مخاطر البنى التقليدية على تأسيس المجتمع المدني.. (الطائفية – العشائرية – المناطقية)
::cck::1306::/cck::
::introtext::
سادت في الوعي العربي المعاصر مجموعة أوهام حول المجتمع المدني؛ البعض اعتبرها بديلاً عن الديمقراطية، والبعض الآخر اعتبرها طريقاً إلى الديمقراطية، وآخرون اعتبروها بديلاً عن الدولة وفي أحسن الأحوال مواجهاً حتمياً للدولة أو بديلاً احتمالياً عن تأخر المجتمع. ونحن، إذ سنعرض في بحثنا هذا بعض مخاطر البنى التقليدية على تأسيس المجتمع المدني، فإننا سنتناول في طريقنا إلى ذلك القواعد الغائبة عن فهم فكرة المجتمع المدني، والتي تذهب إلى حدّ إقامة الأوهام من ناحية أو التي تعطل قيام المجتمع المدني من ناحية أخرى.
::/introtext::
::fulltext::
سادت في الوعي العربي المعاصر مجموعة أوهام حول المجتمع المدني؛ البعض اعتبرها بديلاً عن الديمقراطية، والبعض الآخر اعتبرها طريقاً إلى الديمقراطية، وآخرون اعتبروها بديلاً عن الدولة وفي أحسن الأحوال مواجهاً حتمياً للدولة أو بديلاً احتمالياً عن تأخر المجتمع. ونحن، إذ سنعرض في بحثنا هذا بعض مخاطر البنى التقليدية على تأسيس المجتمع المدني، فإننا سنتناول في طريقنا إلى ذلك القواعد الغائبة عن فهم فكرة المجتمع المدني، والتي تذهب إلى حدّ إقامة الأوهام من ناحية أو التي تعطل قيام المجتمع المدني من ناحية أخرى.
يُبنى المجتمع المدني على أساس أنه ذلك (الوسيط) الذي يُقام بضرب من الحرية بين الدولة والمجتمع. وتكون وظيفته باختصار تغطية وملء الفراغ الذي تحدثه الديمقراطية التمثيلية بعدم قدرتها على أن يكون (حكم الشعب) هو فعلاً فاعليتها الإجرائية على اعتبار أن النواب يغدون أوليغارشية (نخبوية) تنفصل عن الشعب لحظة انتخابها للمجالس التمثيلية، وعلى اعتبار أن (حكم الشعب) هو ضرب من المستحيل في مجتمعات كبيرة، إذ إن أحداً لا ينسى أن الديمقراطية في مبتداها الإثيني كانت حكراً على مجموعة نخبوية من الشعب وبعدد قليل منه أيضاً، وأن روسو لاحقاً إذ كان يقترحها وسيلة أفضل للحكم كان يضع في ذهنه نموذجاً لمجتمع صغير مماثل لمجتمع جنيف.
الخطورة تكمن في هاجس المثقف تجاه الدولة وتسلطها ولا مبالاة الدولة إزاء المثقف وخياراته المتنوعة
إن إقامة الديمقراطية المباشرة هيالدافع وراء المجتمع المدني؛ فعلى اعتبار أن ذلك مستحيل في المجتمعات الكبيرة، يأتي المجتمع المدني ليعارض هذه الاستحالة على اعتبار أن شرط الديمقراطية المباشرة هو وجود التلاحم والانسجام الثقافي وسيادة الاعتقاد بوجود جامع قبلي عضوي بين أعضاء الجماعة، كما كانت عليه الديمقراطية الإثينية المباشرة.
ولذلك فإن أوهام المجتمع المدني في الفكر العربي السائد تتلخص في غياب الأسس التالية:
1- إن المجتمع المدني جاء (مع/ وبعد) قيام الديمقراطيات وليس قبل ذلك.
2- إن المجتمع المدني يقابل مجتمعاً متقدماً ولا يُبنى على مجتمع مُتأخر.
3- إن المجتمع المدني يقابل دولة متقدمة تجاوزت دولة الإكراه إلى دولة القانون ودولة المؤسسات.

وعلى اعتبار أن وظيفة المجتمع المدني أن يتوسط بين الدولة باعتبارها بناءً فوقياً متعالياً، إن نظرياً أو عملياً، والمجتمع، وأن عليه إكمال ما لا تستطيع الديمقراطية التمثيلية تحقيقه لجهة التواصل الدائم مع المجموع البشري للجمهور ولجهة تحقيق علاقة مثلى بين ما هو أكثروي وما هو أقلوي على المستوى التمثيلي، ولهذا فإن هذه الوظيفة (الوسيطة) تستدعي أن يُقام المجتمع المدني (مع/ وعلى) قاعدة مجتمع متقدم أنجز مهامه الوطنية بتعيين حدود المواطنة وعلاقات الانتماء، وأن يُقام مع وعلى التوازي مع دولة مؤسسات وقانون.
ولا شك في أن الانتماء البشري يعكس مستويين لا بد من تعيينهما لدراسة أثرهما في المجتمع المدني:
1-المستوى الكينوني: ونعني به هنا الانتماء بالولادة، وهو انتماء غير طوعي، مفروض بالمصادفة الزمانية والمكانية، وهو مستوى من الانتماء (العمودي) إلى مناطق صغرى وأديان وطوائف وقبائل وعشائر ومجموعات إثنية، وهو انتماء ثابت يحدد الهوية الأولى للفرد وللجماعات البشرية، وهو على الرغم من أنه لا امتياز لأصحابه ذاتياً فيه، لأنهم لم يختاروه أصلاً، إلا أنه يشكل الانتماء الأكثر عمقاً وتجذراً على الرغم من أنه انتماء لا وطني وما قبل قومي، بل إنه انتماء يشكل تضاداً مع كل ما هو حديث. كما أنه يُستعاد في فترات عدة في حياة الإنسان، نجملها على النحو التالي:
(أ) في لحظات الحقيقة المطلقة: أي في لحظة الولادة ولحظة الموت، إذ يعين المرء سلوكه فينتقل من الانتماء بالكينونة إلى الانتماء بالسلوك فيسلك السلوك الذي يتطلبه ويفرضه الانتماء العمودي من طقوس وقواعد.
(ب) في لحظات التشكل اللا واعي للوعي: أي في سيرورة الوعي
2- المستوى الثقافي: ونقصد هنا بالثقافي (Cultural) أي الحضاري أيضاً، وهو مستوى الانتماء الطوعي المغاير لمستوى الكينونة. وهنا يختار المرء انتماءه إلى قيم وأفكار معاصرة وطوعية. وهو المستوى الذي تستند إليه قيم المجتمع المدني بالمجمل؛ أي أن الانتماء إلى الأحزاب والجمعيات والمنظمات غير الحكوميةوغير ذلك من مظاهر المجتمع المدني المعاصر، يغدو انتماء واعياً لمجموعة قيم وثقافات تطرح نفسها كبديل وطني أو قومي أو أممي. وهنا يجب أن نعترف بأن كل انتماء ثقافي هو انتماء إلى مستوى أفقي، يفتقر إلى التجذّر، وفيه ضرب من عناد! (عناد الفكرة) كما أنه لا يضرب جذوره بذاته، بل يستند من أجل ذلك إلى المؤسسات الملحقة به أو التي يلتحق بها، وهو يحتاج إلى ظرف مناسب، ففترات المدّ الوطني أو القومي أو الأممي تُدَعِّم هذا المستوى وترفعه إلى مرتبة مقدّسة وتجرّم وتؤثّم كل ما عداه. أما في فترات الجزر التي تسم مرحلة تراجع المد الوطني أو القومي أو الأممي، فإن قلّة أولئك الذين يستطيعون الحفاظ على انتمائهم الثقافي فيها، بل إنهم يبدون وكأنهم يبحرون عكس التيار أو كمن يقاتل طواحين الهواء.
ولكن، وعلى الرغم من كل ما سبق، فإن مشروع المجتمع المدني الوسيط لا يمكن له أبداً أن يُبنى إلا على المستوى الثقافي للانتماء، وإلا فإن قدرة المجتمع المدني على كشف وتكريس عيوب المجتمع الأصلي سرعان ما تتجه نحو التمظهر في ثنايا مؤسسات المجتمع المدني، أي بدل أن تسيطر على المجتمع في آلياته الدينية والعشائرية والطائفية، فإن الأخيرة هي التي تسيطر على المجتمع المدني.
ولذلك فإن مجتمعاً لم ينجز بعد مشروعه الوطني أو القومي أو يسير به نحو الإنجاز سرعان ما سوف يحوّل الأحزاب إلى أحزاب قبائل أو عشائر أو طوائف أو مجموعات إثنية، كما أن إنجازاً غير كافٍ على مستوى الدولة والمجتمع لمشروع العلاقة المواطنية المضبوطة بقواعد الأمر والترتيب (Order) والحقوق والواجبات، سرعان ما يسمح في فترات الجزر الوطني أو القومي أو الارتكاس السياسي، بأن تتحوّل مؤسسات المجتمع المدني إلى مؤسسات مجتمع ما قبل مدني أي إلى مجرد مؤسسات طارئة تعكس البنى العمودية.
ويجب أن نلاحظ أن ظهور تقسيمات أفقية عميقة بديلاً عن التقسيمات العمودية العصبوية، هو ضرب من خصائص المجتمع المتطور والمستقر نسبياً والواسع والمتوسع اقتصادياً، والقادر على تعميق حركة الدمج الاجتماعي في نمط حياة واحدة، والذي يتحول فيه صراع الطبقات إلى بديل عن الصراع العصبوي الطائفي الإقليمي، كما أننا نعلم أن الانحطاط والانكماش الاجتماعيين يترافقان مع عودة تأثيرات التقسيمات العمودية الحاسمة التي تخلق أنماط حياة متميزة ومتفاوتة بشدة بين الجماعات، حيث إن كل مجتمع يتحول في مرحلة انحطاطه الاجتماعي والاقتصادي إلى مجتمع عصبوي. وعلى هذا فإننا نجزم بأن تراجع النمو الاقتصادي سينعكس بالضرورة على النمو الاجتماعي والسياسي تراجعاً، خصوصاً مع سقوط الطبقة الوسطى التي ما فتئت تحمل المشاريع الكبرى، الأمر الذي يشكل مخاطر على بنى المجتمع المدني، وسيكون ذلك فرصة لإحياء مظاهر المجتمع العصبوي على حساب أي مشروع وطني.
المطلوب انفتاح كل من الدولة والمجتمع المدني وتنازل كل منهما للآخر
ونحن هنا لا نقيم الحدّ على كل مظهر من مظاهر التفاعلات المؤسساتية للبنى التقليدية، لكننا نقيم الحدّ على انتشارها وشيوعها وسيطرتها على بُنى المجتمع المدني، فنحن لسنا ضد الأديان إنما ضد اندياحها فوق المؤسسات الحديثة ولسنا ضد الطوائف إنما ضد الطائفية. صحيح أنه في بعض الدول المتقدِّمة تكون بعض الجمعيات والمنظمات غير الحكومية تهدف –فعلياً- إلى تقديم خدمات تبشيرية أو طائفية أو دينية… إلخ، إلا أن لها سقفاً هو سقف المواطنية والدولة، وهي لا تستطيع أن تفرض مشاريعها على المشاريع الوطنية الكبرى وعندما تصطدم بها سرعان ما تكون الغلبة للدولة. ولكن ذلك على أساس قوة الدولةوتطورها، وحداثة المجتمع وصيرورته الوطنية.
وهنا لا بد أن نقول إن (دولةالإكراه) باعتبارها مرحلة ضرورية من مراحل تشكّل الدولة، تمثل تربة خصبة لنمو المستويات الكينونية، وخصوصاً الدينية والطائفية والعشائرية، ولتراجع قدرة مؤسسات المجتمع المدني على أن تكون تمثيلاً للمستوى الأفقي؛ أي الثقافي، وهي تفسح المجال أمام هذا الحراك اللا سياسي، الأهلي،وذلك حرصاً منها على التوازن المجتمعي. ولهذا بقدر ما تستنفد دولة الإكراه مرحلتها بأسرع ما يمكن لتنتقل إلى (دولة القانون) (فدولة المؤسسات) وفق إيقاع لا مرحلي بالضرورة؛ أي وفق إيقاع تشابك المراحل وبقدر تصعيد السعي باتجاه القوننة والمأسسة، فإن الفرصة تكون متاحةً لبناء مجتمع مدني أكثر قدرة على أن يكون تعبيراً عن المستوى الحضاري –الثقافي وأكثر قدرة على التقدم بالوساطة بين الدولة والمجتمع.
إن أخطر ما في التجليات ما قبل القومية والتقسيمات العمودية أنها كينونية، أي أن لها سمة الأسبقية والاستمرارية والقبول بها كمسلّمة. وأن لها سمة الكائن، وهي ليست شأناً تافهاً؛ فهي هوية أولى. والسؤال: كيف يمكن لأية هوية لاحقة (يحملها المجتمع المدني) أن تلغي (في أحسن الأحوال)، أو أن تتجاوز (في أوسط الأحوال) أو أن تتفاعل(في أضعف الأحوال) مع الهوية السابقة. وأن تحيلها إلى هوية لاحقة (إلى هوية من الدرجة الثامنة مثلاً)؛ ذلك أننا نلاحظ أن هنالك هوساً عربياً بفكرة الأصل، وهي فكرة تغلب اليوم فكرة الوطن، وفكرة المصلحة: فالمكان والانتماء المذهبي والعصبوي سرعان ما تمتد وتنبسط في الزمان. وهي جميعاً تشكِّل خطراً أولاً على كل مشروع لاحق وخاصة إذا كان مجرد فكرة.
مشروع المجتمع المدني الوسيط لا يُبنى إلا على المستوى الثقافي للانتماء
إن التوهم بأن المجتمع المدني يمكن له أن يلغي آلياً كل هذه الانتماءات، هو ضرب من تغليب لقوة الفكرة على قوة الواقع، وهو تغليب مثالي يتصور أن العالم فكرة! ذلك أن قوة عطالة الواقع الكينوني سرعان ما تمنع التغيير إذا لم يكن شاملاً وليس مجرد فكرة. بل إن الأخطر أن هذا الواقع غالباً ما يكيّف الجديد في ذلك العالم، فتصبح مؤسسات المجتمع المدني انعكاساً، بل امتداداً وتكريساً للواقع الكينوني. فتغدو الأحزاب طوائف وعشائر وقبائل. وتغدو المؤسسات الخيرية مؤسسات تبشيرية داعية، وتصبح المنظمات اللاحكومية منظمات تعمل في الرواق الخلفي لخدمة طائفة أو عشيرة أو قبيلة أو مجموعة إثنية. عندئذ يعتدي الواقع الكينوني على الواقع الثقافي.
ولفهم مخاطر هذا الواقع نذكّر بأن الصفة الطوائفية مثلاً هي أقدم من الأديان. ويشير أنجلز إلى هذه الصفة في ملاحظة له عن روما والشرق الأدنى، كما فتحتهُ ووجدته روما. وهو أمر يظهر بوضوح في الطقوس وأدق التعاليم وأكثرها تفصيلاً فيما يتعلق بالطعام والنظافة كوسائل تعيّن إلى أي دين ينتمي الإنسان وهذا ما لم تعرفه روما.
ماركس بدوره يحل التاريخ في المشرق في مسألة تتساءل لماذا يظهر تاريخ الشرق في صورة تاريخ أديان.
إن الكينونة ليست نتاجاً للدولة، والمجتمع ليس ابناً للدولة، فالأديان والطوائف والعشائر والقبائل، سابقة على الدولة، وهي على تضاد -بطبيعة الحال- معها؛ باعتبارها مؤسسة حديثة. ولذلك فإن نفي الكينونة يجب أن يكون بكينونة موازية؛ أي إذا كانت القبائل والعشائر والطوائف هي وقائع مُعاشة فإن نفيها يجب ألا يكون بفكرة إنما يجب أن يكون بواقع معاش مضاد؛ بمعنى أن كافة التجارب الفكرية، سواء أكانت قومية أم يسارية أم علمانيةً، عندما أدارت ظهرها لهذه الظواهر الكينونية لم تستطع أن تلغي أثرها الفاعل إنما حرّمت التكامل المُعلن معها، وأثمّت تناولها، في الوقت الذي وجدت نفسها إزاءها أمام حقيقة متعالية؛ هي استمرارية قدرة هذه الظواهر ما قبل القومية. وكذا لم تستطع تجارب المجتمع المدني أن تشكل نقيضاً عن البنى التقليدية المفوّتة، بل في أغلب الأحيان سرعان ما وجدت نفسها إعادة تجسيد لها بواجهة حديثة.
ما هو الحل؟
هل يكمن في إعادة التربية وإعادة تأهيل المجتمع؟ لا نعتقد. إذ إن مثل هكذا تصوّر واهم يتخيل أن التربية تلغي الكينونة، وأن الثقافة المضادة تلغي الثقافة الكينونية أو تلغي البنى المفوّتة. لكننا نرى أن إجبار الظروف المتحجرة على الرقص لا يكون إلا بأن نغني لها لحنها ذاته، وأن نتمثلها وأن ندفع بها بمثلها، فالواقع لا يواجه بفكرة. والسؤال الأهم هل المطلوب أن نلغي الانتماءات الكينونية أم نحيلها إلى المرتبة الثامنة في سلم الانتماءات السائدة؟ وهذا هو المنطقي.
ولتحقيق هذا المطلوب لا بد من اجتماع عناصر عدة. أولها تحويل الحراك الاجتماعي- الاقتصادي السائد من حراك سكوني إلى حراك مفتوح يحول الاقتصادي إلى أولوي على الإيديولوجي وبالتالي أولوي على الكينوني ولو بشكل بدئي. وثانيها: وضع المجتمعات العربية في سياق اجترار مشاريع كبيرة كالتي ظهرت في الخمسينات والستينات لأنه من دون مناخ تقدمي لا يمكن تجاوز الواقع، إذ إن تجاوز الواقع يحتاج إلى واقع موازٍ. ثالثها: تحصين مؤسسات المجتمع المدني بضوابط فوقية تمنع اعتداء الكينونات المفوّتة وخصوصاً الدينية والطائفية على الكينونات المحدثة، رابعها: تشريع قوانين تُحلّ حق الانتماء الكينوني والتعبير عنه باعتباره حقاً يكفله الدستور على ألا يتعارض ذلك مع الانتماء إلى الوطن ولا يتحول بالطوائف إلى طائفية والعشائر إلى عشائرية مثلاً، خامسها: التعامل مع هذه البنى الكينونية علناً باعتبارها وقائع على الأرض؛ وكائنات وليست أفكاراً، من موقع إضعافها وليس من موقع تعزيزها، ومن موقع (التحقق السلبي) على اعتبار أن أولى قواعد التجاوز في الجدل هي التحقق ثم النفي، أما كيف يكون ذلك فتلك مسألة مطروحة على النقاش بين المثقفين الواقعيين والدولة المعنية؟ لا نقدم ولا ندّعي أننا نضع مشروعاً متكاملاً حولها الآن.
و يجب ألا ننسى مسألتين في غاية الأهمية: الأولى أن إقامة المجتمع المدني في الغرب لم تصطدم ببنى مفوتة على النموذج الموزاييكي العربي؛ لسببين الأول أنها أتت على حاملة التقدم، والثانية لأن السمة الموزاييكية هذه هي سمة مشرقية غالباً، وقد ظهرت بسبب التسامح الذي فرضه الإسلام من ناحية وبسبب الموقع المتوسط الذي يتمتع به المشرق بين الشمال والجنوب والشرق والغرب؛ وهو الموقع الذي جعل من المنطقة منطقة مثاقفة وغزو وانتقالات إثنية، فضلاً عن كونه يصلح للعزلات الجماعية والثقافية. والمسألة الثانية أن المجتمع المدني قد أتى على التوازي مع دولة حديثة ومجتمع بلوّر سمته الواضحة باعتباره تشكيلة اجتماعية- اقتصادية حاكمها الأساسي هو الصراع الطبقي. ولهذا وانطلاقاً من هذا الفهم لا بد أن نتخلى عن أوهام وضع المجتمع المدني في تضاد أو مواجهة مع الدولة لأن هذه الوظيفة يبدو أنها تريد أن تتشفى من شمولية الدولة المتسلطة باختراقها بالمجتمع المدني باعتبارها بديلاً (وهمياً) عن عجز البدائل السياسية عن صنع الديمقراطية.
إن وظيفة المجتمع المدني اختلفت وعليه أن يكون، في منطقتنا العربية، حليفاً للدولة، ولا نقول تابعاً، وأن تدرك الدولة أهمية هذا الحلف وأهمية ألا تضع يدها بشمولية على كافة مناحي المجتمع المدني، وأن تترك له فرصة للنمو على التوازي والتحالف معها؛ لأنه من دون ذلك لن ينشأ مجتمع مدني بل سينشأ مجتمع ظاهرهُ مدني وباطنه بنى تقليدية، كما لن تتطور الدولة بدورها، في ظل هذا الوضع، الذي تعتدي فيه هذه البنى على مشروع الدولة الحديثة.
ويجب أن نُدرك أن ثمة علاقة قائمة بين الدولة والمجتمع المدني هي علاقة اختراق متبادل؛ فالدولة تخترق المجتمع المدني عبر ما يمكن تسميته السلطة، أو بكلمة أكثر رقة (إدارة العدالة عبر الشرطة)، باعتبار أن الدولة الحديثة هي دولة شرطة، وهذه هي وظيفة الإكراه التي تتطور إلى وظيفة ضبط، كما تخترقه بتلبية حاجاته التي يخلقها هو ذاته بتنظيم الاقتصاد ومنع الإفقار. كما يقوم المجتمع المدني باختراق الدولة عبر المجالس النيابية والطبقات وتشابك المصالح وتشكيل ما يُسمّى الرأي العام، وبالتالي إنتاج ثقافة سيادة القانون؛ التي تعود لتدعم الضبط وإدارة العدالة لدى الدولة. فليعلن هذا الاختراق المتبادل على شكل تحالف بين الطرفين لإنتاج دولة حديثة ومعاصرة وتحديث المجتمع، بحيث تتحقق المعادلة التي تقول إن المجتمع المدني هو الانتقال من الفرد إلى المواطن الذي ليس مرتبطاً بالآخر برابطة الدم أو الدين أو الطائفة أو العشيرة، إنما برابط المصالح المشتركة والتمايز الثقافي الطوعي تحت كلٍّ متعين هو الدولة ولصالح كلّ متعالٍ هو الأمة.
وعلى الضفة الأخرى علينا أن نعي ضرورة أن نحذِّر من كافة الدعوات إلى ذوبان المجتمع المدني في الدولة (كما هو شأن الدول التوتاليتارية وأساسها النظري في الماركسية) أو ذوبان الدولة في المجتمع المدني (كما هو شأن الدعوات المسترسلة في العولمة مؤخراً)؛ لأن غياب الفصل بينهما يعني غياب التوازن بينهما وإلغاء دور الوساطة، وبالتالي غياب مجموعة من الآليات التي تحدُّ من استبداد الدولة، فالتمفصل بينهما هو أساس التوازن. لقد أخطأ ماركس عندما رفض الجماعات الطوعية التي تتوسط بين الفرد والدولة في إطار حله لمشكلة الديمقراطية البرجوازية التمثيلية (التي أكدنا نحن على أنها أوليغارشية) ذلك أنه أراد أن تنحلّ الدولة في المجتمع، فانتهى إلى يوتوبيا بلا دولة. فهو عندما رفض الفصل بين الدولة والمجتمع المدني تحت ذريعة أنه اغترابي للإنسان ودلالة على عبوديته بانقسام الإنسان إلى عالم السياسة الذي يعيش فيه المواطن بحرّية، وعالم الاقتصاد الذي يخضع فيه لسيطرة علاقات الاستغلال الاقتصادية، فإنه قد ألغى نظرياً عالم السياسة وعالم الاقتصاد معاً. وطالما أننا في عالم لم يستطع أن يُلغي أحدهما (أي السياسة أو الاقتصاد) فإن علينا أن نقبل الفصل بينهما طلباً للتوازن على أن نؤكد أن الفصل لا يعني عدم التمفصل، ولا يعني أيضاً أنهما ليسا متقابلين، ولكنهما ليسا عدوين.
إن الخطورة تكمن بالدرجة الأولى في هذا الهاجس الذي يحمله المثقف تجاه الدولة وتسلطها وفي تلك اللامبالاة من الدولة إزاء المثقف وخياراته المتنوعة.
والمطلوب انفتاح من الطرفين وتنازل من كليهما: تنازل ثقافي بخفض درجة الحسّ التآمري لدى المثقفين ورواد المجتمع المدني تجاه عسف الدولة، وتنازل الدولة باتجاه تفعيل حرية الحراك المؤسساتي وحقه في الاختلاف. ومن دون هذين التنازلين سيبقى الاشتباك قائماً، ولن يواجه لا المجتمع المدني ورواده ولا الدولة عدوهما الأساسي في الداخل وهو البُنى المفوتة وفاعلية عملها المضادة للحداثة.
لقد آن الأوان أن نفتح الملفات علانية في مواجهة ترتيب الأولويات، فالخطر يكمن في بنى المجتمع الكينونية المُفوتة وليس في ذلك الصراع (الدونكيشوتي) بين الدولة وإرهاصات تطورات المجتمع، بما فيها بُنى المستوى الثقافي، إذ إن العدو المشترك يجب أن يعقلن الصراع بين الدولة وهذه البنى، فهذه البنى الثقافية والإجرائية ليست، في النتيجة، بديلاً عن الدولة أو عن المجتمع، ووظيفتها الوسيطة يجب ألا تُضخم إلى وظائف إلغاء للدولة.
وتتمثل الكارثة المأزقية اليوم في هذه المفارقة المزدوجة:
* الدولة العربية، ولكي تكون تعبيراً عن المجتمع، فإنها تحاول أن تخصّص نسباً في قطّاعتها السياسية والبرلمانية والحكومية لأقسام المجتمع. وبالمصادفة المُرة، فإنها مضطرة للتعامل مع أقسام المجتمع باعتبارها بنى مفوتة، أي أنها تخصص نسباً لطوائف وعشائر وقبائل. وهي هنا تحقق ضرباً من التوازن المجتمعي لكنها في الوقت ذاته تكرس -دون أي خيار موازٍ- هذه البنى. كما أنها إن امتلكت خياراً نظرياً تعطي فيه ظهرها لهذه البنى فإنها ستتحول إلى دولة نخبوية، وبالتالي ستكون على موعد مع انفجار مجتمعي تطالب فيه هذه البنى بمكانة ودور والنتيجة تدمير الدولة وأيضاً تدمير المجتمع.
* إن المثقف إذ يطالب الدولة بموقف علماني لا يستطيع أن يقدّم بديلاً (كينونياً) عن واقع البنى السائدة المفوتة إلا بديلاً نظرياً. ولكن الوقائع لا تواجه بأفكار؛ إنما تواجه بوقائع.
إن الدولة في مأزقٍ لأنها لا تريد بنى مفوتة لكنها مضطرة للتعامل معها. والمثقف في مأزق لأنه لا يريد بنى مفوتة ولا يستطيع أن يقدم بديلاً واقعياً! إذاً كلاهما في مأزق والإشكالية واحدة هي نفي البنى التقليدية. والحل لا يكون إلا بالتحالف بين الطرفين.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1306::/cck::
::introtext::
سادت في الوعي العربي المعاصر مجموعة أوهام حول المجتمع المدني؛ البعض اعتبرها بديلاً عن الديمقراطية، والبعض الآخر اعتبرها طريقاً إلى الديمقراطية، وآخرون اعتبروها بديلاً عن الدولة وفي أحسن الأحوال مواجهاً حتمياً للدولة أو بديلاً احتمالياً عن تأخر المجتمع. ونحن، إذ سنعرض في بحثنا هذا بعض مخاطر البنى التقليدية على تأسيس المجتمع المدني، فإننا سنتناول في طريقنا إلى ذلك القواعد الغائبة عن فهم فكرة المجتمع المدني، والتي تذهب إلى حدّ إقامة الأوهام من ناحية أو التي تعطل قيام المجتمع المدني من ناحية أخرى.
::/introtext::
::fulltext::
سادت في الوعي العربي المعاصر مجموعة أوهام حول المجتمع المدني؛ البعض اعتبرها بديلاً عن الديمقراطية، والبعض الآخر اعتبرها طريقاً إلى الديمقراطية، وآخرون اعتبروها بديلاً عن الدولة وفي أحسن الأحوال مواجهاً حتمياً للدولة أو بديلاً احتمالياً عن تأخر المجتمع. ونحن، إذ سنعرض في بحثنا هذا بعض مخاطر البنى التقليدية على تأسيس المجتمع المدني، فإننا سنتناول في طريقنا إلى ذلك القواعد الغائبة عن فهم فكرة المجتمع المدني، والتي تذهب إلى حدّ إقامة الأوهام من ناحية أو التي تعطل قيام المجتمع المدني من ناحية أخرى.
يُبنى المجتمع المدني على أساس أنه ذلك (الوسيط) الذي يُقام بضرب من الحرية بين الدولة والمجتمع. وتكون وظيفته باختصار تغطية وملء الفراغ الذي تحدثه الديمقراطية التمثيلية بعدم قدرتها على أن يكون (حكم الشعب) هو فعلاً فاعليتها الإجرائية على اعتبار أن النواب يغدون أوليغارشية (نخبوية) تنفصل عن الشعب لحظة انتخابها للمجالس التمثيلية، وعلى اعتبار أن (حكم الشعب) هو ضرب من المستحيل في مجتمعات كبيرة، إذ إن أحداً لا ينسى أن الديمقراطية في مبتداها الإثيني كانت حكراً على مجموعة نخبوية من الشعب وبعدد قليل منه أيضاً، وأن روسو لاحقاً إذ كان يقترحها وسيلة أفضل للحكم كان يضع في ذهنه نموذجاً لمجتمع صغير مماثل لمجتمع جنيف.
الخطورة تكمن في هاجس المثقف تجاه الدولة وتسلطها ولا مبالاة الدولة إزاء المثقف وخياراته المتنوعة
إن إقامة الديمقراطية المباشرة هيالدافع وراء المجتمع المدني؛ فعلى اعتبار أن ذلك مستحيل في المجتمعات الكبيرة، يأتي المجتمع المدني ليعارض هذه الاستحالة على اعتبار أن شرط الديمقراطية المباشرة هو وجود التلاحم والانسجام الثقافي وسيادة الاعتقاد بوجود جامع قبلي عضوي بين أعضاء الجماعة، كما كانت عليه الديمقراطية الإثينية المباشرة.
ولذلك فإن أوهام المجتمع المدني في الفكر العربي السائد تتلخص في غياب الأسس التالية:
1- إن المجتمع المدني جاء (مع/ وبعد) قيام الديمقراطيات وليس قبل ذلك.
2- إن المجتمع المدني يقابل مجتمعاً متقدماً ولا يُبنى على مجتمع مُتأخر.
3- إن المجتمع المدني يقابل دولة متقدمة تجاوزت دولة الإكراه إلى دولة القانون ودولة المؤسسات.

وعلى اعتبار أن وظيفة المجتمع المدني أن يتوسط بين الدولة باعتبارها بناءً فوقياً متعالياً، إن نظرياً أو عملياً، والمجتمع، وأن عليه إكمال ما لا تستطيع الديمقراطية التمثيلية تحقيقه لجهة التواصل الدائم مع المجموع البشري للجمهور ولجهة تحقيق علاقة مثلى بين ما هو أكثروي وما هو أقلوي على المستوى التمثيلي، ولهذا فإن هذه الوظيفة (الوسيطة) تستدعي أن يُقام المجتمع المدني (مع/ وعلى) قاعدة مجتمع متقدم أنجز مهامه الوطنية بتعيين حدود المواطنة وعلاقات الانتماء، وأن يُقام مع وعلى التوازي مع دولة مؤسسات وقانون.
ولا شك في أن الانتماء البشري يعكس مستويين لا بد من تعيينهما لدراسة أثرهما في المجتمع المدني:
1-المستوى الكينوني: ونعني به هنا الانتماء بالولادة، وهو انتماء غير طوعي، مفروض بالمصادفة الزمانية والمكانية، وهو مستوى من الانتماء (العمودي) إلى مناطق صغرى وأديان وطوائف وقبائل وعشائر ومجموعات إثنية، وهو انتماء ثابت يحدد الهوية الأولى للفرد وللجماعات البشرية، وهو على الرغم من أنه لا امتياز لأصحابه ذاتياً فيه، لأنهم لم يختاروه أصلاً، إلا أنه يشكل الانتماء الأكثر عمقاً وتجذراً على الرغم من أنه انتماء لا وطني وما قبل قومي، بل إنه انتماء يشكل تضاداً مع كل ما هو حديث. كما أنه يُستعاد في فترات عدة في حياة الإنسان، نجملها على النحو التالي:
(أ) في لحظات الحقيقة المطلقة: أي في لحظة الولادة ولحظة الموت، إذ يعين المرء سلوكه فينتقل من الانتماء بالكينونة إلى الانتماء بالسلوك فيسلك السلوك الذي يتطلبه ويفرضه الانتماء العمودي من طقوس وقواعد.
(ب) في لحظات التشكل اللا واعي للوعي: أي في سيرورة الوعي
2- المستوى الثقافي: ونقصد هنا بالثقافي (Cultural) أي الحضاري أيضاً، وهو مستوى الانتماء الطوعي المغاير لمستوى الكينونة. وهنا يختار المرء انتماءه إلى قيم وأفكار معاصرة وطوعية. وهو المستوى الذي تستند إليه قيم المجتمع المدني بالمجمل؛ أي أن الانتماء إلى الأحزاب والجمعيات والمنظمات غير الحكوميةوغير ذلك من مظاهر المجتمع المدني المعاصر، يغدو انتماء واعياً لمجموعة قيم وثقافات تطرح نفسها كبديل وطني أو قومي أو أممي. وهنا يجب أن نعترف بأن كل انتماء ثقافي هو انتماء إلى مستوى أفقي، يفتقر إلى التجذّر، وفيه ضرب من عناد! (عناد الفكرة) كما أنه لا يضرب جذوره بذاته، بل يستند من أجل ذلك إلى المؤسسات الملحقة به أو التي يلتحق بها، وهو يحتاج إلى ظرف مناسب، ففترات المدّ الوطني أو القومي أو الأممي تُدَعِّم هذا المستوى وترفعه إلى مرتبة مقدّسة وتجرّم وتؤثّم كل ما عداه. أما في فترات الجزر التي تسم مرحلة تراجع المد الوطني أو القومي أو الأممي، فإن قلّة أولئك الذين يستطيعون الحفاظ على انتمائهم الثقافي فيها، بل إنهم يبدون وكأنهم يبحرون عكس التيار أو كمن يقاتل طواحين الهواء.
ولكن، وعلى الرغم من كل ما سبق، فإن مشروع المجتمع المدني الوسيط لا يمكن له أبداً أن يُبنى إلا على المستوى الثقافي للانتماء، وإلا فإن قدرة المجتمع المدني على كشف وتكريس عيوب المجتمع الأصلي سرعان ما تتجه نحو التمظهر في ثنايا مؤسسات المجتمع المدني، أي بدل أن تسيطر على المجتمع في آلياته الدينية والعشائرية والطائفية، فإن الأخيرة هي التي تسيطر على المجتمع المدني.
ولذلك فإن مجتمعاً لم ينجز بعد مشروعه الوطني أو القومي أو يسير به نحو الإنجاز سرعان ما سوف يحوّل الأحزاب إلى أحزاب قبائل أو عشائر أو طوائف أو مجموعات إثنية، كما أن إنجازاً غير كافٍ على مستوى الدولة والمجتمع لمشروع العلاقة المواطنية المضبوطة بقواعد الأمر والترتيب (Order) والحقوق والواجبات، سرعان ما يسمح في فترات الجزر الوطني أو القومي أو الارتكاس السياسي، بأن تتحوّل مؤسسات المجتمع المدني إلى مؤسسات مجتمع ما قبل مدني أي إلى مجرد مؤسسات طارئة تعكس البنى العمودية.
ويجب أن نلاحظ أن ظهور تقسيمات أفقية عميقة بديلاً عن التقسيمات العمودية العصبوية، هو ضرب من خصائص المجتمع المتطور والمستقر نسبياً والواسع والمتوسع اقتصادياً، والقادر على تعميق حركة الدمج الاجتماعي في نمط حياة واحدة، والذي يتحول فيه صراع الطبقات إلى بديل عن الصراع العصبوي الطائفي الإقليمي، كما أننا نعلم أن الانحطاط والانكماش الاجتماعيين يترافقان مع عودة تأثيرات التقسيمات العمودية الحاسمة التي تخلق أنماط حياة متميزة ومتفاوتة بشدة بين الجماعات، حيث إن كل مجتمع يتحول في مرحلة انحطاطه الاجتماعي والاقتصادي إلى مجتمع عصبوي. وعلى هذا فإننا نجزم بأن تراجع النمو الاقتصادي سينعكس بالضرورة على النمو الاجتماعي والسياسي تراجعاً، خصوصاً مع سقوط الطبقة الوسطى التي ما فتئت تحمل المشاريع الكبرى، الأمر الذي يشكل مخاطر على بنى المجتمع المدني، وسيكون ذلك فرصة لإحياء مظاهر المجتمع العصبوي على حساب أي مشروع وطني.
المطلوب انفتاح كل من الدولة والمجتمع المدني وتنازل كل منهما للآخر
ونحن هنا لا نقيم الحدّ على كل مظهر من مظاهر التفاعلات المؤسساتية للبنى التقليدية، لكننا نقيم الحدّ على انتشارها وشيوعها وسيطرتها على بُنى المجتمع المدني، فنحن لسنا ضد الأديان إنما ضد اندياحها فوق المؤسسات الحديثة ولسنا ضد الطوائف إنما ضد الطائفية. صحيح أنه في بعض الدول المتقدِّمة تكون بعض الجمعيات والمنظمات غير الحكومية تهدف –فعلياً- إلى تقديم خدمات تبشيرية أو طائفية أو دينية… إلخ، إلا أن لها سقفاً هو سقف المواطنية والدولة، وهي لا تستطيع أن تفرض مشاريعها على المشاريع الوطنية الكبرى وعندما تصطدم بها سرعان ما تكون الغلبة للدولة. ولكن ذلك على أساس قوة الدولةوتطورها، وحداثة المجتمع وصيرورته الوطنية.
وهنا لا بد أن نقول إن (دولةالإكراه) باعتبارها مرحلة ضرورية من مراحل تشكّل الدولة، تمثل تربة خصبة لنمو المستويات الكينونية، وخصوصاً الدينية والطائفية والعشائرية، ولتراجع قدرة مؤسسات المجتمع المدني على أن تكون تمثيلاً للمستوى الأفقي؛ أي الثقافي، وهي تفسح المجال أمام هذا الحراك اللا سياسي، الأهلي،وذلك حرصاً منها على التوازن المجتمعي. ولهذا بقدر ما تستنفد دولة الإكراه مرحلتها بأسرع ما يمكن لتنتقل إلى (دولة القانون) (فدولة المؤسسات) وفق إيقاع لا مرحلي بالضرورة؛ أي وفق إيقاع تشابك المراحل وبقدر تصعيد السعي باتجاه القوننة والمأسسة، فإن الفرصة تكون متاحةً لبناء مجتمع مدني أكثر قدرة على أن يكون تعبيراً عن المستوى الحضاري –الثقافي وأكثر قدرة على التقدم بالوساطة بين الدولة والمجتمع.
إن أخطر ما في التجليات ما قبل القومية والتقسيمات العمودية أنها كينونية، أي أن لها سمة الأسبقية والاستمرارية والقبول بها كمسلّمة. وأن لها سمة الكائن، وهي ليست شأناً تافهاً؛ فهي هوية أولى. والسؤال: كيف يمكن لأية هوية لاحقة (يحملها المجتمع المدني) أن تلغي (في أحسن الأحوال)، أو أن تتجاوز (في أوسط الأحوال) أو أن تتفاعل(في أضعف الأحوال) مع الهوية السابقة. وأن تحيلها إلى هوية لاحقة (إلى هوية من الدرجة الثامنة مثلاً)؛ ذلك أننا نلاحظ أن هنالك هوساً عربياً بفكرة الأصل، وهي فكرة تغلب اليوم فكرة الوطن، وفكرة المصلحة: فالمكان والانتماء المذهبي والعصبوي سرعان ما تمتد وتنبسط في الزمان. وهي جميعاً تشكِّل خطراً أولاً على كل مشروع لاحق وخاصة إذا كان مجرد فكرة.
مشروع المجتمع المدني الوسيط لا يُبنى إلا على المستوى الثقافي للانتماء
إن التوهم بأن المجتمع المدني يمكن له أن يلغي آلياً كل هذه الانتماءات، هو ضرب من تغليب لقوة الفكرة على قوة الواقع، وهو تغليب مثالي يتصور أن العالم فكرة! ذلك أن قوة عطالة الواقع الكينوني سرعان ما تمنع التغيير إذا لم يكن شاملاً وليس مجرد فكرة. بل إن الأخطر أن هذا الواقع غالباً ما يكيّف الجديد في ذلك العالم، فتصبح مؤسسات المجتمع المدني انعكاساً، بل امتداداً وتكريساً للواقع الكينوني. فتغدو الأحزاب طوائف وعشائر وقبائل. وتغدو المؤسسات الخيرية مؤسسات تبشيرية داعية، وتصبح المنظمات اللاحكومية منظمات تعمل في الرواق الخلفي لخدمة طائفة أو عشيرة أو قبيلة أو مجموعة إثنية. عندئذ يعتدي الواقع الكينوني على الواقع الثقافي.
ولفهم مخاطر هذا الواقع نذكّر بأن الصفة الطوائفية مثلاً هي أقدم من الأديان. ويشير أنجلز إلى هذه الصفة في ملاحظة له عن روما والشرق الأدنى، كما فتحتهُ ووجدته روما. وهو أمر يظهر بوضوح في الطقوس وأدق التعاليم وأكثرها تفصيلاً فيما يتعلق بالطعام والنظافة كوسائل تعيّن إلى أي دين ينتمي الإنسان وهذا ما لم تعرفه روما.
ماركس بدوره يحل التاريخ في المشرق في مسألة تتساءل لماذا يظهر تاريخ الشرق في صورة تاريخ أديان.
إن الكينونة ليست نتاجاً للدولة، والمجتمع ليس ابناً للدولة، فالأديان والطوائف والعشائر والقبائل، سابقة على الدولة، وهي على تضاد -بطبيعة الحال- معها؛ باعتبارها مؤسسة حديثة. ولذلك فإن نفي الكينونة يجب أن يكون بكينونة موازية؛ أي إذا كانت القبائل والعشائر والطوائف هي وقائع مُعاشة فإن نفيها يجب ألا يكون بفكرة إنما يجب أن يكون بواقع معاش مضاد؛ بمعنى أن كافة التجارب الفكرية، سواء أكانت قومية أم يسارية أم علمانيةً، عندما أدارت ظهرها لهذه الظواهر الكينونية لم تستطع أن تلغي أثرها الفاعل إنما حرّمت التكامل المُعلن معها، وأثمّت تناولها، في الوقت الذي وجدت نفسها إزاءها أمام حقيقة متعالية؛ هي استمرارية قدرة هذه الظواهر ما قبل القومية. وكذا لم تستطع تجارب المجتمع المدني أن تشكل نقيضاً عن البنى التقليدية المفوّتة، بل في أغلب الأحيان سرعان ما وجدت نفسها إعادة تجسيد لها بواجهة حديثة.
ما هو الحل؟
هل يكمن في إعادة التربية وإعادة تأهيل المجتمع؟ لا نعتقد. إذ إن مثل هكذا تصوّر واهم يتخيل أن التربية تلغي الكينونة، وأن الثقافة المضادة تلغي الثقافة الكينونية أو تلغي البنى المفوّتة. لكننا نرى أن إجبار الظروف المتحجرة على الرقص لا يكون إلا بأن نغني لها لحنها ذاته، وأن نتمثلها وأن ندفع بها بمثلها، فالواقع لا يواجه بفكرة. والسؤال الأهم هل المطلوب أن نلغي الانتماءات الكينونية أم نحيلها إلى المرتبة الثامنة في سلم الانتماءات السائدة؟ وهذا هو المنطقي.
ولتحقيق هذا المطلوب لا بد من اجتماع عناصر عدة. أولها تحويل الحراك الاجتماعي- الاقتصادي السائد من حراك سكوني إلى حراك مفتوح يحول الاقتصادي إلى أولوي على الإيديولوجي وبالتالي أولوي على الكينوني ولو بشكل بدئي. وثانيها: وضع المجتمعات العربية في سياق اجترار مشاريع كبيرة كالتي ظهرت في الخمسينات والستينات لأنه من دون مناخ تقدمي لا يمكن تجاوز الواقع، إذ إن تجاوز الواقع يحتاج إلى واقع موازٍ. ثالثها: تحصين مؤسسات المجتمع المدني بضوابط فوقية تمنع اعتداء الكينونات المفوّتة وخصوصاً الدينية والطائفية على الكينونات المحدثة، رابعها: تشريع قوانين تُحلّ حق الانتماء الكينوني والتعبير عنه باعتباره حقاً يكفله الدستور على ألا يتعارض ذلك مع الانتماء إلى الوطن ولا يتحول بالطوائف إلى طائفية والعشائر إلى عشائرية مثلاً، خامسها: التعامل مع هذه البنى الكينونية علناً باعتبارها وقائع على الأرض؛ وكائنات وليست أفكاراً، من موقع إضعافها وليس من موقع تعزيزها، ومن موقع (التحقق السلبي) على اعتبار أن أولى قواعد التجاوز في الجدل هي التحقق ثم النفي، أما كيف يكون ذلك فتلك مسألة مطروحة على النقاش بين المثقفين الواقعيين والدولة المعنية؟ لا نقدم ولا ندّعي أننا نضع مشروعاً متكاملاً حولها الآن.
و يجب ألا ننسى مسألتين في غاية الأهمية: الأولى أن إقامة المجتمع المدني في الغرب لم تصطدم ببنى مفوتة على النموذج الموزاييكي العربي؛ لسببين الأول أنها أتت على حاملة التقدم، والثانية لأن السمة الموزاييكية هذه هي سمة مشرقية غالباً، وقد ظهرت بسبب التسامح الذي فرضه الإسلام من ناحية وبسبب الموقع المتوسط الذي يتمتع به المشرق بين الشمال والجنوب والشرق والغرب؛ وهو الموقع الذي جعل من المنطقة منطقة مثاقفة وغزو وانتقالات إثنية، فضلاً عن كونه يصلح للعزلات الجماعية والثقافية. والمسألة الثانية أن المجتمع المدني قد أتى على التوازي مع دولة حديثة ومجتمع بلوّر سمته الواضحة باعتباره تشكيلة اجتماعية- اقتصادية حاكمها الأساسي هو الصراع الطبقي. ولهذا وانطلاقاً من هذا الفهم لا بد أن نتخلى عن أوهام وضع المجتمع المدني في تضاد أو مواجهة مع الدولة لأن هذه الوظيفة يبدو أنها تريد أن تتشفى من شمولية الدولة المتسلطة باختراقها بالمجتمع المدني باعتبارها بديلاً (وهمياً) عن عجز البدائل السياسية عن صنع الديمقراطية.
إن وظيفة المجتمع المدني اختلفت وعليه أن يكون، في منطقتنا العربية، حليفاً للدولة، ولا نقول تابعاً، وأن تدرك الدولة أهمية هذا الحلف وأهمية ألا تضع يدها بشمولية على كافة مناحي المجتمع المدني، وأن تترك له فرصة للنمو على التوازي والتحالف معها؛ لأنه من دون ذلك لن ينشأ مجتمع مدني بل سينشأ مجتمع ظاهرهُ مدني وباطنه بنى تقليدية، كما لن تتطور الدولة بدورها، في ظل هذا الوضع، الذي تعتدي فيه هذه البنى على مشروع الدولة الحديثة.
ويجب أن نُدرك أن ثمة علاقة قائمة بين الدولة والمجتمع المدني هي علاقة اختراق متبادل؛ فالدولة تخترق المجتمع المدني عبر ما يمكن تسميته السلطة، أو بكلمة أكثر رقة (إدارة العدالة عبر الشرطة)، باعتبار أن الدولة الحديثة هي دولة شرطة، وهذه هي وظيفة الإكراه التي تتطور إلى وظيفة ضبط، كما تخترقه بتلبية حاجاته التي يخلقها هو ذاته بتنظيم الاقتصاد ومنع الإفقار. كما يقوم المجتمع المدني باختراق الدولة عبر المجالس النيابية والطبقات وتشابك المصالح وتشكيل ما يُسمّى الرأي العام، وبالتالي إنتاج ثقافة سيادة القانون؛ التي تعود لتدعم الضبط وإدارة العدالة لدى الدولة. فليعلن هذا الاختراق المتبادل على شكل تحالف بين الطرفين لإنتاج دولة حديثة ومعاصرة وتحديث المجتمع، بحيث تتحقق المعادلة التي تقول إن المجتمع المدني هو الانتقال من الفرد إلى المواطن الذي ليس مرتبطاً بالآخر برابطة الدم أو الدين أو الطائفة أو العشيرة، إنما برابط المصالح المشتركة والتمايز الثقافي الطوعي تحت كلٍّ متعين هو الدولة ولصالح كلّ متعالٍ هو الأمة.
وعلى الضفة الأخرى علينا أن نعي ضرورة أن نحذِّر من كافة الدعوات إلى ذوبان المجتمع المدني في الدولة (كما هو شأن الدول التوتاليتارية وأساسها النظري في الماركسية) أو ذوبان الدولة في المجتمع المدني (كما هو شأن الدعوات المسترسلة في العولمة مؤخراً)؛ لأن غياب الفصل بينهما يعني غياب التوازن بينهما وإلغاء دور الوساطة، وبالتالي غياب مجموعة من الآليات التي تحدُّ من استبداد الدولة، فالتمفصل بينهما هو أساس التوازن. لقد أخطأ ماركس عندما رفض الجماعات الطوعية التي تتوسط بين الفرد والدولة في إطار حله لمشكلة الديمقراطية البرجوازية التمثيلية (التي أكدنا نحن على أنها أوليغارشية) ذلك أنه أراد أن تنحلّ الدولة في المجتمع، فانتهى إلى يوتوبيا بلا دولة. فهو عندما رفض الفصل بين الدولة والمجتمع المدني تحت ذريعة أنه اغترابي للإنسان ودلالة على عبوديته بانقسام الإنسان إلى عالم السياسة الذي يعيش فيه المواطن بحرّية، وعالم الاقتصاد الذي يخضع فيه لسيطرة علاقات الاستغلال الاقتصادية، فإنه قد ألغى نظرياً عالم السياسة وعالم الاقتصاد معاً. وطالما أننا في عالم لم يستطع أن يُلغي أحدهما (أي السياسة أو الاقتصاد) فإن علينا أن نقبل الفصل بينهما طلباً للتوازن على أن نؤكد أن الفصل لا يعني عدم التمفصل، ولا يعني أيضاً أنهما ليسا متقابلين، ولكنهما ليسا عدوين.
إن الخطورة تكمن بالدرجة الأولى في هذا الهاجس الذي يحمله المثقف تجاه الدولة وتسلطها وفي تلك اللامبالاة من الدولة إزاء المثقف وخياراته المتنوعة.
والمطلوب انفتاح من الطرفين وتنازل من كليهما: تنازل ثقافي بخفض درجة الحسّ التآمري لدى المثقفين ورواد المجتمع المدني تجاه عسف الدولة، وتنازل الدولة باتجاه تفعيل حرية الحراك المؤسساتي وحقه في الاختلاف. ومن دون هذين التنازلين سيبقى الاشتباك قائماً، ولن يواجه لا المجتمع المدني ورواده ولا الدولة عدوهما الأساسي في الداخل وهو البُنى المفوتة وفاعلية عملها المضادة للحداثة.
لقد آن الأوان أن نفتح الملفات علانية في مواجهة ترتيب الأولويات، فالخطر يكمن في بنى المجتمع الكينونية المُفوتة وليس في ذلك الصراع (الدونكيشوتي) بين الدولة وإرهاصات تطورات المجتمع، بما فيها بُنى المستوى الثقافي، إذ إن العدو المشترك يجب أن يعقلن الصراع بين الدولة وهذه البنى، فهذه البنى الثقافية والإجرائية ليست، في النتيجة، بديلاً عن الدولة أو عن المجتمع، ووظيفتها الوسيطة يجب ألا تُضخم إلى وظائف إلغاء للدولة.
وتتمثل الكارثة المأزقية اليوم في هذه المفارقة المزدوجة:
* الدولة العربية، ولكي تكون تعبيراً عن المجتمع، فإنها تحاول أن تخصّص نسباً في قطّاعتها السياسية والبرلمانية والحكومية لأقسام المجتمع. وبالمصادفة المُرة، فإنها مضطرة للتعامل مع أقسام المجتمع باعتبارها بنى مفوتة، أي أنها تخصص نسباً لطوائف وعشائر وقبائل. وهي هنا تحقق ضرباً من التوازن المجتمعي لكنها في الوقت ذاته تكرس -دون أي خيار موازٍ- هذه البنى. كما أنها إن امتلكت خياراً نظرياً تعطي فيه ظهرها لهذه البنى فإنها ستتحول إلى دولة نخبوية، وبالتالي ستكون على موعد مع انفجار مجتمعي تطالب فيه هذه البنى بمكانة ودور والنتيجة تدمير الدولة وأيضاً تدمير المجتمع.
* إن المثقف إذ يطالب الدولة بموقف علماني لا يستطيع أن يقدّم بديلاً (كينونياً) عن واقع البنى السائدة المفوتة إلا بديلاً نظرياً. ولكن الوقائع لا تواجه بأفكار؛ إنما تواجه بوقائع.
إن الدولة في مأزقٍ لأنها لا تريد بنى مفوتة لكنها مضطرة للتعامل معها. والمثقف في مأزق لأنه لا يريد بنى مفوتة ولا يستطيع أن يقدم بديلاً واقعياً! إذاً كلاهما في مأزق والإشكالية واحدة هي نفي البنى التقليدية. والحل لا يكون إلا بالتحالف بين الطرفين.
::/fulltext::
::cck::1306::/cck::
