أثر الأزمة المالية العالمية على الاقتصادات الخليجية
::cck::1050::/cck::
::introtext::
آفة الرأسمالية أنها جعلتنا نعيش لنأكل لا نأكل لنعيش، فحولت الاقتصاد من مجرد خادم لوجود الإنسان إلى مخدوم يأخذ الأغلبية الكاسحة من البشر إلى الجري وراء تعظيم الأرباح ومراكمة الوفورات المالية، والاستسلام للمقولات التي ترى أن (الموارد أقل من إشباع الحاجات) مع أن ما على الأرض من مقدرات يكفي ثلاثين مليار إنسان، كما تفيدنا بعض الدراسات الحديثة، لكن العيب في التظالم البشري والاحتكار وقعود كثيرين عن السعي الحثيث وراء الرزق.
::/introtext::
::fulltext::
آفة الرأسمالية أنها جعلتنا نعيش لنأكل لا نأكل لنعيش، فحولت الاقتصاد من مجرد خادم لوجود الإنسان إلى مخدوم يأخذ الأغلبية الكاسحة من البشر إلى الجري وراء تعظيم الأرباح ومراكمة الوفورات المالية، والاستسلام للمقولات التي ترى أن (الموارد أقل من إشباع الحاجات) مع أن ما على الأرض من مقدرات يكفي ثلاثين مليار إنسان، كما تفيدنا بعض الدراسات الحديثة، لكن العيب في التظالم البشري والاحتكار وقعود كثيرين عن السعي الحثيث وراء الرزق.
الأزمة المالية العالمية قد أثرت في دول الخليج في أكثر من زاوية
وهذا التصور الرأسمالي طغى بشكل واضح على المجتمعات الخليجية، التي راحت تستغل الوفورات المالية المترتبة على بيع النفط في إنشاء مجتمع استهلاكي. وظهرت طبقة من رجال الأعمال الخليجيين يؤمنون بأن الاقتصادي الناجح هو (ذلك الشخص الذي يعرف على وجه اليقين أنه ليست هناك وجبة غذاء مجانية)، كما يقول الاقتصادي الشهير ومؤسس النظرية النقدية ملتون فريدمان. واستسلم بعض هؤلاء، ومعهم مسؤولون اقتصاديون، لتصور زائف حول وجود (يد خفية) توفق العرض والطلب مع المصالح المتعارضة، وأنه لا داعي لتدخل الدولة من أجل مواجهة الأزمات الاقتصادية، ووقف الاختلالات الناجمة عن سوء فهم واستخدام الحريات الاقتصادية.
وفي الغالب الأعم، لم يلتفت صانعو القرار الاقتصادي في دول الخليج، شأنهم شأن الكثيرين في دول العالم الثالث، إلى ما يترتب على الولع بالاقتصاد الرمزي الذي يقوم على وفورات مالية يتضارب بها الناس في البورصات من دون أن تقابلها قواعد إنتاجية حقيقية. ولم يكن لديهم أي استعداد للتخلي عن الاعتقاد في أن الخصخصة المفتوحة على مصراعيها والدولة المنكمشة إلى أدنى حد هي طريق الخلاص لمجتمعاتنا من التخلف الاقتصادي.
وإذا كانت الرأسمالية قد تمكنت من تجديد نفسها، وتخطي العقبات التي تعترض طريقها بفضل اتكائها على الثورة العلمية والتقنية الرهيبة، فإنها اليوم تقف عند مفترق طرق، وتعيش أزمة كبيرة وليست مجرد وعكة طارئة، يمكن التعافي منها دون مراجعات عميقة لمقولات التصور والمسار الرأسمالي ومعادلاته، التي توهم أحد أبنائها المخلصين وهو فرانيسيس فوكوياما أنه يمثل (نهاية التاريخ)، فإن الاقتصاديات الخليجية لم تتمكن من الاحتفاظ بقوة كامنة تجعلها قادرة على التصحيح الذاتي والسريع لأي وعكة اقتصادية أو مالية يمكن أن تلم بها.
وفي ظني فإن المغالاة في التعويل على المسار الرأسمالي بصيغته الغربية، وطرحه باعتباره الطريق الأوحد للتقدم والخلاص، ساهم في حدة هذه الأزمة. وللأسف فإن أغلب صانعي القرار الاقتصادي بدول مجلس التعاون متماهين مع هذا الطرح، في ظل أوضاع سياسية واقتصادية عامة لم تلتفت كثيراً إلى أن الرأسمالية نفسها ظلت على مدار قرنين كاملين من الزمن يقظة إلى ضرورة تجنب كل ما يؤدي بها إلى طريق مسدودة، ومن ثم استفادت من عطاء الاشتراكية وأفكارها، فاهتمت بالجوانب الاجتماعية، وعنيت بتوفير حد الكفاية أو حتى الكفاف للأفراد، عبر دفع إعانة بطالة، والتوسع في برامج التأمين الاجتماعي، وفرض ضرائب تصاعدية، تأخذ من الثري الكثير ومن الفقير القليل، لمساعدة الدولة على توفير الخدمات التي يتمتع بها الجانبان على حد سواء، ومن دون تفرقة. وقد ازداد هذا التوجه مع عودة بعض الأحزاب اليسارية إلى الواجهة في أوروبا الغربية، وظهور (الطريق الثالث) الذي يبدو حاصل جمع الرأسمالية مع الاشتراكية وقسمتهما على اثنين.
كما استفادت الرأسمالية من عطاء العلم، وجنت حصاد إنفاقها الطائل على البحث، وتحويلها المعامل إلى مستودع سحري لسد أي عجز أمام طفرات التصنيع التي لا تهدأ، وبذلك تغلبت على تقلص قاعدتها الإنتاجية، وحرمانها من الخامات الطبيعية الرخيصة التي كانت بمتناول يدها في الماضي بفعل حركة الاستعمار الممتدة والمتوغلة. أما دول الخليج فإنها استسلمت، إلى حد كبير، لمسألة تحولها إلى مكان لإنتاج مادة خام وهي الطاقة، ولم تسر بخطوات كافية على درب تحويل نفسها إلى طاقة صناعية كبرى مستفيدة من الوفورات المالية النفطية.
لكنْ هناك سؤال يفرض نفسه في هذا المقام وهو: ما الآثار المباشرة للأزمة المالية العالمية على دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، بغض النظر عن أوجه القصور المتعلقة بالفلسفة الاقتصادية؟
للوهلة الأولى فإن الأزمة المالية العالمية كشفت الانقسامات بين دول مجلس التعاون الخليجي أكثر مما ساعدت على رأبها. ورغم أن هذه الدول قد سعت إلى التهوين من آثار الأزمة وتداعياتها، لا سيما على قطاعها النفطي، فإنها لم تنج منها، ولم تفلح في الوقت ذاته في التنسيق الجاد والصارم بينها لمواجهة تلك التداعيات. فمثلاً لم يتم إحراز أي تقدم يذكر في إقامة كتلة موحدة فعلاً. وكان رد فعل دول الخليج لعلاج آثار الأزمة بطيئاً بشكل لافت.
فدول الخليج لاتزال تكافح من أجل مواجهة التضخم وارتفاع الأسعار
وما يبرهن على ذلك بجلاء تلك التصريحات التي أطلقها محمد المزروعي الأمين العام المساعد للشؤون الاقتصادية بمجلس التعاون الخليجي قبل ساعات من أهم اجتماع لوزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية الخليجيين، انعقد بالرياض لمناقشة سبل التعامل مع الأزمة المالية. فالمزروعي قال: (لست على علم بأي مسودة لمقترحات المجلس بشأن التعامل مع الأزمة). وهذا يدل على أن دول الخليج لم تكن تملك خطة واضحة المعالم تنطوي على آليات تساعدها على تقليل الخسائر الناجمة عن هذه الأزمة، ولم تتعامل معها ككيان واحد متضامن في الضراء كما هو في السراء، ولدفع الغرم مثلما هو لجني الغنم. وما زاد الطين بلة نشوب خلاف على مكان إنشاء (البنك المركزي الخليجي) وعدم وجود أي بوادر أمل لإمكانية الوفاء بالموعد النهائي لتحقيق الوحدة النقدية الخليجية بحلول عام 2010، وهي مسألة يعترف بها صناع القرار الاقتصادي والسياسي الخليجي أنفسهم، فيما يشهد خبراء المال بأن الخطة النقدية الخليجية قد تفقد قوة دفعها تدريجياً.
فدول الخليج لاتزال تكافح من أجل مواجهة التضخم وارتفاع الأسعار، وتقريب معاييرها المالية والاقتصادية، كما أن أغلب هذه الدول تربط عملاتها بالدولار مما يضطرها لاتباع سياسات خفض الفائدة الأمريكية، حتى في أوقات ازدهار اقتصاداتها. وتأتي كل هذه التحديات والسلبيات وسط انقسامات على جدوى الاستمرار في مشروع الوحدة النقدية. فسلطنة عمان خرجت بالفعل من المشروع. وأثارت الكويت الشكوك بشأن المشروع عندما تخلت عن ربط عملتها بالدولار لمكافحة التضخم. ونشب خلاف بين المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات حول استضافة البنك المركزي الخليجي الموحد.
لكن قدرة دول الخليج على مواجهة آثار الأزمة المالية لم تتراخ بالكامل. فرغم التأثير السلبي في أسعار النفط، التي فقدت ما يزيد على ثلثي قيمتها المسجلة في يوليو من عام 2008، فإن دول مجلس التعاون قامت برفع استثماراتها في قطاعي النفط والغاز في الشهور الماضية بنسبة 9 في المائة لتصل إلى نحو 204 مليارات دولار، مقارنة بـ 188 ملياراً في يونيو من العام الماضي. كما ارتفع عدد المشاريع التي تطورها دول المنطقة في هذين القطاعين ليبلغ 265 مشروعاً في يناير الماضي في مقابل 239 مشروعاً في يونيو 2008، بزيادة 10.9 في المائة.
وفي هذا السياق، احتضنت إمارة دبي معرضاً متخصصاً في قطاعي النفط والغاز، ليشكل الرابط الاستراتيجي بين مختلف شركات النفط، وتمكين المستثمرين في هذا المجال من الاستفادة من الفرص التجارية ونسج علاقات شراكة جديدة، وبالتالي امتلاك القدرة على تخطي التحديات الراهنة. ورفعت الإمارات حجم نفقاتها على النفط والغاز في الشهور الماضية 30 في المائة، لتصل إلى 55 مليار دولار مقارنة بـ42 ملياراً.
كما زادت قطر حجم استثماراتها في هذا القطاع من 7 مليارات دولار إلى 10 مليارات. ورفعت الكويت، التي تعد أكثر الدول اعتماداً على المنتجات الهيدروكربونية في الخليج، موازنتها من 34 مليار دولار إلى 40 ملياراً. أما البحرين فراحت تركز على تنفيذ عمليات الحفر بهدف الوصول إلى خزانات النفط، في حين تسعى عُمان إلى توسيع إنتاج النفط الخام ليصل إلى 800 ألف برميل يومياً، مقارنة بـ750 ألفاً حالياً. كما كشفت السعودية، أكبر مُصدِّر للنفط الخام في العالم، عن استراتيجية لتجاوز 720 بليون برميل من مصادر النفط المكتشفة.

ومع أن الأزمة كانت لها تداعياتها الكبيرة على اقتصادات دول الخليج، إلا أنها كانت الأقل شعوراً بها بفضل السيولة المالية التي تتمتع بها.
ومن المتوقع أن تواجه دول مجلس التعاون عواصف مالية أكثر عنفاً إذا ظلت تفتقر لأسواق مال مشتركة وبنك مركزي واحد، لكنها إن أسرعت في خطوات التكامل المالي والاقتصادي فسيكون بوسعها أن تقلل من آثار الأزمة، وتضع أقدامها على أول طريق الخروج منها. وبالطبع فإن التكامل ليس هو السبيل الوحيد للمواجهة، لكنه على الأقل هو الأبرز والأوضح في الوقت الراهن في ظل غياب العوامل أو العناصر الأخرى، ومنها افتقاد المجلس لوجود (برلمان إقليمي) وغياب المحاسبة للنظم الاقتصادية والمالية الخليجية، وتراجع درجة التعاون السياسي، وعدم مواكبتها لبعض التقدم الذي حدث على الصعيد الاقتصادي، وسيطرة الهاجس الأمني، الذي كان الباعث الرئيس لقيام المجلس عام 1981، على ما عداه من عناصر أخرى للتقارب والتوحد.
على وجه العموم، فإن التقديرات بشأن تأثير الأزمة المالية العالمية في دول الخليج تتراوح ما بين تقديرات ترى أنها الأقل تضرراً منها، وفق تقرير صادر عن صندوق النقد الدولي في مايو الماضي، أو تقديرات أخرى تتوقع استمرار تأثيرها السلبي في اقتصاديات الخليج، مثل تقرير بنك الكويت الوطني الصادر في يونيو 2009، الذي توقع انكماش الناتج الإجمالي المحلي الخليجي بالأسعار الجارية في العام 2009 بواقع 20 في المائة، وذلك في أعقاب نموه في 2008، والمقدر بنحو 28 في المائة.
أما بالأسعار الثابتة، فيتوقع انكماش الناتج الإجمالي المحلي الخليجي هذا العام بواقع 26 في المائة، بعدما كان قد سجل نمواً في العام الماضي بواقع 7 في المائة. وفي الوقت الراهن يتعين تدعيم الإجراءات الخليجية الموحدة لمواجهة الأزمة مع الاستفادة من دروسها، لا سيما ما يتعلق بالتأثيرات السلبية لربط العملات الخليجية بالدولار الأمريكي، وضرورة تدعيم الاتجاه لتنويع مصادر الدخل.
خلاصة الأمر أن الأزمة المالية العالمية قد أثرت في دول الخليج في أكثر من زاوية، وهي مسألة تحتاج إلى خطة منظمة ومتكاملة لمواجهتها، وهذا لن يتحقق إلا إذا كان هناك اتفاق جماعي يتجاوز الخلافات الصغيرة، وينتصر لمصلحة المواطنين.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1050::/cck::
::introtext::
آفة الرأسمالية أنها جعلتنا نعيش لنأكل لا نأكل لنعيش، فحولت الاقتصاد من مجرد خادم لوجود الإنسان إلى مخدوم يأخذ الأغلبية الكاسحة من البشر إلى الجري وراء تعظيم الأرباح ومراكمة الوفورات المالية، والاستسلام للمقولات التي ترى أن (الموارد أقل من إشباع الحاجات) مع أن ما على الأرض من مقدرات يكفي ثلاثين مليار إنسان، كما تفيدنا بعض الدراسات الحديثة، لكن العيب في التظالم البشري والاحتكار وقعود كثيرين عن السعي الحثيث وراء الرزق.
::/introtext::
::fulltext::
آفة الرأسمالية أنها جعلتنا نعيش لنأكل لا نأكل لنعيش، فحولت الاقتصاد من مجرد خادم لوجود الإنسان إلى مخدوم يأخذ الأغلبية الكاسحة من البشر إلى الجري وراء تعظيم الأرباح ومراكمة الوفورات المالية، والاستسلام للمقولات التي ترى أن (الموارد أقل من إشباع الحاجات) مع أن ما على الأرض من مقدرات يكفي ثلاثين مليار إنسان، كما تفيدنا بعض الدراسات الحديثة، لكن العيب في التظالم البشري والاحتكار وقعود كثيرين عن السعي الحثيث وراء الرزق.
الأزمة المالية العالمية قد أثرت في دول الخليج في أكثر من زاوية
وهذا التصور الرأسمالي طغى بشكل واضح على المجتمعات الخليجية، التي راحت تستغل الوفورات المالية المترتبة على بيع النفط في إنشاء مجتمع استهلاكي. وظهرت طبقة من رجال الأعمال الخليجيين يؤمنون بأن الاقتصادي الناجح هو (ذلك الشخص الذي يعرف على وجه اليقين أنه ليست هناك وجبة غذاء مجانية)، كما يقول الاقتصادي الشهير ومؤسس النظرية النقدية ملتون فريدمان. واستسلم بعض هؤلاء، ومعهم مسؤولون اقتصاديون، لتصور زائف حول وجود (يد خفية) توفق العرض والطلب مع المصالح المتعارضة، وأنه لا داعي لتدخل الدولة من أجل مواجهة الأزمات الاقتصادية، ووقف الاختلالات الناجمة عن سوء فهم واستخدام الحريات الاقتصادية.
وفي الغالب الأعم، لم يلتفت صانعو القرار الاقتصادي في دول الخليج، شأنهم شأن الكثيرين في دول العالم الثالث، إلى ما يترتب على الولع بالاقتصاد الرمزي الذي يقوم على وفورات مالية يتضارب بها الناس في البورصات من دون أن تقابلها قواعد إنتاجية حقيقية. ولم يكن لديهم أي استعداد للتخلي عن الاعتقاد في أن الخصخصة المفتوحة على مصراعيها والدولة المنكمشة إلى أدنى حد هي طريق الخلاص لمجتمعاتنا من التخلف الاقتصادي.
وإذا كانت الرأسمالية قد تمكنت من تجديد نفسها، وتخطي العقبات التي تعترض طريقها بفضل اتكائها على الثورة العلمية والتقنية الرهيبة، فإنها اليوم تقف عند مفترق طرق، وتعيش أزمة كبيرة وليست مجرد وعكة طارئة، يمكن التعافي منها دون مراجعات عميقة لمقولات التصور والمسار الرأسمالي ومعادلاته، التي توهم أحد أبنائها المخلصين وهو فرانيسيس فوكوياما أنه يمثل (نهاية التاريخ)، فإن الاقتصاديات الخليجية لم تتمكن من الاحتفاظ بقوة كامنة تجعلها قادرة على التصحيح الذاتي والسريع لأي وعكة اقتصادية أو مالية يمكن أن تلم بها.
وفي ظني فإن المغالاة في التعويل على المسار الرأسمالي بصيغته الغربية، وطرحه باعتباره الطريق الأوحد للتقدم والخلاص، ساهم في حدة هذه الأزمة. وللأسف فإن أغلب صانعي القرار الاقتصادي بدول مجلس التعاون متماهين مع هذا الطرح، في ظل أوضاع سياسية واقتصادية عامة لم تلتفت كثيراً إلى أن الرأسمالية نفسها ظلت على مدار قرنين كاملين من الزمن يقظة إلى ضرورة تجنب كل ما يؤدي بها إلى طريق مسدودة، ومن ثم استفادت من عطاء الاشتراكية وأفكارها، فاهتمت بالجوانب الاجتماعية، وعنيت بتوفير حد الكفاية أو حتى الكفاف للأفراد، عبر دفع إعانة بطالة، والتوسع في برامج التأمين الاجتماعي، وفرض ضرائب تصاعدية، تأخذ من الثري الكثير ومن الفقير القليل، لمساعدة الدولة على توفير الخدمات التي يتمتع بها الجانبان على حد سواء، ومن دون تفرقة. وقد ازداد هذا التوجه مع عودة بعض الأحزاب اليسارية إلى الواجهة في أوروبا الغربية، وظهور (الطريق الثالث) الذي يبدو حاصل جمع الرأسمالية مع الاشتراكية وقسمتهما على اثنين.
كما استفادت الرأسمالية من عطاء العلم، وجنت حصاد إنفاقها الطائل على البحث، وتحويلها المعامل إلى مستودع سحري لسد أي عجز أمام طفرات التصنيع التي لا تهدأ، وبذلك تغلبت على تقلص قاعدتها الإنتاجية، وحرمانها من الخامات الطبيعية الرخيصة التي كانت بمتناول يدها في الماضي بفعل حركة الاستعمار الممتدة والمتوغلة. أما دول الخليج فإنها استسلمت، إلى حد كبير، لمسألة تحولها إلى مكان لإنتاج مادة خام وهي الطاقة، ولم تسر بخطوات كافية على درب تحويل نفسها إلى طاقة صناعية كبرى مستفيدة من الوفورات المالية النفطية.
لكنْ هناك سؤال يفرض نفسه في هذا المقام وهو: ما الآثار المباشرة للأزمة المالية العالمية على دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، بغض النظر عن أوجه القصور المتعلقة بالفلسفة الاقتصادية؟
للوهلة الأولى فإن الأزمة المالية العالمية كشفت الانقسامات بين دول مجلس التعاون الخليجي أكثر مما ساعدت على رأبها. ورغم أن هذه الدول قد سعت إلى التهوين من آثار الأزمة وتداعياتها، لا سيما على قطاعها النفطي، فإنها لم تنج منها، ولم تفلح في الوقت ذاته في التنسيق الجاد والصارم بينها لمواجهة تلك التداعيات. فمثلاً لم يتم إحراز أي تقدم يذكر في إقامة كتلة موحدة فعلاً. وكان رد فعل دول الخليج لعلاج آثار الأزمة بطيئاً بشكل لافت.
فدول الخليج لاتزال تكافح من أجل مواجهة التضخم وارتفاع الأسعار
وما يبرهن على ذلك بجلاء تلك التصريحات التي أطلقها محمد المزروعي الأمين العام المساعد للشؤون الاقتصادية بمجلس التعاون الخليجي قبل ساعات من أهم اجتماع لوزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية الخليجيين، انعقد بالرياض لمناقشة سبل التعامل مع الأزمة المالية. فالمزروعي قال: (لست على علم بأي مسودة لمقترحات المجلس بشأن التعامل مع الأزمة). وهذا يدل على أن دول الخليج لم تكن تملك خطة واضحة المعالم تنطوي على آليات تساعدها على تقليل الخسائر الناجمة عن هذه الأزمة، ولم تتعامل معها ككيان واحد متضامن في الضراء كما هو في السراء، ولدفع الغرم مثلما هو لجني الغنم. وما زاد الطين بلة نشوب خلاف على مكان إنشاء (البنك المركزي الخليجي) وعدم وجود أي بوادر أمل لإمكانية الوفاء بالموعد النهائي لتحقيق الوحدة النقدية الخليجية بحلول عام 2010، وهي مسألة يعترف بها صناع القرار الاقتصادي والسياسي الخليجي أنفسهم، فيما يشهد خبراء المال بأن الخطة النقدية الخليجية قد تفقد قوة دفعها تدريجياً.
فدول الخليج لاتزال تكافح من أجل مواجهة التضخم وارتفاع الأسعار، وتقريب معاييرها المالية والاقتصادية، كما أن أغلب هذه الدول تربط عملاتها بالدولار مما يضطرها لاتباع سياسات خفض الفائدة الأمريكية، حتى في أوقات ازدهار اقتصاداتها. وتأتي كل هذه التحديات والسلبيات وسط انقسامات على جدوى الاستمرار في مشروع الوحدة النقدية. فسلطنة عمان خرجت بالفعل من المشروع. وأثارت الكويت الشكوك بشأن المشروع عندما تخلت عن ربط عملتها بالدولار لمكافحة التضخم. ونشب خلاف بين المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات حول استضافة البنك المركزي الخليجي الموحد.
لكن قدرة دول الخليج على مواجهة آثار الأزمة المالية لم تتراخ بالكامل. فرغم التأثير السلبي في أسعار النفط، التي فقدت ما يزيد على ثلثي قيمتها المسجلة في يوليو من عام 2008، فإن دول مجلس التعاون قامت برفع استثماراتها في قطاعي النفط والغاز في الشهور الماضية بنسبة 9 في المائة لتصل إلى نحو 204 مليارات دولار، مقارنة بـ 188 ملياراً في يونيو من العام الماضي. كما ارتفع عدد المشاريع التي تطورها دول المنطقة في هذين القطاعين ليبلغ 265 مشروعاً في يناير الماضي في مقابل 239 مشروعاً في يونيو 2008، بزيادة 10.9 في المائة.
وفي هذا السياق، احتضنت إمارة دبي معرضاً متخصصاً في قطاعي النفط والغاز، ليشكل الرابط الاستراتيجي بين مختلف شركات النفط، وتمكين المستثمرين في هذا المجال من الاستفادة من الفرص التجارية ونسج علاقات شراكة جديدة، وبالتالي امتلاك القدرة على تخطي التحديات الراهنة. ورفعت الإمارات حجم نفقاتها على النفط والغاز في الشهور الماضية 30 في المائة، لتصل إلى 55 مليار دولار مقارنة بـ42 ملياراً.
كما زادت قطر حجم استثماراتها في هذا القطاع من 7 مليارات دولار إلى 10 مليارات. ورفعت الكويت، التي تعد أكثر الدول اعتماداً على المنتجات الهيدروكربونية في الخليج، موازنتها من 34 مليار دولار إلى 40 ملياراً. أما البحرين فراحت تركز على تنفيذ عمليات الحفر بهدف الوصول إلى خزانات النفط، في حين تسعى عُمان إلى توسيع إنتاج النفط الخام ليصل إلى 800 ألف برميل يومياً، مقارنة بـ750 ألفاً حالياً. كما كشفت السعودية، أكبر مُصدِّر للنفط الخام في العالم، عن استراتيجية لتجاوز 720 بليون برميل من مصادر النفط المكتشفة.

ومع أن الأزمة كانت لها تداعياتها الكبيرة على اقتصادات دول الخليج، إلا أنها كانت الأقل شعوراً بها بفضل السيولة المالية التي تتمتع بها.
ومن المتوقع أن تواجه دول مجلس التعاون عواصف مالية أكثر عنفاً إذا ظلت تفتقر لأسواق مال مشتركة وبنك مركزي واحد، لكنها إن أسرعت في خطوات التكامل المالي والاقتصادي فسيكون بوسعها أن تقلل من آثار الأزمة، وتضع أقدامها على أول طريق الخروج منها. وبالطبع فإن التكامل ليس هو السبيل الوحيد للمواجهة، لكنه على الأقل هو الأبرز والأوضح في الوقت الراهن في ظل غياب العوامل أو العناصر الأخرى، ومنها افتقاد المجلس لوجود (برلمان إقليمي) وغياب المحاسبة للنظم الاقتصادية والمالية الخليجية، وتراجع درجة التعاون السياسي، وعدم مواكبتها لبعض التقدم الذي حدث على الصعيد الاقتصادي، وسيطرة الهاجس الأمني، الذي كان الباعث الرئيس لقيام المجلس عام 1981، على ما عداه من عناصر أخرى للتقارب والتوحد.
على وجه العموم، فإن التقديرات بشأن تأثير الأزمة المالية العالمية في دول الخليج تتراوح ما بين تقديرات ترى أنها الأقل تضرراً منها، وفق تقرير صادر عن صندوق النقد الدولي في مايو الماضي، أو تقديرات أخرى تتوقع استمرار تأثيرها السلبي في اقتصاديات الخليج، مثل تقرير بنك الكويت الوطني الصادر في يونيو 2009، الذي توقع انكماش الناتج الإجمالي المحلي الخليجي بالأسعار الجارية في العام 2009 بواقع 20 في المائة، وذلك في أعقاب نموه في 2008، والمقدر بنحو 28 في المائة.
أما بالأسعار الثابتة، فيتوقع انكماش الناتج الإجمالي المحلي الخليجي هذا العام بواقع 26 في المائة، بعدما كان قد سجل نمواً في العام الماضي بواقع 7 في المائة. وفي الوقت الراهن يتعين تدعيم الإجراءات الخليجية الموحدة لمواجهة الأزمة مع الاستفادة من دروسها، لا سيما ما يتعلق بالتأثيرات السلبية لربط العملات الخليجية بالدولار الأمريكي، وضرورة تدعيم الاتجاه لتنويع مصادر الدخل.
خلاصة الأمر أن الأزمة المالية العالمية قد أثرت في دول الخليج في أكثر من زاوية، وهي مسألة تحتاج إلى خطة منظمة ومتكاملة لمواجهتها، وهذا لن يتحقق إلا إذا كان هناك اتفاق جماعي يتجاوز الخلافات الصغيرة، وينتصر لمصلحة المواطنين.
::/fulltext::
::cck::1050::/cck::
