تباين وجهات النظر حول حقوق الإنسان في دول مجلس التعاون الخليجي

::cck::1163::/cck::
::introtext::

التباين في وجهات النظر بين العالم الغربي والدول الخليجية لن يختلف عن التباين ذاته بين العالم الغربي وبقية دول العالم عامة ودول العالم الثالث خاصة. ذلك بالفعل شيء طبيعي ووضع طبيعي نظراً للاختلاف الكبير بين العوامل التاريخية والثقافية والحضارية للمجتمعات الغربية وبين غيرها من المجتمعات الإنسانية في هذا العالم. 

::/introtext::
::fulltext::

التباين في وجهات النظر بين العالم الغربي والدول الخليجية لن يختلف عن التباين ذاته بين العالم الغربي وبقية دول العالم عامة ودول العالم الثالث خاصة. ذلك بالفعل شيء طبيعي ووضع طبيعي نظراً للاختلاف الكبير بين العوامل التاريخية والثقافية والحضارية للمجتمعات الغربية وبين غيرها من المجتمعات الإنسانية في هذا العالم.

إن الثقافة والحضارة بجميع روافدها العقدية والفكرية والدينية والأدبية في العالم الغربي تختلف تماماً عن مثيلاتها في دول الخليج العربية وبقية دول العالم الثالث، وهذا تحديداً ما يسهم بشكل مباشر وكبير في وجود اختلافات، قد تكون جذرية، في منطلقات الفكر وفي تعليمات وتوجهات العقيدة الدينية، وفي خلفيات ومصادر التصور، وفي أشكال وأنماط الرؤى والتصورات التي ينظر بها هذا المجتمع أو ذاك للمجتمعات الأخرى بثقافاتها وحضاراتها وقيمها الإنسانية.  

والحقيقة التي تتضح تماماً لجميع من يؤمنون بالحقيقة ويعترفون بها ويتعاملون معها كما هي كائنة لا كما يجب أن تكون، تؤكد أن العالم الغربي تاريخياً، خصوصاً في عصر الاستعمار، لعب دوراً كبيراً في تهميش حقوق الإنسان، إن لم يكن في الإساءة إليها وتجريدها من مضامينها وقيمها على مدى قرون طويلة من الزمن لم تنته حتى اليوم وإن اختلفت في تغيير بعض المعايير، وفي فبركة شيء من المضامين، وفي تصميم بعض الاختلافات في أشكال الحلل التي ترتديها، أو الأقنعة والمساحيق التي توضع عليها بغرض التجميل أو التزييف أو حتى التحايل.

وهنا نقول فتشوا عن السياسة الاستعمارية، أو الإمبريالية، أو الاحتضانية، تحديداً عن سياسات المصالح القومية الاستراتيجية والحيوية، ومواقع مناطق النفوذ والهيمنة التي تحت ستارها ومظلتها وخلف كواليسها تم التحكم في العالم الثالث خصوصاً في معظم الدول العربية والخليجية، إما باستخدام سياسة الحديد والنار، أو باللجوء إلى دبلوماسيات السفن الحربية، أو بسياسة العصا والجزرة، بل حتى بسياسات (فرّق تسد)، أو بتشجيع الحركات الثورية وقلب أنظمة الحكم، والتخطيط لانقلابات وثورات محلية.

من هنا، لا شك في أن سياسة التقارير الدورية التي باتت تنتهجها بعض المنظمات الدولية ضد الدول الخليجية والعربية باتت تعد من صميم استراتيجية هيمنة العالم الغربي على دول العالم الثالث ودول الخليج العربية من خلال تفعيل آليات المنظمات الدولية ضد الدول الخليجية سواء من قبل مجلس الأمن الدولي أو بوساطة المنظمات الدولية التي تنتمي إلى المنظمة الأممية لتخدم تحديداً مصالح وغايات وأهداف العالم الغربي. لذا لا يمكن استبعاد العامل السياسي والأبعاد السياسية المرفقة به من تقارير منظمات حقوق الإنسان التي غدت وسيلة ضغط رئيسية على الدول الخليجية، بل عصا غليظة ترفع على كل رؤوس الدول والشعوب الضعيفة المستضعفة.

صحيح أن أحداث الحادي عشر من شهر سبتمبر من عام 2001 تعد من الأحداث التي يصعب أن تنتهي تداعياتها الخطيرة وآثارها السلبية على المجتمع الدولي برمته بسهولة وسرعة، بل لا يمكن بعد تلك الأحداث أن تعود منظومة وقواعد وقوانين وأنظمة النظام العالمي والإقليمي الماضية مرة أخرى إلى الحاضر، بل حتى لا إلى المستقبل، فتلك الأحداث نسخت المنظومة العالمية القديمة تماماً من أبجديات العلاقات والسياسات الدولية.

بيد أن هذا لا يعني أن تجير تلك الأحداث على حساب العالم العربي وتحديداً الدول الخليجية، كما يجب ألا تجتر بموجبها مختلف الضغوط على الدول الخليجية تحت أي مسمى أو غطاء. إذ لا شك في أن أحداث الإرهاب الدولي التي عمت العالم وهزت قواعد أمنه واستقراره نسفت بعملياته الدموية معظم القناعات الإنسانية التقليدية بل قلبت الموازين القانونية والتشريعية رأساً على عقب وغيّرت من المفاهيم المتعارف عليها قديماً. بمعنى أن تلك العمليات الإرهابية المشؤومة كانت بالفعل شؤماً على العالم كله عامة وعلى الدول الخليجية وعلى العالم العربي والإسلامي، كما لعبت دورها تماماً وبإتقان في إيقاع الفتنة بين دول وشعوب العالم الغربي من جهة، والعالم العربي والإسلامي من جهة أخرى.

بل يمكن القول إن تلك العمليات الإرهابية الدموية تسببت في إعادة التفكير في فعالية معظم القوانين والأنظمة والمفاهيم والمبادئ الإنسانية عامة وتلك الليبرالية التي تعتنقها معظم الدول الغربية. فتهم الاتجار في البشر، وإن هي حقيقة موجودة في العديد من دول العالم، إلا أنها يجب ألا تلصق بالدول الخليجية. على سبيل المثال لا الحصر أصبح المتهم مذنباً حتى تثبت براءته بعد أن كان المتهم بريئاً حتى تثبت إدانته. وتغدو القضية أكثر خطورة وتعقيداً بعد أن وجهت التهم حيال الدول الخليجية بانتهاك حقوق العمالة الوافدة، وهي ادعاءات وإن كانتحقيقية وصائبة بحق البعض ممن أضاعوا ضمائرهم، إلا أن التعميم منها لا يفقدها مشروعيتها وحسب، وإنما يعد تحاملاً واضحاً على الدول الخليجية وشعوبها المسلمة.

أصبح المتهم مذنباً حتى تثبت براءته بعد أن كان المتهم بريئاً حتى تثبت إدانته

والحقيقة التي لا مفر منها أن الحدث الإرهابي الذي ضرب الولايات المتحدة الأمريكية في عقر دارها وهز قواعد وأركان أمنها واستقرارها يعتبر بكل المعايير (إن أنصفنا الآخرين من منطق العدالة) من الأحداث الإرهابية الدموية عالية المستوى والخطيرة على قواعد الأمن والاستقرار الإنساني. بيد أن تلك الأحداث الإرهابية ضد الأهداف المدنية لم تكن لتأخذ ذلك الحجم العالمي الضخم والعنيف، بل المخيف لو كانت تلك الأحداث ألمت بدولة أخرى في أي موقع آخر من العالم. ولكن تلك الأحداث تم توظيفها بشكل بشع ومخيف لتستخدم ضد الدول الخليجية حتى أصبح العربي والمسلم موضعاً للشك ومحلاً للريبة ومصدراً للخوف والقلق والتوتر في أية دولة يتجه إليها بعد أحداث 11/9/2001م.

والذي نود قوله أن الأحداث أو العمليات الإرهابية التي ضربت كلاً من نيويورك وواشنطن كانت موجهة ضد دولة بعينها ولكن نتائج وتداعيات وآثار تلك الأحداث أخذت تتنامى وتنتشر بسرعة ثم لتتفاعل بقوة على كافة المستويات المحلية والإقليمية والعالمية لتصبح تلك الأحداث عالمية في كل شيء من تأثيرها لتداعياتها ولتفاعلاتها ونهاية بنتائجها لا سيما بعد أن غدت وسيلة لتحقيق غاية ومبرر يمكن استخدامه في أي وقت خصوصاً ضد الدول الخليجية من خلال بعض المنظمات الدولية التي تخدم مصالح العالم الغربي. بل أصبحت حجة للدول الغربية يمكن إشهارها واللجوء إليها، وذريعة من الذرائع القانونية المقبولة للشرعية الدولية على مستوى العلاقات والسياسات الدولية وخصوصاً للدول العظمى حيال الدول الخليجية.

بمعنى أدق أن أحداث 11 سبتمبر الإرهابية أصبحت وسيلة لانتهاك حقوق الإنسان في العالم الثالث ولتحجيم حقوق الشعوب الضعيفة، ولوضع ميزان العدالة العالمي الأعمى في مستودع التاريخ من جهة، ومن الجهة الأخرى لاستزراعه بشكل جديد وتهجينه بنمطية جديدة وشحنه بأهداف وغايات جديدة. لهذا غدت تلك الأحداث آلية من آليات التملك والسيادة القانونية للقوى الدولية الكبرى التي يمكن أن توظفها في أي وقت وأي مكان لتشريع أي فكر أو فعل أو عمل حتى إن كانت تلك الأفكار والسلوكيات تتنافى مع مبادئ القانون الدولي نفسه أو مع العقائد والمعتقدات السماوية، بل حتى إن بعضاً من تلك الدول القوية ضربت عرض الحائط (بفعل مؤثرات تلك الأحداث الأمنية)  بمعظم المبادئ والقيم والمعتقدات الغربية الليبرالية ذاتها التي نشأت وتوطدت دعائمها وترسخت أركانها منذ عصر النهضة والتحرر على مبادئ وقيم العدالة والحرية والمساواة والفرص المتكافئة للجميع من دون تمييز أو تفضيل للون أو عقيدة أو عرق.

أحداث الإرهاب الدولي التي عمت العالم نسفت بدمويتها معظم القناعات الإنسانية التقليدية 

لذا انطلاقاً مع المثل المعروف (الاصطياد في الماء العكر) حرصت بعض المنظمات الدولية المتخصصة على الضغط ولي الذراع تساندها بعض الجماعات المنظمة الغربية والأمريكية (وخصوصاً جماعات المصالح) على الربط بين أحداث 11/9 وبين الدين الإسلامي، بل ادعت أنه من الأديان التي تشجع بل وتحفز على الإساءة لحقوق الإنسان والتحريض على العنف والإرهاب، وطالبت بالعمل على تحجيمه وإضعافه وضرب مصادره الفكرية والسلوكية والإطاحة برموزه وقياداته العقائدية وتجفيف كافة مصادر دعمه وتأييده أياً كانت أهدافها وحتى إن كانت من الأهداف الإنسانية السامية ولم يكن عليها أدنى شبهة أو حتى لا يمكن مستقبلاً أن تشوبها أدنى شائبة.

ولعل مشكلة (البدون) في دولة الكويت لا تقل أو تختلف عن مثيلاتها في العالم الغربي نفسه، من الإساءة لمعاملة المهاجرين غير الشرعيين إلى أوروبا، أو العمالة المكسيكية (أو اللاتينية) في الولايات المتحدة الأمريكية. ومع هذا ورغماً عنه، وانطلاقاً من تلك الرؤية الغربية الضيقة والمتحجرة، وبناء على تلك النظرة العاطفية المتحيزة لم يعد الإنسان الخليجي المسلم في وضع نفسي أو اجتماعي يسمح له بممارسة حقوقه الإنسانية الطبيعية بل جرد من معظم حقوقه القانونية في المجتمعات الغربية التي من المفترض أن تكون معقل الحريات العامة والخاصة وقلعة العدالة الصامدة وموطن التسامح والانفتاح والشفافية. فالحرية والعدالة والمساواة وتكافؤ الفرص لم تعد صالحة إلا لاستعمال بعض العرقيات وفي مقدمتها العرق الأبيض الأوروبي والغربي وخصوصاً الأنجلو ساكسوني.   

وعلى النقيض مما هو متعارف عليه في منظومات الحريات الشخصية التي تأتي في طليعتها: الحرية الفردية، وحرية التفكير، وحرية التعبير، وحرية المعتقد، وحرية الصحافة، وحرية التنظيم، فإن الذي حدث أن معظم إن لم يكن جميع الجاليات العربية والإسلامية في العالم الغربي، خصوصاً في ألمانيا، وفرنسا، وبلجيكا وبعض الدول الاسكندنافية والولايات المتحدة الأمريكية، بدأت تمارس العنصرية ضد كل من ترتدي الحجاب من المسلمات بداية من رفض قبولهن في المدارس والجامعات ونهاية بعدم توظيفهن في الوظائف العامة والخاصة. وهذا بالتحديد ما يمكن أن يعتبر انتهاكاً واضحاً للقوانين والدساتير الغربية التي ما فتئت تباهي بأنها دولاً ديمقراطية وليبرالية على الرغم من إدراكنا التام بأنها لم تعد بأي حال أو معنى من الدول الإنسانية التي تؤمن بحقوق الإنسان وتمنحه تلك الحقوق وتسهل له ممارستها والاستفادة منها.  

إذاً فإن ممارسة كافة أشكال التفرقة العنصرية والتمييز العنصري العرقي والعقائدي ضد الجاليات العربية والإسلامية وعلى السياح العرب والمسلمين كانت نتيجة طبيعية لعمليات الحادي عشر من شهر سبتمبر من العام 2001م الإرهابية. وفي المقابل تغيرت معظم القوانين والأنظمة في الدول الخليجية لتصبح أكثر إنسانية وأكثر عدالة من مثيلاتها في العالم الغربي.

والمطلوب في الوقت الراهن حملة سياسية وإعلامية عربية وإسلامية توعوية منظمة ومركزة على كافة المستويات لتقييم الأوضاع الخليجية والعربية الإسلامية الإنسانية، كما كانت، وكما هي في الوقت الراهن وإلى ما ستؤول إليه في المستقبل لمواجهة التقارير المغرضة والحاقدة بصراحة وشفافية وحزم وصدق.

ومن الجانب العملي يجب أن تحظى الجاليات العربية والإسلامية في العالم الغربي بدعم وتأييد خليجي وعربي وإسلامي على كافة المستويات الدولية وعلى المستوى الثنائي بما يتفق مع دساتير وقوانين تلك المجتمعات وبما يتمشى ويتلاءم مع أنظمتها المدنية. وأخيراً ليس هناك من بديل لضرورة البدء في المشاركة الخليجية والعربية والإسلامية السياسية في الحياة السياسية الغربية عامة والأمريكية خاصة والتركيز على اختيار مرشحين عرب ومسلمين معتدلين من أصحاب الكفاءة والفاعلية لخوض غمار الانتخابات العامة والرئاسية للمنافسة على المراكز السلطوية العليا على كافة المستويات المحلية والفيدرالية السياسية والتشريعية (وخصوصاً في البرلمانات).

إن صوت الحق لا يمكن أن يغيب، كما أن صوت الشعب لا يمكن أن يضيع، والحقوق لا يمكن أن تهدر أو تهضم فيما لو وجد من يطالب بها ويحميها ويحييها ويضمن وجودها وينادي جهاراً بها. فالقضية أصبحت إما أن نكون أو لا نكون، والخيار الوحيد هذا لا يزال مفتوحاً على مصراعيه لعلاقة متساوية ومتكافئة، فنحن وهم بيدنا جميعاً حق تقرير المصير. 

::/fulltext::

septemper-35b
Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1163::/cck::
::introtext::

التباين في وجهات النظر بين العالم الغربي والدول الخليجية لن يختلف عن التباين ذاته بين العالم الغربي وبقية دول العالم عامة ودول العالم الثالث خاصة. ذلك بالفعل شيء طبيعي ووضع طبيعي نظراً للاختلاف الكبير بين العوامل التاريخية والثقافية والحضارية للمجتمعات الغربية وبين غيرها من المجتمعات الإنسانية في هذا العالم. 

::/introtext::
::fulltext::

التباين في وجهات النظر بين العالم الغربي والدول الخليجية لن يختلف عن التباين ذاته بين العالم الغربي وبقية دول العالم عامة ودول العالم الثالث خاصة. ذلك بالفعل شيء طبيعي ووضع طبيعي نظراً للاختلاف الكبير بين العوامل التاريخية والثقافية والحضارية للمجتمعات الغربية وبين غيرها من المجتمعات الإنسانية في هذا العالم.

إن الثقافة والحضارة بجميع روافدها العقدية والفكرية والدينية والأدبية في العالم الغربي تختلف تماماً عن مثيلاتها في دول الخليج العربية وبقية دول العالم الثالث، وهذا تحديداً ما يسهم بشكل مباشر وكبير في وجود اختلافات، قد تكون جذرية، في منطلقات الفكر وفي تعليمات وتوجهات العقيدة الدينية، وفي خلفيات ومصادر التصور، وفي أشكال وأنماط الرؤى والتصورات التي ينظر بها هذا المجتمع أو ذاك للمجتمعات الأخرى بثقافاتها وحضاراتها وقيمها الإنسانية.  

والحقيقة التي تتضح تماماً لجميع من يؤمنون بالحقيقة ويعترفون بها ويتعاملون معها كما هي كائنة لا كما يجب أن تكون، تؤكد أن العالم الغربي تاريخياً، خصوصاً في عصر الاستعمار، لعب دوراً كبيراً في تهميش حقوق الإنسان، إن لم يكن في الإساءة إليها وتجريدها من مضامينها وقيمها على مدى قرون طويلة من الزمن لم تنته حتى اليوم وإن اختلفت في تغيير بعض المعايير، وفي فبركة شيء من المضامين، وفي تصميم بعض الاختلافات في أشكال الحلل التي ترتديها، أو الأقنعة والمساحيق التي توضع عليها بغرض التجميل أو التزييف أو حتى التحايل.

وهنا نقول فتشوا عن السياسة الاستعمارية، أو الإمبريالية، أو الاحتضانية، تحديداً عن سياسات المصالح القومية الاستراتيجية والحيوية، ومواقع مناطق النفوذ والهيمنة التي تحت ستارها ومظلتها وخلف كواليسها تم التحكم في العالم الثالث خصوصاً في معظم الدول العربية والخليجية، إما باستخدام سياسة الحديد والنار، أو باللجوء إلى دبلوماسيات السفن الحربية، أو بسياسة العصا والجزرة، بل حتى بسياسات (فرّق تسد)، أو بتشجيع الحركات الثورية وقلب أنظمة الحكم، والتخطيط لانقلابات وثورات محلية.

من هنا، لا شك في أن سياسة التقارير الدورية التي باتت تنتهجها بعض المنظمات الدولية ضد الدول الخليجية والعربية باتت تعد من صميم استراتيجية هيمنة العالم الغربي على دول العالم الثالث ودول الخليج العربية من خلال تفعيل آليات المنظمات الدولية ضد الدول الخليجية سواء من قبل مجلس الأمن الدولي أو بوساطة المنظمات الدولية التي تنتمي إلى المنظمة الأممية لتخدم تحديداً مصالح وغايات وأهداف العالم الغربي. لذا لا يمكن استبعاد العامل السياسي والأبعاد السياسية المرفقة به من تقارير منظمات حقوق الإنسان التي غدت وسيلة ضغط رئيسية على الدول الخليجية، بل عصا غليظة ترفع على كل رؤوس الدول والشعوب الضعيفة المستضعفة.

صحيح أن أحداث الحادي عشر من شهر سبتمبر من عام 2001 تعد من الأحداث التي يصعب أن تنتهي تداعياتها الخطيرة وآثارها السلبية على المجتمع الدولي برمته بسهولة وسرعة، بل لا يمكن بعد تلك الأحداث أن تعود منظومة وقواعد وقوانين وأنظمة النظام العالمي والإقليمي الماضية مرة أخرى إلى الحاضر، بل حتى لا إلى المستقبل، فتلك الأحداث نسخت المنظومة العالمية القديمة تماماً من أبجديات العلاقات والسياسات الدولية.

بيد أن هذا لا يعني أن تجير تلك الأحداث على حساب العالم العربي وتحديداً الدول الخليجية، كما يجب ألا تجتر بموجبها مختلف الضغوط على الدول الخليجية تحت أي مسمى أو غطاء. إذ لا شك في أن أحداث الإرهاب الدولي التي عمت العالم وهزت قواعد أمنه واستقراره نسفت بعملياته الدموية معظم القناعات الإنسانية التقليدية بل قلبت الموازين القانونية والتشريعية رأساً على عقب وغيّرت من المفاهيم المتعارف عليها قديماً. بمعنى أن تلك العمليات الإرهابية المشؤومة كانت بالفعل شؤماً على العالم كله عامة وعلى الدول الخليجية وعلى العالم العربي والإسلامي، كما لعبت دورها تماماً وبإتقان في إيقاع الفتنة بين دول وشعوب العالم الغربي من جهة، والعالم العربي والإسلامي من جهة أخرى.

بل يمكن القول إن تلك العمليات الإرهابية الدموية تسببت في إعادة التفكير في فعالية معظم القوانين والأنظمة والمفاهيم والمبادئ الإنسانية عامة وتلك الليبرالية التي تعتنقها معظم الدول الغربية. فتهم الاتجار في البشر، وإن هي حقيقة موجودة في العديد من دول العالم، إلا أنها يجب ألا تلصق بالدول الخليجية. على سبيل المثال لا الحصر أصبح المتهم مذنباً حتى تثبت براءته بعد أن كان المتهم بريئاً حتى تثبت إدانته. وتغدو القضية أكثر خطورة وتعقيداً بعد أن وجهت التهم حيال الدول الخليجية بانتهاك حقوق العمالة الوافدة، وهي ادعاءات وإن كانتحقيقية وصائبة بحق البعض ممن أضاعوا ضمائرهم، إلا أن التعميم منها لا يفقدها مشروعيتها وحسب، وإنما يعد تحاملاً واضحاً على الدول الخليجية وشعوبها المسلمة.

أصبح المتهم مذنباً حتى تثبت براءته بعد أن كان المتهم بريئاً حتى تثبت إدانته

والحقيقة التي لا مفر منها أن الحدث الإرهابي الذي ضرب الولايات المتحدة الأمريكية في عقر دارها وهز قواعد وأركان أمنها واستقرارها يعتبر بكل المعايير (إن أنصفنا الآخرين من منطق العدالة) من الأحداث الإرهابية الدموية عالية المستوى والخطيرة على قواعد الأمن والاستقرار الإنساني. بيد أن تلك الأحداث الإرهابية ضد الأهداف المدنية لم تكن لتأخذ ذلك الحجم العالمي الضخم والعنيف، بل المخيف لو كانت تلك الأحداث ألمت بدولة أخرى في أي موقع آخر من العالم. ولكن تلك الأحداث تم توظيفها بشكل بشع ومخيف لتستخدم ضد الدول الخليجية حتى أصبح العربي والمسلم موضعاً للشك ومحلاً للريبة ومصدراً للخوف والقلق والتوتر في أية دولة يتجه إليها بعد أحداث 11/9/2001م.

والذي نود قوله أن الأحداث أو العمليات الإرهابية التي ضربت كلاً من نيويورك وواشنطن كانت موجهة ضد دولة بعينها ولكن نتائج وتداعيات وآثار تلك الأحداث أخذت تتنامى وتنتشر بسرعة ثم لتتفاعل بقوة على كافة المستويات المحلية والإقليمية والعالمية لتصبح تلك الأحداث عالمية في كل شيء من تأثيرها لتداعياتها ولتفاعلاتها ونهاية بنتائجها لا سيما بعد أن غدت وسيلة لتحقيق غاية ومبرر يمكن استخدامه في أي وقت خصوصاً ضد الدول الخليجية من خلال بعض المنظمات الدولية التي تخدم مصالح العالم الغربي. بل أصبحت حجة للدول الغربية يمكن إشهارها واللجوء إليها، وذريعة من الذرائع القانونية المقبولة للشرعية الدولية على مستوى العلاقات والسياسات الدولية وخصوصاً للدول العظمى حيال الدول الخليجية.

بمعنى أدق أن أحداث 11 سبتمبر الإرهابية أصبحت وسيلة لانتهاك حقوق الإنسان في العالم الثالث ولتحجيم حقوق الشعوب الضعيفة، ولوضع ميزان العدالة العالمي الأعمى في مستودع التاريخ من جهة، ومن الجهة الأخرى لاستزراعه بشكل جديد وتهجينه بنمطية جديدة وشحنه بأهداف وغايات جديدة. لهذا غدت تلك الأحداث آلية من آليات التملك والسيادة القانونية للقوى الدولية الكبرى التي يمكن أن توظفها في أي وقت وأي مكان لتشريع أي فكر أو فعل أو عمل حتى إن كانت تلك الأفكار والسلوكيات تتنافى مع مبادئ القانون الدولي نفسه أو مع العقائد والمعتقدات السماوية، بل حتى إن بعضاً من تلك الدول القوية ضربت عرض الحائط (بفعل مؤثرات تلك الأحداث الأمنية)  بمعظم المبادئ والقيم والمعتقدات الغربية الليبرالية ذاتها التي نشأت وتوطدت دعائمها وترسخت أركانها منذ عصر النهضة والتحرر على مبادئ وقيم العدالة والحرية والمساواة والفرص المتكافئة للجميع من دون تمييز أو تفضيل للون أو عقيدة أو عرق.

أحداث الإرهاب الدولي التي عمت العالم نسفت بدمويتها معظم القناعات الإنسانية التقليدية 

لذا انطلاقاً مع المثل المعروف (الاصطياد في الماء العكر) حرصت بعض المنظمات الدولية المتخصصة على الضغط ولي الذراع تساندها بعض الجماعات المنظمة الغربية والأمريكية (وخصوصاً جماعات المصالح) على الربط بين أحداث 11/9 وبين الدين الإسلامي، بل ادعت أنه من الأديان التي تشجع بل وتحفز على الإساءة لحقوق الإنسان والتحريض على العنف والإرهاب، وطالبت بالعمل على تحجيمه وإضعافه وضرب مصادره الفكرية والسلوكية والإطاحة برموزه وقياداته العقائدية وتجفيف كافة مصادر دعمه وتأييده أياً كانت أهدافها وحتى إن كانت من الأهداف الإنسانية السامية ولم يكن عليها أدنى شبهة أو حتى لا يمكن مستقبلاً أن تشوبها أدنى شائبة.

ولعل مشكلة (البدون) في دولة الكويت لا تقل أو تختلف عن مثيلاتها في العالم الغربي نفسه، من الإساءة لمعاملة المهاجرين غير الشرعيين إلى أوروبا، أو العمالة المكسيكية (أو اللاتينية) في الولايات المتحدة الأمريكية. ومع هذا ورغماً عنه، وانطلاقاً من تلك الرؤية الغربية الضيقة والمتحجرة، وبناء على تلك النظرة العاطفية المتحيزة لم يعد الإنسان الخليجي المسلم في وضع نفسي أو اجتماعي يسمح له بممارسة حقوقه الإنسانية الطبيعية بل جرد من معظم حقوقه القانونية في المجتمعات الغربية التي من المفترض أن تكون معقل الحريات العامة والخاصة وقلعة العدالة الصامدة وموطن التسامح والانفتاح والشفافية. فالحرية والعدالة والمساواة وتكافؤ الفرص لم تعد صالحة إلا لاستعمال بعض العرقيات وفي مقدمتها العرق الأبيض الأوروبي والغربي وخصوصاً الأنجلو ساكسوني.   

وعلى النقيض مما هو متعارف عليه في منظومات الحريات الشخصية التي تأتي في طليعتها: الحرية الفردية، وحرية التفكير، وحرية التعبير، وحرية المعتقد، وحرية الصحافة، وحرية التنظيم، فإن الذي حدث أن معظم إن لم يكن جميع الجاليات العربية والإسلامية في العالم الغربي، خصوصاً في ألمانيا، وفرنسا، وبلجيكا وبعض الدول الاسكندنافية والولايات المتحدة الأمريكية، بدأت تمارس العنصرية ضد كل من ترتدي الحجاب من المسلمات بداية من رفض قبولهن في المدارس والجامعات ونهاية بعدم توظيفهن في الوظائف العامة والخاصة. وهذا بالتحديد ما يمكن أن يعتبر انتهاكاً واضحاً للقوانين والدساتير الغربية التي ما فتئت تباهي بأنها دولاً ديمقراطية وليبرالية على الرغم من إدراكنا التام بأنها لم تعد بأي حال أو معنى من الدول الإنسانية التي تؤمن بحقوق الإنسان وتمنحه تلك الحقوق وتسهل له ممارستها والاستفادة منها.  

إذاً فإن ممارسة كافة أشكال التفرقة العنصرية والتمييز العنصري العرقي والعقائدي ضد الجاليات العربية والإسلامية وعلى السياح العرب والمسلمين كانت نتيجة طبيعية لعمليات الحادي عشر من شهر سبتمبر من العام 2001م الإرهابية. وفي المقابل تغيرت معظم القوانين والأنظمة في الدول الخليجية لتصبح أكثر إنسانية وأكثر عدالة من مثيلاتها في العالم الغربي.

والمطلوب في الوقت الراهن حملة سياسية وإعلامية عربية وإسلامية توعوية منظمة ومركزة على كافة المستويات لتقييم الأوضاع الخليجية والعربية الإسلامية الإنسانية، كما كانت، وكما هي في الوقت الراهن وإلى ما ستؤول إليه في المستقبل لمواجهة التقارير المغرضة والحاقدة بصراحة وشفافية وحزم وصدق.

ومن الجانب العملي يجب أن تحظى الجاليات العربية والإسلامية في العالم الغربي بدعم وتأييد خليجي وعربي وإسلامي على كافة المستويات الدولية وعلى المستوى الثنائي بما يتفق مع دساتير وقوانين تلك المجتمعات وبما يتمشى ويتلاءم مع أنظمتها المدنية. وأخيراً ليس هناك من بديل لضرورة البدء في المشاركة الخليجية والعربية والإسلامية السياسية في الحياة السياسية الغربية عامة والأمريكية خاصة والتركيز على اختيار مرشحين عرب ومسلمين معتدلين من أصحاب الكفاءة والفاعلية لخوض غمار الانتخابات العامة والرئاسية للمنافسة على المراكز السلطوية العليا على كافة المستويات المحلية والفيدرالية السياسية والتشريعية (وخصوصاً في البرلمانات).

إن صوت الحق لا يمكن أن يغيب، كما أن صوت الشعب لا يمكن أن يضيع، والحقوق لا يمكن أن تهدر أو تهضم فيما لو وجد من يطالب بها ويحميها ويحييها ويضمن وجودها وينادي جهاراً بها. فالقضية أصبحت إما أن نكون أو لا نكون، والخيار الوحيد هذا لا يزال مفتوحاً على مصراعيه لعلاقة متساوية ومتكافئة، فنحن وهم بيدنا جميعاً حق تقرير المصير. 

::/fulltext::
::cck::1163::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *