الثغرات الكامنة فيه قد تتمثل في استبدال خطر الحرب الساخنة بالسلام البارد، وربما بالعودة مجدداً إلى مناخ الحرب الباردة الإقليمية.
خامساً: زيادة (كلفة الفكاك) كطريق للتعايش الإقليمي
الخيار الثالث الذي يُمكن افتراضه للسيطرة على (الإشكالية الجيوسياسية)، في العلاقات الخليجية-العراقية، هو دخول دول مجلس التعاون الخليجي والعراق في شبكة مصالح متداخلة على نحو وثيق، بحيث يقود ابتعاد أو استبعاد أي طرف منها إلى خسائر غير محتملة.وهنا يتحقق ما يُمكن أن نصطلح عليه بـ (الأمن من خلال الازدهار). ونعني به ازدهار فرص التنمية والتكامل الإقليمي.
وتقترح هذه الدراسة الأخذ بهذا الخيار، لكونه ينسجم مع مبدأ التعاون الإقليمي بمدلوله العام، ولأنه عديم المخاطر على العلاقات البينية بين وحدات الإقليم، وهو لا يصطدم، من جهة أخرى، مع الخصوصيات المحلية لهذه الوحدات، ولا يتعارض مع شكل واتجاه خياراتها الخارجية.
إن الخليجيين والعراقيين معنيون، على حد سواء، بنسج شبكة من المشاريع والمصالح المتبادلة، تتسع مع مرور الزمن لشتى مجالات التعاون الاقتصادي والمدني، لتؤكد خيار التعايش الإقليمي. وتجعل من الأمن والاستقرار حقيقة ثابتة.
::/fulltext::
::cck::1360::/cck::
