قضية (البدون) الإنسانية.. الكويت نموذجاً
::cck::1159::/cck::
::introtext::
تعتبر قضية عديمي الجنسية أو مايصطلح على تسميتهم في دول الخليج بـ (البدون)، واحدة من أكثر قضايا حقوق الإنسان تعقيداً في المنطقة، فهي القضية الأقدم بين كل قضايا حقوق الإنسان في دول الخليج، وترجع جذورها إلى ما قبل بداية تأسيس الدولة الخليجية الحديثة. وعلى الرغم من وجود هذه القضية في معظم دول الخليج إلا أنها تبرز بكل أبعادها السياسية والإنسانية في دولة الكويت التي ولد فيها مصطلح (البدون) ليتم اقتباسه وتداوله في دول الخليج المجاورة لاحقاً، وهي مفردة كانت تستخدم في الأوراق الرسمية كمسمى للجنسية.
::/introtext::
::fulltext::
تعتبر قضية عديمي الجنسية أو مايصطلح على تسميتهم في دول الخليج بـ (البدون)، واحدة من أكثر قضايا حقوق الإنسان تعقيداً في المنطقة، فهي القضية الأقدم بين كل قضايا حقوق الإنسان في دول الخليج، وترجع جذورها إلى ما قبل بداية تأسيس الدولة الخليجية الحديثة. وعلى الرغم من وجود هذه القضية في معظم دول الخليج إلا أنها تبرز بكل أبعادها السياسية والإنسانية في دولة الكويت التي ولد فيها مصطلح (البدون) ليتم اقتباسه وتداوله في دول الخليج المجاورة لاحقاً، وهي مفردة كانت تستخدم في الأوراق الرسمية كمسمى للجنسية، حيث كان يكتب (بدون جنسية) لكل من لا يملك أوراقاً ثبوتية، ومن ثم تم اختصارها إلى كلمة (البدون) الدارجة، علماً بأنها ليست التسمية الوحيدة التي أطلقت على هذه الفئة في دولة الكويت.
حيث مرت التسمية بمراحل عدة ووفقاً للأوضاع السياسية المعقدة التي مرت بها الكويت، ففي الخمسينات والستينات من القرن الماضي كان أبناء هذه الفئة يسمون بـ (بادية الكويت) نسبةً لأصولهم البدوية، فهم في الغالب من قبائل وعشائر عربية معروفة ولها تاريخ حافل في المنطقة، وكانوا في هذه الفترة يعاملون معاملة الكويتي تماماً، وكانت لهم حرية التنقل والدخول والخروج من الكويت بحرية تامة، بل إن قانون إقامة الأجانب رقم 17 الذي سنته الحكومة الكويتية في عام 1959 استثنى بحسب الفقرة (د) (أفراد العشائر الذين يدخلون الكويت من الجهات التي تعوّدوا عليها لقضاء أشغالهم المعتادة)، فسمحت لهم الدولة بالإقامة واستثنتهم من القيام بإجراءات الدخول وجوازات السفر، واستمرت الحال على ذلك حتى بداية عصر النهضة وتصدير النفط ومن ثم قيام دولة الكويت المستقلة الحديثة، وبدأت في هذه الفترة أعداد البدون تتزايد كنتيجة حتمية لتطور وتحسن الأوضاع الاقتصادية في الكويت، ولم تجد الحكومة الكويتية حينها أية مشكلة في استيعاب وتقبل أولئك البدو الرحل، لمعرفتها بتاريخهم القديم في هذه المنطقة من ناحية، وحاجتها الماسة إليهم في تلك الفترة للمشاركة في بناء قواعد وأسس الدولة الكويتية الحديثة من ناحية أخرى.
وبدأت بالفعل في تقديم التسهيلات لهم وحثهم على التسجيل في السلكين العسكري والشرطي وكذلك في شركات النفط، حتى وصل عدد البدون في الجيش الكويتي في فترة من الفترات إلى ما نسبته 90 في المائة من مجمل القوات المسلحة الكويتية، إلا أن الأوضاع بدأت تتغير بعد اندلاع الحرب العراقية-الإيرانية، حيث بدأت المستجدات السياسية المحيطة تفرض نفسها بقوة على الوضع الداخلي الكويتي، وبدأت قضية البدون تدخل بوابة نفقها المظلم، حيث اعتبرت الحكومة الكويتية في منتصف الثمانينات أن وجود البدون أصبح يشكل خطراً ديموغرافياً وأمنياً عليها، خصوصاً أن أغلب البدون ينتمون في أصولهم إما إلى العراق أو إيران، فقررت بدء سياسة جديدة تعتمد على التضييق على البدون بهدف حثهم على ترك الكويت، من خلال منع إصدار أية وثائق رسمية لهم بما في ذلك شهادة الميلاد والوفاة وجواز السفر، ومنعهم من التعليم بكافة مراحله ومن العمل ومن العلاج الحكومي المجاني ومن البطاقة التموينية التي كانوا يتمتعون بها، ومن أبسط الحقوق الإنسانية الأخرى، ولم يبق متمتعاً بهذه الحقوق سوى من تبقى منهم في وزارتي الداخلية والدفاع، إلا أن هذه الإجراءات على صرامتها لم تنجح في إخراج البدون من الكويت إلا بنسب بسيطة جداً لا تذكر، حتى وصل عدد البدون في الكويت في أواخر الثمانينات إلى ما يقارب 300 ألف نسمة وفقاً لإحصائيات غير رسمية. وفي هذه الفترة بدأ مسمى (بادية الكويت) الذي تحول سابقاً إلى (بدون) يتحول مرة أخرى إلى مسمى جديد هو (غير كويتي).
وفي عام 1990 شهدت قضية (البدون) تحولاً خطيراً وجذرياً تمثل في غزو العراق للكويت ومن ثم الانسحاب العراقي من الكويت عام 1991، حيث بدأت الكويت تضغط بشدة على فئة البدون وخصوصاً من تعاون مع الجيش العراقي في تلك الفترة وفقاً لقانون الأحكام العرفية الذي ساد في تلك الفترة، الأمر الذي دفع (البدون) للهجرة بأعداد كبيرة حتى تناقص عددهم في الكويت إلى ما يقارب من 120 ألف نسمة، إلا أن هذه الفئة المتبقية منهم لم تسلم هي الأخرى من الإجراءات العقابية التي تمثلت في منعهم من أبسط مقومات الحياة التي ذكرناها آنفاً، وزاد عليها المسمى الجديد (مقيم بصورة غير قانونية). ولا تزال قضية البدون في الكويت تحتل موقع الصدارة في كافة النقاشات السياسية المحتدمة في الكويت، وبدأ مؤخراً نشاط ملحوظ للنواب الكويتيين المطالبين بنيل هذه الفئة لحقوقها الإنسانية في أسرع وقت ممكن، وهي الجهود التي نتمنى أن تأتي أكلها، وتسفر عن انفراج في مجال الحقوق الإنسانية لهذه الفئة، فعلى الرغم من تقديرنا وتفهمنا لمبررات الحكومة الكويتية وهواجسها الأمنية في هذه القضية إلا أن الجانب الإنساني يجب أن يكون في معزل عن أي اعتبارات سياسية أو أمنية، وتاريخ الكويت حافل بالإنجازات الإنسانية التي يشار إليها بالبنان وهي في غنى عن أية مزايدات على سمعتها الطيبة في المحافل الدولية.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1159::/cck::
::introtext::
تعتبر قضية عديمي الجنسية أو مايصطلح على تسميتهم في دول الخليج بـ (البدون)، واحدة من أكثر قضايا حقوق الإنسان تعقيداً في المنطقة، فهي القضية الأقدم بين كل قضايا حقوق الإنسان في دول الخليج، وترجع جذورها إلى ما قبل بداية تأسيس الدولة الخليجية الحديثة. وعلى الرغم من وجود هذه القضية في معظم دول الخليج إلا أنها تبرز بكل أبعادها السياسية والإنسانية في دولة الكويت التي ولد فيها مصطلح (البدون) ليتم اقتباسه وتداوله في دول الخليج المجاورة لاحقاً، وهي مفردة كانت تستخدم في الأوراق الرسمية كمسمى للجنسية.
::/introtext::
::fulltext::
تعتبر قضية عديمي الجنسية أو مايصطلح على تسميتهم في دول الخليج بـ (البدون)، واحدة من أكثر قضايا حقوق الإنسان تعقيداً في المنطقة، فهي القضية الأقدم بين كل قضايا حقوق الإنسان في دول الخليج، وترجع جذورها إلى ما قبل بداية تأسيس الدولة الخليجية الحديثة. وعلى الرغم من وجود هذه القضية في معظم دول الخليج إلا أنها تبرز بكل أبعادها السياسية والإنسانية في دولة الكويت التي ولد فيها مصطلح (البدون) ليتم اقتباسه وتداوله في دول الخليج المجاورة لاحقاً، وهي مفردة كانت تستخدم في الأوراق الرسمية كمسمى للجنسية، حيث كان يكتب (بدون جنسية) لكل من لا يملك أوراقاً ثبوتية، ومن ثم تم اختصارها إلى كلمة (البدون) الدارجة، علماً بأنها ليست التسمية الوحيدة التي أطلقت على هذه الفئة في دولة الكويت.
حيث مرت التسمية بمراحل عدة ووفقاً للأوضاع السياسية المعقدة التي مرت بها الكويت، ففي الخمسينات والستينات من القرن الماضي كان أبناء هذه الفئة يسمون بـ (بادية الكويت) نسبةً لأصولهم البدوية، فهم في الغالب من قبائل وعشائر عربية معروفة ولها تاريخ حافل في المنطقة، وكانوا في هذه الفترة يعاملون معاملة الكويتي تماماً، وكانت لهم حرية التنقل والدخول والخروج من الكويت بحرية تامة، بل إن قانون إقامة الأجانب رقم 17 الذي سنته الحكومة الكويتية في عام 1959 استثنى بحسب الفقرة (د) (أفراد العشائر الذين يدخلون الكويت من الجهات التي تعوّدوا عليها لقضاء أشغالهم المعتادة)، فسمحت لهم الدولة بالإقامة واستثنتهم من القيام بإجراءات الدخول وجوازات السفر، واستمرت الحال على ذلك حتى بداية عصر النهضة وتصدير النفط ومن ثم قيام دولة الكويت المستقلة الحديثة، وبدأت في هذه الفترة أعداد البدون تتزايد كنتيجة حتمية لتطور وتحسن الأوضاع الاقتصادية في الكويت، ولم تجد الحكومة الكويتية حينها أية مشكلة في استيعاب وتقبل أولئك البدو الرحل، لمعرفتها بتاريخهم القديم في هذه المنطقة من ناحية، وحاجتها الماسة إليهم في تلك الفترة للمشاركة في بناء قواعد وأسس الدولة الكويتية الحديثة من ناحية أخرى.
وبدأت بالفعل في تقديم التسهيلات لهم وحثهم على التسجيل في السلكين العسكري والشرطي وكذلك في شركات النفط، حتى وصل عدد البدون في الجيش الكويتي في فترة من الفترات إلى ما نسبته 90 في المائة من مجمل القوات المسلحة الكويتية، إلا أن الأوضاع بدأت تتغير بعد اندلاع الحرب العراقية-الإيرانية، حيث بدأت المستجدات السياسية المحيطة تفرض نفسها بقوة على الوضع الداخلي الكويتي، وبدأت قضية البدون تدخل بوابة نفقها المظلم، حيث اعتبرت الحكومة الكويتية في منتصف الثمانينات أن وجود البدون أصبح يشكل خطراً ديموغرافياً وأمنياً عليها، خصوصاً أن أغلب البدون ينتمون في أصولهم إما إلى العراق أو إيران، فقررت بدء سياسة جديدة تعتمد على التضييق على البدون بهدف حثهم على ترك الكويت، من خلال منع إصدار أية وثائق رسمية لهم بما في ذلك شهادة الميلاد والوفاة وجواز السفر، ومنعهم من التعليم بكافة مراحله ومن العمل ومن العلاج الحكومي المجاني ومن البطاقة التموينية التي كانوا يتمتعون بها، ومن أبسط الحقوق الإنسانية الأخرى، ولم يبق متمتعاً بهذه الحقوق سوى من تبقى منهم في وزارتي الداخلية والدفاع، إلا أن هذه الإجراءات على صرامتها لم تنجح في إخراج البدون من الكويت إلا بنسب بسيطة جداً لا تذكر، حتى وصل عدد البدون في الكويت في أواخر الثمانينات إلى ما يقارب 300 ألف نسمة وفقاً لإحصائيات غير رسمية. وفي هذه الفترة بدأ مسمى (بادية الكويت) الذي تحول سابقاً إلى (بدون) يتحول مرة أخرى إلى مسمى جديد هو (غير كويتي).
وفي عام 1990 شهدت قضية (البدون) تحولاً خطيراً وجذرياً تمثل في غزو العراق للكويت ومن ثم الانسحاب العراقي من الكويت عام 1991، حيث بدأت الكويت تضغط بشدة على فئة البدون وخصوصاً من تعاون مع الجيش العراقي في تلك الفترة وفقاً لقانون الأحكام العرفية الذي ساد في تلك الفترة، الأمر الذي دفع (البدون) للهجرة بأعداد كبيرة حتى تناقص عددهم في الكويت إلى ما يقارب من 120 ألف نسمة، إلا أن هذه الفئة المتبقية منهم لم تسلم هي الأخرى من الإجراءات العقابية التي تمثلت في منعهم من أبسط مقومات الحياة التي ذكرناها آنفاً، وزاد عليها المسمى الجديد (مقيم بصورة غير قانونية). ولا تزال قضية البدون في الكويت تحتل موقع الصدارة في كافة النقاشات السياسية المحتدمة في الكويت، وبدأ مؤخراً نشاط ملحوظ للنواب الكويتيين المطالبين بنيل هذه الفئة لحقوقها الإنسانية في أسرع وقت ممكن، وهي الجهود التي نتمنى أن تأتي أكلها، وتسفر عن انفراج في مجال الحقوق الإنسانية لهذه الفئة، فعلى الرغم من تقديرنا وتفهمنا لمبررات الحكومة الكويتية وهواجسها الأمنية في هذه القضية إلا أن الجانب الإنساني يجب أن يكون في معزل عن أي اعتبارات سياسية أو أمنية، وتاريخ الكويت حافل بالإنجازات الإنسانية التي يشار إليها بالبنان وهي في غنى عن أية مزايدات على سمعتها الطيبة في المحافل الدولية.
::/fulltext::
::cck::1159::/cck::
