الفحم الحجري: هل يفيد دول مجلس التعاون الخليجي كمصدر للطاقة؟

::cck::1207::/cck::
::introtext::

في السابع من إبريل 2008، أعلنت هيئةالماء والكهرباء الإماراتية أن استهلاك البلاد من الطاقة الكهربائية تجاوز التوقعات الرسمية بنسبة 15 في المائة. لكن هذا المنحى الاستهلاكي التصاعدي لم يُلاحَظ في دولة الإمارات فقط، وإنما لوحظ في مجمل منطقة الخليج. وفي الحقيقة، يُتوقع أن يزداد الطلب على الطاقة حول العالم بفعل النمو الاقتصادي القوي المنشود.

::/introtext::
::fulltext::

في السابع من إبريل 2008، أعلنت هيئةالماء والكهرباء الإماراتية أن استهلاك البلاد من الطاقة الكهربائية تجاوز التوقعات الرسمية بنسبة 15 في المائة. لكن هذا المنحى الاستهلاكي التصاعدي لم يُلاحَظ في دولة الإمارات فقط، وإنما لوحظ في مجمل منطقة الخليج. وفي الحقيقة، يُتوقع أن يزداد الطلب على الطاقة حول العالم بفعل النمو الاقتصادي القوي المنشود.

من المتوقع أن يصل إجمالي الانتاج العالمي من الطاقة الكهربائية إلى 30364 مليار كيلو واط في عام 2030؛ أي حوالي ضعف المستوى الذي سجله في عام 2004، وقدره 16424 مليار كيلو واط. وطبقاً لمجلة (توقعات الطاقة العالمية ـ 2007)، فإن معدلات النمو السكاني العالمي المرتفعة وحالات النمو الاقتصادي الملحوظ، خصوصاً في بعض المناطق النامية مثل الشرق الأوسط، عززت الطلب على الكهرباء لتشغيل المزيد من الأجهزة الكهربائية، كمكيفات الهواء والطباخات والثلاجات وسخانات الماء. وترافق هذا الاستهلاك المتزايد مع نمو الصناعات التي تستهلك الطاقة بشكل مكثف، كصناعة الألمنيوم التي تشجعها دول الخليج لتنويع اقتصاداتها بهدف تقليص اعتمادها على النفط وإيجادالمزيد من فرص العمل.

وكما يُظهر (الشكل رقم 1)، يُتوقع أن ينمو إنتاج الطاقة الكهربائية في الشرق الأوسط (البحرين، قبرص، إيران، العراق، إسرائيل، الأردن، الكويت، لبنان، عمان، قطر، السعودية، سوريا، الإمارات ، واليمن)، بمعدل نسبي سنوي قدره 2.9 في المائة، أي من 567 مليار كيلو واط ساعي في عام 2004 إلى 1185 مليار كيلو واط ساعي في عام 2030. ومع ازدياد إجمالي الإنتاج الكهربائي، يُتوقع أيضاً حدوث تغيير في نسب مصادر الطاقة الأولية المستخدمة لتوليد الكهرباء لأن الدول تسعى، عموماً، إلى تقليص اعتمادها على مصدر وحيد من مصادر الطاقة الأولية. ويُعد الغاز الطبيعي اليوم الوقود الرئيسي لتوليد الكهرباء في الشرق الأوسط،ويبدو أنه سيبقى كذلك طبقاً للتوقعات. ففي عام 2004، ولدت محطات الكهرباء التي تعمل بالغاز الطبيعي 58 في المائة من إجمالي الطاقة الكهربائية التي أنتجتها المنطقة، علماً بأن الزيادة الطفيفة المتوقعة في هذه النسبة بحلول عام 2030م(61 في المائة)، ستنجم عن تراجع حصة النفط في إنتاج الكهرباء.

 

وتُعد منطقة الشرق الأوسط المنطقة الوحيدة في العالم التي لا تزال تستخدم النفط في توليد الطاقة الكهربائية. ففي عام 2004، لبى النفط 34 في المائة من احتياجات المنطقة من الكهرباء ويُتوقع أن تسجل هذه النسبة تراجعاً طفيفاً إلى (32 في المائة) بحلول عام 2030. وحتى عندما أرغمت أسعار النفط المرتفعة بقيةمناطق العالم على استبدال النفط كوقود لتوليد الكهرباء، ظلت منطقة الشرق الأوسط قادرة على استخدام النفط لهذا الغرض. وطبقاً لـمجلة (بريتش بتروليوم لإحصائيات الطاقة العالمية ـ 2007)، كانت دول الخليج تمتلك في نهاية عام 2006، أكثر من 60 في المائة من إجمالي احتياطيات العالم النفطية المؤكدة. لذا، توقعت المجلة أن يزداد استخدام النفط لإنتاج الكهرباء في الشرق الأوسط خلال الفترة الممتدة بين عامي (2004-2030)، بمعدل نسبي سنوي قدره 2.6 في المائة.

ولأن النفط سلعة تصديرية ثمينة بالنسبة للعديد من دول منطقة الشرق الأوسط ولأن مخزونها من الغاز الطبيعي في تراجع مستمر، بدأت دول المنطقة تنظر في إمكان توليد الكهرباء بوساطة مصادر بديلة للطاقة، كالطاقة الشمسية والنووية، وذلك لتصدير المزيد من النفط. غير أن هذين المصدرين ينطويان على تحديات عديدة، كالأمن التقني وتخزين النفايات وتوافر الوقود النووي والتكاليف الباهظة؛ وفي حالة الطاقة الشمسية، هناك مشكلة الإمداد المتقطع بالتيار الكهربائي.

لكن هناك بديلاًآخر يتمتع بشعبية عالمية أوسع، إنه الفحم الحجري الذي يتوافر بأشكال مختلفة تتراوح من أصناف الدرجة الثالثة (47 في المائة من الاحتياطيات العالمية المؤكدة)، مثل الليغنايت والفحم الحجري دون الزفتي ـ وهما أليَن من الأصناف الأخرى ونسبة الرطوبة فيهما عالية ومحتواهما من الكربون منخفض ـ إلى أصناف الدرجة الثانية (53 في المائة من الاحتياطيات العالمية المؤكدة) وهي عموماً أصلب وأقوى من أصناف الدرجة الثالثة وأهمها فحم الأنثرسايت الأسود الصلب اللماع. وهناك أصناف الفحم الحجري من الدرجة الأولى وتحتوي على نسبة أعلى من الكربون وهي أقل رطوبة وتنتج كميات أكبر من الطاقة؛ لكنها تُستخدم بشكل مختلف.

ينطوي استخدام الفحم الحجري على بعد تجاري مهم بالنسبة لدول الخليج العربية 

وتُعد أصناف الدرجة الثالثة من الفحم الحجري الأقل كفاءة في توليد الطاقة نظراً للكثرة شوائبها والملوثات التي تطلقها. وبوجه عام، يُستخدم في توليد الطاقة الكهربائية فحم الليغنايت (17 في المائة) والفحم الحجري دون الزفتي (30 في المائة) والفحم الزفتي الغني بالكربون ـ والمشهور باسم فحم البخار. وهناك فحم التعدين المعروف أيضاً باسم فحم الطبخ، ويُستخدم في الأفران العالية لإنتاج الحديد والفولاذ. أما الأنثرسايت الذي يشكل أقل من واحد في المائة من إجمالي احتياطيات العالم من الفحم الحجري، فإنه وقود لا يُصدِر أي دخان.

والفحم الحجري هو الأكثر شعبيةً لأنه الوقود الأحفوري الأكثر أماناً وتوافراً بالمقارنة بالنفط والغاز الطبيعي. وطبقاً للمعهد العالمي للفحم الحجري، فإن الفحم الحجري متوافر في كافةدول العالم تقريباً ويمكن استخراج كامل مخزون حوالي سبعين دولة. لكن أهم احتياطيات العالم القابلة للاستخراج توجد في أربع دول، هي: الولايات المتحدة (27 في المائة) وروسيا (17 في المائة) والصين (13 في المائة) والهند (10 في المائة). وتشير التقديرات القائمة على أساس مستويات الإنتاج الحالية إلى أن احتياطيات العالم المؤكدة من الفحم الحجري ستدوم 147 سنة. في المقابل، ستنفذ احتياطيات العالم المؤكدة من النفط والغاز في غضون 43 سنة و63سنة على التوالي، إذا بقيت معدلات إنتاجهما عند المستويات الحالية. ويتركز معظم احتياطيات العالم من النفط والغاز في الشرق الأوسط وروسيا.

ولأن الشرق الأوسط يمتلك أقل من 0.05 في المائة من الاحتياطيات العالمية المؤكدة من الفحم الحجري، فإن كبار مصدري الفحم الحجري سيصبحون بالغي الأهمية بالنسبة لدول الخليج إذا أنشأت محطات كهربائية تعمل بالفحم الحجري. وتُعد إسرائيل الدولة الوحيدة في المنطقة التي تستخدم الفحم الحجري في توليد الكهرباء. إذ تولد 71 في المائة من احتياجاتها من الطاقة الكهربائية بوساطة الفحم الحجري المستورد في معظمه من جنوب إفريقيا.

يُعد الغاز الطبيعي اليوم الوقود الرئيسي لتوليد الكهرباء في الشرق الأوسط

لقد تم بالفعل اتخاذ خطوات باتجاه استخدام الفحم الحجري. ففي يناير 2008، أعلنت مؤسسة الماء والكهرباء العمانية أنها كانت تنظر في بناء أول محطة لتوليد الكهرباء بوساطة الفحم الحجري في منطقة الخليج. وفي إمارتي الفجيرة ورأس الخيمة الشماليتين بدولة الإمارات، بدأ منتجو الأسمنت بتعديل أفرانهم لكي تعمل بالفحم الحجري.

وينطوي استخدام الفحم الحجري على بعد تجاري مهم بالنسبة لدول الخليج العربية لأنه سيمكنها من تصدير النفط الذي تستهلكه حالياً في توليد الكهرباء، واستيراد الفحم الحجري الأدنى سعراً. وفي مارس 2008، أفادت (شركة الشرق الأوسط للبيانات الاقتصادية) بأن تزامُن الطلب المتنامي على الكهرباء المدفوع بالنمو الاقتصادي مع قلة الاستثمار في توليد الكهرباء، أدى إلى تراجعٍ ملحوظ في الطاقة الإنتاجية الاحتياطية لتوليد الكهرباء عبر الخليج، باستثناء أبو ظبي. ورأت الشركة أن استخدام الفحم الحجري لتوليد الطاقة الكهربائية سيحل المشكلة التي تواجهها محطات الكهرباء الخليجية لأنه سيُمكنها من خفض تكلفة الإنتاج، بالمقارنة باستخدام الغاز كمصدر أولي للطاقة.

ومن الناحية التاريخية، ظلت أسعار الفحم الحجري أدنى وأكثر استقراراً من أسعار النفط والغاز. وعلى الرغم من ارتفاع أسعار النفط ومشتقاته خلال السنوات الأخيرة، إلا أن هذه الحقيقة التاريخية لم تتغير كما يُظهر (الشكل البياني رقم 2).

 

وخلافاً للمحطات النووية لتوليد الكهرباء، فإن تقنية محطات توليد الكهرباء بوساطة الفحم الحجري أبسط وأكثر انتشاراً. كما أن بناء مثل هذه المحطات قد يكون أسرع من مفاوضات واستيراد الغاز الطبيعي. ومن دون إيجاد حل سريع وناجع لمشكلة الكهرباء التي يواجهها الخليج، قد تفقد الصناعات الثقيلة التي تشجعها حكومات المنطقة أفضليتها التنافسية. وفي الحقيقة، قد تؤدي التأخيرات المطولة في حل مشكلة الكهرباء إلى انهيار هذه الصناعات تماماً.

لكن ينبغي عدم استخدام محطات توليد الكهرباء بوساطة الفحم الحجري لتلبية الجزء الأكبر من احتياجات المنطقة من الطاقة الكهربائية، لأن الفحم الحجري ليس مورداً محلياً. كما أن الاعتماد المفرط على الفحم الحجري المستورد سيعزز هواجس دول الخليج العربية المرتبطة بأمن الطاقة، وسيجعلها أكثر تأثراً بأي طفرة في أسعار الفحم الحجري.

وقد يشكل نقل الفحم الحجري بحراً إلى منطقة الخليج مشكلة أخرى،فبسبب التأمين الإضافي المفروض على النقل البحري إلى مناطق النزاعات والتوترات، قد تكون محطات توليد الكهرباء بوساطة الفحم الحجري خارج منطقة الخليج أجدى اقتصادياً. لذا، فإن سلطنةعُمان تنظر في بناء محطة لتوليد الكهرباء بوساطة الفحم الحجري في ريسوت المطلة على خليج عُمان والواقعة خارج مضيق هرمز، بينما ستكون الفجيرة الموقع الأمثل لبناء مثل هذه المحطات في دولة الإمارات لأنها تقع أيضاً خارج مضيق هرمز. وطبقاً للوكالة الدولية للطاقة، فإن المملكة العربية السعودية قد تنظر في بناء محطة لتوليد الكهرباء بوساطة الفحم الحجري على ساحلها الغربي؛ أي على البحر الأحمر.

وأشارت الجمعية الأمريكية للطاقة إلى أن الخوف من انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون أو الخوف من ضرائب الكربون المستقبلية، يؤثر سلباً في الإقبال على بناء محطات جديدة لتوليد الكهرباء بوساطة الفحم الحجري. كما أن الارتفاع السريع في تكاليف بناء مثل هذه المحطات يُعد مصدر قلق رئيسياً؛ لأن كميات الفولاذ والأسمنت المسلح التي تحتاجها محطات الكهرباء التي تعمل بالغاز الطبيعي أقل بكثير من تلك التي تحتاجها المحطات التي تعمل بالفحم الحجري، ويتطلب بناء الأولى عدداً أقل من العاملين.

علاوة على ذلك، وبسبب تنامي المخاوف المرتبطة بتغير المناخ في الشرق الأوسط والعالم، ظهرت معارضة متزايدة لاستخدام الفحم الحجري، خصوصاً أن معدل انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون التي تُطلقها محطات توليد الكهرباء بوساطة الفحم الحجري لإنتاج وحدة من الطاقة الكهربائية، هو أعلى من معدل انبعاثات المحطات التي تعمل بالنفط أو الغاز الطبيعي. ويمثل الفحم الحجري حالياً ثاني أكبر مصادر انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون التي تطلقها محطات الطاقة الكهربائية (بعد النفط). فقد ولد 39 في المائة من إجمالي هذه الانبعاثات العالمية في عام 2004، ويُتوقع أن يُصبح مصدَرها الأكبر بحلول عام 2010. كما يُتوقع أن يولد الفحم الحجري في عام 2030م، حوالي 43 في المائة من انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون التي ستطلقها محطات الكهرباء في العالم، في مقابل 36 في المائة للنفط و21 في المائة للغاز الطبيعي.

واللافت هنا هو حقيقة أن هذا كله يحدث في وقت يشهد فيه العالم تطورين متعارضين. ففي الوقت الذي يعارض فيه الرأي العام الأمريكي بناء محطات لتوليد الكهرباء بوساطة الفحم الحجري ـ مدفوعاً جزئياً بالهواجس المرتبطة بالاحتباس الحراري، فضلاً عن الهواجس الجمالية المحلية ـ نلاحظ أن الدول الأوروبية تستثمر في مثل هذه المحطات. وفي الولايات المتحدة، أعلنت ثلاثة بنوك استثمارية كبيرة، هي سيتي غروپ وجيه بي مورغان تشيس ومورغان ستانلي، أنها لدى تقييم إمكان منح قروض لبناء محطات جديدة لتوليد الكهرباء بوساطة الفحم الحجري، ستأخذ في الاعتبار الجدوى الاقتصادية لهذه المشروعات والضرائب المستقبلية المحتملة التي قد تُفرض على انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون. في المقابل، نجد أن أوروبا المدفوعة بالطلب المتنامي على الطاقة والأسعار القياسية المرتفعة للنفط والغاز الطبيعي وهواجسها المرتبطة بأمن الطاقة وكرهها للطاقة النووية، يُتوقع لها أن تُدخل حوالي خمسين محطة لتوليد الكهرباء بوساطة الفحم الحجري خلال السنوات الخمس المقبلة،وستُستخدم هذه المنشآت على مدى العقود الخمسة المقبلة.

ومع أنه يُمكن استخدام تقنيات نظيفة وأخرى مماثلة للحد من الآثار البيئية لمحطات توليد الكهرباء، إلا أن البديل الأمثل لحل مشكلة الطلب المتنامي على الكهرباء وآثاره البيئية في الشرق الأوسط هو الترشيد. إذ يتعين على السلطات المختصة أن تركز على تقليص هذا الطلب بدلاً من بناء محطات جديدة، حتى إن زُودت بتقنيات نظيفة.

وقامت الحكومة البحرينية بخطوة ممتازة إلى الأمام في يونيو 2008، عندما أقرت تشريعات لتنظيم استهلاك الطاقة الكهربائية ومياه التحلية انطوت على غرامات مالية كبيرة وأحكام قاسية بالسجن كأدوات للردع. وهذا نموذج جيد ينبغي أن تتبعه دول الخليج الأخرى. فتغيير ذهنية شعوب المنطقة ضروري؛ ولا يمكن البدء بهذا التغيير إلا إذا أصدر المسؤولونتوجيهاتهم لتطوير وتنفيذ البرامج التربوية والسياسية اللازمة.

 

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1207::/cck::
::introtext::

في السابع من إبريل 2008، أعلنت هيئةالماء والكهرباء الإماراتية أن استهلاك البلاد من الطاقة الكهربائية تجاوز التوقعات الرسمية بنسبة 15 في المائة. لكن هذا المنحى الاستهلاكي التصاعدي لم يُلاحَظ في دولة الإمارات فقط، وإنما لوحظ في مجمل منطقة الخليج. وفي الحقيقة، يُتوقع أن يزداد الطلب على الطاقة حول العالم بفعل النمو الاقتصادي القوي المنشود.

::/introtext::
::fulltext::

في السابع من إبريل 2008، أعلنت هيئةالماء والكهرباء الإماراتية أن استهلاك البلاد من الطاقة الكهربائية تجاوز التوقعات الرسمية بنسبة 15 في المائة. لكن هذا المنحى الاستهلاكي التصاعدي لم يُلاحَظ في دولة الإمارات فقط، وإنما لوحظ في مجمل منطقة الخليج. وفي الحقيقة، يُتوقع أن يزداد الطلب على الطاقة حول العالم بفعل النمو الاقتصادي القوي المنشود.

من المتوقع أن يصل إجمالي الانتاج العالمي من الطاقة الكهربائية إلى 30364 مليار كيلو واط في عام 2030؛ أي حوالي ضعف المستوى الذي سجله في عام 2004، وقدره 16424 مليار كيلو واط. وطبقاً لمجلة (توقعات الطاقة العالمية ـ 2007)، فإن معدلات النمو السكاني العالمي المرتفعة وحالات النمو الاقتصادي الملحوظ، خصوصاً في بعض المناطق النامية مثل الشرق الأوسط، عززت الطلب على الكهرباء لتشغيل المزيد من الأجهزة الكهربائية، كمكيفات الهواء والطباخات والثلاجات وسخانات الماء. وترافق هذا الاستهلاك المتزايد مع نمو الصناعات التي تستهلك الطاقة بشكل مكثف، كصناعة الألمنيوم التي تشجعها دول الخليج لتنويع اقتصاداتها بهدف تقليص اعتمادها على النفط وإيجادالمزيد من فرص العمل.

وكما يُظهر (الشكل رقم 1)، يُتوقع أن ينمو إنتاج الطاقة الكهربائية في الشرق الأوسط (البحرين، قبرص، إيران، العراق، إسرائيل، الأردن، الكويت، لبنان، عمان، قطر، السعودية، سوريا، الإمارات ، واليمن)، بمعدل نسبي سنوي قدره 2.9 في المائة، أي من 567 مليار كيلو واط ساعي في عام 2004 إلى 1185 مليار كيلو واط ساعي في عام 2030. ومع ازدياد إجمالي الإنتاج الكهربائي، يُتوقع أيضاً حدوث تغيير في نسب مصادر الطاقة الأولية المستخدمة لتوليد الكهرباء لأن الدول تسعى، عموماً، إلى تقليص اعتمادها على مصدر وحيد من مصادر الطاقة الأولية. ويُعد الغاز الطبيعي اليوم الوقود الرئيسي لتوليد الكهرباء في الشرق الأوسط،ويبدو أنه سيبقى كذلك طبقاً للتوقعات. ففي عام 2004، ولدت محطات الكهرباء التي تعمل بالغاز الطبيعي 58 في المائة من إجمالي الطاقة الكهربائية التي أنتجتها المنطقة، علماً بأن الزيادة الطفيفة المتوقعة في هذه النسبة بحلول عام 2030م(61 في المائة)، ستنجم عن تراجع حصة النفط في إنتاج الكهرباء.

 

وتُعد منطقة الشرق الأوسط المنطقة الوحيدة في العالم التي لا تزال تستخدم النفط في توليد الطاقة الكهربائية. ففي عام 2004، لبى النفط 34 في المائة من احتياجات المنطقة من الكهرباء ويُتوقع أن تسجل هذه النسبة تراجعاً طفيفاً إلى (32 في المائة) بحلول عام 2030. وحتى عندما أرغمت أسعار النفط المرتفعة بقيةمناطق العالم على استبدال النفط كوقود لتوليد الكهرباء، ظلت منطقة الشرق الأوسط قادرة على استخدام النفط لهذا الغرض. وطبقاً لـمجلة (بريتش بتروليوم لإحصائيات الطاقة العالمية ـ 2007)، كانت دول الخليج تمتلك في نهاية عام 2006، أكثر من 60 في المائة من إجمالي احتياطيات العالم النفطية المؤكدة. لذا، توقعت المجلة أن يزداد استخدام النفط لإنتاج الكهرباء في الشرق الأوسط خلال الفترة الممتدة بين عامي (2004-2030)، بمعدل نسبي سنوي قدره 2.6 في المائة.

ولأن النفط سلعة تصديرية ثمينة بالنسبة للعديد من دول منطقة الشرق الأوسط ولأن مخزونها من الغاز الطبيعي في تراجع مستمر، بدأت دول المنطقة تنظر في إمكان توليد الكهرباء بوساطة مصادر بديلة للطاقة، كالطاقة الشمسية والنووية، وذلك لتصدير المزيد من النفط. غير أن هذين المصدرين ينطويان على تحديات عديدة، كالأمن التقني وتخزين النفايات وتوافر الوقود النووي والتكاليف الباهظة؛ وفي حالة الطاقة الشمسية، هناك مشكلة الإمداد المتقطع بالتيار الكهربائي.

لكن هناك بديلاًآخر يتمتع بشعبية عالمية أوسع، إنه الفحم الحجري الذي يتوافر بأشكال مختلفة تتراوح من أصناف الدرجة الثالثة (47 في المائة من الاحتياطيات العالمية المؤكدة)، مثل الليغنايت والفحم الحجري دون الزفتي ـ وهما أليَن من الأصناف الأخرى ونسبة الرطوبة فيهما عالية ومحتواهما من الكربون منخفض ـ إلى أصناف الدرجة الثانية (53 في المائة من الاحتياطيات العالمية المؤكدة) وهي عموماً أصلب وأقوى من أصناف الدرجة الثالثة وأهمها فحم الأنثرسايت الأسود الصلب اللماع. وهناك أصناف الفحم الحجري من الدرجة الأولى وتحتوي على نسبة أعلى من الكربون وهي أقل رطوبة وتنتج كميات أكبر من الطاقة؛ لكنها تُستخدم بشكل مختلف.

ينطوي استخدام الفحم الحجري على بعد تجاري مهم بالنسبة لدول الخليج العربية 

وتُعد أصناف الدرجة الثالثة من الفحم الحجري الأقل كفاءة في توليد الطاقة نظراً للكثرة شوائبها والملوثات التي تطلقها. وبوجه عام، يُستخدم في توليد الطاقة الكهربائية فحم الليغنايت (17 في المائة) والفحم الحجري دون الزفتي (30 في المائة) والفحم الزفتي الغني بالكربون ـ والمشهور باسم فحم البخار. وهناك فحم التعدين المعروف أيضاً باسم فحم الطبخ، ويُستخدم في الأفران العالية لإنتاج الحديد والفولاذ. أما الأنثرسايت الذي يشكل أقل من واحد في المائة من إجمالي احتياطيات العالم من الفحم الحجري، فإنه وقود لا يُصدِر أي دخان.

والفحم الحجري هو الأكثر شعبيةً لأنه الوقود الأحفوري الأكثر أماناً وتوافراً بالمقارنة بالنفط والغاز الطبيعي. وطبقاً للمعهد العالمي للفحم الحجري، فإن الفحم الحجري متوافر في كافةدول العالم تقريباً ويمكن استخراج كامل مخزون حوالي سبعين دولة. لكن أهم احتياطيات العالم القابلة للاستخراج توجد في أربع دول، هي: الولايات المتحدة (27 في المائة) وروسيا (17 في المائة) والصين (13 في المائة) والهند (10 في المائة). وتشير التقديرات القائمة على أساس مستويات الإنتاج الحالية إلى أن احتياطيات العالم المؤكدة من الفحم الحجري ستدوم 147 سنة. في المقابل، ستنفذ احتياطيات العالم المؤكدة من النفط والغاز في غضون 43 سنة و63سنة على التوالي، إذا بقيت معدلات إنتاجهما عند المستويات الحالية. ويتركز معظم احتياطيات العالم من النفط والغاز في الشرق الأوسط وروسيا.

ولأن الشرق الأوسط يمتلك أقل من 0.05 في المائة من الاحتياطيات العالمية المؤكدة من الفحم الحجري، فإن كبار مصدري الفحم الحجري سيصبحون بالغي الأهمية بالنسبة لدول الخليج إذا أنشأت محطات كهربائية تعمل بالفحم الحجري. وتُعد إسرائيل الدولة الوحيدة في المنطقة التي تستخدم الفحم الحجري في توليد الكهرباء. إذ تولد 71 في المائة من احتياجاتها من الطاقة الكهربائية بوساطة الفحم الحجري المستورد في معظمه من جنوب إفريقيا.

يُعد الغاز الطبيعي اليوم الوقود الرئيسي لتوليد الكهرباء في الشرق الأوسط

لقد تم بالفعل اتخاذ خطوات باتجاه استخدام الفحم الحجري. ففي يناير 2008، أعلنت مؤسسة الماء والكهرباء العمانية أنها كانت تنظر في بناء أول محطة لتوليد الكهرباء بوساطة الفحم الحجري في منطقة الخليج. وفي إمارتي الفجيرة ورأس الخيمة الشماليتين بدولة الإمارات، بدأ منتجو الأسمنت بتعديل أفرانهم لكي تعمل بالفحم الحجري.

وينطوي استخدام الفحم الحجري على بعد تجاري مهم بالنسبة لدول الخليج العربية لأنه سيمكنها من تصدير النفط الذي تستهلكه حالياً في توليد الكهرباء، واستيراد الفحم الحجري الأدنى سعراً. وفي مارس 2008، أفادت (شركة الشرق الأوسط للبيانات الاقتصادية) بأن تزامُن الطلب المتنامي على الكهرباء المدفوع بالنمو الاقتصادي مع قلة الاستثمار في توليد الكهرباء، أدى إلى تراجعٍ ملحوظ في الطاقة الإنتاجية الاحتياطية لتوليد الكهرباء عبر الخليج، باستثناء أبو ظبي. ورأت الشركة أن استخدام الفحم الحجري لتوليد الطاقة الكهربائية سيحل المشكلة التي تواجهها محطات الكهرباء الخليجية لأنه سيُمكنها من خفض تكلفة الإنتاج، بالمقارنة باستخدام الغاز كمصدر أولي للطاقة.

ومن الناحية التاريخية، ظلت أسعار الفحم الحجري أدنى وأكثر استقراراً من أسعار النفط والغاز. وعلى الرغم من ارتفاع أسعار النفط ومشتقاته خلال السنوات الأخيرة، إلا أن هذه الحقيقة التاريخية لم تتغير كما يُظهر (الشكل البياني رقم 2).

 

وخلافاً للمحطات النووية لتوليد الكهرباء، فإن تقنية محطات توليد الكهرباء بوساطة الفحم الحجري أبسط وأكثر انتشاراً. كما أن بناء مثل هذه المحطات قد يكون أسرع من مفاوضات واستيراد الغاز الطبيعي. ومن دون إيجاد حل سريع وناجع لمشكلة الكهرباء التي يواجهها الخليج، قد تفقد الصناعات الثقيلة التي تشجعها حكومات المنطقة أفضليتها التنافسية. وفي الحقيقة، قد تؤدي التأخيرات المطولة في حل مشكلة الكهرباء إلى انهيار هذه الصناعات تماماً.

لكن ينبغي عدم استخدام محطات توليد الكهرباء بوساطة الفحم الحجري لتلبية الجزء الأكبر من احتياجات المنطقة من الطاقة الكهربائية، لأن الفحم الحجري ليس مورداً محلياً. كما أن الاعتماد المفرط على الفحم الحجري المستورد سيعزز هواجس دول الخليج العربية المرتبطة بأمن الطاقة، وسيجعلها أكثر تأثراً بأي طفرة في أسعار الفحم الحجري.

وقد يشكل نقل الفحم الحجري بحراً إلى منطقة الخليج مشكلة أخرى،فبسبب التأمين الإضافي المفروض على النقل البحري إلى مناطق النزاعات والتوترات، قد تكون محطات توليد الكهرباء بوساطة الفحم الحجري خارج منطقة الخليج أجدى اقتصادياً. لذا، فإن سلطنةعُمان تنظر في بناء محطة لتوليد الكهرباء بوساطة الفحم الحجري في ريسوت المطلة على خليج عُمان والواقعة خارج مضيق هرمز، بينما ستكون الفجيرة الموقع الأمثل لبناء مثل هذه المحطات في دولة الإمارات لأنها تقع أيضاً خارج مضيق هرمز. وطبقاً للوكالة الدولية للطاقة، فإن المملكة العربية السعودية قد تنظر في بناء محطة لتوليد الكهرباء بوساطة الفحم الحجري على ساحلها الغربي؛ أي على البحر الأحمر.

وأشارت الجمعية الأمريكية للطاقة إلى أن الخوف من انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون أو الخوف من ضرائب الكربون المستقبلية، يؤثر سلباً في الإقبال على بناء محطات جديدة لتوليد الكهرباء بوساطة الفحم الحجري. كما أن الارتفاع السريع في تكاليف بناء مثل هذه المحطات يُعد مصدر قلق رئيسياً؛ لأن كميات الفولاذ والأسمنت المسلح التي تحتاجها محطات الكهرباء التي تعمل بالغاز الطبيعي أقل بكثير من تلك التي تحتاجها المحطات التي تعمل بالفحم الحجري، ويتطلب بناء الأولى عدداً أقل من العاملين.

علاوة على ذلك، وبسبب تنامي المخاوف المرتبطة بتغير المناخ في الشرق الأوسط والعالم، ظهرت معارضة متزايدة لاستخدام الفحم الحجري، خصوصاً أن معدل انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون التي تُطلقها محطات توليد الكهرباء بوساطة الفحم الحجري لإنتاج وحدة من الطاقة الكهربائية، هو أعلى من معدل انبعاثات المحطات التي تعمل بالنفط أو الغاز الطبيعي. ويمثل الفحم الحجري حالياً ثاني أكبر مصادر انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون التي تطلقها محطات الطاقة الكهربائية (بعد النفط). فقد ولد 39 في المائة من إجمالي هذه الانبعاثات العالمية في عام 2004، ويُتوقع أن يُصبح مصدَرها الأكبر بحلول عام 2010. كما يُتوقع أن يولد الفحم الحجري في عام 2030م، حوالي 43 في المائة من انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون التي ستطلقها محطات الكهرباء في العالم، في مقابل 36 في المائة للنفط و21 في المائة للغاز الطبيعي.

واللافت هنا هو حقيقة أن هذا كله يحدث في وقت يشهد فيه العالم تطورين متعارضين. ففي الوقت الذي يعارض فيه الرأي العام الأمريكي بناء محطات لتوليد الكهرباء بوساطة الفحم الحجري ـ مدفوعاً جزئياً بالهواجس المرتبطة بالاحتباس الحراري، فضلاً عن الهواجس الجمالية المحلية ـ نلاحظ أن الدول الأوروبية تستثمر في مثل هذه المحطات. وفي الولايات المتحدة، أعلنت ثلاثة بنوك استثمارية كبيرة، هي سيتي غروپ وجيه بي مورغان تشيس ومورغان ستانلي، أنها لدى تقييم إمكان منح قروض لبناء محطات جديدة لتوليد الكهرباء بوساطة الفحم الحجري، ستأخذ في الاعتبار الجدوى الاقتصادية لهذه المشروعات والضرائب المستقبلية المحتملة التي قد تُفرض على انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون. في المقابل، نجد أن أوروبا المدفوعة بالطلب المتنامي على الطاقة والأسعار القياسية المرتفعة للنفط والغاز الطبيعي وهواجسها المرتبطة بأمن الطاقة وكرهها للطاقة النووية، يُتوقع لها أن تُدخل حوالي خمسين محطة لتوليد الكهرباء بوساطة الفحم الحجري خلال السنوات الخمس المقبلة،وستُستخدم هذه المنشآت على مدى العقود الخمسة المقبلة.

ومع أنه يُمكن استخدام تقنيات نظيفة وأخرى مماثلة للحد من الآثار البيئية لمحطات توليد الكهرباء، إلا أن البديل الأمثل لحل مشكلة الطلب المتنامي على الكهرباء وآثاره البيئية في الشرق الأوسط هو الترشيد. إذ يتعين على السلطات المختصة أن تركز على تقليص هذا الطلب بدلاً من بناء محطات جديدة، حتى إن زُودت بتقنيات نظيفة.

وقامت الحكومة البحرينية بخطوة ممتازة إلى الأمام في يونيو 2008، عندما أقرت تشريعات لتنظيم استهلاك الطاقة الكهربائية ومياه التحلية انطوت على غرامات مالية كبيرة وأحكام قاسية بالسجن كأدوات للردع. وهذا نموذج جيد ينبغي أن تتبعه دول الخليج الأخرى. فتغيير ذهنية شعوب المنطقة ضروري؛ ولا يمكن البدء بهذا التغيير إلا إذا أصدر المسؤولونتوجيهاتهم لتطوير وتنفيذ البرامج التربوية والسياسية اللازمة.

 

::/fulltext::
::cck::1207::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *