الاستثمار الأوروبي الجديد في العراق.. الواقع والتحديات

::cck::1156::/cck::
::introtext::

كان الاقتصاد العراقي بشكل عام ونشاط الاستثمار – الذي يمثل الاستيراد العمود الفقري له- بشكل خاص قد تعرض لتأثير كبير إبّان الحصار الاقتصادي على العراق في ضوء أحداث أغسطس 1990م، حيث أوقف هذا النشاط بعد أن اقتصر نشاط الاستيراد على الغذاء والدواء، وبعد أن جرى العمل بقانون مذكرة التفاهم عام 1996 تم فتح اعتمادات مستندية لعدد من المنظمات الحكومية كانت تتم بالتنسيق بين البنك الفرنسي المغطي والبنك المرسل.

::/introtext::
::fulltext::

كان الاقتصاد العراقي بشكل عام ونشاط الاستثمار – الذي يمثل الاستيراد العمود الفقري له- بشكل خاص قد تعرض لتأثير كبير إبّان الحصار الاقتصادي على العراق في ضوء أحداث أغسطس 1990م، حيث أوقف هذا النشاط بعد أن اقتصر نشاط الاستيراد على الغذاء والدواء، وبعد أن جرى العمل بقانون مذكرة التفاهم عام 1996 تم فتح اعتمادات مستندية لعدد من المنظمات الحكومية كانت تتم بالتنسيق بين البنك الفرنسي المغطي والبنك المرسل.

أوروبا أخذت تدرك أن مصلحتها السياسية والاقتصادية المستقبلية في الشرق الأوسط تكون من خلال مساهمتها المباشرة في العراق

كان تحريك الاعتمادات المستندية لمذكرة التفاهم يتم من خلال الأمم المتحدة، ولذلك يمكن القول إن نشاط الاعتمادات المستندية قد توقف العمل به منذ أغسطس 1990، وحتى بعد أحداث 9/4/2003 لم يشهد هذا النشاط تقدماً ملحوظاً ولم يتعد سوى أعداد محددة لبعض دوائر الدولة لتغطية استيراداتها.

 وفي عام 2006 أقرّ مجلس النواب العراقي قانون الاستثمار العراقي رقم (13)، لكنه لم يفعّل بشكله الكامل والمطلوب، ولم يتم استقطاب المستثمرين، إذ إن هنالك ملاحظات عدة تشوب هذا القانون، فلا توجد هناك محكمة دولية مسماة في حل النزاعات التي قد تحدث أثناء تنفيذ قانون الاستثمار من خلال خروج المستثمر من العراق، كما يتأثر الاستثمار ـ وكما هو معروف لدى المختصين ـ بالطاقة الاستيعابية التي تتحدد بنقاط عدة هي حجم السوق بالنسبة للدولة المضيفة والبنى التحتية، فضلاً عن المعوقات الإدارية، ولا يخفى على أحد تلهف الكثير من المستثمرين اليوم للاستثمار في العراق من امتيازات عدة تؤهله، لكن ما يجب أن يوضع في الحسبان هو وجود المناطق الآمنة لتشجيع المستثمرين على الاستثمار.

ومن هذا المنطلق كانت جولة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي إلى عدد من الدول الأوروبية التي بدأت بجمهورية روسيا الاتحادية وذلك في 11/4/2009، ومن ثم فرنسا وبريطانيا في نهاية الشهر، من أجل تفعيل الاستثمار والتعاون الاقتصادي العراقي ـ الأوروبي في كافة المجالات الاقتصادية والعسكرية.

ويذكر أن بدايات هذا التعاون كانت في شهر مارس من العام الجاري بعد اختتام الجولة السابعة من المباحثات العراقية ـ الأوروبية التي تمت بين وزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري ورئيس أعضاء وفد الاتحاد الأوروبي هوكز مذكرلي ، والتي سعى من خلالها الجانبان إلى العمل على تحسين العلاقات مع مختلف الدول المنضوية في الاتحاد الأوروبي والبالغة (27) دولة، وصولاً إلى إبرام الاتفاقية بعيدة المدى.

يتيح نفط العراق ومياهه الغزيرة فرص استثمار ضخمة لأوروبا في شتى المجالات

إلا أن السؤال المطروح الآن هو ما حاجة العراق للأوروبيين؟

ليس غريباً أن تتردد أوروبا في الاشتراك بالاستثمار في العراق، بعد أن تعهدت بنحو 2.5 مليار دولار إلى إعادة إعمار العراق، وهو مبلغ صغير قياساً إلى إجمالي المبالغ التي تتعهد أوروبا بها في كثير من العمليات الدولية الأخرى، لكن أوروبا أخذت تدرك اليوم أن مصلحتها السياسية والاقتصادية المستقبلية في الشرق الأوسط تكون من خلال مساهمتها المباشرة في العراق لا سيما أن العهد الأمريكي الجديد بقيادة باراك أوباما يسعى ـ كما يقول البعض ـ إلى التعددية الدولية، أي إلى العمل التحالفي وليس الانفراد بمشكلات العالم والانفراد كذلك بحلها، كما أن هنالك عدة مؤشرات إلى تحقيق الاستثمار الأوروبي في العراق، من خلال:

1ـ تاريخ العلاقات العراقية ـ الأوروبية الممتد طوال القرن الماضي يتيح لأوروبا فرص استثمار وتنمية أكثر مما يتيح للولايات المتحدة الأمريكية من دون الكثير من التحفظات في الداخل والخارج العراقي.

2ـ يتيح نفط العراق ومياهه الغزيرة فرص استثمار ضخمة لأوروبا في شتى المجالات بعد أن ترددت في السابق في دخول السوق العراقية بسبب وجود نظام سياسي فيه كان يدعو إلى تأميم المصالح الغربية، لكنها عادت اليوم للاستثمارات فيه في ظل النظام السياسي الجديد.

3ـ يشهد الجنود والمتعهدون الأمريكيون حالياً نقصاً، لتدريب الجيش العراقي، ورجال الأمن العام، ويمكن للاتحاد الأوروبي أن يتبنى وزارة الداخلية بهذا الخصوص، ويتولى الجهد الأساسي في تدريب مسؤوليها، كما يمكن لأوروبا المساعدة على تحقيق المصالحة السياسية الداخلية في العراق من خلال الإسهام بمئات الموظفين الإضافيين لصالح الأمم المتحدة، وانتشار أفرادها في المحافظات العراقية، ويعزز قدرتها على التعاطي مع الانتخابات المقبلة.

ويمكن القول إن زيارة رئيس الحكومة العراقية إلى بعض الدول الأوروبية كانت لتفعيل ملف الاستثمار وحشد دعم جديد لحملة البناء والإعمار التي شرعت بها الحكومة العراقية بعد استقرار الأوضاع الأمنية، بالإضافة إلى تعزيز سياسة الانفتاح الدبلوماسي باعتبار أن العلاقات العراقية مع دول العالم لا يمكن أن تسير باتجاه واحد أو أن تقتصر على الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وإنما يجب أن تشهد تنوعاً واضحاً.

إن الحديث باستفاضة عن تحركات الحكومة العراقية لتوسيع الاستثمار يبدأ مع زيارة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي إلى جمهورية روسيا الاتحادية والتي جرى من خلالها الاتفاق على الآتي:

* الاتفاق على تعميق وتوسيع الحوار السياسي ليشمل مختلف المجالات وفي مقدمتها العلاقات الثنائية والقضايا الإقليمية والدولية التي تهم الطرفان.

* التأكيد على الدور الكبير للخبراء السوفييت والروس في بناء وتطوير صناعة النفط والغاز العراقية، بما في ذلك تنفيذ مشاريع ضخمة خلال سنين عديدة من التعاون من أجل بناء واستغلال عدد من الحقول النفطية في العراق وتأهيل الكوادر العراقية المختصة في المعاهد الدراسية العليا والمتوسطة الروسية.

* جرى التأكيد على رغبة الطرفين في تقديم المساعدة من أجل تطوير العلاقات الاقتصادية والتجارية والعلمية والتقنية، آخذين في الاعتبار الخبرة المتراكمة للتعاون الثنائي في السابق.

* العمل على زيادة نشاط اللجنة العراقية ـ الروسية الحكومية المشتركة للتعاون التجاري والاقتصادي والعلمي والتقني.

* في ملف الطاقة قدّمّ الجانب العراقي الكثير من العروض المغرية في هذا الجانب، من خلال دعوة الشركات الروسية لإعادة بناء الوحدتين الثانية والثالثة الخاصة بمحطة (الهارثة) الكهروحرارية والتي تبلغ طاقة كل منها 200 ميغاوات.

* جرى الاتفاق على المشاركة في تنفيذ مشروع (ستروي ترانس غاز)، وهو مشروع إقليمي كبير لمد خط أنابيب نفطية يربط الشمال العراقي وبضمنه الحقول القريبة من كركوك بالبلدان المجاورة، حيث من المقرر أن يمد فرع منه إلى ميناء طرابلس في لبنان.

* كما شهدت الزيارة العراقية فتح ملف السلاح الذي أثار حفيظة بعض المراقبين باعتباره ضغطاً عراقياً تجاه الحليف الأمريكي (خاصة مع المفاوضات العراقية لتجهيز الجيش العراقي بسرب طائرات الـ (إف 16 الأمريكية). إذ يمثل شراء السلاح من روسيا اليوم مطلباً عراقياً ملحاً لمواجهة التحديات الإرهابية والدفاع عن وحدة العراق وسيادته وأمنه الداخلي، وهو لا يعني بأي حال من الأحوال إيقاف عملية استيراد الأسلحة الأمريكية التي تعاقد عليها العراق.

ويذكر أن العراق قد وقّع اتفاقية مع روسيا في 11/2/2008 حول تسوية الديون العراقية.

 وبذلك يمكن القول إن محادثات العراقيين الاقتصادية مع الروس كانت في أكثر من ملف.

وكان للعاصمة البريطانية لندن نصيب مهم من الجولة الأوروبية التي تقوم بها الحكومة العراقية، وذلك من خلال حضور رئيس الحكومة لأعمال المؤتمر الذي نظمته هيئة الاستثمار الوطنية في لندن بتاريخ 30/4/2009، وأكثر من (93) شخصية عراقية ضمت عدداً من الوزراء والمستشارين وبعض أعضاء مجلس النواب العراقي.

وجسدت تلك الزيارة توثيقاً للتعاون مع وزارتي الاستثمار والصناعة البريطانية من أجل فتح آفاق الاستثمار داخل العراق للشركات الأوروبية.

 أما العاصمة الفرنسية باريس فقد كان لها نصيب مهم من جولة رئيس الحكومة العراقية، كونها جسّدت سعي الحكومة العراقية لكسر الجمود الذي شاب العلاقات العراقية ـ الفرنسية بسبب الحرب الأمريكية على العراق عام 2003 وسقوط النظام السابق.

وتمتّعت فرنسا بثقل استراتيجي وسياسي كبير من المنطقة في عهد الرئيسين السابقين جاك شيراك وفرانسوا ميتران، وحضورها في الملفات الإقليمية البارزة، وفي مقدمتها ملف السلام بين العرب وإسرائيل، لكن بعد أن انسحبت فرنسا من إطار الدول التي أيّدت الولايات المتحدة بعد عملية تحرير الكويت في عام 1991 تراجع هذا الدور كثيراً، ويبدو أن بروز القطبية الأحادية للولايات المتحدة قد أثّر إلى حد كبير في دور فرنسا، ومن ثم تأثيرها في الملفات الإقليمية الساخنة، وكانت فرنسا تتمتع بعلاقة وثيقة مع العراق قبل الاجتياح الأمريكي له عام 2003، كما كانت شريكاً تجارياً ومزوداً رئيسياً للأسلحة في العراق، كما تزعمت فرنسا معسكر الرافضين الحرب عليه عام 2003، ودأبت منذ انتهائها على مطالبة واشنطن بجدولة انسحابها من العراق وإعطاء العراقيين (أفقاً واضحاً لاستعادة سيادتهم).

أما عن مصالح فرنسا الاقتصادية فيمكن القول إن للفرنسيين خبرة كبيرة في الاستثمار العراقي تأتت من مصالحهم الاقتصادية والتجارية التي بدأت منذ سبعينات القرن الماضي، والتي هيأت لهم خبرة واسعة في البنية التحتية العراقية، بعد أن فتحت أبواب السوق العراقية أمامهم على مصراعيها.

غير أن الملف الأبرز كان ومن دون شك مسعى العراق لشراء أعتدة وأسلحة فرنسية رغبة منه في تنويع مصادر تسلحه وعدم الاعتماد على الولايات المتحدة الأمريكية وحدها كمورد لأسلحة حديثة تحتاجها القوات العراقية المسلحة، ويذكر أن لباريس ميزات عدة في هذا الجانب أهمها:

 1ـ كانت مزوداً رئيسياً للأسلحة في العراق.

2ـ تنتج كافة أنواع الأجهزة الدفاعية وصناعاتها العسكرية تتأرجح بين الموقعين الثالث والرابع في العالم.

3ـ مسألة تدريب القوات الفرنسية للكوادر العراقية، مما يعد خطوة استراتيجية مهمة من جانب الحكومة العراقية، قد تترتب عليها العديد من النتائج الإيجابية والوضع النفسي الجيد لدى العراقيين على اعتبار أن الحكومة الفرنسية كانت ضمن المعسكر الرافض للحرب على العراق في عام 2003، فلن تكون هنالك أية مقاومة ضدهم. إن زيارة الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي إلى العراق كانت الحافز الأكثر أهمية بما تحقق، خصوصاً بعد أن أعلنت فرنسا في (23/12/2008) إطفاء المرحلة الثالثة من ديون العراق تنفيذاً للشروط الواردة في اتفاقية دعم الديون بين الحكومتين العراقية والفرنسية، حيث بلغ التخفيض بالعملتين الرئيسيتين 227.862.530 دولاراً أمريكياً، 757.281.489 يورو.

 كما أبدى ساركوزي استعداده لدراسة الطلبات العراقية المتعلقة بالجانب العسكري، حتى توجت تلك الخطوة بزيارة وزير الدفاع العراقي إلى مجموعة من مراكز الإنتاج الدفاعي الفرنسية في شهر مارس الماضي، وإبرام صفقات شراء طوافات فرنسية (24 طوافة).

يذكر أن اتفاقيات الاستثمار التي أبرمها رئيس الحكومة العراقية سيتم إقرارها بعد عرضها على مجلس النواب العراقي لمعرفة مدى ما يتناسب منها مع البيئة العراقية اليوم.

كما سيكون لفرنسا ـ كما وعدت هي ـ دور واضح وإيجابي في الجانب الدبلوماسي العراقي عربياً وإقليمياً، وذلك بفضل علاقاتها العربية والخليجية الجيدة، والتي من الممكن لها أن تعيد العراق إلى الساحة العربية من جديد.

وفي المحصلة يمكن القول إن جولة رئيس الحكومة العراقية إلى أوروبا استندت إلى حاجة العراق الماسة للاستثمارات أوروبية في مجالات التعليم، والصحة، والمواصلات، وكذلك النفط، والزراعة، وهي كلها مجالات واسعة وغنية وواعدة، و لا تستطيع الولايات المتحدة الأمريكية أن تسد كل حاجة العراق من الاستثمارات الأجنبية.

لذلك ينتظر من العراق اليوم أن يكون نقطة ارتكاز في المنطقة والعالم كونه ليس معزولاً عن محيطيه الإقليمي والدولي، لكن يظل التساؤل المطروح، إلى أي مدى ستنجح الحكومة العراقية في تحركاتها الواضحة لجلب المستثمرين وتحقيق استثمار حقيقي في العراق في ظل وضع أمني يمكن وصفه بالمتذبذب؟ بسبب التقاطعات السياسية بين الكيانات السياسية والتي لا يريد بعضها لهذا البلد النهوض إلاّ وفق أجندات خارجية خاصة؟

 

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1156::/cck::
::introtext::

كان الاقتصاد العراقي بشكل عام ونشاط الاستثمار – الذي يمثل الاستيراد العمود الفقري له- بشكل خاص قد تعرض لتأثير كبير إبّان الحصار الاقتصادي على العراق في ضوء أحداث أغسطس 1990م، حيث أوقف هذا النشاط بعد أن اقتصر نشاط الاستيراد على الغذاء والدواء، وبعد أن جرى العمل بقانون مذكرة التفاهم عام 1996 تم فتح اعتمادات مستندية لعدد من المنظمات الحكومية كانت تتم بالتنسيق بين البنك الفرنسي المغطي والبنك المرسل.

::/introtext::
::fulltext::

كان الاقتصاد العراقي بشكل عام ونشاط الاستثمار – الذي يمثل الاستيراد العمود الفقري له- بشكل خاص قد تعرض لتأثير كبير إبّان الحصار الاقتصادي على العراق في ضوء أحداث أغسطس 1990م، حيث أوقف هذا النشاط بعد أن اقتصر نشاط الاستيراد على الغذاء والدواء، وبعد أن جرى العمل بقانون مذكرة التفاهم عام 1996 تم فتح اعتمادات مستندية لعدد من المنظمات الحكومية كانت تتم بالتنسيق بين البنك الفرنسي المغطي والبنك المرسل.

أوروبا أخذت تدرك أن مصلحتها السياسية والاقتصادية المستقبلية في الشرق الأوسط تكون من خلال مساهمتها المباشرة في العراق

كان تحريك الاعتمادات المستندية لمذكرة التفاهم يتم من خلال الأمم المتحدة، ولذلك يمكن القول إن نشاط الاعتمادات المستندية قد توقف العمل به منذ أغسطس 1990، وحتى بعد أحداث 9/4/2003 لم يشهد هذا النشاط تقدماً ملحوظاً ولم يتعد سوى أعداد محددة لبعض دوائر الدولة لتغطية استيراداتها.

 وفي عام 2006 أقرّ مجلس النواب العراقي قانون الاستثمار العراقي رقم (13)، لكنه لم يفعّل بشكله الكامل والمطلوب، ولم يتم استقطاب المستثمرين، إذ إن هنالك ملاحظات عدة تشوب هذا القانون، فلا توجد هناك محكمة دولية مسماة في حل النزاعات التي قد تحدث أثناء تنفيذ قانون الاستثمار من خلال خروج المستثمر من العراق، كما يتأثر الاستثمار ـ وكما هو معروف لدى المختصين ـ بالطاقة الاستيعابية التي تتحدد بنقاط عدة هي حجم السوق بالنسبة للدولة المضيفة والبنى التحتية، فضلاً عن المعوقات الإدارية، ولا يخفى على أحد تلهف الكثير من المستثمرين اليوم للاستثمار في العراق من امتيازات عدة تؤهله، لكن ما يجب أن يوضع في الحسبان هو وجود المناطق الآمنة لتشجيع المستثمرين على الاستثمار.

ومن هذا المنطلق كانت جولة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي إلى عدد من الدول الأوروبية التي بدأت بجمهورية روسيا الاتحادية وذلك في 11/4/2009، ومن ثم فرنسا وبريطانيا في نهاية الشهر، من أجل تفعيل الاستثمار والتعاون الاقتصادي العراقي ـ الأوروبي في كافة المجالات الاقتصادية والعسكرية.

ويذكر أن بدايات هذا التعاون كانت في شهر مارس من العام الجاري بعد اختتام الجولة السابعة من المباحثات العراقية ـ الأوروبية التي تمت بين وزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري ورئيس أعضاء وفد الاتحاد الأوروبي هوكز مذكرلي ، والتي سعى من خلالها الجانبان إلى العمل على تحسين العلاقات مع مختلف الدول المنضوية في الاتحاد الأوروبي والبالغة (27) دولة، وصولاً إلى إبرام الاتفاقية بعيدة المدى.

يتيح نفط العراق ومياهه الغزيرة فرص استثمار ضخمة لأوروبا في شتى المجالات

إلا أن السؤال المطروح الآن هو ما حاجة العراق للأوروبيين؟

ليس غريباً أن تتردد أوروبا في الاشتراك بالاستثمار في العراق، بعد أن تعهدت بنحو 2.5 مليار دولار إلى إعادة إعمار العراق، وهو مبلغ صغير قياساً إلى إجمالي المبالغ التي تتعهد أوروبا بها في كثير من العمليات الدولية الأخرى، لكن أوروبا أخذت تدرك اليوم أن مصلحتها السياسية والاقتصادية المستقبلية في الشرق الأوسط تكون من خلال مساهمتها المباشرة في العراق لا سيما أن العهد الأمريكي الجديد بقيادة باراك أوباما يسعى ـ كما يقول البعض ـ إلى التعددية الدولية، أي إلى العمل التحالفي وليس الانفراد بمشكلات العالم والانفراد كذلك بحلها، كما أن هنالك عدة مؤشرات إلى تحقيق الاستثمار الأوروبي في العراق، من خلال:

1ـ تاريخ العلاقات العراقية ـ الأوروبية الممتد طوال القرن الماضي يتيح لأوروبا فرص استثمار وتنمية أكثر مما يتيح للولايات المتحدة الأمريكية من دون الكثير من التحفظات في الداخل والخارج العراقي.

2ـ يتيح نفط العراق ومياهه الغزيرة فرص استثمار ضخمة لأوروبا في شتى المجالات بعد أن ترددت في السابق في دخول السوق العراقية بسبب وجود نظام سياسي فيه كان يدعو إلى تأميم المصالح الغربية، لكنها عادت اليوم للاستثمارات فيه في ظل النظام السياسي الجديد.

3ـ يشهد الجنود والمتعهدون الأمريكيون حالياً نقصاً، لتدريب الجيش العراقي، ورجال الأمن العام، ويمكن للاتحاد الأوروبي أن يتبنى وزارة الداخلية بهذا الخصوص، ويتولى الجهد الأساسي في تدريب مسؤوليها، كما يمكن لأوروبا المساعدة على تحقيق المصالحة السياسية الداخلية في العراق من خلال الإسهام بمئات الموظفين الإضافيين لصالح الأمم المتحدة، وانتشار أفرادها في المحافظات العراقية، ويعزز قدرتها على التعاطي مع الانتخابات المقبلة.

ويمكن القول إن زيارة رئيس الحكومة العراقية إلى بعض الدول الأوروبية كانت لتفعيل ملف الاستثمار وحشد دعم جديد لحملة البناء والإعمار التي شرعت بها الحكومة العراقية بعد استقرار الأوضاع الأمنية، بالإضافة إلى تعزيز سياسة الانفتاح الدبلوماسي باعتبار أن العلاقات العراقية مع دول العالم لا يمكن أن تسير باتجاه واحد أو أن تقتصر على الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وإنما يجب أن تشهد تنوعاً واضحاً.

إن الحديث باستفاضة عن تحركات الحكومة العراقية لتوسيع الاستثمار يبدأ مع زيارة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي إلى جمهورية روسيا الاتحادية والتي جرى من خلالها الاتفاق على الآتي:

* الاتفاق على تعميق وتوسيع الحوار السياسي ليشمل مختلف المجالات وفي مقدمتها العلاقات الثنائية والقضايا الإقليمية والدولية التي تهم الطرفان.

* التأكيد على الدور الكبير للخبراء السوفييت والروس في بناء وتطوير صناعة النفط والغاز العراقية، بما في ذلك تنفيذ مشاريع ضخمة خلال سنين عديدة من التعاون من أجل بناء واستغلال عدد من الحقول النفطية في العراق وتأهيل الكوادر العراقية المختصة في المعاهد الدراسية العليا والمتوسطة الروسية.

* جرى التأكيد على رغبة الطرفين في تقديم المساعدة من أجل تطوير العلاقات الاقتصادية والتجارية والعلمية والتقنية، آخذين في الاعتبار الخبرة المتراكمة للتعاون الثنائي في السابق.

* العمل على زيادة نشاط اللجنة العراقية ـ الروسية الحكومية المشتركة للتعاون التجاري والاقتصادي والعلمي والتقني.

* في ملف الطاقة قدّمّ الجانب العراقي الكثير من العروض المغرية في هذا الجانب، من خلال دعوة الشركات الروسية لإعادة بناء الوحدتين الثانية والثالثة الخاصة بمحطة (الهارثة) الكهروحرارية والتي تبلغ طاقة كل منها 200 ميغاوات.

* جرى الاتفاق على المشاركة في تنفيذ مشروع (ستروي ترانس غاز)، وهو مشروع إقليمي كبير لمد خط أنابيب نفطية يربط الشمال العراقي وبضمنه الحقول القريبة من كركوك بالبلدان المجاورة، حيث من المقرر أن يمد فرع منه إلى ميناء طرابلس في لبنان.

* كما شهدت الزيارة العراقية فتح ملف السلاح الذي أثار حفيظة بعض المراقبين باعتباره ضغطاً عراقياً تجاه الحليف الأمريكي (خاصة مع المفاوضات العراقية لتجهيز الجيش العراقي بسرب طائرات الـ (إف 16 الأمريكية). إذ يمثل شراء السلاح من روسيا اليوم مطلباً عراقياً ملحاً لمواجهة التحديات الإرهابية والدفاع عن وحدة العراق وسيادته وأمنه الداخلي، وهو لا يعني بأي حال من الأحوال إيقاف عملية استيراد الأسلحة الأمريكية التي تعاقد عليها العراق.

ويذكر أن العراق قد وقّع اتفاقية مع روسيا في 11/2/2008 حول تسوية الديون العراقية.

 وبذلك يمكن القول إن محادثات العراقيين الاقتصادية مع الروس كانت في أكثر من ملف.

وكان للعاصمة البريطانية لندن نصيب مهم من الجولة الأوروبية التي تقوم بها الحكومة العراقية، وذلك من خلال حضور رئيس الحكومة لأعمال المؤتمر الذي نظمته هيئة الاستثمار الوطنية في لندن بتاريخ 30/4/2009، وأكثر من (93) شخصية عراقية ضمت عدداً من الوزراء والمستشارين وبعض أعضاء مجلس النواب العراقي.

وجسدت تلك الزيارة توثيقاً للتعاون مع وزارتي الاستثمار والصناعة البريطانية من أجل فتح آفاق الاستثمار داخل العراق للشركات الأوروبية.

 أما العاصمة الفرنسية باريس فقد كان لها نصيب مهم من جولة رئيس الحكومة العراقية، كونها جسّدت سعي الحكومة العراقية لكسر الجمود الذي شاب العلاقات العراقية ـ الفرنسية بسبب الحرب الأمريكية على العراق عام 2003 وسقوط النظام السابق.

وتمتّعت فرنسا بثقل استراتيجي وسياسي كبير من المنطقة في عهد الرئيسين السابقين جاك شيراك وفرانسوا ميتران، وحضورها في الملفات الإقليمية البارزة، وفي مقدمتها ملف السلام بين العرب وإسرائيل، لكن بعد أن انسحبت فرنسا من إطار الدول التي أيّدت الولايات المتحدة بعد عملية تحرير الكويت في عام 1991 تراجع هذا الدور كثيراً، ويبدو أن بروز القطبية الأحادية للولايات المتحدة قد أثّر إلى حد كبير في دور فرنسا، ومن ثم تأثيرها في الملفات الإقليمية الساخنة، وكانت فرنسا تتمتع بعلاقة وثيقة مع العراق قبل الاجتياح الأمريكي له عام 2003، كما كانت شريكاً تجارياً ومزوداً رئيسياً للأسلحة في العراق، كما تزعمت فرنسا معسكر الرافضين الحرب عليه عام 2003، ودأبت منذ انتهائها على مطالبة واشنطن بجدولة انسحابها من العراق وإعطاء العراقيين (أفقاً واضحاً لاستعادة سيادتهم).

أما عن مصالح فرنسا الاقتصادية فيمكن القول إن للفرنسيين خبرة كبيرة في الاستثمار العراقي تأتت من مصالحهم الاقتصادية والتجارية التي بدأت منذ سبعينات القرن الماضي، والتي هيأت لهم خبرة واسعة في البنية التحتية العراقية، بعد أن فتحت أبواب السوق العراقية أمامهم على مصراعيها.

غير أن الملف الأبرز كان ومن دون شك مسعى العراق لشراء أعتدة وأسلحة فرنسية رغبة منه في تنويع مصادر تسلحه وعدم الاعتماد على الولايات المتحدة الأمريكية وحدها كمورد لأسلحة حديثة تحتاجها القوات العراقية المسلحة، ويذكر أن لباريس ميزات عدة في هذا الجانب أهمها:

 1ـ كانت مزوداً رئيسياً للأسلحة في العراق.

2ـ تنتج كافة أنواع الأجهزة الدفاعية وصناعاتها العسكرية تتأرجح بين الموقعين الثالث والرابع في العالم.

3ـ مسألة تدريب القوات الفرنسية للكوادر العراقية، مما يعد خطوة استراتيجية مهمة من جانب الحكومة العراقية، قد تترتب عليها العديد من النتائج الإيجابية والوضع النفسي الجيد لدى العراقيين على اعتبار أن الحكومة الفرنسية كانت ضمن المعسكر الرافض للحرب على العراق في عام 2003، فلن تكون هنالك أية مقاومة ضدهم. إن زيارة الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي إلى العراق كانت الحافز الأكثر أهمية بما تحقق، خصوصاً بعد أن أعلنت فرنسا في (23/12/2008) إطفاء المرحلة الثالثة من ديون العراق تنفيذاً للشروط الواردة في اتفاقية دعم الديون بين الحكومتين العراقية والفرنسية، حيث بلغ التخفيض بالعملتين الرئيسيتين 227.862.530 دولاراً أمريكياً، 757.281.489 يورو.

 كما أبدى ساركوزي استعداده لدراسة الطلبات العراقية المتعلقة بالجانب العسكري، حتى توجت تلك الخطوة بزيارة وزير الدفاع العراقي إلى مجموعة من مراكز الإنتاج الدفاعي الفرنسية في شهر مارس الماضي، وإبرام صفقات شراء طوافات فرنسية (24 طوافة).

يذكر أن اتفاقيات الاستثمار التي أبرمها رئيس الحكومة العراقية سيتم إقرارها بعد عرضها على مجلس النواب العراقي لمعرفة مدى ما يتناسب منها مع البيئة العراقية اليوم.

كما سيكون لفرنسا ـ كما وعدت هي ـ دور واضح وإيجابي في الجانب الدبلوماسي العراقي عربياً وإقليمياً، وذلك بفضل علاقاتها العربية والخليجية الجيدة، والتي من الممكن لها أن تعيد العراق إلى الساحة العربية من جديد.

وفي المحصلة يمكن القول إن جولة رئيس الحكومة العراقية إلى أوروبا استندت إلى حاجة العراق الماسة للاستثمارات أوروبية في مجالات التعليم، والصحة، والمواصلات، وكذلك النفط، والزراعة، وهي كلها مجالات واسعة وغنية وواعدة، و لا تستطيع الولايات المتحدة الأمريكية أن تسد كل حاجة العراق من الاستثمارات الأجنبية.

لذلك ينتظر من العراق اليوم أن يكون نقطة ارتكاز في المنطقة والعالم كونه ليس معزولاً عن محيطيه الإقليمي والدولي، لكن يظل التساؤل المطروح، إلى أي مدى ستنجح الحكومة العراقية في تحركاتها الواضحة لجلب المستثمرين وتحقيق استثمار حقيقي في العراق في ظل وضع أمني يمكن وصفه بالمتذبذب؟ بسبب التقاطعات السياسية بين الكيانات السياسية والتي لا يريد بعضها لهذا البلد النهوض إلاّ وفق أجندات خارجية خاصة؟

 

::/fulltext::
::cck::1156::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *