نحو استراتيجية خليجية للتعامل مع المفهوم الغربي لحقوق الإنسان
::cck::1153::/cck::
::introtext::
اكتسبت قضية حقوق الإنسان أهمية خاصة ومكانة عالية بعد انتهاء الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفييتي السابق، فقد صاحب انتهاء هذه الحرب انتعاش ورواج مبادئ حقوق الإنسان، وساهم في ذلك بروز الثورة الإعلامية العالمية التي حوّلت العالم إلى بيت من زجاج.
::/introtext::
::fulltext::
اكتسبت قضية حقوق الإنسان أهمية خاصة ومكانة عالية بعد انتهاء الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفييتي السابق، فقد صاحب انتهاء هذه الحرب انتعاش ورواج مبادئ حقوق الإنسان، وساهم في ذلك بروز الثورة الإعلامية العالمية التي حوّلت العالم إلى بيت من زجاج.
لكن مع ظهور عصر العولمة، بدأ الغرب في محاولاته عولمة حقوق الإنسان وفق القيم والمفاهيم الغربية، وبدت خطورة هذا الأمر في أنه يفرض على المجتمع الدولي مفاهيم تنبع من خصوصية القيم الغربية التي من الصعب أن تنسحب على بقية التجارب والقيم الإنسانية.
وغني عن البيان أن الهدف في النهاية هو تحقيق المصالح الغربية، بحيث يسهل استخدام قضية حقوق الإنسان كورقة ضغط وسلاح ضد الحكومات التي لا تتجاوب مع الأجندة الغربية. بمعنى آخر، يمكن القول إن الغرب بات يوظف -بشكل منتظم- دعوات حماية (حقوق الإنسان) لإضفاء المشروعية على سياسته الخارجية وتمرير أهدافه وتقنين حق التدخل في شؤون دول العالم الثالث، حتى بات الدفاع عن حقوق الإنسان عبارة عن مظلة تضمن التدخل في الشؤون الداخلية للبلاد المعنية.
مع ظهور عصر العولمة بدأ الغرب في محاولاته عولمة حقوق الإنسان وفق القيم والمفاهيم الغربية
والحقيقة أن محاولات الغرب فرض مفهومه الخاص بحقوق الإنسان في الدول المستهدفة، تأخذ شكلين رئيسيين، الأول: النشاط المكثف لهيئات حقوق الإنسان الغربية داخل هذه الدول. والمتابع لما يحدث في الدول النامية وأوروبا الشرقية يمكن أن يلحظ هذا النشاط المتدفق لكل من الهيئات والمؤسسات الغربية غير الحكومية للعمل في كل الأنحاء، حيث تمثل موضوعات حقوق الإنسان المجالات الأساسية لحركة هذه الهيئات والمؤسسات. الثاني: التقارير الغربية الدورية التي تنتقد بشكل دائم الأوضاع الخاصة بحقوق الإنسان في الدول المستهدفة، والضغط عليها لتبني آليات –قد لا تتناسب وخصوصيتها- من أجل تعديل أوضاعها في حقوق الإنسان، بالطبع وفقاً للقيم والمفاهيم الغربية.
وبالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي، نجد أن الشكل الثاني هو الأقرب للتطبيق، حيث أصبحت دول مجلس التعاون الخليجي محل انتقاد من جانب بعض التقارير الغربية الخاصة بحقوق الإنسان، وهي في واقع الأمر أغلبها تقارير أمريكية، سواء التقرير السنوي الخاص بالاتجار في البشر أو التقرير الخاص بالحريات الدينية أو التقرير الخاص بأوضاع حقوق الإنسان أو بعض التقارير الدولية الأخرى، مثل تلك الصادرة عن منظمة العفو الدولية أو منظمة الأمم المتحدة، وهي مؤسسات رغم كونها عالمية، إلا أنها من الناحية الفعلية تتبنى المفهوم الغربي لحقوق الإنسان وكذلك الفلسفة التي يستند إليها.
يجب الاعتراف بخصوصية المجتماعات الخليجية في ما يخص حقوق الإنسان
وهنا يبرز التساؤل حول كيفية مواجهة الدول الخليجية للمفهوم الغربي لحقوق الإنسان، خاصة في ظل الحملات التي تشنها بعض الدول الغربية ضد هذه الدول تحت غطاء حماية تلك الحقوق.
وفي هذا السياق، يمكن الإشارة إلى بعض الوسائل والآليات الكفيلة بتحقيق ذلك، وبما يؤدي إلى الوصول إلى استراتيجية خليجية شاملة تسهم في التعامل الفكري الموضوعي مع المفهوم الغربي لحقوق الإنسان، ويمكن تناول هذه الآليات على النحو التالي:
1- إبراز الخصوصية الحضارية والثقافية
الخصوصية هي الاسم الآخر للهوية الحضارية وتفترض وجود جملة من المعطيات من أهمها وجود مجموعة من البشر ذات تجربة مشتركة ملتصقة بأرض معينة ومتلاحمة حول جملة من القيم والتقاليد تشكل اللغة والدين عمودها الفقري. ومن هذا المنظور، يمكن أن نتحدث عن الخصوصية الخليجية في مواجهة ما يطلق عليه البعض عالمية حقوق الإنسان.
فمع التسليم بحقيقة أن حقوق الإنسان أضحت ذات طابع عالمي، إلا أن القبول بذلك لا يعني نفي الخصوصيات الحضارية أو الثقافية لبعض الشعوب. بعبارة أخرى فإنه إذا كان هناك قاسم مشترك على مستوى بعض المفاهيم فيما بين النظم والثقافات القانونية والسياسية المختلفة في ما يتصل بقضايا حقوق الإنسان كالموقف مثلاً إزاء مسائل التعذيب والمحاكمات غير العادلة والاحتجاز التعسفي، إلا أنه توجد أيضاً خصوصيات ينبغى عدم إغفالها أو التغاضي عنها، وهذه الخصوصيات قد يكون مصدرها القيم الدينية السائدة أو النظام العام والآداب أو في طبيعة المرحلة من التطور والنمو التي يمر بها المجتمع.
هناك حاجة إلى وقفة صادقة مع النفس وتطوير أوضاع حقوق الإنسان وفق رغبة نابعة من الداخل وليست مفروضة من الخارج
ولا شك في أن تلك النظرة تطبق بصورة أو أخرى على المجتمعات الخليجية، حيث إن الشريعة الإسلامية، التي هي أساس التشريع في كل دول مجلس التعاون الخليجي، لها خصوصيتها التي لا تستطيع تلك الدول تجاهلها، مما يعني أنه يجب احترام وأخذ اعتبار هذه الخصوصيات عند تعامل الدول الغربية مع الدول الخليجية في مجال حقوق الإنسان.
قد يكون هناك اتجاه يرى ضرورة محاولة التوفيق باستمرار بين عالمية حقوق الإنسان على النحو المتفق عليه دولياً، وبين خصوصية بعض القيم الثقافية والدينية والاجتماعية في الدول الخليجية، غير أن هذا الأمر ينبغي أن يكون أيضاً في ظل الاعتراف بخصوصية المجتمعات الخليجية في ما يتعلق بحقوق الإنسان.
2- إبراز الصيغة الإسلامية لحقوق الإنسان
ارتباطاً بموضوع الخصوصية الخليجية، فإنه يجب على تلك الدول في إطار حوارها الفكري مع الغرب حول مفهوم حقوق الإنسان، التأكيد على وجود صيغة إسلامية لحقوق الإنسان، حيث كان الإسلام سباقاً في تأكيده على تلك الحقوق، وجاء بمبادئ وقيم غير مسبوقة في مجال تكريم الإنسان واحترام إنسانيته وكفالة حقوقه، التي صاغها في منظومة مترابطة ومتكاملة من المبادئ والقيم الأخلاقية وأنماط السلوك الإنساني الراقي.
ويجب أن تدرك الدول الخليجية في هذا الشأن، أن إبراز الصيغة الإسلامية في إطار الخصوصية الخليجية لا يعد تجاوزاً عن القوانين الدولية لحقوق الإنسان، وإنما هو نوع من إبراز تلك الحقوق في الشريعة الإسلامية، وليس الخليجيين –أو العرب عموماً- وحدهم هم الذين يقومون بذلك، فمن قبل قامت أوروبا بهذا الأمر.
فالاتحاد الأوروبي رغم اعترافه بالصبغة العالمية لحقوق الإنسان والتي تعتمد على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، غير أن أوروبا لها صيغتها الخاصة بحقوق الإنسان، وتؤكد أن لها خصوصية في هذا الأمر. ففي ديباجة الصيغة الأوروبية ما نصه: (لما للدول الأوروبية من خصوصية من حيث التشابه الفكري والثقافة والقيم وهوامش الحريات والقوانين المشتركة)، ولا شك في أن الدول الخليجية –والعربية والإسلامية عموماً- لها خصوصياتها الأكثر عمقاً من الخصوصيات الأوروبية في هذا الشأن.
3- الحوار والرد الموضوعي على التقارير الغربية بشأن حقوق الإنسان في المجتمعات الخليجية
إحدى الآليات المهمة التي يجب أن تأخذها الدول الخليجية في الاعتبار في إطار تعاملها مع المفهوم الغربي لحقوق الإنسان، هي ضرورة أن تتعامل مع التقارير الغربية التي تنتقد أوضاع حقوق الإنسان فيها بنوع من الهدوء والرد الموضوعي العقلاني، لأن تجاهل تلك التقارير يعني التسليم بما ورد فيها من أحكام استندت بالأساس إلى قيم ومفاهيم غربية.
وفي إطار تعامل الدول الخليجية وردها على تلك التقارير، يجب أن تراعي مجموعة من الاعتبارات، أولها: توضيح سوء الفهم والتقدير الذي تقع فيه الجهات الدولية التي تصدر تلك التقارير –سواء كانت دولاً أو منظمات- بأنه ليس من الموضوعية ولا من المنهج العلمي أن ينظر إلى موضوع حقوق الإنسان في المجتمعات الخليجية من خلال الرؤية الغربية فحسب، حيث إن هذه الجهات الغربية تفترض أن هناك معايير مستقرة ومتفقاً عليها لحقوق الإنسان والديمقراطية والحرية وغيرها من المفاهيم التي تسود العالم وتتمتع بالقبول والتسليم، في حين أن تلك المعايير التي تستخدمها المنظمات والدول في تقاريرها هي معايير غربية تختص بجزء من سكان العالم، وتعكس إحدى حضاراته الكثيرة والمتنوعة.
وثانيها الذي يجب أن يتم التركيز عليه في سياق الرد على تلك التقارير، هو لفت نظر الجهات التي تصدرها إلى ضرورة الابتعاد عن عوامل التحيز وتأثير الاعتبارات الخاصة بالصور الذهنية المسبقة عن مناطق معينة وحضارات بذاتها بفعل عوامل كثيرة أهمها الإعلام المشوه، والاعتماد على مصادر معلومات غير حيادية، حيث غالباً ما تكون إما مصادر غربية أو مستقاة من أطراف غير وطنية في المجتمعات المعنية بتلك التقارير.
4- تطوير الأداء الوطني في مجالات حقوق الإنسان
على الرغم من أن الدول الخليجية شهدت انطلاقة جديدة، وحققت تقدماً ملحوظاً في مجال حقوق الإنسان، إلا أن ذلك لا يعني الانكفاء على الذات وتجاهل ما تحتويه هذه التقارير الغربية بالكلية. صحيح أنها مسيسة ومرفوضة، لكن بعض ما تحتويه قد يكون له وجود على أرض الواقع. ومن ثم، فإن الأمر يحتاج إلى وقفة صادقة مع النفس وتطوير أوضاع حقوق الإنسان وفق رغبة نابعة من الداخل وليست مفروضة من الخارج. بمعنى أن يكون الهدف في المقام الأول والأخير، هو رفع شأن المواطن وحماية حقوقه، وليس الاستجابة لضغوط الخارج.
وهنا يمكن أن نشير إلى بعض العقبات التي تعترض سبل تطوير آليات حماية حقوق الإنسان في الداخل، كي تكون تحت النظر والبحث في إمكانية حلها وتجاوزها. ومن هذه العقبات، القيود التي تواجهها منظمات حقوق الإنسان الوطنية والعقبات التي تعرقل تفعيل أنشطتها، حيث تحفل بعض التشريعات والدساتير الخليجية بالعديد من القيود القانونية التي تضع العراقيل في مواجهة تأسيس هذه المنظمات ثم في مواجهة تفعيل دورها وممارسة عملها بالكيفية المطلوبة، بالإضافة إلى الحساسية الشديدة التي تتعامل بها السلطات الحكومية مع تلك المنظمات.
وإضافة إلى تلك العراقيل، هناك نقاط ضعف أخرى أمام تطوير آليات حماية حقوق الإنسان، مثل ضعف الوعي الخليجي –والعربي عموماً- على المستويين الشعبي والرسمي لثقافة حقوق الإنسان. وهناك أيضاً بعض المشكلات الأخرى الخاصة بالمنظمات والهيئات الوطنية ذاتها المعنية بحقوق الإنسان، منها الطابع النخبوي الذي تتصف به تلك المنظمات والهيئات، حيث يقتصر معظمها على المثقفين، الأمر الذي يحول بينها وبين النفاذ إلى القواعد الاجتماعية العريضة.
والمشكلة الأخرى التي تعاني منها بعض تلك المنظمات –وليس كلها بالتأكيد- هو أنها قد تضم بعض العناصر غير الوطنية التي يكون لديها الاستعداد للاستقواء بالخارج على الداخل تحت دعوى حماية حقوق الإنسان، وهو خط أحمر مرفوض من جانب كافة حكومات الدول الخليجية وكذلك شعوبها، لأنه يمس سيادة الدولة وأمنها القومي.
ولا شك في أن هذا الواقع الخاص بحقوق الإنسان في المجتمعات الخليجية، ينعكس على تعامل منظمات حقوق الإنسان الدولية مع تلك المجتمعات. وبالتالي فإن تطوير أداء الدول الخليجية في مجال حقوق الإنسان يمكن أن يكون عاملاً إيجابياً في مواجهة حملات الجهات الدولية الغربية، غير أن تطوير الأداء الوطني في مجال حقوق الإنسان، يستلزم ما يلي:
* إعادة تفعيل دور المنظمات والهيئات الوطنية المعنية بحقوق الإنسان، من خلال تذليل العقبات التي تواجهها، وتؤثر بالسلب في أدائها، كما أنه لابد من إيجاد قنوات تنسيق بين مختلف المنظمات الوطنية التي تعمل في هذا المجال.
* إحداث تعديلات تشريعية لمعالجة بعض القضايا العالقة والخاصة بحقوق الإنسان.
* نشر ثقافة حقوق الإنسان، والتي يفتقر إليها الشارع الخليجي والعربي وذلك من خلال وسائل الإعلام المختلفة.
* التشاور مع الدول العربية للبحث في مراجعة للميثاق العربي لحقوق الإنسان باعتباره الوثيقة الأساسية لحقوق الإنسان العربي، لكي يكون الميثاق على المستوى المطلوب من التقدم في ضوء المتغيرات التي حدثت على المستوى العالمي، والتي أدت إلى سيادة مفاهيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، مع الحفاظ في الوقت ذاته على الخصوصية التي تميز المجتمعات الخليجية والعربية بشكل عام.
* أخيراً يجب على الدول الخليجية التعامل بشفافية مع مسائل حقوق الإنسان، ومحاولة تحقيق التوازن الدقيق بين المبادئ العامة المتفق عليها بشأن حقوق الإنسان والتي لا يجوز التفريط فيها تحت أي ظرف، والحفاظ في الوقت ذاته على الخصوصية التي تميز هذه المجتمعات، والتي لا تتناقض بأي حال من الأحوال مع احترام تلك المبادئ العامة المتفق عليها والواردة في ميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهود والاتفاقيات الدولية الأخرى المتعلقة بحقوق الإنسان.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1153::/cck::
::introtext::
اكتسبت قضية حقوق الإنسان أهمية خاصة ومكانة عالية بعد انتهاء الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفييتي السابق، فقد صاحب انتهاء هذه الحرب انتعاش ورواج مبادئ حقوق الإنسان، وساهم في ذلك بروز الثورة الإعلامية العالمية التي حوّلت العالم إلى بيت من زجاج.
::/introtext::
::fulltext::
اكتسبت قضية حقوق الإنسان أهمية خاصة ومكانة عالية بعد انتهاء الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفييتي السابق، فقد صاحب انتهاء هذه الحرب انتعاش ورواج مبادئ حقوق الإنسان، وساهم في ذلك بروز الثورة الإعلامية العالمية التي حوّلت العالم إلى بيت من زجاج.
لكن مع ظهور عصر العولمة، بدأ الغرب في محاولاته عولمة حقوق الإنسان وفق القيم والمفاهيم الغربية، وبدت خطورة هذا الأمر في أنه يفرض على المجتمع الدولي مفاهيم تنبع من خصوصية القيم الغربية التي من الصعب أن تنسحب على بقية التجارب والقيم الإنسانية.
وغني عن البيان أن الهدف في النهاية هو تحقيق المصالح الغربية، بحيث يسهل استخدام قضية حقوق الإنسان كورقة ضغط وسلاح ضد الحكومات التي لا تتجاوب مع الأجندة الغربية. بمعنى آخر، يمكن القول إن الغرب بات يوظف -بشكل منتظم- دعوات حماية (حقوق الإنسان) لإضفاء المشروعية على سياسته الخارجية وتمرير أهدافه وتقنين حق التدخل في شؤون دول العالم الثالث، حتى بات الدفاع عن حقوق الإنسان عبارة عن مظلة تضمن التدخل في الشؤون الداخلية للبلاد المعنية.
مع ظهور عصر العولمة بدأ الغرب في محاولاته عولمة حقوق الإنسان وفق القيم والمفاهيم الغربية
والحقيقة أن محاولات الغرب فرض مفهومه الخاص بحقوق الإنسان في الدول المستهدفة، تأخذ شكلين رئيسيين، الأول: النشاط المكثف لهيئات حقوق الإنسان الغربية داخل هذه الدول. والمتابع لما يحدث في الدول النامية وأوروبا الشرقية يمكن أن يلحظ هذا النشاط المتدفق لكل من الهيئات والمؤسسات الغربية غير الحكومية للعمل في كل الأنحاء، حيث تمثل موضوعات حقوق الإنسان المجالات الأساسية لحركة هذه الهيئات والمؤسسات. الثاني: التقارير الغربية الدورية التي تنتقد بشكل دائم الأوضاع الخاصة بحقوق الإنسان في الدول المستهدفة، والضغط عليها لتبني آليات –قد لا تتناسب وخصوصيتها- من أجل تعديل أوضاعها في حقوق الإنسان، بالطبع وفقاً للقيم والمفاهيم الغربية.
وبالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي، نجد أن الشكل الثاني هو الأقرب للتطبيق، حيث أصبحت دول مجلس التعاون الخليجي محل انتقاد من جانب بعض التقارير الغربية الخاصة بحقوق الإنسان، وهي في واقع الأمر أغلبها تقارير أمريكية، سواء التقرير السنوي الخاص بالاتجار في البشر أو التقرير الخاص بالحريات الدينية أو التقرير الخاص بأوضاع حقوق الإنسان أو بعض التقارير الدولية الأخرى، مثل تلك الصادرة عن منظمة العفو الدولية أو منظمة الأمم المتحدة، وهي مؤسسات رغم كونها عالمية، إلا أنها من الناحية الفعلية تتبنى المفهوم الغربي لحقوق الإنسان وكذلك الفلسفة التي يستند إليها.
يجب الاعتراف بخصوصية المجتماعات الخليجية في ما يخص حقوق الإنسان
وهنا يبرز التساؤل حول كيفية مواجهة الدول الخليجية للمفهوم الغربي لحقوق الإنسان، خاصة في ظل الحملات التي تشنها بعض الدول الغربية ضد هذه الدول تحت غطاء حماية تلك الحقوق.
وفي هذا السياق، يمكن الإشارة إلى بعض الوسائل والآليات الكفيلة بتحقيق ذلك، وبما يؤدي إلى الوصول إلى استراتيجية خليجية شاملة تسهم في التعامل الفكري الموضوعي مع المفهوم الغربي لحقوق الإنسان، ويمكن تناول هذه الآليات على النحو التالي:
1- إبراز الخصوصية الحضارية والثقافية
الخصوصية هي الاسم الآخر للهوية الحضارية وتفترض وجود جملة من المعطيات من أهمها وجود مجموعة من البشر ذات تجربة مشتركة ملتصقة بأرض معينة ومتلاحمة حول جملة من القيم والتقاليد تشكل اللغة والدين عمودها الفقري. ومن هذا المنظور، يمكن أن نتحدث عن الخصوصية الخليجية في مواجهة ما يطلق عليه البعض عالمية حقوق الإنسان.
فمع التسليم بحقيقة أن حقوق الإنسان أضحت ذات طابع عالمي، إلا أن القبول بذلك لا يعني نفي الخصوصيات الحضارية أو الثقافية لبعض الشعوب. بعبارة أخرى فإنه إذا كان هناك قاسم مشترك على مستوى بعض المفاهيم فيما بين النظم والثقافات القانونية والسياسية المختلفة في ما يتصل بقضايا حقوق الإنسان كالموقف مثلاً إزاء مسائل التعذيب والمحاكمات غير العادلة والاحتجاز التعسفي، إلا أنه توجد أيضاً خصوصيات ينبغى عدم إغفالها أو التغاضي عنها، وهذه الخصوصيات قد يكون مصدرها القيم الدينية السائدة أو النظام العام والآداب أو في طبيعة المرحلة من التطور والنمو التي يمر بها المجتمع.
هناك حاجة إلى وقفة صادقة مع النفس وتطوير أوضاع حقوق الإنسان وفق رغبة نابعة من الداخل وليست مفروضة من الخارج
ولا شك في أن تلك النظرة تطبق بصورة أو أخرى على المجتمعات الخليجية، حيث إن الشريعة الإسلامية، التي هي أساس التشريع في كل دول مجلس التعاون الخليجي، لها خصوصيتها التي لا تستطيع تلك الدول تجاهلها، مما يعني أنه يجب احترام وأخذ اعتبار هذه الخصوصيات عند تعامل الدول الغربية مع الدول الخليجية في مجال حقوق الإنسان.
قد يكون هناك اتجاه يرى ضرورة محاولة التوفيق باستمرار بين عالمية حقوق الإنسان على النحو المتفق عليه دولياً، وبين خصوصية بعض القيم الثقافية والدينية والاجتماعية في الدول الخليجية، غير أن هذا الأمر ينبغي أن يكون أيضاً في ظل الاعتراف بخصوصية المجتمعات الخليجية في ما يتعلق بحقوق الإنسان.
2- إبراز الصيغة الإسلامية لحقوق الإنسان
ارتباطاً بموضوع الخصوصية الخليجية، فإنه يجب على تلك الدول في إطار حوارها الفكري مع الغرب حول مفهوم حقوق الإنسان، التأكيد على وجود صيغة إسلامية لحقوق الإنسان، حيث كان الإسلام سباقاً في تأكيده على تلك الحقوق، وجاء بمبادئ وقيم غير مسبوقة في مجال تكريم الإنسان واحترام إنسانيته وكفالة حقوقه، التي صاغها في منظومة مترابطة ومتكاملة من المبادئ والقيم الأخلاقية وأنماط السلوك الإنساني الراقي.
ويجب أن تدرك الدول الخليجية في هذا الشأن، أن إبراز الصيغة الإسلامية في إطار الخصوصية الخليجية لا يعد تجاوزاً عن القوانين الدولية لحقوق الإنسان، وإنما هو نوع من إبراز تلك الحقوق في الشريعة الإسلامية، وليس الخليجيين –أو العرب عموماً- وحدهم هم الذين يقومون بذلك، فمن قبل قامت أوروبا بهذا الأمر.
فالاتحاد الأوروبي رغم اعترافه بالصبغة العالمية لحقوق الإنسان والتي تعتمد على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، غير أن أوروبا لها صيغتها الخاصة بحقوق الإنسان، وتؤكد أن لها خصوصية في هذا الأمر. ففي ديباجة الصيغة الأوروبية ما نصه: (لما للدول الأوروبية من خصوصية من حيث التشابه الفكري والثقافة والقيم وهوامش الحريات والقوانين المشتركة)، ولا شك في أن الدول الخليجية –والعربية والإسلامية عموماً- لها خصوصياتها الأكثر عمقاً من الخصوصيات الأوروبية في هذا الشأن.
3- الحوار والرد الموضوعي على التقارير الغربية بشأن حقوق الإنسان في المجتمعات الخليجية
إحدى الآليات المهمة التي يجب أن تأخذها الدول الخليجية في الاعتبار في إطار تعاملها مع المفهوم الغربي لحقوق الإنسان، هي ضرورة أن تتعامل مع التقارير الغربية التي تنتقد أوضاع حقوق الإنسان فيها بنوع من الهدوء والرد الموضوعي العقلاني، لأن تجاهل تلك التقارير يعني التسليم بما ورد فيها من أحكام استندت بالأساس إلى قيم ومفاهيم غربية.
وفي إطار تعامل الدول الخليجية وردها على تلك التقارير، يجب أن تراعي مجموعة من الاعتبارات، أولها: توضيح سوء الفهم والتقدير الذي تقع فيه الجهات الدولية التي تصدر تلك التقارير –سواء كانت دولاً أو منظمات- بأنه ليس من الموضوعية ولا من المنهج العلمي أن ينظر إلى موضوع حقوق الإنسان في المجتمعات الخليجية من خلال الرؤية الغربية فحسب، حيث إن هذه الجهات الغربية تفترض أن هناك معايير مستقرة ومتفقاً عليها لحقوق الإنسان والديمقراطية والحرية وغيرها من المفاهيم التي تسود العالم وتتمتع بالقبول والتسليم، في حين أن تلك المعايير التي تستخدمها المنظمات والدول في تقاريرها هي معايير غربية تختص بجزء من سكان العالم، وتعكس إحدى حضاراته الكثيرة والمتنوعة.
وثانيها الذي يجب أن يتم التركيز عليه في سياق الرد على تلك التقارير، هو لفت نظر الجهات التي تصدرها إلى ضرورة الابتعاد عن عوامل التحيز وتأثير الاعتبارات الخاصة بالصور الذهنية المسبقة عن مناطق معينة وحضارات بذاتها بفعل عوامل كثيرة أهمها الإعلام المشوه، والاعتماد على مصادر معلومات غير حيادية، حيث غالباً ما تكون إما مصادر غربية أو مستقاة من أطراف غير وطنية في المجتمعات المعنية بتلك التقارير.
4- تطوير الأداء الوطني في مجالات حقوق الإنسان
على الرغم من أن الدول الخليجية شهدت انطلاقة جديدة، وحققت تقدماً ملحوظاً في مجال حقوق الإنسان، إلا أن ذلك لا يعني الانكفاء على الذات وتجاهل ما تحتويه هذه التقارير الغربية بالكلية. صحيح أنها مسيسة ومرفوضة، لكن بعض ما تحتويه قد يكون له وجود على أرض الواقع. ومن ثم، فإن الأمر يحتاج إلى وقفة صادقة مع النفس وتطوير أوضاع حقوق الإنسان وفق رغبة نابعة من الداخل وليست مفروضة من الخارج. بمعنى أن يكون الهدف في المقام الأول والأخير، هو رفع شأن المواطن وحماية حقوقه، وليس الاستجابة لضغوط الخارج.
وهنا يمكن أن نشير إلى بعض العقبات التي تعترض سبل تطوير آليات حماية حقوق الإنسان في الداخل، كي تكون تحت النظر والبحث في إمكانية حلها وتجاوزها. ومن هذه العقبات، القيود التي تواجهها منظمات حقوق الإنسان الوطنية والعقبات التي تعرقل تفعيل أنشطتها، حيث تحفل بعض التشريعات والدساتير الخليجية بالعديد من القيود القانونية التي تضع العراقيل في مواجهة تأسيس هذه المنظمات ثم في مواجهة تفعيل دورها وممارسة عملها بالكيفية المطلوبة، بالإضافة إلى الحساسية الشديدة التي تتعامل بها السلطات الحكومية مع تلك المنظمات.
وإضافة إلى تلك العراقيل، هناك نقاط ضعف أخرى أمام تطوير آليات حماية حقوق الإنسان، مثل ضعف الوعي الخليجي –والعربي عموماً- على المستويين الشعبي والرسمي لثقافة حقوق الإنسان. وهناك أيضاً بعض المشكلات الأخرى الخاصة بالمنظمات والهيئات الوطنية ذاتها المعنية بحقوق الإنسان، منها الطابع النخبوي الذي تتصف به تلك المنظمات والهيئات، حيث يقتصر معظمها على المثقفين، الأمر الذي يحول بينها وبين النفاذ إلى القواعد الاجتماعية العريضة.
والمشكلة الأخرى التي تعاني منها بعض تلك المنظمات –وليس كلها بالتأكيد- هو أنها قد تضم بعض العناصر غير الوطنية التي يكون لديها الاستعداد للاستقواء بالخارج على الداخل تحت دعوى حماية حقوق الإنسان، وهو خط أحمر مرفوض من جانب كافة حكومات الدول الخليجية وكذلك شعوبها، لأنه يمس سيادة الدولة وأمنها القومي.
ولا شك في أن هذا الواقع الخاص بحقوق الإنسان في المجتمعات الخليجية، ينعكس على تعامل منظمات حقوق الإنسان الدولية مع تلك المجتمعات. وبالتالي فإن تطوير أداء الدول الخليجية في مجال حقوق الإنسان يمكن أن يكون عاملاً إيجابياً في مواجهة حملات الجهات الدولية الغربية، غير أن تطوير الأداء الوطني في مجال حقوق الإنسان، يستلزم ما يلي:
* إعادة تفعيل دور المنظمات والهيئات الوطنية المعنية بحقوق الإنسان، من خلال تذليل العقبات التي تواجهها، وتؤثر بالسلب في أدائها، كما أنه لابد من إيجاد قنوات تنسيق بين مختلف المنظمات الوطنية التي تعمل في هذا المجال.
* إحداث تعديلات تشريعية لمعالجة بعض القضايا العالقة والخاصة بحقوق الإنسان.
* نشر ثقافة حقوق الإنسان، والتي يفتقر إليها الشارع الخليجي والعربي وذلك من خلال وسائل الإعلام المختلفة.
* التشاور مع الدول العربية للبحث في مراجعة للميثاق العربي لحقوق الإنسان باعتباره الوثيقة الأساسية لحقوق الإنسان العربي، لكي يكون الميثاق على المستوى المطلوب من التقدم في ضوء المتغيرات التي حدثت على المستوى العالمي، والتي أدت إلى سيادة مفاهيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، مع الحفاظ في الوقت ذاته على الخصوصية التي تميز المجتمعات الخليجية والعربية بشكل عام.
* أخيراً يجب على الدول الخليجية التعامل بشفافية مع مسائل حقوق الإنسان، ومحاولة تحقيق التوازن الدقيق بين المبادئ العامة المتفق عليها بشأن حقوق الإنسان والتي لا يجوز التفريط فيها تحت أي ظرف، والحفاظ في الوقت ذاته على الخصوصية التي تميز هذه المجتمعات، والتي لا تتناقض بأي حال من الأحوال مع احترام تلك المبادئ العامة المتفق عليها والواردة في ميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهود والاتفاقيات الدولية الأخرى المتعلقة بحقوق الإنسان.
::/fulltext::
::cck::1153::/cck::
