المعوقات السياسية لملفات حقوق الإنسان.. محاولة للفهم
::cck::1168::/cck::
::introtext::
من المعروف أن مسألة التطرق (تفصيلاً وتفكيكاً) لملفات ذات مضمون سياسي محض في بلدان مجلس التعاون الخليجي، تعتبر من المسائل المفرطة بالحساسية، وغالباً ما ينظر إليها بقصد أو من دون قصد من باب التدخل في الشؤون الداخلية لهذه الدولة أو تلك، كما يؤخذ رأي الكاتب وإن صاغه بصورة معرفية على أنه بإيعاز من دولة أو تيار سياسي وفكر لا ينتمي إلى هوية المنطقة العرقية والدينية.
::/introtext::
::fulltext::
من المعروف أن مسألة التطرق (تفصيلاً وتفكيكاً) لملفات ذات مضمون سياسي محض في بلدان مجلس التعاون الخليجي، تعتبر من المسائل المفرطة بالحساسية، وغالباً ما ينظر إليها بقصد أو من دون قصد من باب التدخل في الشؤون الداخلية لهذه الدولة أو تلك، كما يؤخذ رأي الكاتب وإن صاغه بصورة معرفية على أنه بإيعاز من دولة أو تيار سياسي وفكر لا ينتمي إلى هوية المنطقة العرقية والدينية.
حتى يترسخ لدينا فكر عقلاني متسامح مقتنع بالمقولة الإغريقية القديمة بـ (أن الثابت الوحيد في الكون هو التغيير) وإيمان فعلي بالنهج النقدي الذي يضيف إلى مكونات النظام السياسي في الخليج حيوية وفاعلية مطلوبة، سنحاول أن نكون واقعيين أو (واقعين) كالعادة في أطروحاتنا بفصل ملفات التعاون الخليجي، كالاقتصاد والصحة والنقل والتعليم عن العامل السياسي المؤثر والمحرك والمحفز لها، حتى لا تنتقل عدوى (الحساسية) من تلك الملفات ذات الطابع الخدماتي والتقني والإنساني لتتحول إلى حساسية سياسية معرقلة لدوران العجلة التنموية.
والملاحظ أن ما يجري على تلك المجالات التنموية الحيوية في عالم اليوم، ينسحب على الحقل الإنساني العملاق في المجتمعات الخليجية، فهل من الممكن أن يفصل ما هو إنساني حقوقي عما هو سياسي وأمني في دولة من دول الخليج؟ فالكل مدرك أن جل ما يمكن إصداره وتضمينه من مفاهيم ونصوص حقوق الإنسان بكافة تفرعاتها في المناهج التربوية، أو حتى ما هو متعلق بحرية عمل جمعيات حقوق الإنسان أو الاهتمام بشؤون الأقليات إنما هو بالفعل قرار سياسي صرف لا يمكنها التحقق من دونه، ولو رصدنا كافة الملفات الإنسانية المتعثرة في منطقة الخليج لوجدنا أن تعثرها حصل نتيجة لمعوقات سياسية ليس لتفسيراتها والممانعة في انفراجها أي أساسات واقعية ومنطقية تبررها.
وحتى تطمئن قلوب الكثيرين ممن تهيمن على مخيلتهم وذهنياتهم هواجس الماضي الغابر لابد من التأكيد على أن المتغيرات العصرية الراهنة قد بددت كل المخاوف السياسية المتعلقة بعصر الإيديولوجيات والثورات والحركات الراديكالية، ولم يعد هناك مواطن واحد في المنطقة لديه شك في الترتيبات التي استقرت عليها المنطقة بحدودها الجغرافية القانونية أو بشرعية أنظمتها السياسية القائمة، أو حتى بمسألة الانتماء الوجداني للهوية السياسية والوطنية بأية دولة من الدول، وما هو حاصل أن المطالبات الحقوقية تختزل في مفاتيح وطنية إيجابية ترسخ الاستقرار السياسي والمجتمعي، وتواكب ما يحدث في عالم اليوم من تطورات مثل: المواطنة، حقوق الإنسان، التنمية المستدامة، فاعلية المجتمع المدني احترام التعددية والخصوصية الثقافية، وهي لا يمكن أن تمس بأي حال من الأحوال أمن الدولة وشرعية نظامها وسلامة حدودها التي استقرت عليها بحكم الواقع المعاش والقانون الدولي.
لذا ينبغي علينا فهم الدعوات السياسية الهادفة للإصلاح والتطوير التي يخطها بعض الكتّاب والمختصين على أنها كتابات وطنية مخلصة بدافع الحرص والولاء الإقليمي، وليس بدافع التشكيك وزعزعة البنيان والسعي لتفكيكه مثلما يفهم عادة، ومن منطلق مشاعر حسن النوايا المتبادلة هذه تحل كافة معضلاتنا وإشكالياتنا من دون تصفيات شخصية وتخوينات متبادلة، فما الذي يضير أية حكومة من الحكومات في تحسين وإصلاح أحوال السجون بحيث تنسجم مع المعايير والمواصفات الدولية القانونية المتعارف عليها إذا كانت العقوبة بمحصلة الختام مطبقة وفقاً لأحكام قضائية رسمية صادرة؟ وكيف يمكن للدولة أن تتهدد إذا كان مجمل العقوبات والأحكام الصادرة قد تمت وفقاً لمحاكمات عادلة تجرى تحت محراب القضاء العادل بشهادة وبدفاع محامين ينتمون إلى المرجعية العدلية والقانونية نفسها في الدولة؟ وأين الإشكالية في قيام ناشطين متبرعين في الدفاع عن حقوق أفراد أو شرائح مجتمعية تقرها شرائع سماوية ودساتير وقوانين محلية ووثائق دولية، ويكاد يجمع على تطبيقها الأطراف الرسمية والشعبية، ويتفق حولها الحاكم والمحكوم والأمي والعالم؟ فلو فتشنا في كل ما أسلفنا ذكره لوجدنا في ذلك ما يمس أمن الدولة ويقلق استقرارها المجتمعي، بل على العكس من ذلك، فإن مطالب العدالة والمساواة والتعايش الإنساني المندمج والمشترك تحت مظلة وطن وقانون واحد، هي أفضل ضمانة لتعزيز أمن الدولة وترسيخ استقرار المجتمع وإبراز مكانة الدولة المشرقة أمام الرأي العام الدولي.
ويكاد تجمع غالبية المنشغلين في شأن حقوق الإنسان بكافة مدارسهم الفكرية على أنه لا تعارض بين مفاهيم حقوق الإنسان وقيم المواطنة وبين شكل النظام السياسي سواء كان ينتمي إلى عالم الديمقراطيات العريقة أو إلى دول العالم الثالث على خلاف هوياتها الدينية والعرقية وغيرها، فتلك المفاهيم هي إرث للبشرية قاطبة من حقها أن تتمتع به، وجل ما هو موجود من معوقات تحول دون تجسيدها على أرض الواقع لترى النور إنما هو معوقات سياسية خاضعة لهواجس ومخاوف غير موجودة إلا في مخيلة السياسيين الذين يظنون مخطئين بأن أية محاولة للتطوير والإصلاح وتحسين الأوضاع الإنسانية في مجتمعاتهم إنما هي محاولة لتغيير نظام الحكم وأصول اللعبة السياسية، في حين لو جربوا غير هيابين تلك القيم لتبين لهم حجم الإنجازات المشرقة التي ستنجم عنها في دولهم وحجم المكانة الاستثنائية التي سيحصلون عليها في وجدان وأفئدة مواطنيهم.
قضية (البدون) في دول الخليج تقلق مضجع كافة السياسيين والمعنيين بحقوق الإنسان
وحين نأخذ على سبيل المثال إشكالية ما يعرف بشريحة (البدون) في بلدان مجلس التعاون الخليجي وبشكل خاص في بلدان مثل الكويت والبحرين والإمارات والسعودية نجد أن هذه الإشكالية تقلق مضاجع كافة السياسيين والمعنيين بحقوق الإنسان فيها وإن اختلفت نسبة تأثير وحجم الأزمة من دولة لأخرى، وتباينت طرق المعالجات في كل دولة، بينما لو كانت هناك سياسات خليجية موحدة ومتماسكة رشيدة تراعي المصلحة الخليجية بشكل شمولي وعميق، لوجدنا في شريحة البدون الموجودة على امتداد أراضي تلك الدول، الحل الواقعي والفعال للعديد من الإشكاليات الكبرى كالتركيبة السكانية المختلة في زيادة نسب العمالة الأجنبية في كل دولة على نسب مواطنيها، وفي إشكالية الغزو الثقافي الخارجي، وفي زيادة معدلات الجريمة والتطرف الناتج عنها، فالكل يعرف أن بلدان الخليج تعاني نقصاً في الطاقات البشرية المؤهلة من الناحيتين المدنية والعسكرية بمواجهة أقطاب إقليمية كبرى تفوقها في الكثافة الديموغرافية، فلماذا لا تتوفر الإرادة السياسية لدى بلدان الخليج لاستثمار تلك الطاقات والمخزون البشري الهائل الذي ينسجم مع نسيجها الاجتماعي والثقافي والديني لسد النقص السكاني الشديد لديها وعلاج الاختلالات الثقافية والسكانية والوظيفية التي تعيقها عن بناء استراتيجية صلبة قادرة على تحمل مسؤوليتها الأمنية والتنموية من دون الاعتماد على الآخرين؟
والإشكالية أن المعوقات السياسية لملفات حقوق الإنسان لا تطال الحقوق الفردية والمدنية فقط، بل أيضاً حقوق الأقليات المجردة من اكتساب جنسية البلد الخليجي الذي تقيم به وتنتمي إلى نظامه وأرضه. فالطامة الكبرى أنه بالوقت الذي تتوحد به البلدان المجاورة تحت مظلة تكتلات أقلية يجمعها دستور وعلم ونشيد وعمله وجنسية واحدة، تبرز على السطح حساسيات وطنية محلية في كل بلد خليجي بسبب ما يعرف بازدواجية الجنسية، وقد ظهرت في قطر قبل سنوات، وشكلت قضية رأي عام كويتي ساخط في أثناء الانتخابات الماضية في شهر مايو الماضي، وكلها تنذر بتهديد فعلي لقيم حقوق الإنسان الخليجي، وتطعن في المبادئ التي قام عليها مجلس التعاون ومن ضمنها وحدة التعاون والتعايش والاندماج ما بين شعوب الإقليم.
وفي الختام لابد من التأكيد على أن المفهوم الأمني والسياسي بمعانيه المباشرة والتقليدية أصبح صفحة من صفحات التاريخ، وحل مكانه مفهوم الأمن البشري أو الإنساني، فالدولة تحمي حدودها وتصبح مستقرة بقدر ما توليه من اهتمام بحق وكرامة وأمن ورفاهية الإنسان داخل أراضيها، لذلك فعلى السياسيين في السلطات الرسمية امتلاك إرادة سياسية إيجابية تجاه الملفات الإنسانية في بلدانهم أو على الأقل رفع أيديهم عنها ليتركوا المنشغلين بها يعملون من دون ضغوط نفسية ووظيفية، لأنهم جديرون بثقتهم وأكثر حرصاً ممن يستخدمونهم كأدوات لعرقلة عملهم ومضايقتهم في الاهتمام بمقتضيات الأمن والاستقرار والتسامح والوحدة الوطنية والإقليمية.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1168::/cck::
::introtext::
من المعروف أن مسألة التطرق (تفصيلاً وتفكيكاً) لملفات ذات مضمون سياسي محض في بلدان مجلس التعاون الخليجي، تعتبر من المسائل المفرطة بالحساسية، وغالباً ما ينظر إليها بقصد أو من دون قصد من باب التدخل في الشؤون الداخلية لهذه الدولة أو تلك، كما يؤخذ رأي الكاتب وإن صاغه بصورة معرفية على أنه بإيعاز من دولة أو تيار سياسي وفكر لا ينتمي إلى هوية المنطقة العرقية والدينية.
::/introtext::
::fulltext::
من المعروف أن مسألة التطرق (تفصيلاً وتفكيكاً) لملفات ذات مضمون سياسي محض في بلدان مجلس التعاون الخليجي، تعتبر من المسائل المفرطة بالحساسية، وغالباً ما ينظر إليها بقصد أو من دون قصد من باب التدخل في الشؤون الداخلية لهذه الدولة أو تلك، كما يؤخذ رأي الكاتب وإن صاغه بصورة معرفية على أنه بإيعاز من دولة أو تيار سياسي وفكر لا ينتمي إلى هوية المنطقة العرقية والدينية.
حتى يترسخ لدينا فكر عقلاني متسامح مقتنع بالمقولة الإغريقية القديمة بـ (أن الثابت الوحيد في الكون هو التغيير) وإيمان فعلي بالنهج النقدي الذي يضيف إلى مكونات النظام السياسي في الخليج حيوية وفاعلية مطلوبة، سنحاول أن نكون واقعيين أو (واقعين) كالعادة في أطروحاتنا بفصل ملفات التعاون الخليجي، كالاقتصاد والصحة والنقل والتعليم عن العامل السياسي المؤثر والمحرك والمحفز لها، حتى لا تنتقل عدوى (الحساسية) من تلك الملفات ذات الطابع الخدماتي والتقني والإنساني لتتحول إلى حساسية سياسية معرقلة لدوران العجلة التنموية.
والملاحظ أن ما يجري على تلك المجالات التنموية الحيوية في عالم اليوم، ينسحب على الحقل الإنساني العملاق في المجتمعات الخليجية، فهل من الممكن أن يفصل ما هو إنساني حقوقي عما هو سياسي وأمني في دولة من دول الخليج؟ فالكل مدرك أن جل ما يمكن إصداره وتضمينه من مفاهيم ونصوص حقوق الإنسان بكافة تفرعاتها في المناهج التربوية، أو حتى ما هو متعلق بحرية عمل جمعيات حقوق الإنسان أو الاهتمام بشؤون الأقليات إنما هو بالفعل قرار سياسي صرف لا يمكنها التحقق من دونه، ولو رصدنا كافة الملفات الإنسانية المتعثرة في منطقة الخليج لوجدنا أن تعثرها حصل نتيجة لمعوقات سياسية ليس لتفسيراتها والممانعة في انفراجها أي أساسات واقعية ومنطقية تبررها.
وحتى تطمئن قلوب الكثيرين ممن تهيمن على مخيلتهم وذهنياتهم هواجس الماضي الغابر لابد من التأكيد على أن المتغيرات العصرية الراهنة قد بددت كل المخاوف السياسية المتعلقة بعصر الإيديولوجيات والثورات والحركات الراديكالية، ولم يعد هناك مواطن واحد في المنطقة لديه شك في الترتيبات التي استقرت عليها المنطقة بحدودها الجغرافية القانونية أو بشرعية أنظمتها السياسية القائمة، أو حتى بمسألة الانتماء الوجداني للهوية السياسية والوطنية بأية دولة من الدول، وما هو حاصل أن المطالبات الحقوقية تختزل في مفاتيح وطنية إيجابية ترسخ الاستقرار السياسي والمجتمعي، وتواكب ما يحدث في عالم اليوم من تطورات مثل: المواطنة، حقوق الإنسان، التنمية المستدامة، فاعلية المجتمع المدني احترام التعددية والخصوصية الثقافية، وهي لا يمكن أن تمس بأي حال من الأحوال أمن الدولة وشرعية نظامها وسلامة حدودها التي استقرت عليها بحكم الواقع المعاش والقانون الدولي.
لذا ينبغي علينا فهم الدعوات السياسية الهادفة للإصلاح والتطوير التي يخطها بعض الكتّاب والمختصين على أنها كتابات وطنية مخلصة بدافع الحرص والولاء الإقليمي، وليس بدافع التشكيك وزعزعة البنيان والسعي لتفكيكه مثلما يفهم عادة، ومن منطلق مشاعر حسن النوايا المتبادلة هذه تحل كافة معضلاتنا وإشكالياتنا من دون تصفيات شخصية وتخوينات متبادلة، فما الذي يضير أية حكومة من الحكومات في تحسين وإصلاح أحوال السجون بحيث تنسجم مع المعايير والمواصفات الدولية القانونية المتعارف عليها إذا كانت العقوبة بمحصلة الختام مطبقة وفقاً لأحكام قضائية رسمية صادرة؟ وكيف يمكن للدولة أن تتهدد إذا كان مجمل العقوبات والأحكام الصادرة قد تمت وفقاً لمحاكمات عادلة تجرى تحت محراب القضاء العادل بشهادة وبدفاع محامين ينتمون إلى المرجعية العدلية والقانونية نفسها في الدولة؟ وأين الإشكالية في قيام ناشطين متبرعين في الدفاع عن حقوق أفراد أو شرائح مجتمعية تقرها شرائع سماوية ودساتير وقوانين محلية ووثائق دولية، ويكاد يجمع على تطبيقها الأطراف الرسمية والشعبية، ويتفق حولها الحاكم والمحكوم والأمي والعالم؟ فلو فتشنا في كل ما أسلفنا ذكره لوجدنا في ذلك ما يمس أمن الدولة ويقلق استقرارها المجتمعي، بل على العكس من ذلك، فإن مطالب العدالة والمساواة والتعايش الإنساني المندمج والمشترك تحت مظلة وطن وقانون واحد، هي أفضل ضمانة لتعزيز أمن الدولة وترسيخ استقرار المجتمع وإبراز مكانة الدولة المشرقة أمام الرأي العام الدولي.
ويكاد تجمع غالبية المنشغلين في شأن حقوق الإنسان بكافة مدارسهم الفكرية على أنه لا تعارض بين مفاهيم حقوق الإنسان وقيم المواطنة وبين شكل النظام السياسي سواء كان ينتمي إلى عالم الديمقراطيات العريقة أو إلى دول العالم الثالث على خلاف هوياتها الدينية والعرقية وغيرها، فتلك المفاهيم هي إرث للبشرية قاطبة من حقها أن تتمتع به، وجل ما هو موجود من معوقات تحول دون تجسيدها على أرض الواقع لترى النور إنما هو معوقات سياسية خاضعة لهواجس ومخاوف غير موجودة إلا في مخيلة السياسيين الذين يظنون مخطئين بأن أية محاولة للتطوير والإصلاح وتحسين الأوضاع الإنسانية في مجتمعاتهم إنما هي محاولة لتغيير نظام الحكم وأصول اللعبة السياسية، في حين لو جربوا غير هيابين تلك القيم لتبين لهم حجم الإنجازات المشرقة التي ستنجم عنها في دولهم وحجم المكانة الاستثنائية التي سيحصلون عليها في وجدان وأفئدة مواطنيهم.
قضية (البدون) في دول الخليج تقلق مضجع كافة السياسيين والمعنيين بحقوق الإنسان
وحين نأخذ على سبيل المثال إشكالية ما يعرف بشريحة (البدون) في بلدان مجلس التعاون الخليجي وبشكل خاص في بلدان مثل الكويت والبحرين والإمارات والسعودية نجد أن هذه الإشكالية تقلق مضاجع كافة السياسيين والمعنيين بحقوق الإنسان فيها وإن اختلفت نسبة تأثير وحجم الأزمة من دولة لأخرى، وتباينت طرق المعالجات في كل دولة، بينما لو كانت هناك سياسات خليجية موحدة ومتماسكة رشيدة تراعي المصلحة الخليجية بشكل شمولي وعميق، لوجدنا في شريحة البدون الموجودة على امتداد أراضي تلك الدول، الحل الواقعي والفعال للعديد من الإشكاليات الكبرى كالتركيبة السكانية المختلة في زيادة نسب العمالة الأجنبية في كل دولة على نسب مواطنيها، وفي إشكالية الغزو الثقافي الخارجي، وفي زيادة معدلات الجريمة والتطرف الناتج عنها، فالكل يعرف أن بلدان الخليج تعاني نقصاً في الطاقات البشرية المؤهلة من الناحيتين المدنية والعسكرية بمواجهة أقطاب إقليمية كبرى تفوقها في الكثافة الديموغرافية، فلماذا لا تتوفر الإرادة السياسية لدى بلدان الخليج لاستثمار تلك الطاقات والمخزون البشري الهائل الذي ينسجم مع نسيجها الاجتماعي والثقافي والديني لسد النقص السكاني الشديد لديها وعلاج الاختلالات الثقافية والسكانية والوظيفية التي تعيقها عن بناء استراتيجية صلبة قادرة على تحمل مسؤوليتها الأمنية والتنموية من دون الاعتماد على الآخرين؟
والإشكالية أن المعوقات السياسية لملفات حقوق الإنسان لا تطال الحقوق الفردية والمدنية فقط، بل أيضاً حقوق الأقليات المجردة من اكتساب جنسية البلد الخليجي الذي تقيم به وتنتمي إلى نظامه وأرضه. فالطامة الكبرى أنه بالوقت الذي تتوحد به البلدان المجاورة تحت مظلة تكتلات أقلية يجمعها دستور وعلم ونشيد وعمله وجنسية واحدة، تبرز على السطح حساسيات وطنية محلية في كل بلد خليجي بسبب ما يعرف بازدواجية الجنسية، وقد ظهرت في قطر قبل سنوات، وشكلت قضية رأي عام كويتي ساخط في أثناء الانتخابات الماضية في شهر مايو الماضي، وكلها تنذر بتهديد فعلي لقيم حقوق الإنسان الخليجي، وتطعن في المبادئ التي قام عليها مجلس التعاون ومن ضمنها وحدة التعاون والتعايش والاندماج ما بين شعوب الإقليم.
وفي الختام لابد من التأكيد على أن المفهوم الأمني والسياسي بمعانيه المباشرة والتقليدية أصبح صفحة من صفحات التاريخ، وحل مكانه مفهوم الأمن البشري أو الإنساني، فالدولة تحمي حدودها وتصبح مستقرة بقدر ما توليه من اهتمام بحق وكرامة وأمن ورفاهية الإنسان داخل أراضيها، لذلك فعلى السياسيين في السلطات الرسمية امتلاك إرادة سياسية إيجابية تجاه الملفات الإنسانية في بلدانهم أو على الأقل رفع أيديهم عنها ليتركوا المنشغلين بها يعملون من دون ضغوط نفسية ووظيفية، لأنهم جديرون بثقتهم وأكثر حرصاً ممن يستخدمونهم كأدوات لعرقلة عملهم ومضايقتهم في الاهتمام بمقتضيات الأمن والاستقرار والتسامح والوحدة الوطنية والإقليمية.
::/fulltext::
::cck::1168::/cck::
