استراتيجية روس الدبلوماسية للتعامل مع إيران

::cck::1081::/cck::
::introtext::

ي 24/2/2009 تمّ تعيين الدبلوماسي دينيس روس مستشاراً خاصاً لوزيرة الخارجية هيلاري كلينتون ولوزارة الخارجية الأمريكية لشؤون منطقة الخليج بما في ذلك إيران وجنوب غرب آسيا. وعلى الرغم من أنّ كثيرين كانوا يرون أرجحيّة تعيينه مبعوثاً خاصاً أو فوق العادة لإيران، شأنه شأن ميتشيل أو هولبروك، إلاّ أنّ ذلك لم يحصل. لكنّ الأهم يبقى أنّه اختير في النهاية، علماً أن بيان تكليفه مستشاراً كان خجولاً وعمومياً، ولم يذكر حتى إيران بالاسم.

::/introtext::
::fulltext::

في 24/2/2009 تمّ تعيين الدبلوماسي دينيس روس مستشاراً خاصاً لوزيرة الخارجية هيلاري كلينتون ولوزارة الخارجية الأمريكية لشؤون منطقة الخليج بما في ذلك إيران وجنوب غرب آسيا. وعلى الرغم من أنّ كثيرين كانوا يرون أرجحيّة تعيينه مبعوثاً خاصاً أو فوق العادة لإيران، شأنه شأن ميتشيل أو هولبروك، إلاّ أنّ ذلك لم يحصل. لكنّ الأهم يبقى أنّه اختير في النهاية، علماً أن بيان تكليفه مستشاراً كان خجولاً وعمومياً، ولم يذكر حتى إيران بالاسم.

بعد أقل من 4 أشهر على التعيين، أعلن مسؤول في وزارة الخارجية الأمريكية في 17/6/2009 أنّ روس سيترك منصبه في وزارة الخارجية، وينتقل إلى البيت الأبيض للعمل على الملف الإيراني من هناك مباشرة، يأتي ذلك تزامناً مع الاضطرابات الكبيرة التي تشهدها إيران إثر إعادة انتخاب أحمدي نجاد رئيساً للبلاد، بدعم واضح من المرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية علي خامنئي.

وعلى الرغم من استبعاد البعض أن يكون هناك أي علاقة بين ما يجري في إيران حالياً وبين انتقال روس إلى البيت الأبيض، تبقى الحقيقة أنّ روس وانطلاقاً من خبرته الدبلوماسية والتفاوضية السابقة، وأيضاً من خبرته في وضع استراتيجيات بعيدة المدى للتعامل مع الدول التي تواجه الولايات المتّحدة مشاكل معها وفقاً لـ (دبلوماسية الخيارات المتعددة)، قد بدأ دراسة الخيارات الجدّية للتعامل مع إيران بحزم في المرحلة المقبلة ووضعها موضع التنفيذ.

يعتقد روس أنّ لإيران نقاط ضعف كثيرة لم يتم التركيز عليها وفي طليعتها الوضع النفطي للبلاد

وفي هذا الإطار، يبدو التعرّف إلى توجّهات روس ضرورية، خاصّة أنّه قام قبل أشهر عديدة بنشر دراسة له في مركز الأمن الأمريكي الجديد بعنوان (الاستراتيجيات الدبلوماسية للتعامل مع إيران)، وذلك ضمن تقرير (إيران: تقييم الخيارات الاستراتيجية الأمريكية)، إضافة إلى تقديمه شهادة رسمية أمام لجنة العلاقات الخارجية والأمن في الكونغرس الأمريكي، حملت عنوان (الخيارات والاستراتيجيات المتاحة للتعامل مع إيران)، وتتضمّن نظرة شاملة ومتعددة المسارات وتغطي جميع الجوانب المطلوبة في العلاقة مع إيران، وتتألف من 17 صفحة، وهو ما يعني إمكانية حقيقية في أن يتم وضع هذه الشهادة موضع التنفيذ بعد أن تسلّم موقعه الجديد. 

رؤية دينيس روس:

يرى روس أن السياسات المتّبعة لم تؤد إلى إيقاف البرنامج النووي الإيراني، كما لم تدفع الإيرانيين للتخلي عن هذه الفكرة، لأنهم لم يشعروا على الأقل بأن الثمن الذي سيدفعونه سيكون باهظاً، إضافة إلى السياسات الخاطئة للإدارة الأمريكية بقيادة بوش، والتي عززت هذا الاعتقاد لدى الإيرانيين. وعليه لا بد من اعتماد أسلوب جديد وخيارات جديدة، كما لا بد من استغلال نقاط الضعف الإيرانية، والانخراط في مفاوضات مع المرشد الأعلى وليس مع من لا يمتلكون القرار في إيران. 

نقاط الضعف الإيرانية:

ويعتقد روس أن لإيران نقاط ضعف كثيرة، لم يتم التركيز عليها وفي طليعتها الوضع النفطي للبلاد والاقتصاد الكليّ.

1ـ إذ إن الاستهلاك المحلي يتصاعد بشكل كبير جداً، مقابل انخفاض حاد في معدّلات إنتاج النفط سنوياً، بسبب انعدام القدرة الذاتية والاستثمارات اللازمة والتكنولوجيا الغربية والأمريكية تحديداً لرفع معدّلات الإنتاج. وإذا ما علمنا أن النفط يشكّل أكثر من 85 في المائة من مجموع الصادرات الإيرانية، وأنّ العائدات الناجمة عن تصديره تشكّل أكثر من نصف العوائد الحكومية، فهذا يعني أن النفط موازٍ في أهميته للنووي الإيراني، إن لم يكن أكثر منه، لأنه يؤثّر في بقاء النظام الحاكم هناك.

2ـ كما أنّ الوضع الاقتصادي متدهور، وليس هناك من عقود لتطوير صناعة النفط والغاز، وهناك حصار مالي فرضته عقوبات الأمم المتحدة، على الرغم من أن 10 في المائة تقريباً من التأثير هو نتيجة العقوبات المفروضة، أمّا باقي النسبة فهي بسبب الخوف من نفوذ الولايات المتّحدة، حيث تفضّل الشركات الكبرى الأوروبية والعالمية عدم الانخراط في علاقات اقتصادية مع إيران، وإن حصل ذلك فهو يتم بطريقة غير مباشرة وبأساليب ملتوية.

أمّا الخيارات الدبلوماسية المتاحة للتعامل مع إيران، وفقاً لشهادة روس المذكورة فهي تتجلى بـ 3 خيارات:                      

أ- خيار (شد الخناق):

ويتضمن متابعة مسار العقوبات الصادرة من مجلس الأمن، لتطال الاقتصاد الإيراني في الصميم، علماً أنّ هذه القرارات قد لا تكون مؤثرة في حد ذاتها، لكن التأثير يأتي عبر التزام الشركات والمؤسسات الغربية والعالمية بهذه القرارات، وبالتالي الامتناع عن التعامل مع إيران اقتصادياً، وهو ما سيضرّها كثيراً، لكن الأهم من كل ذلك أنّه وفي حال الاعتماد على هذا الخيار، يجب أن يتم إشراك السعوديين.

دور السعودية محوري في هذا الخيار، فالسعوديون لهم مصلحة أيضاً في عدم تحول إيران إلى قوّة نووية، كما هي الحال مع العديد من الدول التي سيكون عليها أن تحصل على السلاح النووي في حال فعلت إيران ذلك (مصر ـ تركيا وغيرهما من الدول). ويمكن إشراك السعودية في هذا الخيار، حيث تفضّل العمل بهدوء بعيداً عن الأضواء، ويمكن الاستفادة من قوّتها المالية، وتوظيفها في إطار شد الخناق على إيران. فالسعوديون يستطيعون أن يدفعوا الأوروبيين وحكوماتهم والبنوك والشركات النفطية الكبرى إلى الالتزام بمقاطعة إيران اقتصادياً، ومكافأتهم إذا ما التزموا بذلك عبر الاستثمارات والتجارة معهم.

إيران تريد الاعتراف الشرعي بها كقوة إقليمية وبأمنها الإقليمي ومصالحها الإقليمية

ومن الممكن أن يتم إقناع الصينيين والروس بطريقة مماثلة، خاصّة أن الصينيين يندفعون بعقلية تجارية بحتة، وهم إن كانوا مهتمين جداً بإيران ونفطها، حيث يبدو من الصعب دفع الصين باتجاه سلبي تجاه إيران لأن 13 في المائة من نفطها المستورد يأتي من إيران. لكن يجب على الجميع أن لا يخطئوا الاعتقاد في هذا المجال، فإذا ما تمّ تخيير الصينيين بين إيران والمملكة العربية السعودية، فإنها ستختار السعوديين بالتأكيد، مدفوعة بوضع السعودية النفطي والاستثمارات الضخمة بين الطرفين في مجالات البتروكيماويات والمشاريع المالية المشتركة، لا سيما في مجال بناء مصافٍ جديدة إضافة إلى الدور السعودي في تعبئة المخزون الاستراتيجي النفطي الصيني.

ومن الممكن للسعودية أن تلعب دوراً مناسباً أيضاً مع الإمارات، التي قد تخشى في حال عمدت إلى تقليل التبادل التجاري بينها وبين إيران من أن تقع تحت ضغط إيراني شديد من جراء ارتفاع حجم الصادرات إلى إيران ليصل إلى 12 مليار دولار عام 2006، لكن يمكن تأمين غطاء للإمارات عبر المجتمع الدولي، كأن تقرر الأمم المتحدة، على سبيل المثال، تشكيل فريق للتحقق والمراقبة مهمته مراقبة تطبيق القوانين الصادرة بحق إيران، على أن يكون مقره الإمارات بحيث يلعب دوراً في التحقق من أنّ إيران لا تستغل الإمارات، للالتفاف على العقوبات الصادرة بحقّها.

هذا الخيار الدبلوماسي برمته، يجب تطبيقه عبر مجلس الأمن وعبر قراراته، ولا شك أنّ استعمال الطرق الرسمية وغير الرسمية، وإشراك السعوديين وتطبيق هذه التكتيكات من الممكن لها أن تزيد الضغط المطلوب على إيران.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا، هل باستطاعة الضغط وحده حل الموضوع؟ المشكلة في خيار (شد الخناق) أنّ القيادة الإيرانية، قد تختار المواجهة حينها، على اعتبار أنّه ليس هناك من شيء تخسره بعد ذلك. والملاحظة الثانية على هذا الخيار، أنّ تطبيقه قد يحتاج إلى وقت طويل نسبياً، وقد لا يكون سريعاً بشكل يمنع الإيرانيين من التحول إلى قوّة نووية. 

ب – خيار (الانخراط من دون شروط):

ويأخذ هذا الخيار بعين الاعتبار وجهة النظر الإيرانية. فإيران ترى أنّها لم تحظ بأي وجه إيجابي من انخراطها وتعاونها من الأمريكيين، والذي تم بعد 11 سبتمبر في أفغانستان والعراق، وبدلاً من أن تكافأ تم تصنيفها في محور الشر، كذلك لم يتم الالتفات إليها عندما قدّمت العرض السري العام 2003، وتم رفض دعوات الحوار والتفاوض الذي كانت تلح عليه في ذلك الوقت. أمّا الآن فالأمر معكوس، وإذا ما أردنا أن يكون هناك مناخ إيجابي للحوار، فإنّ الإصرار على الشروط قد لا تؤمّن هذا المناخ المطلوب لمفاوضات تشمل عدداً من القضايا المتداخلة والمهمة للطرفين:

ـ إيران تريد الاعتراف الشرعي بها كقوة إقليمية، وبأمنها الإقليمي ومصالحها الإقليمية، وتريد التزاماً أمريكياً بقبول نظامها والتخلي عن خطط الإطاحة به، تريد استعادة أصولها المجمّدة في الولايات المتّحدة الأمريكية، وإنهاء الحصار الاقتصادي المفروض عليها والسماح بتطوير برنامج نووي سلمي.

ـ أمّا الولايات المتّحدة، فهي تريد من إيران أن تتوقف عن السعي للحصول على أسلحة نووية، وأن تتوقف أيضاً عن دعم الجماعات المسلّحة الإرهابية، والتوقف عن عرقلة عملية السلام العربية ـ الإسرائيلية.

وبالنسبة لأولئك النقّاد، الذين يؤيدون انخراط أمريكا في حوار مع إيران من دون شروط، فإن إمكانية حصول مقايضة أو صفقة، ليست بتلك الصعوبة، كما يتصورها البعض. ولكن يجادل هؤلاء أنّ كون إيران تمتلك العديد من الأوراق في محيطها الإقليمي، يجعلها تتفوق على جيرانها المباشرين، وتريد ممارسة الهيمنة عليهم، إضافة إلى توافر الأموال لديها لبرنامجها النووي، كل هذه المعطيات تجعلهم يتأخرون في الرد أو يترددون بشأن سياسة العصا والجزرة، التي يقدمها الأمريكيون. ولا يعني هذا الكلام بطبيعة الحال انّه لا يجب الانخراط مع إيران بمفاوضات من دون شروط، فمن فوائد الانخراط من غير شروط حفظ ماء الوجه للإيرانيين، فمن موقع خبرتي في المفاوضات في الشرق الأوسط كما يقول روس، عندما يكون أحد الأطراف في وضع قوي، فإنه يرفض إجراء تسويات، على اعتبار أنه ليس بحاجة لها، ومن سخرية الموقف، أنه عندما يكون كذلك في وضع ضعيف أو دفاعي، فهو يصر أيضاً على عدم إجراء تسويات، ويفضل الذهاب للنهاية على اعتبار أنه ليس لديه ما يخسره أكثر!!                       

ج – الخيار (الهجين أو المدمج):

وهو يعني الاشتراك في مفاوضات مع إيران من دون شروط، لكن مع ممارسة ضغط قوي وكبير. بمعنى أن تكون المفاوضات هذه مقرونة بضغوط قوية جداً، حتى لا تصل الرسالة مغلوطة إلى إيران، فتعتقد أنّ الانخراط معها في مفاوضات من غير شروط هو علامة ضعف أو خضوع لابتزازها.

ليس على إيران، على سبيل المثال، أن توقف تخصيب اليورانيوم أولاً. منطق هذا الخيار يقوم على تقديم بوابة لإيران للخروج منها، بشكل مشرّف، على اعتبار أنّ البرنامج النووي ستكون له تكاليف حقيقية موجعة لإيران، وبالتالي فالتسوية ستكون أفضل وتأتي بنتائج إيجابية. ويهدف هذا الخيار للوصول إلى عقول القادة الإيرانيين، وينهي الصورة القائمة بأن هناك ثمناً للحديث مع الولايات المتّحدة الأمريكية، من دون أن يتم اللجوء إلى إذلال الإيرانيين. ومن الممكن لأمريكا اللجوء إلى هذا الخيار بشكل غير مباشر، عبر إعلانها الانضمام إلى المفاوضات الأوروبية ـ الإيرانية، وبالتالي، وحتى لا يعتقد الإيرانيون أنهم حققوا نصراً، على الولايات المتّحدة أن تحصل على الثمن من الأوروبيين وليس الإيرانيين، بمعنى أن يلتزموا بتشديد العقوبات بشكل كبير وصارم على إيران، مالياً واقتصادياً وتكنولوجياً واستثمارياً، أو على الأقل فيما يخص قطاع الطاقة الإيراني، وعندها يتم الإعلان عن اشتراك أمريكا في المفاوضات بين أوروبا وإيران، لكن بعد أن يتم تبني العقوبات الجماعية من قبل الأوروبيين، وقد تتم مكافأة الروس والصينيين أيضاً على نهجهم.

 

::/fulltext::

araa85_69-ae8
Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1081::/cck::
::introtext::

ي 24/2/2009 تمّ تعيين الدبلوماسي دينيس روس مستشاراً خاصاً لوزيرة الخارجية هيلاري كلينتون ولوزارة الخارجية الأمريكية لشؤون منطقة الخليج بما في ذلك إيران وجنوب غرب آسيا. وعلى الرغم من أنّ كثيرين كانوا يرون أرجحيّة تعيينه مبعوثاً خاصاً أو فوق العادة لإيران، شأنه شأن ميتشيل أو هولبروك، إلاّ أنّ ذلك لم يحصل. لكنّ الأهم يبقى أنّه اختير في النهاية، علماً أن بيان تكليفه مستشاراً كان خجولاً وعمومياً، ولم يذكر حتى إيران بالاسم.

::/introtext::
::fulltext::

في 24/2/2009 تمّ تعيين الدبلوماسي دينيس روس مستشاراً خاصاً لوزيرة الخارجية هيلاري كلينتون ولوزارة الخارجية الأمريكية لشؤون منطقة الخليج بما في ذلك إيران وجنوب غرب آسيا. وعلى الرغم من أنّ كثيرين كانوا يرون أرجحيّة تعيينه مبعوثاً خاصاً أو فوق العادة لإيران، شأنه شأن ميتشيل أو هولبروك، إلاّ أنّ ذلك لم يحصل. لكنّ الأهم يبقى أنّه اختير في النهاية، علماً أن بيان تكليفه مستشاراً كان خجولاً وعمومياً، ولم يذكر حتى إيران بالاسم.

بعد أقل من 4 أشهر على التعيين، أعلن مسؤول في وزارة الخارجية الأمريكية في 17/6/2009 أنّ روس سيترك منصبه في وزارة الخارجية، وينتقل إلى البيت الأبيض للعمل على الملف الإيراني من هناك مباشرة، يأتي ذلك تزامناً مع الاضطرابات الكبيرة التي تشهدها إيران إثر إعادة انتخاب أحمدي نجاد رئيساً للبلاد، بدعم واضح من المرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية علي خامنئي.

وعلى الرغم من استبعاد البعض أن يكون هناك أي علاقة بين ما يجري في إيران حالياً وبين انتقال روس إلى البيت الأبيض، تبقى الحقيقة أنّ روس وانطلاقاً من خبرته الدبلوماسية والتفاوضية السابقة، وأيضاً من خبرته في وضع استراتيجيات بعيدة المدى للتعامل مع الدول التي تواجه الولايات المتّحدة مشاكل معها وفقاً لـ (دبلوماسية الخيارات المتعددة)، قد بدأ دراسة الخيارات الجدّية للتعامل مع إيران بحزم في المرحلة المقبلة ووضعها موضع التنفيذ.

يعتقد روس أنّ لإيران نقاط ضعف كثيرة لم يتم التركيز عليها وفي طليعتها الوضع النفطي للبلاد

وفي هذا الإطار، يبدو التعرّف إلى توجّهات روس ضرورية، خاصّة أنّه قام قبل أشهر عديدة بنشر دراسة له في مركز الأمن الأمريكي الجديد بعنوان (الاستراتيجيات الدبلوماسية للتعامل مع إيران)، وذلك ضمن تقرير (إيران: تقييم الخيارات الاستراتيجية الأمريكية)، إضافة إلى تقديمه شهادة رسمية أمام لجنة العلاقات الخارجية والأمن في الكونغرس الأمريكي، حملت عنوان (الخيارات والاستراتيجيات المتاحة للتعامل مع إيران)، وتتضمّن نظرة شاملة ومتعددة المسارات وتغطي جميع الجوانب المطلوبة في العلاقة مع إيران، وتتألف من 17 صفحة، وهو ما يعني إمكانية حقيقية في أن يتم وضع هذه الشهادة موضع التنفيذ بعد أن تسلّم موقعه الجديد. 

رؤية دينيس روس:

يرى روس أن السياسات المتّبعة لم تؤد إلى إيقاف البرنامج النووي الإيراني، كما لم تدفع الإيرانيين للتخلي عن هذه الفكرة، لأنهم لم يشعروا على الأقل بأن الثمن الذي سيدفعونه سيكون باهظاً، إضافة إلى السياسات الخاطئة للإدارة الأمريكية بقيادة بوش، والتي عززت هذا الاعتقاد لدى الإيرانيين. وعليه لا بد من اعتماد أسلوب جديد وخيارات جديدة، كما لا بد من استغلال نقاط الضعف الإيرانية، والانخراط في مفاوضات مع المرشد الأعلى وليس مع من لا يمتلكون القرار في إيران. 

نقاط الضعف الإيرانية:

ويعتقد روس أن لإيران نقاط ضعف كثيرة، لم يتم التركيز عليها وفي طليعتها الوضع النفطي للبلاد والاقتصاد الكليّ.

1ـ إذ إن الاستهلاك المحلي يتصاعد بشكل كبير جداً، مقابل انخفاض حاد في معدّلات إنتاج النفط سنوياً، بسبب انعدام القدرة الذاتية والاستثمارات اللازمة والتكنولوجيا الغربية والأمريكية تحديداً لرفع معدّلات الإنتاج. وإذا ما علمنا أن النفط يشكّل أكثر من 85 في المائة من مجموع الصادرات الإيرانية، وأنّ العائدات الناجمة عن تصديره تشكّل أكثر من نصف العوائد الحكومية، فهذا يعني أن النفط موازٍ في أهميته للنووي الإيراني، إن لم يكن أكثر منه، لأنه يؤثّر في بقاء النظام الحاكم هناك.

2ـ كما أنّ الوضع الاقتصادي متدهور، وليس هناك من عقود لتطوير صناعة النفط والغاز، وهناك حصار مالي فرضته عقوبات الأمم المتحدة، على الرغم من أن 10 في المائة تقريباً من التأثير هو نتيجة العقوبات المفروضة، أمّا باقي النسبة فهي بسبب الخوف من نفوذ الولايات المتّحدة، حيث تفضّل الشركات الكبرى الأوروبية والعالمية عدم الانخراط في علاقات اقتصادية مع إيران، وإن حصل ذلك فهو يتم بطريقة غير مباشرة وبأساليب ملتوية.

أمّا الخيارات الدبلوماسية المتاحة للتعامل مع إيران، وفقاً لشهادة روس المذكورة فهي تتجلى بـ 3 خيارات:                      

أ- خيار (شد الخناق):

ويتضمن متابعة مسار العقوبات الصادرة من مجلس الأمن، لتطال الاقتصاد الإيراني في الصميم، علماً أنّ هذه القرارات قد لا تكون مؤثرة في حد ذاتها، لكن التأثير يأتي عبر التزام الشركات والمؤسسات الغربية والعالمية بهذه القرارات، وبالتالي الامتناع عن التعامل مع إيران اقتصادياً، وهو ما سيضرّها كثيراً، لكن الأهم من كل ذلك أنّه وفي حال الاعتماد على هذا الخيار، يجب أن يتم إشراك السعوديين.

دور السعودية محوري في هذا الخيار، فالسعوديون لهم مصلحة أيضاً في عدم تحول إيران إلى قوّة نووية، كما هي الحال مع العديد من الدول التي سيكون عليها أن تحصل على السلاح النووي في حال فعلت إيران ذلك (مصر ـ تركيا وغيرهما من الدول). ويمكن إشراك السعودية في هذا الخيار، حيث تفضّل العمل بهدوء بعيداً عن الأضواء، ويمكن الاستفادة من قوّتها المالية، وتوظيفها في إطار شد الخناق على إيران. فالسعوديون يستطيعون أن يدفعوا الأوروبيين وحكوماتهم والبنوك والشركات النفطية الكبرى إلى الالتزام بمقاطعة إيران اقتصادياً، ومكافأتهم إذا ما التزموا بذلك عبر الاستثمارات والتجارة معهم.

إيران تريد الاعتراف الشرعي بها كقوة إقليمية وبأمنها الإقليمي ومصالحها الإقليمية

ومن الممكن أن يتم إقناع الصينيين والروس بطريقة مماثلة، خاصّة أن الصينيين يندفعون بعقلية تجارية بحتة، وهم إن كانوا مهتمين جداً بإيران ونفطها، حيث يبدو من الصعب دفع الصين باتجاه سلبي تجاه إيران لأن 13 في المائة من نفطها المستورد يأتي من إيران. لكن يجب على الجميع أن لا يخطئوا الاعتقاد في هذا المجال، فإذا ما تمّ تخيير الصينيين بين إيران والمملكة العربية السعودية، فإنها ستختار السعوديين بالتأكيد، مدفوعة بوضع السعودية النفطي والاستثمارات الضخمة بين الطرفين في مجالات البتروكيماويات والمشاريع المالية المشتركة، لا سيما في مجال بناء مصافٍ جديدة إضافة إلى الدور السعودي في تعبئة المخزون الاستراتيجي النفطي الصيني.

ومن الممكن للسعودية أن تلعب دوراً مناسباً أيضاً مع الإمارات، التي قد تخشى في حال عمدت إلى تقليل التبادل التجاري بينها وبين إيران من أن تقع تحت ضغط إيراني شديد من جراء ارتفاع حجم الصادرات إلى إيران ليصل إلى 12 مليار دولار عام 2006، لكن يمكن تأمين غطاء للإمارات عبر المجتمع الدولي، كأن تقرر الأمم المتحدة، على سبيل المثال، تشكيل فريق للتحقق والمراقبة مهمته مراقبة تطبيق القوانين الصادرة بحق إيران، على أن يكون مقره الإمارات بحيث يلعب دوراً في التحقق من أنّ إيران لا تستغل الإمارات، للالتفاف على العقوبات الصادرة بحقّها.

هذا الخيار الدبلوماسي برمته، يجب تطبيقه عبر مجلس الأمن وعبر قراراته، ولا شك أنّ استعمال الطرق الرسمية وغير الرسمية، وإشراك السعوديين وتطبيق هذه التكتيكات من الممكن لها أن تزيد الضغط المطلوب على إيران.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا، هل باستطاعة الضغط وحده حل الموضوع؟ المشكلة في خيار (شد الخناق) أنّ القيادة الإيرانية، قد تختار المواجهة حينها، على اعتبار أنّه ليس هناك من شيء تخسره بعد ذلك. والملاحظة الثانية على هذا الخيار، أنّ تطبيقه قد يحتاج إلى وقت طويل نسبياً، وقد لا يكون سريعاً بشكل يمنع الإيرانيين من التحول إلى قوّة نووية. 

ب – خيار (الانخراط من دون شروط):

ويأخذ هذا الخيار بعين الاعتبار وجهة النظر الإيرانية. فإيران ترى أنّها لم تحظ بأي وجه إيجابي من انخراطها وتعاونها من الأمريكيين، والذي تم بعد 11 سبتمبر في أفغانستان والعراق، وبدلاً من أن تكافأ تم تصنيفها في محور الشر، كذلك لم يتم الالتفات إليها عندما قدّمت العرض السري العام 2003، وتم رفض دعوات الحوار والتفاوض الذي كانت تلح عليه في ذلك الوقت. أمّا الآن فالأمر معكوس، وإذا ما أردنا أن يكون هناك مناخ إيجابي للحوار، فإنّ الإصرار على الشروط قد لا تؤمّن هذا المناخ المطلوب لمفاوضات تشمل عدداً من القضايا المتداخلة والمهمة للطرفين:

ـ إيران تريد الاعتراف الشرعي بها كقوة إقليمية، وبأمنها الإقليمي ومصالحها الإقليمية، وتريد التزاماً أمريكياً بقبول نظامها والتخلي عن خطط الإطاحة به، تريد استعادة أصولها المجمّدة في الولايات المتّحدة الأمريكية، وإنهاء الحصار الاقتصادي المفروض عليها والسماح بتطوير برنامج نووي سلمي.

ـ أمّا الولايات المتّحدة، فهي تريد من إيران أن تتوقف عن السعي للحصول على أسلحة نووية، وأن تتوقف أيضاً عن دعم الجماعات المسلّحة الإرهابية، والتوقف عن عرقلة عملية السلام العربية ـ الإسرائيلية.

وبالنسبة لأولئك النقّاد، الذين يؤيدون انخراط أمريكا في حوار مع إيران من دون شروط، فإن إمكانية حصول مقايضة أو صفقة، ليست بتلك الصعوبة، كما يتصورها البعض. ولكن يجادل هؤلاء أنّ كون إيران تمتلك العديد من الأوراق في محيطها الإقليمي، يجعلها تتفوق على جيرانها المباشرين، وتريد ممارسة الهيمنة عليهم، إضافة إلى توافر الأموال لديها لبرنامجها النووي، كل هذه المعطيات تجعلهم يتأخرون في الرد أو يترددون بشأن سياسة العصا والجزرة، التي يقدمها الأمريكيون. ولا يعني هذا الكلام بطبيعة الحال انّه لا يجب الانخراط مع إيران بمفاوضات من دون شروط، فمن فوائد الانخراط من غير شروط حفظ ماء الوجه للإيرانيين، فمن موقع خبرتي في المفاوضات في الشرق الأوسط كما يقول روس، عندما يكون أحد الأطراف في وضع قوي، فإنه يرفض إجراء تسويات، على اعتبار أنه ليس بحاجة لها، ومن سخرية الموقف، أنه عندما يكون كذلك في وضع ضعيف أو دفاعي، فهو يصر أيضاً على عدم إجراء تسويات، ويفضل الذهاب للنهاية على اعتبار أنه ليس لديه ما يخسره أكثر!!                       

ج – الخيار (الهجين أو المدمج):

وهو يعني الاشتراك في مفاوضات مع إيران من دون شروط، لكن مع ممارسة ضغط قوي وكبير. بمعنى أن تكون المفاوضات هذه مقرونة بضغوط قوية جداً، حتى لا تصل الرسالة مغلوطة إلى إيران، فتعتقد أنّ الانخراط معها في مفاوضات من غير شروط هو علامة ضعف أو خضوع لابتزازها.

ليس على إيران، على سبيل المثال، أن توقف تخصيب اليورانيوم أولاً. منطق هذا الخيار يقوم على تقديم بوابة لإيران للخروج منها، بشكل مشرّف، على اعتبار أنّ البرنامج النووي ستكون له تكاليف حقيقية موجعة لإيران، وبالتالي فالتسوية ستكون أفضل وتأتي بنتائج إيجابية. ويهدف هذا الخيار للوصول إلى عقول القادة الإيرانيين، وينهي الصورة القائمة بأن هناك ثمناً للحديث مع الولايات المتّحدة الأمريكية، من دون أن يتم اللجوء إلى إذلال الإيرانيين. ومن الممكن لأمريكا اللجوء إلى هذا الخيار بشكل غير مباشر، عبر إعلانها الانضمام إلى المفاوضات الأوروبية ـ الإيرانية، وبالتالي، وحتى لا يعتقد الإيرانيون أنهم حققوا نصراً، على الولايات المتّحدة أن تحصل على الثمن من الأوروبيين وليس الإيرانيين، بمعنى أن يلتزموا بتشديد العقوبات بشكل كبير وصارم على إيران، مالياً واقتصادياً وتكنولوجياً واستثمارياً، أو على الأقل فيما يخص قطاع الطاقة الإيراني، وعندها يتم الإعلان عن اشتراك أمريكا في المفاوضات بين أوروبا وإيران، لكن بعد أن يتم تبني العقوبات الجماعية من قبل الأوروبيين، وقد تتم مكافأة الروس والصينيين أيضاً على نهجهم.

 

::/fulltext::
::cck::1081::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *