التكامل الاقتصادي الخليجي بين إنجازات الحاضر وطموحات المستقبل
::cck::1079::/cck::
::introtext::
أنتجت الدول النامية 41 في المائة من إجمالي الناتج العالمي عام 2008، صعوداً من 36 في المائة عام 2000، ونحن نعيش في عالم شديد الترابط بين أسواق السلع والخدمات والأموال والعمل والأفكار، وعندما نقيس الاقتصادات على نطاق عالمي للمقارنة فإن تنامي نفوذ البلدان النامية بدأ يبرز بقوة.
::/introtext::
::fulltext::
أنتجت الدول النامية 41 في المائة من إجمالي الناتج العالمي عام 2008، صعوداً من 36 في المائة عام 2000، ونحن نعيش في عالم شديد الترابط بين أسواق السلع والخدمات والأموال والعمل والأفكار، وعندما نقيس الاقتصادات على نطاق عالمي للمقارنة فإن تنامي نفوذ البلدان النامية بدأ يبرز بقوة.
وبالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بحسب تقرير صادر عن البنك الدولي أوضح أن حصتها من إجمالي الناتج الاقتصادي العالمي بقيت على حالها منذ عام 1995 عند 3 في المائة مع نهاية عام 2006، كما بلغ نصيب الشرق الأوسط من إجمالي الصادرات العالمية نحو 2 في المائة أو حوالي 281 مليار دولار من أصل أكثر من 12 تريليون دولار من البضائع تم تصديرها عام 2006 والسعودية بمفردها شكلت النسبة العظمى من قيمة الصادرات بلغت حصتها حوالي 209 مليارات دولار.
ولم تستثمر منطقة الخليج الصدمات النفطية وتوظفها التوظيف الأمثل، فقد مرت صدمة نفطية في السبعينات وصدمة نفطية أخرى عام 2008، وقدرت دراسة اقتصادية نشرتها مؤسسة (مورغان ستانلي) أن قيمة احتياطي دول التعاون الخليجي من النفط بـ 65 تريليون دولار (في دراسة أخرى تقدر القيمة بأكثر من ذلك تصل إلى 800 تريليون دولار تعادل 60 مرة قيمة التجارة العالمية السنوية في كافة السلع والخدمات)، ومعظمها في نظر الدراسة مرشحة لأن تتحول إلى أرصدة مالية، وتعتبر الدراسة أن ظاهرة تحول الثروات من الغرب والشرق الأقصى إلى الدول المصدرة للنفط، ليست عرضية، بل تفرز تبعات جغرافية ـ سياسية واقتصادية ـ مالية، أبرزها نمو اقتصادي مرتفع في دول مجلس التعاون الخليجي، وهذا التقرير صدر إبان الصدمة النفطية منتصف عام 2008.
ومنذ عام 1981 في نوفمبر، وقعت دول مجلس التعاون على الاتفاقية الاقتصادية الموحدة، ولا يمكن تجاهل ما تحقق في شأن منطقة التجارة الحرة عام 1983، ولا في شأن الاتحاد الجمركي عام 2003، وهي مراحل أدت بدورها إلى إعلان قيام السوق المشتركة بداية عام 2008 وتنتظر دول الخليج تنفيذ اتفاقية الوحدة الخليجية الموحدة عام 2010 رغم تخلف دولتين عن تلك الاتفاقية.
والحق أن تقييم تجربة المجلس خلال الأعوام التي تقترب من العقود الثلاثة تتطلب تأملاً وإحاطة ووقتاً، لأن الأمنيات وجلد الذات لا يكفيان، ولكن المجلس تعرض حقيقة إلى تحديات وهزات كل منها كانت كفيلة بالقضاء عليه، خاصة وأن المجلس تعرض لاختبار عنيف خلال الحرب العراقية ـ الإيرانية، وامتد شررها إلى مياه الخليج، كما عاصر المجلس كارثة غزو صدام للكويت، وكارثة غزو أمريكا للعراق، ورغم كل هذه التطورات الصارمة في قلب الخليج، تمكن المجلس من البقاء بل تمكن من تحقيق التوازن والثبات.
ويمثل الخليج أهمية استراتيجية في الموقع والثروات، ويمكن أن يكون قوة إذا استمر وتحول من مرحلة التعاون إلى مرحلة الاندماج والتكتل، لأن إشكالية الأمن في المنطقة ستلازم المجلس عقوداً قادمة.
وبعكس التجارب العربية الأخرى، فالتشابه الواضح بين دول المجلس في المجال السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ومواجهة تحديات مشتركة، أسهمت جميعها في إنجاح وبقاء هذه التجربة وعلى رأسها حكمة حكامها، وتحاول دول الخليج التركيز على البعد الاقتصادي، كي تكمل مسيرة التكامل بين دول المجلس.
ورغم ذلك هناك مطالب شعبية ونخبوية ورسمية لتحقيق المزيد من الإنجازات وأي عمل جماعي يتطلب الصبر للوصول إلى القرارات، لأنه سيصادف تسويفاً من قبل بعض الجهات لتنفيذ ما تم الاتفاق عليه، ولكن إذا ما خضعت الاتفاقات للمراجعة من وقت لآخر لتقييم المسيرة، فإن التجربة ستتعزز وستتجه نحو النجاح.
ومن يتتبع المسار التاريخي للاتحاد الأوروبي، فإنه يجد أنه ظل يراوح ثلاثين عاماً، إلى أن اتخذ القرار الشجاع بتغيير طريقة التصويت عام 1986.
أما اتحاد جنوب شرق آسيا (الآسيان) البالغ عمره 40 عاماً، فهو الآخر يحاول الآن التوصل إلى سوق مشتركة على شاكلة الاتحاد الأوروبي بحلول عام ،2015 ورغم أن الاتحاد الآسيوي لا يصغر نظيره الاتحاد الأوروبي، (اتفاق روما عام 1957)، إلا بعقد واحد، فإنه لايزال يصارع الوضع معظم الهيكل التنظيمي الذي منح الاتحاد الأوروبي تماسكه وقوته.
ويمتلك الآسيان قوة سكانية تقدر بنحو 560 مليون نسمة وهذا يزيد على عدد سكان الاتحاد الأوروبي، وحجم اقتصاده نحو أكثر من تريليون دولار، يشبه حجم اقتصاد دول مجلس التعاون الخليجي، لكنه يفقد مكانه لمصلحة كل من الصين والهند، اللتين تفضلان كوجهتين للمستثمرين الأجانب في آسيا بسبب الإصلاحات الاقتصادية وكبر حجم سوقيهما المحليين (حجم الناتج المحلي للاقتصاد الصيني عام 2008 نحو 6.99 تريليون دولار والناتج الإجمالي الهندي نحو 2.98 تريليون دولار).
وشكلت التجارة الداخلية بين الآسيان 22 في المائة من مجمل تجارتها منذ عام 1990، وذلك على النقيض من الاتحاد الأوروبي، التي تزيد تجارته البينية على 40 في المائة نزولاً من 70 في المائة لمصلحة التجارة العالمية، بينما التجارة البينية في دول مجلس التعاون الخليجي منخفضة جداً، تصل إلى 5 في المائة بالنسبة إلى إجمالي الصادرات و16.8 في المائة بالنسبة إلى إجمالي الواردات، بما فيها إعادة التصدير، وإن ارتفعت القيمة بعد قيام الاتحاد الجمركي في بداية عام 2003 فارتفع حجم التجارة البينية من ستة مليارات دولار عام 1983 إلى 33 مليار دولار عام 2006، أي أن حجم التجارة البينية الخليجية مازالت متواضعة، وفي حدود 7 في المائة من إجمالي تجارتها الخارجية، لأن اقتصاداتها متشابهة، ويشكل قطاع النفط العمود الفقري لمعظم اقتصاداتها، بإسهامه بنحو نصف إجمالي الناتج المحلي، و75 في المائة من إجمالي الصادرات السلعية، و85 في المائة من إجمالي الإيرادات الحكومية، أي أن الناتج المحلي الإجمالي لدول المجلس يتأثر ويتحرك مع التغيرات في أسعار النفط، الذي يحاول أعضاء المجلس تنويع قاعدته الاقتصادية على المدى الطويل، لأن دول المجلس تمكنت خلال السبعينات من تحقيق فوائض بسبب الطفرة النفطية الأولى خلال الفترة 1973 ـ 1979، ومنذ منتصف الثمانينات إلى نهاية التسعينات، سجلت دول المجلس عجزاً في ميزانياتها بسبب أسعار النفط المتدنية، واستمرار الإنفاق على البنية التحتية والبرامج الاجتماعية التي بدأتها الحكومات عندما كانت أسعار النفط عالية، أما خلال السنوات الثلاث الماضية فقد حققت دول المجلس فوائض مالية كبيرة يمكنها أن تستثمرها في الوقت الحاضر.
ومازالت جهود تنويع الهيكل الاقتصادي الخليجي محدودة النتائج، بسبب تزايد عولمتها على حساب أقلمتها، ولذا يصعب تطبيق مفهوم التكامل الوظيفي بمداه الكامل عليها، ومن المعروف أن التباين والفروق والمزايا النسبية في عوامل الإنتاج، هي التي تفتح الباب أمام آفاق التكامل وتنشيط التبادل التجاري، ومن هنا تأتي أهمية التركيز على مداخل المشروعات الخليجية المشتركة، والتي ما زالت محدودة العدد وهي السبب الذي لم ينقلنا من مرحلة (التكامل/ الحاجة) إلى مرحلة (التكامل/ الضرورة) لأن اقتصادات دول الخليج مازالت أجزاء من اقتصاد واحد تتشابه فيه عناصر الوفرة وعناصر الندرة.
وفي كتاب عولمة الأقاليم نحو شراكة استراتيجية رابحة، للدكتور جيفري فرانكل أستاذ الاقتصاد بجامعة كاليفورنيا ذكر (أن العالم قبل نصف قرن بدأ معالجة نوايا أشرار البشر، ودحر أهدافهم الدامية ومغامراتهم التي قادت إلى الاقتتال والعدوان من أجل توفير فرص التعايش بين الشعوب بسلام من خلال تكوين التكتلات الاقتصادية والتحالفات التجارية).
وأن المستقبل ستهيمن عليه التكتلات التجارية والاتفاقيات الثنائية، وتلك الاتفاقيات غالباً ما تنجم بين الأطراف الأقوى، خصوصاً إذا ما تعرقل تحرير التجارة العالمية بعد انهيار مفاوضات الدوحة، التي زادتها الأزمة المالية العالمية عرقلة، نتيجة لجوء بعض الدول نحو الحمائية لحماية اقتصاداتها المنهارة.
والمنطقة فيها أكبر ثلاثة اقتصادات، تركيا والسعودية وإيران (الناتج الإجمالي المحلي لتركيا عام 2008 نحو 887.96 مليار دولار، السعودية نحو 564.56 مليار دولار، إيران 250 مليار دولار لعام 2007)، وتمتلك دول الخليج وإيران نحو 64 في المائة من احتياطيات النفط العالمية، وأكثر من 40 في المائة من احتياطيات الغاز العالمية، ولكن تحاول إيران بقوة وتطرف باسم مواجهة التدخلات الغربية لملء الفراغ، وطرح نفسها كقوة رادعة للولايات المتحدة ولإسرائيل، لكن سلوك إيران المتطرف من أجل تحقيق مصالحها وتوسيع نفوذها على حساب دول المنطقة سوف يضعف الموقف الخليجي والعربي، ويزيد من الهيمنة الغربية، ويمنح إسرائيل مبرراً لزعزعة الأمن في منطقة الخليج من خلال إصرارها على منع إيران من امتلاك السلاح النووي، فأصبح التنافس الغربي ـ الإيراني في منطقة الخليج له تأثيرات سلبية في أمن المنطقة، وتعميق الصراع بين الدول العربية وإحراز صراع صامت وعلني بين النخب في هذه الدول، مما ساعد في تعميق التناقضات العربية، وولد حالة من التخبط والانقسام العربي في مواجهة المنافسين، وأفقدهم القدرة على حماية مصالحهم، وإن كانت السعودية قادت مصالحة عربية في قمة الكويت ضيقت شقة الخلاف في الصف العربي.
المنطقة مرت بثلاث حروب إقليمية مدمرة ابتلعت جزءاً حيوياً من مواردها
ولكن ستستمر معضلة الأمن الإقليمي الخليجي معضلة مزمنة بعيدة الحل، وترتبط أساساً باختلال التوازن بين ضفتي الخليج، ولم تستطع المنطقة حتى الآن التوصل إلى معادلة أو صيغة إقليمية متفق عليها بين دول المنطقة تتيح استحداث إطار إقليمي تعاوني يمكن معه الانتقال التدريجي من مفهوم توازن القوى العسكري في الأمن المطلق، إلى مفهوم توازن أمن المصالح والأمن النسبي الذي يوفر أمناً متكافئاً لجميع الأطراف، تستوعب أطماع الهيمنة والطموحات الإقليمية والعالمية التي تعزز الصراع وتبعد المنطقة عن التعايش السلمي.
فمستقبل دول مجلس التعاون الخليجي مرهون بالمزاوجة بين الأهداف السياسية/ الأمنية/ الاقتصادية، في إطار سياق منطقي متوازن، يدعم مسار التكامل الاقتصادي الخليجي والإقليمي ويحل محل رواج تجارة التهديدات والمخاطر، لأن المنطقة مرت بثلاث حروب إقليمية مدمرة ابتلعت جزءاً حيوياً من مواردها، وأثرت في خطط تكاملها ونموها.
ستستمر معضلة الأمن الإقليمي الخليجي معضلة مزمنة بعيدة الحل
فلا بد من تطوير المفهوم الرئيسي الحالي، الذي قام عليه هذا المجلس بشكل جوهري، لأن زيادة المصالح المتبادلة داخل منطقة التكامل يزيد من الثقل الإقليمي، وإحراز نقاط إيجابية في سجل أدائه تدفع أعضاءه للتمسك به، والاتجاه نحو الانطلاق لمرحلة أكثر تطوراً. ودول مجلس التعاون هي الأكثر تأثراً بحكم القرب الجغرافي، مما يفرض عليها العمل ضمن بيئة إقليمية مع الدول المطلة على الخليج العربي، بما فيها اليمن في داخل شبه الجزيرة العربية، والسعي الحثيث نحو خلق فرص التفاهم والتعاون القائم على تبادل المنافع وتقاسم المصالح دون استئثار طرف دون أطراف أخرى، كي تتجه المنطقة نحو مساحات للالتقاء بين دول الجوار (دول مجلس التعاون والعراق وإيران واليمن بالإضافة إلى تركيا) لتحجيم التدخلات الخارجية.

فالتكامل لا يمكن أن يتحقق بشكل جيد لدول مجلس التعاون الخليجي، لأن التكامل يتطلب بعداً جغرافياً، وتبايناً في عوامل الإنتاج، فإذا ما تمكنت دول مجلس التعاون من التفاهم والتقارب مع كل من العراق بعد استقراره وتركيا واليمن وإيران بعد اقتناعها بمبدأ التعاون والتكامل، يمكن أن توفر مدخلات متباينة، تعمل على تنويع اقتصاداتها وتتجه نحو التكامل وتبني قوة اقتصادية متينة، يقابلها اقتصاد قوي ومرن ومنيع، يتمتع بقوة تصديرية قادرة على امتصاص النفقات والصمود أمام التحديات الداخلية والخارجية.
وعلى دول المنطقة أن تنتقل إلى مراحل وآفاق أوسع وأرحب، وتنتقل من مرحلة شبه كونفيدرالية إلى مرحلة إعادة وتوزيع الصلاحيات والسلطات بين أجهزة المجلس، واتخاذ القرارات بالأغلبية لتحقيق مزيد من الإنجازات والمناعة السياسية والاقتصادية والأمنية.
فالمشاريع الخليجية والإقليمية المشتركة تحتمها المنافسة العالمية والتطور التقني وكبر حجم المشاريع وتشابهها، والتي تنعكس آثارها في زمن الأزمات الاقتصادية، وينتج عنها منافسة ضارة بين دول المنطقة.
ومن الضروري أن تنسحب المشاريع المشتركة إلى قطاعات الصناعات التحويلية والخدمات كي تمكنها من اختراق الأسواق العالمية، باستخدام خبرات تسويق الشركاء الأجانب، لأن المشاريع الخليجية المشتركة اقتصرت في الماضي على شراكات بين شركات عالمية وشركات خليجية في صناعة التكرير والبتروكيماويات، ولم تشهد المنطقة مشاريع مشتركة بين أطراف خليجية مع بعض الاستثناءات في قطاع البتروكيماويات تحديداً، والتي توقفت منذ عقود في محطة خليجية واحدة في البحرين فقط، كما أن الحكومات تحتكر حق الاستثمار في قطاع البتروكيماويات الأساسية، باستثناء السعودية التي تعد الوحيدة من بين دول المجلس التي فتحت المجال في عام 1995 أمام القطاع الخاص لتطوير مشاريع بتروكيماويات مملوكة بالكامل له.
وحتى المشاريع الخليجية المشتركة رغم محدوديتها لم تقم بناء على قرارات استراتيجية ومتفق عليها إقليمياً، والمطلوب تسريع خطوات التكامل الاقتصادي الخليجي والإقليمي، وأن تكون نابعة من استراتيجية موحدة لتسريع أطر التكامل الاقتصادي الخليجي والإقليمي، وإقامة هذه المشاريع على أسس اقتصادية، ويتم اختيار الشركاء بناء على ما يقدمونه من قيمة مضافة للمشاريع، تساعد على تعزيز التنافسية واستمراريتها على المدى الطويل، والتي تحقق الترابط والتكامل في الصناعات الأخرى، وهذه المشاريع المشتركة بحاجة إلى ضرورة استكمال بناء البنى التحتية التي تأخرت وأعاقت إقامة مثل هذه المشاريع المشتركة، كالربط الكهربائي الذي سينتهي العمل فيه عام 2010 بمراحله الثلاث، وربط المنطقة بشبكة نقل حديدية، وهي حالياً دخلت مرحلة التخطيط التي ينتظر دخولها مرحلة التنفيذ، إلى جانب الإسراع في بناء شبكة غاز متكاملة، والتي تقوم عليها مشاريع صناعية ضخمة، فمثل هذه المشاريع تساعد على تسريع أطر التكامل وستحقق مصالح اقتصادية لجميع الأطراف.
كما إننا بحاجة ملحة إلى تحييد العمل الاقتصادي عن العمل السياسي، خصوصاً بين دول مجلس التعاون، لأن هناك أنبوب غاز تم تأجيله لأسباب سياسية، وليس لأسباب اقتصادية، وضرورة إشراك القطاع الخاص وتشجيعه على الاندماج، كي يكون قادراً على تنفيذ مشاريع مشتركة، ومن المنتظر أن تصدر الأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي في الفترة المقبلة، وثيقة تشجع الاستثمار في المشاريع المشتركة والقواعد الموحدة لتشجيع الاستثمار في هذه المشاريع في دول المجلس كوسيلة لربط المصالح الاقتصادية لمواطني المجلس من مختلف المجالات، وتحقيق مزيد من التشابك الإنتاجي بين الدول الأعضاء لتحقيق وفورات في الإنتاج، وتحقيق تكامل اقتصادي حقيقي لأن مسألة التخصص في الإنتاج لا يمكن أن تكون على مستوى السلع والخدمات، وذلك ببساطة لأن هذه الدول لا تملك مدخلات إنتاج متباينة، تجعل كلا منها لديها ميزة نسبية في إنتاج سلعة دون أخرى، فمدخلات الإنتاج هي ذاتها، وبالتالي من الطبيعي أن تنتج سلعاً متشابهة، فالمشاريع المشتركة هي الوحيدة التي تقضي على هذه المشكلة.
مجلس التعاون الخليجي يمكن أن يكون قوة إذا تحول من مرحلة التعاون إلى مرحلة الاندماج والتكتل
لأن الصناعة في دول الخليج تنهزم أمام العقار، على الرغم من أن الصناعة هي التنمية المستدامة، خصوصاً إذا ما كانت الصناعة قائمة على القدرات التنافسية مستفيدة من الميزات النسبية الموجودة في المنطقة، وكذلك المزايا التي تقدمها حكومات المنطقة للقطاع الصناعي للاستفادة من الموقع الاستراتيجي بين الشرق والغرب، لذلك تتطلب المنطقة إنشاء محكمة تجارية على غرار المحكمة التجارية في أوروبا تبت في القضايا الخلافية، وتكون قراراتها إلزامية، لأن الصناعات الخليجية مازالت متواضعة، ولا تشكل إلا نسبة متواضعة من الناتج المحلي الإجمالي، وهناك فرص استثمارية كبيرة أمام رأس المال الخليجي الذي يقدر بتريليون دولار، ولكنه يستثمر في أسواق العقار والأسهم العالمية، وقد أدرك المستثمرون الخليجيون بعد أحداث 11 سبتمبر جدوى استثمار أموالهم في بلادهم، خصوصاً أن دولهم لا تستقطع ضرائب من أموالهم، لكن هي بحاجة إلى بيئة استثمارية وتشريعية جاذبة تتخلص من العوائق البيروقراطية والهيمنة الاستحواذية التي تهدد الاستثمارات المحلية وتجبرها على الهجرة، كما أن من العوائق الأساسية لتوطين الصناعة قواعد المنشأ بين دول العالم، لأنها تقوم عليها في الأساس الصناعات الصغيرة والمتوسطة، لأنها هي التي تحدد إطار القيمة المضافة ومدخلات الانتاج بدلاً من منافسة دول الخليج بعضها في إصدار تشريعات وقوانين لجذب الاستثمار ورؤوس الأموال.
فدول الخليج بحاجة إلى استثمارات استراتيجية، بدلاً من التركيز على الاستثمارات المضاربية، لأنها تقود إلى منهج أكثر توازناً تصبح معه الأولوية لمشاريع البنية التحتية الأطول أجلاً على تلك التي تقدم أرباحاً سريعة بمنافع محدودة لباقي الاقتصاد.
فالاتجاه مستقبلاً سيكون نحو تنويع الاستثمارات وتحقيق اندماجات لتعظيم الأثر الإيجابي على الاقتصاد، لأن جميع أصول المصارف الخليجية تبلغ نحو 1.3 تريليون دولار، وفي حال أسست بنكاً يبلغ رأسماله 100 إلى 150 مليار دولار باقتطاع 10 في المائة من تلك الأصول، فإن البنك الجديد سيكون من أكبر 100 بنك على مستوى العالم.
وعلى دول الخليج أن تأخذ العبرة من عدم توقيع الاتحاد الأوروبي اتفاقية التجارة الحرة مع دوله، وكذلك توجه الصين نحو وضع ضرائب على الواردات من الصناعات البتروكيماوية الخليجية بحجة الإغراق، بسبب أن الصادرات الأوروبية لدول مجلس التعاون البالغة 55 مليار يورو، نصفها آلات ومعدات لا توجد لها بدائل في السوق الدولية، بينما الصادرات الخليجية إلى أوروبا البالغة 575 مليار يورو، يمثل النفط الخام ومشتقاته أكثر من 70 في المائة منها، لأن الاستثمارات الأوروبية في دول مجلس التعاون لا تمثل سوى 1 في المائة من الاستثمارات الدولية المباشرة، بينما الاستثمارات الخليجية في دول الاتحاد الأوروبي تزيد على 50 في المائة من مجمل الاستثمارات الخليجية الخارجية، فالشراكات هي الوحيدة التي تضمن تقاسم المصالح المشتركة وغيابها يعتبر السبب الرئيسي في عدم توقيع تلك الاتفاقيات أو في وضع رسوم إغراق.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1079::/cck::
::introtext::
أنتجت الدول النامية 41 في المائة من إجمالي الناتج العالمي عام 2008، صعوداً من 36 في المائة عام 2000، ونحن نعيش في عالم شديد الترابط بين أسواق السلع والخدمات والأموال والعمل والأفكار، وعندما نقيس الاقتصادات على نطاق عالمي للمقارنة فإن تنامي نفوذ البلدان النامية بدأ يبرز بقوة.
::/introtext::
::fulltext::
أنتجت الدول النامية 41 في المائة من إجمالي الناتج العالمي عام 2008، صعوداً من 36 في المائة عام 2000، ونحن نعيش في عالم شديد الترابط بين أسواق السلع والخدمات والأموال والعمل والأفكار، وعندما نقيس الاقتصادات على نطاق عالمي للمقارنة فإن تنامي نفوذ البلدان النامية بدأ يبرز بقوة.
وبالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بحسب تقرير صادر عن البنك الدولي أوضح أن حصتها من إجمالي الناتج الاقتصادي العالمي بقيت على حالها منذ عام 1995 عند 3 في المائة مع نهاية عام 2006، كما بلغ نصيب الشرق الأوسط من إجمالي الصادرات العالمية نحو 2 في المائة أو حوالي 281 مليار دولار من أصل أكثر من 12 تريليون دولار من البضائع تم تصديرها عام 2006 والسعودية بمفردها شكلت النسبة العظمى من قيمة الصادرات بلغت حصتها حوالي 209 مليارات دولار.
ولم تستثمر منطقة الخليج الصدمات النفطية وتوظفها التوظيف الأمثل، فقد مرت صدمة نفطية في السبعينات وصدمة نفطية أخرى عام 2008، وقدرت دراسة اقتصادية نشرتها مؤسسة (مورغان ستانلي) أن قيمة احتياطي دول التعاون الخليجي من النفط بـ 65 تريليون دولار (في دراسة أخرى تقدر القيمة بأكثر من ذلك تصل إلى 800 تريليون دولار تعادل 60 مرة قيمة التجارة العالمية السنوية في كافة السلع والخدمات)، ومعظمها في نظر الدراسة مرشحة لأن تتحول إلى أرصدة مالية، وتعتبر الدراسة أن ظاهرة تحول الثروات من الغرب والشرق الأقصى إلى الدول المصدرة للنفط، ليست عرضية، بل تفرز تبعات جغرافية ـ سياسية واقتصادية ـ مالية، أبرزها نمو اقتصادي مرتفع في دول مجلس التعاون الخليجي، وهذا التقرير صدر إبان الصدمة النفطية منتصف عام 2008.
ومنذ عام 1981 في نوفمبر، وقعت دول مجلس التعاون على الاتفاقية الاقتصادية الموحدة، ولا يمكن تجاهل ما تحقق في شأن منطقة التجارة الحرة عام 1983، ولا في شأن الاتحاد الجمركي عام 2003، وهي مراحل أدت بدورها إلى إعلان قيام السوق المشتركة بداية عام 2008 وتنتظر دول الخليج تنفيذ اتفاقية الوحدة الخليجية الموحدة عام 2010 رغم تخلف دولتين عن تلك الاتفاقية.
والحق أن تقييم تجربة المجلس خلال الأعوام التي تقترب من العقود الثلاثة تتطلب تأملاً وإحاطة ووقتاً، لأن الأمنيات وجلد الذات لا يكفيان، ولكن المجلس تعرض حقيقة إلى تحديات وهزات كل منها كانت كفيلة بالقضاء عليه، خاصة وأن المجلس تعرض لاختبار عنيف خلال الحرب العراقية ـ الإيرانية، وامتد شررها إلى مياه الخليج، كما عاصر المجلس كارثة غزو صدام للكويت، وكارثة غزو أمريكا للعراق، ورغم كل هذه التطورات الصارمة في قلب الخليج، تمكن المجلس من البقاء بل تمكن من تحقيق التوازن والثبات.
ويمثل الخليج أهمية استراتيجية في الموقع والثروات، ويمكن أن يكون قوة إذا استمر وتحول من مرحلة التعاون إلى مرحلة الاندماج والتكتل، لأن إشكالية الأمن في المنطقة ستلازم المجلس عقوداً قادمة.
وبعكس التجارب العربية الأخرى، فالتشابه الواضح بين دول المجلس في المجال السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ومواجهة تحديات مشتركة، أسهمت جميعها في إنجاح وبقاء هذه التجربة وعلى رأسها حكمة حكامها، وتحاول دول الخليج التركيز على البعد الاقتصادي، كي تكمل مسيرة التكامل بين دول المجلس.
ورغم ذلك هناك مطالب شعبية ونخبوية ورسمية لتحقيق المزيد من الإنجازات وأي عمل جماعي يتطلب الصبر للوصول إلى القرارات، لأنه سيصادف تسويفاً من قبل بعض الجهات لتنفيذ ما تم الاتفاق عليه، ولكن إذا ما خضعت الاتفاقات للمراجعة من وقت لآخر لتقييم المسيرة، فإن التجربة ستتعزز وستتجه نحو النجاح.
ومن يتتبع المسار التاريخي للاتحاد الأوروبي، فإنه يجد أنه ظل يراوح ثلاثين عاماً، إلى أن اتخذ القرار الشجاع بتغيير طريقة التصويت عام 1986.
أما اتحاد جنوب شرق آسيا (الآسيان) البالغ عمره 40 عاماً، فهو الآخر يحاول الآن التوصل إلى سوق مشتركة على شاكلة الاتحاد الأوروبي بحلول عام ،2015 ورغم أن الاتحاد الآسيوي لا يصغر نظيره الاتحاد الأوروبي، (اتفاق روما عام 1957)، إلا بعقد واحد، فإنه لايزال يصارع الوضع معظم الهيكل التنظيمي الذي منح الاتحاد الأوروبي تماسكه وقوته.
ويمتلك الآسيان قوة سكانية تقدر بنحو 560 مليون نسمة وهذا يزيد على عدد سكان الاتحاد الأوروبي، وحجم اقتصاده نحو أكثر من تريليون دولار، يشبه حجم اقتصاد دول مجلس التعاون الخليجي، لكنه يفقد مكانه لمصلحة كل من الصين والهند، اللتين تفضلان كوجهتين للمستثمرين الأجانب في آسيا بسبب الإصلاحات الاقتصادية وكبر حجم سوقيهما المحليين (حجم الناتج المحلي للاقتصاد الصيني عام 2008 نحو 6.99 تريليون دولار والناتج الإجمالي الهندي نحو 2.98 تريليون دولار).
وشكلت التجارة الداخلية بين الآسيان 22 في المائة من مجمل تجارتها منذ عام 1990، وذلك على النقيض من الاتحاد الأوروبي، التي تزيد تجارته البينية على 40 في المائة نزولاً من 70 في المائة لمصلحة التجارة العالمية، بينما التجارة البينية في دول مجلس التعاون الخليجي منخفضة جداً، تصل إلى 5 في المائة بالنسبة إلى إجمالي الصادرات و16.8 في المائة بالنسبة إلى إجمالي الواردات، بما فيها إعادة التصدير، وإن ارتفعت القيمة بعد قيام الاتحاد الجمركي في بداية عام 2003 فارتفع حجم التجارة البينية من ستة مليارات دولار عام 1983 إلى 33 مليار دولار عام 2006، أي أن حجم التجارة البينية الخليجية مازالت متواضعة، وفي حدود 7 في المائة من إجمالي تجارتها الخارجية، لأن اقتصاداتها متشابهة، ويشكل قطاع النفط العمود الفقري لمعظم اقتصاداتها، بإسهامه بنحو نصف إجمالي الناتج المحلي، و75 في المائة من إجمالي الصادرات السلعية، و85 في المائة من إجمالي الإيرادات الحكومية، أي أن الناتج المحلي الإجمالي لدول المجلس يتأثر ويتحرك مع التغيرات في أسعار النفط، الذي يحاول أعضاء المجلس تنويع قاعدته الاقتصادية على المدى الطويل، لأن دول المجلس تمكنت خلال السبعينات من تحقيق فوائض بسبب الطفرة النفطية الأولى خلال الفترة 1973 ـ 1979، ومنذ منتصف الثمانينات إلى نهاية التسعينات، سجلت دول المجلس عجزاً في ميزانياتها بسبب أسعار النفط المتدنية، واستمرار الإنفاق على البنية التحتية والبرامج الاجتماعية التي بدأتها الحكومات عندما كانت أسعار النفط عالية، أما خلال السنوات الثلاث الماضية فقد حققت دول المجلس فوائض مالية كبيرة يمكنها أن تستثمرها في الوقت الحاضر.
ومازالت جهود تنويع الهيكل الاقتصادي الخليجي محدودة النتائج، بسبب تزايد عولمتها على حساب أقلمتها، ولذا يصعب تطبيق مفهوم التكامل الوظيفي بمداه الكامل عليها، ومن المعروف أن التباين والفروق والمزايا النسبية في عوامل الإنتاج، هي التي تفتح الباب أمام آفاق التكامل وتنشيط التبادل التجاري، ومن هنا تأتي أهمية التركيز على مداخل المشروعات الخليجية المشتركة، والتي ما زالت محدودة العدد وهي السبب الذي لم ينقلنا من مرحلة (التكامل/ الحاجة) إلى مرحلة (التكامل/ الضرورة) لأن اقتصادات دول الخليج مازالت أجزاء من اقتصاد واحد تتشابه فيه عناصر الوفرة وعناصر الندرة.
وفي كتاب عولمة الأقاليم نحو شراكة استراتيجية رابحة، للدكتور جيفري فرانكل أستاذ الاقتصاد بجامعة كاليفورنيا ذكر (أن العالم قبل نصف قرن بدأ معالجة نوايا أشرار البشر، ودحر أهدافهم الدامية ومغامراتهم التي قادت إلى الاقتتال والعدوان من أجل توفير فرص التعايش بين الشعوب بسلام من خلال تكوين التكتلات الاقتصادية والتحالفات التجارية).
وأن المستقبل ستهيمن عليه التكتلات التجارية والاتفاقيات الثنائية، وتلك الاتفاقيات غالباً ما تنجم بين الأطراف الأقوى، خصوصاً إذا ما تعرقل تحرير التجارة العالمية بعد انهيار مفاوضات الدوحة، التي زادتها الأزمة المالية العالمية عرقلة، نتيجة لجوء بعض الدول نحو الحمائية لحماية اقتصاداتها المنهارة.
والمنطقة فيها أكبر ثلاثة اقتصادات، تركيا والسعودية وإيران (الناتج الإجمالي المحلي لتركيا عام 2008 نحو 887.96 مليار دولار، السعودية نحو 564.56 مليار دولار، إيران 250 مليار دولار لعام 2007)، وتمتلك دول الخليج وإيران نحو 64 في المائة من احتياطيات النفط العالمية، وأكثر من 40 في المائة من احتياطيات الغاز العالمية، ولكن تحاول إيران بقوة وتطرف باسم مواجهة التدخلات الغربية لملء الفراغ، وطرح نفسها كقوة رادعة للولايات المتحدة ولإسرائيل، لكن سلوك إيران المتطرف من أجل تحقيق مصالحها وتوسيع نفوذها على حساب دول المنطقة سوف يضعف الموقف الخليجي والعربي، ويزيد من الهيمنة الغربية، ويمنح إسرائيل مبرراً لزعزعة الأمن في منطقة الخليج من خلال إصرارها على منع إيران من امتلاك السلاح النووي، فأصبح التنافس الغربي ـ الإيراني في منطقة الخليج له تأثيرات سلبية في أمن المنطقة، وتعميق الصراع بين الدول العربية وإحراز صراع صامت وعلني بين النخب في هذه الدول، مما ساعد في تعميق التناقضات العربية، وولد حالة من التخبط والانقسام العربي في مواجهة المنافسين، وأفقدهم القدرة على حماية مصالحهم، وإن كانت السعودية قادت مصالحة عربية في قمة الكويت ضيقت شقة الخلاف في الصف العربي.
المنطقة مرت بثلاث حروب إقليمية مدمرة ابتلعت جزءاً حيوياً من مواردها
ولكن ستستمر معضلة الأمن الإقليمي الخليجي معضلة مزمنة بعيدة الحل، وترتبط أساساً باختلال التوازن بين ضفتي الخليج، ولم تستطع المنطقة حتى الآن التوصل إلى معادلة أو صيغة إقليمية متفق عليها بين دول المنطقة تتيح استحداث إطار إقليمي تعاوني يمكن معه الانتقال التدريجي من مفهوم توازن القوى العسكري في الأمن المطلق، إلى مفهوم توازن أمن المصالح والأمن النسبي الذي يوفر أمناً متكافئاً لجميع الأطراف، تستوعب أطماع الهيمنة والطموحات الإقليمية والعالمية التي تعزز الصراع وتبعد المنطقة عن التعايش السلمي.
فمستقبل دول مجلس التعاون الخليجي مرهون بالمزاوجة بين الأهداف السياسية/ الأمنية/ الاقتصادية، في إطار سياق منطقي متوازن، يدعم مسار التكامل الاقتصادي الخليجي والإقليمي ويحل محل رواج تجارة التهديدات والمخاطر، لأن المنطقة مرت بثلاث حروب إقليمية مدمرة ابتلعت جزءاً حيوياً من مواردها، وأثرت في خطط تكاملها ونموها.
ستستمر معضلة الأمن الإقليمي الخليجي معضلة مزمنة بعيدة الحل
فلا بد من تطوير المفهوم الرئيسي الحالي، الذي قام عليه هذا المجلس بشكل جوهري، لأن زيادة المصالح المتبادلة داخل منطقة التكامل يزيد من الثقل الإقليمي، وإحراز نقاط إيجابية في سجل أدائه تدفع أعضاءه للتمسك به، والاتجاه نحو الانطلاق لمرحلة أكثر تطوراً. ودول مجلس التعاون هي الأكثر تأثراً بحكم القرب الجغرافي، مما يفرض عليها العمل ضمن بيئة إقليمية مع الدول المطلة على الخليج العربي، بما فيها اليمن في داخل شبه الجزيرة العربية، والسعي الحثيث نحو خلق فرص التفاهم والتعاون القائم على تبادل المنافع وتقاسم المصالح دون استئثار طرف دون أطراف أخرى، كي تتجه المنطقة نحو مساحات للالتقاء بين دول الجوار (دول مجلس التعاون والعراق وإيران واليمن بالإضافة إلى تركيا) لتحجيم التدخلات الخارجية.

فالتكامل لا يمكن أن يتحقق بشكل جيد لدول مجلس التعاون الخليجي، لأن التكامل يتطلب بعداً جغرافياً، وتبايناً في عوامل الإنتاج، فإذا ما تمكنت دول مجلس التعاون من التفاهم والتقارب مع كل من العراق بعد استقراره وتركيا واليمن وإيران بعد اقتناعها بمبدأ التعاون والتكامل، يمكن أن توفر مدخلات متباينة، تعمل على تنويع اقتصاداتها وتتجه نحو التكامل وتبني قوة اقتصادية متينة، يقابلها اقتصاد قوي ومرن ومنيع، يتمتع بقوة تصديرية قادرة على امتصاص النفقات والصمود أمام التحديات الداخلية والخارجية.
وعلى دول المنطقة أن تنتقل إلى مراحل وآفاق أوسع وأرحب، وتنتقل من مرحلة شبه كونفيدرالية إلى مرحلة إعادة وتوزيع الصلاحيات والسلطات بين أجهزة المجلس، واتخاذ القرارات بالأغلبية لتحقيق مزيد من الإنجازات والمناعة السياسية والاقتصادية والأمنية.
فالمشاريع الخليجية والإقليمية المشتركة تحتمها المنافسة العالمية والتطور التقني وكبر حجم المشاريع وتشابهها، والتي تنعكس آثارها في زمن الأزمات الاقتصادية، وينتج عنها منافسة ضارة بين دول المنطقة.
ومن الضروري أن تنسحب المشاريع المشتركة إلى قطاعات الصناعات التحويلية والخدمات كي تمكنها من اختراق الأسواق العالمية، باستخدام خبرات تسويق الشركاء الأجانب، لأن المشاريع الخليجية المشتركة اقتصرت في الماضي على شراكات بين شركات عالمية وشركات خليجية في صناعة التكرير والبتروكيماويات، ولم تشهد المنطقة مشاريع مشتركة بين أطراف خليجية مع بعض الاستثناءات في قطاع البتروكيماويات تحديداً، والتي توقفت منذ عقود في محطة خليجية واحدة في البحرين فقط، كما أن الحكومات تحتكر حق الاستثمار في قطاع البتروكيماويات الأساسية، باستثناء السعودية التي تعد الوحيدة من بين دول المجلس التي فتحت المجال في عام 1995 أمام القطاع الخاص لتطوير مشاريع بتروكيماويات مملوكة بالكامل له.
وحتى المشاريع الخليجية المشتركة رغم محدوديتها لم تقم بناء على قرارات استراتيجية ومتفق عليها إقليمياً، والمطلوب تسريع خطوات التكامل الاقتصادي الخليجي والإقليمي، وأن تكون نابعة من استراتيجية موحدة لتسريع أطر التكامل الاقتصادي الخليجي والإقليمي، وإقامة هذه المشاريع على أسس اقتصادية، ويتم اختيار الشركاء بناء على ما يقدمونه من قيمة مضافة للمشاريع، تساعد على تعزيز التنافسية واستمراريتها على المدى الطويل، والتي تحقق الترابط والتكامل في الصناعات الأخرى، وهذه المشاريع المشتركة بحاجة إلى ضرورة استكمال بناء البنى التحتية التي تأخرت وأعاقت إقامة مثل هذه المشاريع المشتركة، كالربط الكهربائي الذي سينتهي العمل فيه عام 2010 بمراحله الثلاث، وربط المنطقة بشبكة نقل حديدية، وهي حالياً دخلت مرحلة التخطيط التي ينتظر دخولها مرحلة التنفيذ، إلى جانب الإسراع في بناء شبكة غاز متكاملة، والتي تقوم عليها مشاريع صناعية ضخمة، فمثل هذه المشاريع تساعد على تسريع أطر التكامل وستحقق مصالح اقتصادية لجميع الأطراف.
كما إننا بحاجة ملحة إلى تحييد العمل الاقتصادي عن العمل السياسي، خصوصاً بين دول مجلس التعاون، لأن هناك أنبوب غاز تم تأجيله لأسباب سياسية، وليس لأسباب اقتصادية، وضرورة إشراك القطاع الخاص وتشجيعه على الاندماج، كي يكون قادراً على تنفيذ مشاريع مشتركة، ومن المنتظر أن تصدر الأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي في الفترة المقبلة، وثيقة تشجع الاستثمار في المشاريع المشتركة والقواعد الموحدة لتشجيع الاستثمار في هذه المشاريع في دول المجلس كوسيلة لربط المصالح الاقتصادية لمواطني المجلس من مختلف المجالات، وتحقيق مزيد من التشابك الإنتاجي بين الدول الأعضاء لتحقيق وفورات في الإنتاج، وتحقيق تكامل اقتصادي حقيقي لأن مسألة التخصص في الإنتاج لا يمكن أن تكون على مستوى السلع والخدمات، وذلك ببساطة لأن هذه الدول لا تملك مدخلات إنتاج متباينة، تجعل كلا منها لديها ميزة نسبية في إنتاج سلعة دون أخرى، فمدخلات الإنتاج هي ذاتها، وبالتالي من الطبيعي أن تنتج سلعاً متشابهة، فالمشاريع المشتركة هي الوحيدة التي تقضي على هذه المشكلة.
مجلس التعاون الخليجي يمكن أن يكون قوة إذا تحول من مرحلة التعاون إلى مرحلة الاندماج والتكتل
لأن الصناعة في دول الخليج تنهزم أمام العقار، على الرغم من أن الصناعة هي التنمية المستدامة، خصوصاً إذا ما كانت الصناعة قائمة على القدرات التنافسية مستفيدة من الميزات النسبية الموجودة في المنطقة، وكذلك المزايا التي تقدمها حكومات المنطقة للقطاع الصناعي للاستفادة من الموقع الاستراتيجي بين الشرق والغرب، لذلك تتطلب المنطقة إنشاء محكمة تجارية على غرار المحكمة التجارية في أوروبا تبت في القضايا الخلافية، وتكون قراراتها إلزامية، لأن الصناعات الخليجية مازالت متواضعة، ولا تشكل إلا نسبة متواضعة من الناتج المحلي الإجمالي، وهناك فرص استثمارية كبيرة أمام رأس المال الخليجي الذي يقدر بتريليون دولار، ولكنه يستثمر في أسواق العقار والأسهم العالمية، وقد أدرك المستثمرون الخليجيون بعد أحداث 11 سبتمبر جدوى استثمار أموالهم في بلادهم، خصوصاً أن دولهم لا تستقطع ضرائب من أموالهم، لكن هي بحاجة إلى بيئة استثمارية وتشريعية جاذبة تتخلص من العوائق البيروقراطية والهيمنة الاستحواذية التي تهدد الاستثمارات المحلية وتجبرها على الهجرة، كما أن من العوائق الأساسية لتوطين الصناعة قواعد المنشأ بين دول العالم، لأنها تقوم عليها في الأساس الصناعات الصغيرة والمتوسطة، لأنها هي التي تحدد إطار القيمة المضافة ومدخلات الانتاج بدلاً من منافسة دول الخليج بعضها في إصدار تشريعات وقوانين لجذب الاستثمار ورؤوس الأموال.
فدول الخليج بحاجة إلى استثمارات استراتيجية، بدلاً من التركيز على الاستثمارات المضاربية، لأنها تقود إلى منهج أكثر توازناً تصبح معه الأولوية لمشاريع البنية التحتية الأطول أجلاً على تلك التي تقدم أرباحاً سريعة بمنافع محدودة لباقي الاقتصاد.
فالاتجاه مستقبلاً سيكون نحو تنويع الاستثمارات وتحقيق اندماجات لتعظيم الأثر الإيجابي على الاقتصاد، لأن جميع أصول المصارف الخليجية تبلغ نحو 1.3 تريليون دولار، وفي حال أسست بنكاً يبلغ رأسماله 100 إلى 150 مليار دولار باقتطاع 10 في المائة من تلك الأصول، فإن البنك الجديد سيكون من أكبر 100 بنك على مستوى العالم.
وعلى دول الخليج أن تأخذ العبرة من عدم توقيع الاتحاد الأوروبي اتفاقية التجارة الحرة مع دوله، وكذلك توجه الصين نحو وضع ضرائب على الواردات من الصناعات البتروكيماوية الخليجية بحجة الإغراق، بسبب أن الصادرات الأوروبية لدول مجلس التعاون البالغة 55 مليار يورو، نصفها آلات ومعدات لا توجد لها بدائل في السوق الدولية، بينما الصادرات الخليجية إلى أوروبا البالغة 575 مليار يورو، يمثل النفط الخام ومشتقاته أكثر من 70 في المائة منها، لأن الاستثمارات الأوروبية في دول مجلس التعاون لا تمثل سوى 1 في المائة من الاستثمارات الدولية المباشرة، بينما الاستثمارات الخليجية في دول الاتحاد الأوروبي تزيد على 50 في المائة من مجمل الاستثمارات الخليجية الخارجية، فالشراكات هي الوحيدة التي تضمن تقاسم المصالح المشتركة وغيابها يعتبر السبب الرئيسي في عدم توقيع تلك الاتفاقيات أو في وضع رسوم إغراق.
::/fulltext::
::cck::1079::/cck::
