إعادة النظر في الاستراتيجية الاستثماريّة الخليجية
::cck::1053::/cck::
::introtext::
أبرزت زيارة وزير المالية الأمريكي، تِم غيثنَر Tim Geithner، لجدّة وأبوظبي في الشهر الماضي مدى أهمية دول مجلس التعاون الخليجي بالنسبة للولايات المتّحدة. فلطالما تنافست هذه الدول الستّ مع الصين على تمويل العجز في الحساب الجاري الأمريكي.
::/introtext::
::fulltext::
أبرزت زيارة وزير المالية الأمريكي، تِم غيثنَر Tim Geithner، لجدّة وأبوظبي في الشهر الماضي مدى أهمية دول مجلس التعاون الخليجي بالنسبة للولايات المتّحدة. فلطالما تنافست هذه الدول الستّ مع الصين على تمويل العجز في الحساب الجاري الأمريكي.
لكنْ في العام الجاري طرأ تغييران أساسيان على هذا الوضع: أولاً: من المرجّح أن يتضاءل فائض دول المجلس، ما يعني أنّ قدرتها على الاستثمار في الخارج قد تتراجع بشكل كبير. ثانياً: من خلال طبع وإنفاق مبالغ طائلة، ظهر بنك الاحتياطي الفيدرالي كمستثمر رئيسي في سندات الخزينة الأمريكية إلى جانب مصدّري النفط والاقتصاديات الصناعية الآسيوية.
لكنّ هذه السياسة المالية التي يتّبعها بنك الاحتياطي الفيدرالي تثير قلق الدائنين الأمريكيين بشأن القيمة المستقبلية الحقيقية لأصولهم.
وفي ظل أسعار النفط الحالية، يبدو من المستبعد أنْ تستثمر دول المجلس مبالغ إضافية كبيرة في سندات الخزينة الأمريكية لأنها جميعاً ـ باستثناء الإمارات العربية المتحدة وقطر إن تأرجح متوسّط سعر برميل النفط حول الخمسين دولاراً في عام 2009 ـ سوف تسجّل عجزاً في ميزانياتها خلال العام الجاري. فقد سحبت مؤسسة النقد السعودي خمسين مليار دولار من أصولها الخارجيّة لتمكين الحكومة من تمويل رزمة تحفيز الاقتصاد الوطني.

لذا، لا يستطيع السّيد غيثنَر أن يتوقّع الحصول على مبالغ إضافية ضخمة من هذا المصدر خلال العام الجاري. بالمقابل، لا تزال دول المجلس في طليعة الدول التي تتمتع باحتياطيات هائلة من الدولار الأمريكي، ومن المهم عدم إقصاؤها من جانب الأمريكيين، لأن الدولار سيضعف بشكل ملحوظ إذا قرّرت دول المجلس بيع أيّ جزء من هذه الاحتياطيات. وإذا ارتفعت أسعار النفط خلال السنوات المقبلة كما تتوقع وكالة الطاقة الدولية، فإن الفائض سيتوافر وستعود دول المجلس إلى الاستثمار المكثّف في سندات الخزينة الأمريكية.
لقد أكّد السّيد غيثنَر للمستثمرين الخليجيين أنّ الولايات المتّحدة ملتزمة بالدولار القوي وأنّ الاقتصاد الأمريكي مفتوح أمام الاستثمارات الأجنبية المباشرة. كما ألمح إلى أنّ حالة شركة موانئ دبي العالمية لن تكرّر. أما مضيفوه، فقد أعربوا عن تمسّكهم باحتياطياتهم من الدولار الأمريكي.
لا تزال دول المجلس في طليعة الدول التي تتمتع باحتياطيات هائلة من الدولار الأمريكي
لكنْ هناك سبب قوي قد يُرغم دول المجلس على إعادة النظر في موقفها من الدولار الأمريكي. ذلك لأنّ سياسة (الدولار القوي) كانت ولا تزال مُجرّد خطاب إنشائي. إذ تعذّر على الخبراء تحديد ماهيّة هذه السياسة في ظلّ إحدى أكبر المديونيات في التاريخ.
في الوقت ذاته، يُفترض أنّ الديْن هو العلاج. لكنّ الضمانات التي قدّمها السّيد غيثنَر في جدة عندما قال (إنّنا ملتزمون بضمان تقليص عجزنا المالي عندما نتجاوز هذه الأزمة) هي أشبه بوعود معاقر الخمر بالتخلي عن إدمانه غداً.
هنا، يحضرني آدم سميثAdam Smith لأنه قال في إحدى المناسبات: (عندما تتراكم الديون الوطنية… إلى درجة معينة، فإنها ستؤدي إلى الإفلاس أو إلى تعويم العملة). لكنّ المبالغ الطائلة التي يطبعها ويضخّها بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي والعجز في الميزانية الأمريكية الذي يربو على 12 في المائة من إجمالي الناتج القومي يرجّحان الاحتمال الأخير. وبالفعل، بدأ الدائنون الأمريكيون يشعرون بالقلق من هذا الاحتمال.
هذا، ودعت الصين لإصدار عملة بديلة لدعم الاحتياطيات الدولية على غرار حقوق السحب الخاصة التي يُصدرها صندوق النقد الدولي، بينما اقترحت روسيا إضافة نسبة من الذهب إلى سلة العملات التي تُحدّد قيمة وحدة حقوق السحب الخاصّة.
وبالمقارنة مع الصين التي يشكّل الدولار زهاء 70 في المائة من إجمالي احتياطياتها النقدية، يمكن القول إنّ دول المجلس تتمتع بدرجة أكبر من التنويع النقدي بفضل استثمارات صناديقها السيادية للثروة، ولكنّها أيضاً أكثر تأثّراً بضعف الدولار الأمريكي.
ففي النهاية، يعتمد تراكم الدولارات في الصين على استراتيجية التنمية الاقتصادية القائمة على التصدير وخفض السعر المحلي لصرف الدولار دون قيمته الحقيقية. وفي حال تعويم الدولار الأمريكي، ستحتفظ الصين، على الأقل، بأصولها الإنتاجية الأساسية ـ المنشآت والتجهيزات الصناعية ـ التي طوّرتها بفضل استراتيجيتها الاقتصادية.
إنّ دول المجلس تتمتع بدرجة أكبر من التنويع النقدي بفضل استثمارات صناديقها السيادية للثروة
في المقابل، سيتبقى لدول المجلس أقل من الصين لأنها ستكون قد بدّلت النفط بأوراق نقدية فقدت معظم قيمتها. لذا، فإن المستثمرين الخليجيين أكثر اهتماماً بكثير من نظرائهم الآسيويين بالحفاظ على قيمة أموالهم وبتقليص المخاطر، التي قد تتعرّض لها عائداتهم.
بالتالي، يتعيّن على دول المجلس أنْ تُعيد النظر في تخصيصاتها الاستثمارية على أساس ثلاثة خطوط عريضة لأنّ أسواق العملات تمرّ بمرحلة تصحيحية طويلة الأمد.
أولاً: يتعيّن عليها أنْ تستحوذ على أصول حقيقية وأنْ تطوّر صناعات محليّة استراتيجية كما فعل الصينيون.
ثانياً: يتعيّن عليها أنْ تنوع سلات عملاتها بحذر وأنْ تعتمد الذهب كملاذ أخير بدلاً من الدولار.
ثالثاً: يتعيّن عليها أنْ تسعى لإصلاح النظام المالي العالمي وأنْ تُعزّز نفوذها داخل صندوق النقد الدولي بعد إصلاحه، في مقابل المبالغ الضخمة التي ستوفّرها له.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1053::/cck::
::introtext::
أبرزت زيارة وزير المالية الأمريكي، تِم غيثنَر Tim Geithner، لجدّة وأبوظبي في الشهر الماضي مدى أهمية دول مجلس التعاون الخليجي بالنسبة للولايات المتّحدة. فلطالما تنافست هذه الدول الستّ مع الصين على تمويل العجز في الحساب الجاري الأمريكي.
::/introtext::
::fulltext::
أبرزت زيارة وزير المالية الأمريكي، تِم غيثنَر Tim Geithner، لجدّة وأبوظبي في الشهر الماضي مدى أهمية دول مجلس التعاون الخليجي بالنسبة للولايات المتّحدة. فلطالما تنافست هذه الدول الستّ مع الصين على تمويل العجز في الحساب الجاري الأمريكي.
لكنْ في العام الجاري طرأ تغييران أساسيان على هذا الوضع: أولاً: من المرجّح أن يتضاءل فائض دول المجلس، ما يعني أنّ قدرتها على الاستثمار في الخارج قد تتراجع بشكل كبير. ثانياً: من خلال طبع وإنفاق مبالغ طائلة، ظهر بنك الاحتياطي الفيدرالي كمستثمر رئيسي في سندات الخزينة الأمريكية إلى جانب مصدّري النفط والاقتصاديات الصناعية الآسيوية.
لكنّ هذه السياسة المالية التي يتّبعها بنك الاحتياطي الفيدرالي تثير قلق الدائنين الأمريكيين بشأن القيمة المستقبلية الحقيقية لأصولهم.
وفي ظل أسعار النفط الحالية، يبدو من المستبعد أنْ تستثمر دول المجلس مبالغ إضافية كبيرة في سندات الخزينة الأمريكية لأنها جميعاً ـ باستثناء الإمارات العربية المتحدة وقطر إن تأرجح متوسّط سعر برميل النفط حول الخمسين دولاراً في عام 2009 ـ سوف تسجّل عجزاً في ميزانياتها خلال العام الجاري. فقد سحبت مؤسسة النقد السعودي خمسين مليار دولار من أصولها الخارجيّة لتمكين الحكومة من تمويل رزمة تحفيز الاقتصاد الوطني.

لذا، لا يستطيع السّيد غيثنَر أن يتوقّع الحصول على مبالغ إضافية ضخمة من هذا المصدر خلال العام الجاري. بالمقابل، لا تزال دول المجلس في طليعة الدول التي تتمتع باحتياطيات هائلة من الدولار الأمريكي، ومن المهم عدم إقصاؤها من جانب الأمريكيين، لأن الدولار سيضعف بشكل ملحوظ إذا قرّرت دول المجلس بيع أيّ جزء من هذه الاحتياطيات. وإذا ارتفعت أسعار النفط خلال السنوات المقبلة كما تتوقع وكالة الطاقة الدولية، فإن الفائض سيتوافر وستعود دول المجلس إلى الاستثمار المكثّف في سندات الخزينة الأمريكية.
لقد أكّد السّيد غيثنَر للمستثمرين الخليجيين أنّ الولايات المتّحدة ملتزمة بالدولار القوي وأنّ الاقتصاد الأمريكي مفتوح أمام الاستثمارات الأجنبية المباشرة. كما ألمح إلى أنّ حالة شركة موانئ دبي العالمية لن تكرّر. أما مضيفوه، فقد أعربوا عن تمسّكهم باحتياطياتهم من الدولار الأمريكي.
لا تزال دول المجلس في طليعة الدول التي تتمتع باحتياطيات هائلة من الدولار الأمريكي
لكنْ هناك سبب قوي قد يُرغم دول المجلس على إعادة النظر في موقفها من الدولار الأمريكي. ذلك لأنّ سياسة (الدولار القوي) كانت ولا تزال مُجرّد خطاب إنشائي. إذ تعذّر على الخبراء تحديد ماهيّة هذه السياسة في ظلّ إحدى أكبر المديونيات في التاريخ.
في الوقت ذاته، يُفترض أنّ الديْن هو العلاج. لكنّ الضمانات التي قدّمها السّيد غيثنَر في جدة عندما قال (إنّنا ملتزمون بضمان تقليص عجزنا المالي عندما نتجاوز هذه الأزمة) هي أشبه بوعود معاقر الخمر بالتخلي عن إدمانه غداً.
هنا، يحضرني آدم سميثAdam Smith لأنه قال في إحدى المناسبات: (عندما تتراكم الديون الوطنية… إلى درجة معينة، فإنها ستؤدي إلى الإفلاس أو إلى تعويم العملة). لكنّ المبالغ الطائلة التي يطبعها ويضخّها بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي والعجز في الميزانية الأمريكية الذي يربو على 12 في المائة من إجمالي الناتج القومي يرجّحان الاحتمال الأخير. وبالفعل، بدأ الدائنون الأمريكيون يشعرون بالقلق من هذا الاحتمال.
هذا، ودعت الصين لإصدار عملة بديلة لدعم الاحتياطيات الدولية على غرار حقوق السحب الخاصة التي يُصدرها صندوق النقد الدولي، بينما اقترحت روسيا إضافة نسبة من الذهب إلى سلة العملات التي تُحدّد قيمة وحدة حقوق السحب الخاصّة.
وبالمقارنة مع الصين التي يشكّل الدولار زهاء 70 في المائة من إجمالي احتياطياتها النقدية، يمكن القول إنّ دول المجلس تتمتع بدرجة أكبر من التنويع النقدي بفضل استثمارات صناديقها السيادية للثروة، ولكنّها أيضاً أكثر تأثّراً بضعف الدولار الأمريكي.
ففي النهاية، يعتمد تراكم الدولارات في الصين على استراتيجية التنمية الاقتصادية القائمة على التصدير وخفض السعر المحلي لصرف الدولار دون قيمته الحقيقية. وفي حال تعويم الدولار الأمريكي، ستحتفظ الصين، على الأقل، بأصولها الإنتاجية الأساسية ـ المنشآت والتجهيزات الصناعية ـ التي طوّرتها بفضل استراتيجيتها الاقتصادية.
إنّ دول المجلس تتمتع بدرجة أكبر من التنويع النقدي بفضل استثمارات صناديقها السيادية للثروة
في المقابل، سيتبقى لدول المجلس أقل من الصين لأنها ستكون قد بدّلت النفط بأوراق نقدية فقدت معظم قيمتها. لذا، فإن المستثمرين الخليجيين أكثر اهتماماً بكثير من نظرائهم الآسيويين بالحفاظ على قيمة أموالهم وبتقليص المخاطر، التي قد تتعرّض لها عائداتهم.
بالتالي، يتعيّن على دول المجلس أنْ تُعيد النظر في تخصيصاتها الاستثمارية على أساس ثلاثة خطوط عريضة لأنّ أسواق العملات تمرّ بمرحلة تصحيحية طويلة الأمد.
أولاً: يتعيّن عليها أنْ تستحوذ على أصول حقيقية وأنْ تطوّر صناعات محليّة استراتيجية كما فعل الصينيون.
ثانياً: يتعيّن عليها أنْ تنوع سلات عملاتها بحذر وأنْ تعتمد الذهب كملاذ أخير بدلاً من الدولار.
ثالثاً: يتعيّن عليها أنْ تسعى لإصلاح النظام المالي العالمي وأنْ تُعزّز نفوذها داخل صندوق النقد الدولي بعد إصلاحه، في مقابل المبالغ الضخمة التي ستوفّرها له.
::/fulltext::
::cck::1053::/cck::
