زيارة أوباما إلى مصر.. قراءة من زاوية أخرى
::cck::1160::/cck::
::introtext::
كثيرة هي الكتابات التي تحدثت عن زيارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما إلى مصر في الرابع من يونيو الماضي، بعضها جاء ليبرز فوائد وإيجابيات الزيارة بالنسبة لمصر والعالمين العربي والإسلامي وقضايا المنطقة شديدة الحساسية وخاصة الصراع العربي-الإسرائيلي، لُبُّ الأزمة ومحورها، في حين راحت بعض الكتابات الأخرى تكشف عن عورات الزيارة ومساوئها، سواء تلك التي صاحبت الجولة بوجهٍ عام، أو ما يتعلق بخطاب أوباما الموجّه للعالم الإسلامي من قاعة الاحتفالات الكبرى في جامعة القاهرة.
::/introtext::
::fulltext::
كثيرة هي الكتابات التي تحدثت عن زيارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما إلى مصر في الرابع من يونيو الماضي، بعضها جاء ليبرز فوائد وإيجابيات الزيارة بالنسبة لمصر والعالمين العربي والإسلامي وقضايا المنطقة شديدة الحساسية وخاصة الصراع العربي-الإسرائيلي، لُبُّ الأزمة ومحورها، في حين راحت بعض الكتابات الأخرى تكشف عن عورات الزيارة ومساوئها، سواء تلك التي صاحبت الجولة بوجهٍ عام، أو ما يتعلق بخطاب أوباما الموجّه للعالم الإسلامي من قاعة الاحتفالات الكبرى في جامعة القاهرة.
على الرغم من أن كل فريقٍ من الفريقين قد ساق عدداً من الأدلة على صدق كلامه، أو بالأحرى موقفه من الزيارة، حيث يبرر فريق المتفائلين بالزيارة تفاؤلَه استناداً إلى أسباب عدة، أولها: شخصية الرئيس الأمريكي (أوباما)، ولا شكَّ في أن الرجل مختلف تماماً – وبحق – إلى درجة تدعو إلى التفاؤل، فهو مختلف عن سابقه بل عن سابقيه في النشأة والثقافة والرؤية ونظرته للآخر، حتى سماته الشخصية، وهذا كله يفيد في التحليل حيث الاعتماد على نظريات سمات القائد (Leader Characteristics) والمستوى الفردي (Individual Level)، وثاني هذه الأسباب: الظروف التي جاء فيها أوباما إلى حكم الولايات المتحدة الأمريكية، فهي ظروف غاية في الصعوبة ولا شك تجعله في موقفٍ لا يُحسد عليه، فالرجل منذ أول ليلة له في البيت الأبيض تحاصره المشكلات الدولية مثل، الأزمة المالية العالمية، وإنفلونزا الخنازير، والمشكلات البيئية العالمية، وقضايا السياسة الخارجية التي تركتها له إدارة بوش ليتعامل معها. كلُّ ذلك أوجد لدى أنصار هذا الفريق اعتقاداً بضرورة أن ينتهج الرجل نهجاً مختلفاً عن سابقه مما يُعدُّ عاملاً إيجابياً لصالح الحوار والعلاقات مع العالمين العربي والإسلامي. وثالثها: الانطباع الذي تركته فترة حكم أوباما القصيرة التي لم تزد على المائة والعشرين يوماً إلاّ قليلاً، والتي أظهر فيها الرجل براعة شخصية في التعامل مع القضايا المختلفة والتي تعزز من تفاؤل هذا الفريق.
في نظم المؤسسات مثل الولايات المتحدة يكون دور الرئيس محدوداً ومقيّداً بإجراءات وقواعد معقدة
أما الفريق الآخر، الذي لم يتحمس لهذه الزيارة بل ربما ذهب بعضهم إلى شن الهجوم عليها، فلدى هذا الفريق – هو الآخر – ما يبرر وجهة نظرهم من أسبابٍ لعل أبرزها، القول إن دور الرئيس الأمريكي – أيّاً كان – في صنع السياسة الخارجية ليس دوراً مؤثراً إلى الدرجة التي تبعث على التفاؤل أو الإفراط فيه، ففي نظم المؤسسات مثل الولايات المتحدة يكون دور الرئيس محدوداً ومقيّداً بإجراءات وقواعد معقدة تجعله أقرب إلى مُنفّذ السياسات وليس صانعاً لها، ومن ثمّ لا يمكن توقع تغيير جذري في السياسة الخارجية الأمريكية اعتماداً على شخصيّة الرئيس أوباما. كما يدفع هذا الفريق بعامل آخر يتمثّل في طبيعة العلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل، والتي يؤكد الجميع – بمن فيهم الرئيس أوباما – أنها علاقات قوية وعضوية وتاريخية وثقافية، (وغير قابلة للكسر). ومن ثمّ – وتأسيساً على ذلك – تكون حدود المناورة والضغط الأمريكي على إسرائيل محدودة هي الأخرى، ولا يعدو التغيير أن يكون في شكل ولغة الخطاب والحوار مع العالم الإسلامي، وليس تغييراً في السياسات خصوصاً تجاه إسرائيل التي تمثل قضية أمنها القومي والحفاظ عليه مهمة أي إدارة أمريكية، بل تمثل إحدى ثوابت السياسة الخارجية الأمريكية.
ومع تقديرنا لوجهتي النظر السابقتين، إلاّ أنه من الممكن النظر إلى هذه الزيارة من زاوية أخرى تعتمد على تحديد المستفيدين من هذه الزيارة (سواء كانوا أشخاصاً أو دولاً أو قضايا ومدى هذه الاستفادة.
* أولاً الرئيس الأمريكي باراك أوباما
لعلنا لا نبالغ إذا قلنا إن أول المستفيدين وأكثرهم هو الرئيس أوباما نفسه، فإذا كان في السفر سبع فوائد يدرك المرء منها ما قُدّرَ له، فقد جمع الرئيس أوباما كثيراً من هذه الفوائد. فهذه الجولة حققت أهدافاً سياسية وسياحية وشخصية لشخص أوباما نفسه، فعلى الصعيد السياسي: أجرى أوباما حواراً تصالحياً مع العالمين العربي والإسلامي، في إطار محاولته لإصلاح ما أفسده بوش وإدارته على مدار ثماني سنوات، ساعده في ذلك مقوماته الشخصية من فصاحة وبلاغة وثقة بالنفس وقبوله لدى جمهور المستمعين. كما أن الرجل حافظ على خطّه السياسي والدبلوماسي، محاولاً إرضاء العرب بالحديث عن الدولة الفلسطينية وإيقاف الاستيطان، في الوقت الذي شدّد فيه على حق إسرائيل مردداً الرقم المغلوط عن ضحايا الهولوكوست، كما أنه في الوقت ذاته لم ينتقد النظم العربية في مسائل الديمقراطية وحقوق الإنسان مثل سلفه بوش، مؤكداً على عدم فرض الديمقراطية على أحد. وسياحياً: لا تقل الأهمية السياحية لزيارة أوباما عن أهميتها السياسية بالنسبة له شخصياً، فالرجل الذي استغرق في حل المشكلات منذ اللحظة الأولى لتوليه المسؤولية، من الواضح أنه أراد أن يستمتع برحلة سياحية تعيدُ إليه نشاطه وحيويته، وهو الذي أنهكته مسؤوليات ومشكلات البيت الأبيض. ويبدو كذلك أن الرجل كان محظوظاً، ومن المؤكد أنه قد استعاذ من وعثاء السفر وكآبة المنظر، وبالفعل فقد رأى القاهرة جميلة قد تزيّنت له كما لم تفعل منذ زمن طويل، كما رآها نظيفةً هادئةً خاليةً شوارعها من البشر والشجر والحجر إلاّ فيما ندُر، تأميناً لزيارة الضيف الكريم. واستمتع الرئيس الأمريكي وحده بمشاهدة مسجد السلطان حسن، إحدى روائع العمارة الإسلامية بالقاهرة، وزيارة أهرامات الجيزة وأبو الهول أهم روائع الحضارة الإنسانية قاطبةًً.

أما على الصعيد الشخصي، فقد أتت الزيارة بنتائجها المرجوة كاملةً، فالرجل نجح في اختبار كاريزميته، وأثبت أنه حكيم وفيلسوف ومتحدث لبق، وخطيب مفوّه، وصاحب إطلالة مميزة، وكاريزما مؤثّرة. فما إن بدأ خطابه في جامعة القاهرة حتى علت الصيحات مؤكدةً نجاح الرجل في جذب الانتباه وحُبّ الشباب له، فراح يُمتع الجميع ببعض التعبيرات باللغة العربية (السلام عليكم)، ثم ما لبث أن طوّف على الكتب السماوية المقدسة التي أُنزلت على موسى وعيسى ومحمد – عليهم جميعاً الصلاة والسلام – مستشهداً تارةً بالقرآن وأخرى بالإنجيل وثالثةً بالتوراة. ولا شكّ في أن الرئيس الأمريكي سعيد بردود الأفعال العربية والإسلامية المرحبة بخطابه للعالم الإسلامي.
لا نبالغ إذا قلنا إن أول المستفيدين وأكثرهم من هذه الزيارة هو الرئيس أوباما نفسه
ولعلّ نتائج استطلاع الرأي الذي أجراه مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار (IDSC) التابع لرئاسة مجلس الوزراء المصري، قد ترجمت هذا النجاح، فقد أظهرت أن 37 في المائة من العينة (صدّقت أوباما تماماً)، و41 في المائة صدقته بعض الشيء، في مقابل 17 في المائة لم يحددوا موقفهم، بينما هناك فقط 5 في المائة لم يصدقوا أوباما. ولم يخلُ هذا الخطاب من بعض الغزل، ففي مقابل اعتراف أوباما بفضل الحضارة الإسلامية على الغرب، والعلاقات التاريخية بين العرب، وخصوصاً المملكة المغربية والولايات المتحدة، واعترافه بسماحة الإسلام، ردّ أحد الحاضرين من الشباب التحية بأحسنَ منها حين هتف (Obama, We Love You) .
* ثانياً: مصر
من الإنصاف أن نعترف بأن اختيار القاهرة ليخاطب منها الرئيس الأمريكي العالم الإسلامي، كان اختياراً موفقاً للغاية. فمصرُ بحق هي قلب العالمين العربي والإسلامي جغرافياً وتاريخاً، وكذلك فإنها تمثل ما يقرب من ربع سكان العالم العربي، والأهم من ذلك دور مصر التاريخي والممتد إلى الآن في الصراع العربي-الإسرائيلي، وهو لا شكَّ أهم وأخطر قضايا العلاقات بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي.
وقد استفادت مصر من هذا الاختيار وتلك الزيارة، فاختيار الرئيس الأمريكي للقاهرة – دون عواصم عربية وإسلامية أخرى – يعكس اعترافاً من الرئيس وإدارته بدور مصر ووزنها الإقليمي والدولي، وهو يبرز رغبةً أمريكية في إعادة الدفء للعلاقات بين البلدين. فضلاً عن ذلك، مثّلت زيارة الرئيس الأمريكي إلى معالم القاهرة حملة دعاية كبرى وغير مباشرة للسياحة في مصر، وذلك بالنظر إلى شخصية الرئيس أوباما كأحد أبرز نجوم الشبّاك في العالم، وهو الشخص الذي نجح في لفت الأنظار إليه، وأصبح مثار إعجاب الجميع. وكذلك بالنظر إلى عدد الفضائيات ووسائل الإعلام العالمية التي نقلت الزيارة وعدد المشاهدين لأثرين من أهم الآثار السياحية يمثّلان حضارتين مختلفتين وعصرين متباعدين (الحضارة الفرعونية والحضارة الإسلامية).
* ثالثاً: العالمان العربي والإسلامي
مع اعترافنا بأن الرئيس الأمريكي باراك أوباما لم يضع إطاراً محدداً وواضحاً لحل القضايا العالقة والشائكة في العلاقة بين الطرفين، إلاّ أنه – وفي إطار الحديث عن الفوائد والإيجابيات – لا شكَّ في أن ثمّة بعض الفوائد التي أثمر عنها خطاب أوباما للعالم الإسلامي من القاهرة، وإن كانت هذه الفوائد قد أثمرتها حُسن النية من جانب الرئيس الأمريكي وشخصيته المجاملة.
ففي رأي البعض، أن الرئيس الأمريكي أنصف العالم الإسلامي والدين الحنيف بتبرئة ساحته من تهم الإرهاب والتطرف التي ألصقتها به إدارة بوش المتطرفة، واعتراف أوباما أمام العالم بأن الإسلام دين يدعو إلى التعايش والتسامح واحترام الآخر. وأهمية هذه الفائدة أنها جاءت من الرئيس الأمريكي ذي الشعبية الطاغية والقبول الواسع، واستحواذ ثقة الناس سواء في الداخل الأمريكي أو في العالم كله.
أما بالنسبة للعالم العربي، فالواضح أن الرئيس الأمريكي فَطِنَ إلى عِلّة العرب، فهو من ناحية لم يتحد إسرائيل، ولم يقطع على نفسه وعوداً كبيرة في ما يتعلق بإقامة الدولة الفلسطينية، ولم يتطرق إلى حق العودة، أو جرائم إسرائيل بحق الفلسطينيين في الضفة وغزة، أو جريمة النقل القسري والتغيير الديموغرافي في القدس. وهو من ناحيةٍ أخرى أشبع لدى العرب حاجتهم إلى (تقدير الذات) ببعض المديح وحلو الكلام، وهي الحاجة التي تحدث عنها عالم الاجتماع الأمريكي الشهير أبراهام ماسلو في نظريته عن تدرج الحاجات الاجتماعية، المعروفة بـ (هرم ماسلو)، وهو ما يفسّر نشوة النصر التي أظهرها بعض العرب والمسلمين عقب خطاب أوباما.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1160::/cck::
::introtext::
كثيرة هي الكتابات التي تحدثت عن زيارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما إلى مصر في الرابع من يونيو الماضي، بعضها جاء ليبرز فوائد وإيجابيات الزيارة بالنسبة لمصر والعالمين العربي والإسلامي وقضايا المنطقة شديدة الحساسية وخاصة الصراع العربي-الإسرائيلي، لُبُّ الأزمة ومحورها، في حين راحت بعض الكتابات الأخرى تكشف عن عورات الزيارة ومساوئها، سواء تلك التي صاحبت الجولة بوجهٍ عام، أو ما يتعلق بخطاب أوباما الموجّه للعالم الإسلامي من قاعة الاحتفالات الكبرى في جامعة القاهرة.
::/introtext::
::fulltext::
كثيرة هي الكتابات التي تحدثت عن زيارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما إلى مصر في الرابع من يونيو الماضي، بعضها جاء ليبرز فوائد وإيجابيات الزيارة بالنسبة لمصر والعالمين العربي والإسلامي وقضايا المنطقة شديدة الحساسية وخاصة الصراع العربي-الإسرائيلي، لُبُّ الأزمة ومحورها، في حين راحت بعض الكتابات الأخرى تكشف عن عورات الزيارة ومساوئها، سواء تلك التي صاحبت الجولة بوجهٍ عام، أو ما يتعلق بخطاب أوباما الموجّه للعالم الإسلامي من قاعة الاحتفالات الكبرى في جامعة القاهرة.
على الرغم من أن كل فريقٍ من الفريقين قد ساق عدداً من الأدلة على صدق كلامه، أو بالأحرى موقفه من الزيارة، حيث يبرر فريق المتفائلين بالزيارة تفاؤلَه استناداً إلى أسباب عدة، أولها: شخصية الرئيس الأمريكي (أوباما)، ولا شكَّ في أن الرجل مختلف تماماً – وبحق – إلى درجة تدعو إلى التفاؤل، فهو مختلف عن سابقه بل عن سابقيه في النشأة والثقافة والرؤية ونظرته للآخر، حتى سماته الشخصية، وهذا كله يفيد في التحليل حيث الاعتماد على نظريات سمات القائد (Leader Characteristics) والمستوى الفردي (Individual Level)، وثاني هذه الأسباب: الظروف التي جاء فيها أوباما إلى حكم الولايات المتحدة الأمريكية، فهي ظروف غاية في الصعوبة ولا شك تجعله في موقفٍ لا يُحسد عليه، فالرجل منذ أول ليلة له في البيت الأبيض تحاصره المشكلات الدولية مثل، الأزمة المالية العالمية، وإنفلونزا الخنازير، والمشكلات البيئية العالمية، وقضايا السياسة الخارجية التي تركتها له إدارة بوش ليتعامل معها. كلُّ ذلك أوجد لدى أنصار هذا الفريق اعتقاداً بضرورة أن ينتهج الرجل نهجاً مختلفاً عن سابقه مما يُعدُّ عاملاً إيجابياً لصالح الحوار والعلاقات مع العالمين العربي والإسلامي. وثالثها: الانطباع الذي تركته فترة حكم أوباما القصيرة التي لم تزد على المائة والعشرين يوماً إلاّ قليلاً، والتي أظهر فيها الرجل براعة شخصية في التعامل مع القضايا المختلفة والتي تعزز من تفاؤل هذا الفريق.
في نظم المؤسسات مثل الولايات المتحدة يكون دور الرئيس محدوداً ومقيّداً بإجراءات وقواعد معقدة
أما الفريق الآخر، الذي لم يتحمس لهذه الزيارة بل ربما ذهب بعضهم إلى شن الهجوم عليها، فلدى هذا الفريق – هو الآخر – ما يبرر وجهة نظرهم من أسبابٍ لعل أبرزها، القول إن دور الرئيس الأمريكي – أيّاً كان – في صنع السياسة الخارجية ليس دوراً مؤثراً إلى الدرجة التي تبعث على التفاؤل أو الإفراط فيه، ففي نظم المؤسسات مثل الولايات المتحدة يكون دور الرئيس محدوداً ومقيّداً بإجراءات وقواعد معقدة تجعله أقرب إلى مُنفّذ السياسات وليس صانعاً لها، ومن ثمّ لا يمكن توقع تغيير جذري في السياسة الخارجية الأمريكية اعتماداً على شخصيّة الرئيس أوباما. كما يدفع هذا الفريق بعامل آخر يتمثّل في طبيعة العلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل، والتي يؤكد الجميع – بمن فيهم الرئيس أوباما – أنها علاقات قوية وعضوية وتاريخية وثقافية، (وغير قابلة للكسر). ومن ثمّ – وتأسيساً على ذلك – تكون حدود المناورة والضغط الأمريكي على إسرائيل محدودة هي الأخرى، ولا يعدو التغيير أن يكون في شكل ولغة الخطاب والحوار مع العالم الإسلامي، وليس تغييراً في السياسات خصوصاً تجاه إسرائيل التي تمثل قضية أمنها القومي والحفاظ عليه مهمة أي إدارة أمريكية، بل تمثل إحدى ثوابت السياسة الخارجية الأمريكية.
ومع تقديرنا لوجهتي النظر السابقتين، إلاّ أنه من الممكن النظر إلى هذه الزيارة من زاوية أخرى تعتمد على تحديد المستفيدين من هذه الزيارة (سواء كانوا أشخاصاً أو دولاً أو قضايا ومدى هذه الاستفادة.
* أولاً الرئيس الأمريكي باراك أوباما
لعلنا لا نبالغ إذا قلنا إن أول المستفيدين وأكثرهم هو الرئيس أوباما نفسه، فإذا كان في السفر سبع فوائد يدرك المرء منها ما قُدّرَ له، فقد جمع الرئيس أوباما كثيراً من هذه الفوائد. فهذه الجولة حققت أهدافاً سياسية وسياحية وشخصية لشخص أوباما نفسه، فعلى الصعيد السياسي: أجرى أوباما حواراً تصالحياً مع العالمين العربي والإسلامي، في إطار محاولته لإصلاح ما أفسده بوش وإدارته على مدار ثماني سنوات، ساعده في ذلك مقوماته الشخصية من فصاحة وبلاغة وثقة بالنفس وقبوله لدى جمهور المستمعين. كما أن الرجل حافظ على خطّه السياسي والدبلوماسي، محاولاً إرضاء العرب بالحديث عن الدولة الفلسطينية وإيقاف الاستيطان، في الوقت الذي شدّد فيه على حق إسرائيل مردداً الرقم المغلوط عن ضحايا الهولوكوست، كما أنه في الوقت ذاته لم ينتقد النظم العربية في مسائل الديمقراطية وحقوق الإنسان مثل سلفه بوش، مؤكداً على عدم فرض الديمقراطية على أحد. وسياحياً: لا تقل الأهمية السياحية لزيارة أوباما عن أهميتها السياسية بالنسبة له شخصياً، فالرجل الذي استغرق في حل المشكلات منذ اللحظة الأولى لتوليه المسؤولية، من الواضح أنه أراد أن يستمتع برحلة سياحية تعيدُ إليه نشاطه وحيويته، وهو الذي أنهكته مسؤوليات ومشكلات البيت الأبيض. ويبدو كذلك أن الرجل كان محظوظاً، ومن المؤكد أنه قد استعاذ من وعثاء السفر وكآبة المنظر، وبالفعل فقد رأى القاهرة جميلة قد تزيّنت له كما لم تفعل منذ زمن طويل، كما رآها نظيفةً هادئةً خاليةً شوارعها من البشر والشجر والحجر إلاّ فيما ندُر، تأميناً لزيارة الضيف الكريم. واستمتع الرئيس الأمريكي وحده بمشاهدة مسجد السلطان حسن، إحدى روائع العمارة الإسلامية بالقاهرة، وزيارة أهرامات الجيزة وأبو الهول أهم روائع الحضارة الإنسانية قاطبةًً.

أما على الصعيد الشخصي، فقد أتت الزيارة بنتائجها المرجوة كاملةً، فالرجل نجح في اختبار كاريزميته، وأثبت أنه حكيم وفيلسوف ومتحدث لبق، وخطيب مفوّه، وصاحب إطلالة مميزة، وكاريزما مؤثّرة. فما إن بدأ خطابه في جامعة القاهرة حتى علت الصيحات مؤكدةً نجاح الرجل في جذب الانتباه وحُبّ الشباب له، فراح يُمتع الجميع ببعض التعبيرات باللغة العربية (السلام عليكم)، ثم ما لبث أن طوّف على الكتب السماوية المقدسة التي أُنزلت على موسى وعيسى ومحمد – عليهم جميعاً الصلاة والسلام – مستشهداً تارةً بالقرآن وأخرى بالإنجيل وثالثةً بالتوراة. ولا شكّ في أن الرئيس الأمريكي سعيد بردود الأفعال العربية والإسلامية المرحبة بخطابه للعالم الإسلامي.
لا نبالغ إذا قلنا إن أول المستفيدين وأكثرهم من هذه الزيارة هو الرئيس أوباما نفسه
ولعلّ نتائج استطلاع الرأي الذي أجراه مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار (IDSC) التابع لرئاسة مجلس الوزراء المصري، قد ترجمت هذا النجاح، فقد أظهرت أن 37 في المائة من العينة (صدّقت أوباما تماماً)، و41 في المائة صدقته بعض الشيء، في مقابل 17 في المائة لم يحددوا موقفهم، بينما هناك فقط 5 في المائة لم يصدقوا أوباما. ولم يخلُ هذا الخطاب من بعض الغزل، ففي مقابل اعتراف أوباما بفضل الحضارة الإسلامية على الغرب، والعلاقات التاريخية بين العرب، وخصوصاً المملكة المغربية والولايات المتحدة، واعترافه بسماحة الإسلام، ردّ أحد الحاضرين من الشباب التحية بأحسنَ منها حين هتف (Obama, We Love You) .
* ثانياً: مصر
من الإنصاف أن نعترف بأن اختيار القاهرة ليخاطب منها الرئيس الأمريكي العالم الإسلامي، كان اختياراً موفقاً للغاية. فمصرُ بحق هي قلب العالمين العربي والإسلامي جغرافياً وتاريخاً، وكذلك فإنها تمثل ما يقرب من ربع سكان العالم العربي، والأهم من ذلك دور مصر التاريخي والممتد إلى الآن في الصراع العربي-الإسرائيلي، وهو لا شكَّ أهم وأخطر قضايا العلاقات بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي.
وقد استفادت مصر من هذا الاختيار وتلك الزيارة، فاختيار الرئيس الأمريكي للقاهرة – دون عواصم عربية وإسلامية أخرى – يعكس اعترافاً من الرئيس وإدارته بدور مصر ووزنها الإقليمي والدولي، وهو يبرز رغبةً أمريكية في إعادة الدفء للعلاقات بين البلدين. فضلاً عن ذلك، مثّلت زيارة الرئيس الأمريكي إلى معالم القاهرة حملة دعاية كبرى وغير مباشرة للسياحة في مصر، وذلك بالنظر إلى شخصية الرئيس أوباما كأحد أبرز نجوم الشبّاك في العالم، وهو الشخص الذي نجح في لفت الأنظار إليه، وأصبح مثار إعجاب الجميع. وكذلك بالنظر إلى عدد الفضائيات ووسائل الإعلام العالمية التي نقلت الزيارة وعدد المشاهدين لأثرين من أهم الآثار السياحية يمثّلان حضارتين مختلفتين وعصرين متباعدين (الحضارة الفرعونية والحضارة الإسلامية).
* ثالثاً: العالمان العربي والإسلامي
مع اعترافنا بأن الرئيس الأمريكي باراك أوباما لم يضع إطاراً محدداً وواضحاً لحل القضايا العالقة والشائكة في العلاقة بين الطرفين، إلاّ أنه – وفي إطار الحديث عن الفوائد والإيجابيات – لا شكَّ في أن ثمّة بعض الفوائد التي أثمر عنها خطاب أوباما للعالم الإسلامي من القاهرة، وإن كانت هذه الفوائد قد أثمرتها حُسن النية من جانب الرئيس الأمريكي وشخصيته المجاملة.
ففي رأي البعض، أن الرئيس الأمريكي أنصف العالم الإسلامي والدين الحنيف بتبرئة ساحته من تهم الإرهاب والتطرف التي ألصقتها به إدارة بوش المتطرفة، واعتراف أوباما أمام العالم بأن الإسلام دين يدعو إلى التعايش والتسامح واحترام الآخر. وأهمية هذه الفائدة أنها جاءت من الرئيس الأمريكي ذي الشعبية الطاغية والقبول الواسع، واستحواذ ثقة الناس سواء في الداخل الأمريكي أو في العالم كله.
أما بالنسبة للعالم العربي، فالواضح أن الرئيس الأمريكي فَطِنَ إلى عِلّة العرب، فهو من ناحية لم يتحد إسرائيل، ولم يقطع على نفسه وعوداً كبيرة في ما يتعلق بإقامة الدولة الفلسطينية، ولم يتطرق إلى حق العودة، أو جرائم إسرائيل بحق الفلسطينيين في الضفة وغزة، أو جريمة النقل القسري والتغيير الديموغرافي في القدس. وهو من ناحيةٍ أخرى أشبع لدى العرب حاجتهم إلى (تقدير الذات) ببعض المديح وحلو الكلام، وهي الحاجة التي تحدث عنها عالم الاجتماع الأمريكي الشهير أبراهام ماسلو في نظريته عن تدرج الحاجات الاجتماعية، المعروفة بـ (هرم ماسلو)، وهو ما يفسّر نشوة النصر التي أظهرها بعض العرب والمسلمين عقب خطاب أوباما.
::/fulltext::
::cck::1160::/cck::
