الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي: رؤية مقارنة اقتصادية
::cck::1055::/cck::
::introtext::
استأثرت كل من قارة أوروبا ومنطقة الخليج العربي، ومنذ سنوات طويلة خلت وحتى الوقت الحاضر بأهمية استثنائية وعلى كافة المستويات، حيث كانت أوروبا مركزاً للتطور الحضاري في التاريخ المعاصر، وتبلور فيها النظام الاقتصادي الرأسمالي، وبرزت منها دول كإمبراطوريات مثل بريطانيا، وفرنسا، وإسبانيا والبرتغال والتي فرضت سيطرتها السياسية والاقتصادية على العديد من دول العالم. أما منطقة الخليج العربي، وبحكم عبقرية الزمان والمكان، ووفرة النفط بهذه الأوطان، أضحت مجال اًلسيطرة بعض الدول الأوروبية حيناً، ومعبراً وميداناً لتجارتها في أحيان أخرى، وتطورت تدريجياً لتصبح مركزاً لجذب الأنشطة الاقتصادية والاستثمارية على الصعيدين العربي والعالمي.
::/introtext::
::fulltext::
استأثرت كل من قارة أوروبا ومنطقة الخليج العربي، ومنذ سنوات طويلة خلت وحتى الوقت الحاضر بأهمية استثنائية وعلى كافة المستويات، حيث كانت أوروبا مركزاً للتطور الحضاري في التاريخ المعاصر، وتبلور فيها النظام الاقتصادي الرأسمالي، وبرزت منها دول كإمبراطوريات مثل بريطانيا، وفرنسا، وإسبانيا والبرتغال والتي فرضت سيطرتها السياسية والاقتصادية على العديد من دول العالم. أما منطقة الخليج العربي، وبحكم عبقرية الزمان والمكان، ووفرة النفط بهذه الأوطان، أضحت مجالاً لسيطرة بعض الدول الأوروبية حيناً، ومعبراً وميداناً لتجارتها في أحيان أخرى، وتطورت تدريجياً لتصبح مركزاً لجذب الأنشطة الاقتصادية والاستثمارية على الصعيدين العربي والعالمي.
وقد شجعت هذه الأهمية عدداً من المفكرين والقادة اللامعين من السياسيين وغيرهم في تلك المنطقتين (أوروبا والخليج العربي) للتفكير ملياً لتجاوز الخلافات الثنائية وترصين عناصر القوة الاقتصادية المتاحة، وذلك من خلال تأسيس (الهيئة الأوروبية للفحم والفولاذ) عام 1951 والتي شكلت نواة للاتحاد الأوروبي لاحقاً. فيما تأسس (مجلس التعاون الخليجي) عام 1981 والذي أرسى المقدمات الأولية للوحدة المنشودة لدول الخليج العربي.
الاتحاد الأوروبي
مرت التجربة الأوروبية بتطورات تاريخية خلال العقود الستة الماضية، وتحديداً منذ عام 1950 وحتى الوقت الحاضر، ومن أهم تلك التطورات الآتي:
1ـ التأسيس: بتاريخ 9/5/1950 اقترح وزير خارجية فرنسا ( روبرت شومان ) خطة لتجاوز تراكم الخلافات الفرنسية الألمانية، التي حصلت أثناء الحرب العالمية الثانية باقتراحه توحيد إنتاج الفحم والفولاذ في كل من فرنسا وألمانية الاتحادية، وعُرفت هذه الخطة (بخطة شومان). وفي 8/4/1951 وقعت في باريس اتفاقية لتأسيس الهيئة الأوروبية للفحم والفولاذ من 6 دول هي: فرنسا، ألمانيا، إيطاليا، بلجيكا، هولندا، ولوكسمبورغ، وعرفت باسم (اتحاد الفحم والفولاذ).
بدأ الاتحاد الأوروبي بست دول والآن وصل إلى 27 دولة
2ـ السوق الأوروبية المشتركة: بتاريخ 25/5/1957 وقعت الدول الست الأعضاء في اتحاد الفحم والفولاذ في روما اتفاقية لتأسيس (السوق الأوروبية المشتركة) والتي دُمجت لاحقاً مع اتحاد الفحم والفولاذ ومنظمة الطاقة الأوروبية النووية، لتشكل مجتمعة ما أطلق عليه (المجموعة الاقتصادية الأوروبية). وفي 1/7/1968 ألغيت جميع الجمارك بين الدول الأعضاء في المجموعة الاقتصادية الأوروبية، وتم اعتماد تعريفة جمركية موحدة تجاه الخارج، وهي خطوة مهمة نحو السوق الداخلية الأوربية الموحدة.
3ـ التعاون النقدي الأوروبي: في 1/1/1983 بدأ تطبيق النظام النقدي الأوروبي ووحدة الصرف الأوروبية، واعتماد آلية تفصيلية للتدخل في أسواق النقد بهدف التحكم بأسعار الصرف لعملات الدول الأعضاء وتقديم الدعم للعملات التي تتعرض للضعف أو التذبذب. وقد تضمن النظام النقدي الأوروبي ثماني عملات هي: المارك الألماني، الفرنك الفرنسي، الفرنك البلجيكي، الجليدر الهولندي، الكرون الدنماركي، الليرة الإيطالية، الجنيه الإيرلندي، وفرنك لوكسمبورغ. ووفقاً لهذا النظام يُسمح لكل عملة أن تتذبذب مقابل العملات الأخرى في الدول الأعضاء بحدود (2.52 في المائة) من سعر العملة بالنسبة لوحدة النقد الأوروبية.
4ـ معاهدة ماسترخت والعملة الأوروبية الموحدة: في 9 و10 و11/12/1991 تم عقد قمة المجموعة الأوروبية في مدينة (ماسترخت) الهولندية وفيها اتفق على تحويل المجموعة الأوروبية من مجموعة اقتصادية إلى وحدة سياسية ذات عُملة واحدة أطلق عليها لاحقاً تسمية اليورو. وشملت الخطوط العريضة لمعاهدة ماسترخت ما يأتي:
1- تحديد أسعار الصرف بشكل لا رجعة فيه لإصدار عملة موحدة.
2- متابعة السياسات الاقتصادية ضمن خطوط إرشادية وإنشاء جهاز للمتابعة والمراقبة مع صندوق مالي لمساعدة الدول الفقيرة ضمن الاتحاد.
3- اشترطت المعاهدة على الدول للانضمام للمجموعة الأوروبية ضرورة تخفيض عجز الموازنة الحكومية إلى (3 في المائة) من إجمالي الناتج القومي، وخفض المديونية الحكومية إلى (60 في المائة) من قيمة الإنتاج السنوي للدولة.
وحددت معاهدة ماسترخت ثلاث مراحل للوصول إلى الوحدة المالية والاقتصادية وهي إصدار عملة أوروبية موحدة، وإنشاء البنك المركزي الأوروبي، ووضع معايير محددة للانضمام للوحدة النقدية في مقدمتها، أن لا يزيد معدل التضخم النقدي بأكثر (1.5 في المائة) على معدل التضخم في أفضل ثلاث دول بالمجموعة، وأن لا يتجاوز عجز الموازنة (3 في المائة) من إجمالي الناتج القومي، وأن لا تزيد نسبة الفائدة على القروض الطويلة الأجل على (2 في المائة)، وأن لا يكون قد جرى انخفاض سعر صرف العملة الوطنية أمام عملة دولة أخرى عضو في غضون العامين السابقين على الأقل.
وقد اتخذت وسائل تطبيق التكامل الاقتصادي الأوروبي منهجين: الأول، التكامل الاقتصادي الرأسي، وذلك باتباع منهج التدرج بالانتقال من منطقة التجارة الحرة إلى الاتحاد الجمركي (1951 ـ 1957)، ثم مرحلة السوق المشتركة (1958 ـ 1968)، ثم مرحلة الوحدة الاقتصادية (1985 ـ 1992)، وأخيراً مرحلة الاندماج الاقتصادي بعد معاهدة ماسترخت (1992 ـ 2009). وقد اقترنت فترة التكامل الاقتصادي الرأسي بمراحل الازدهار الاقتصادي. أما المنهج الثاني، فقد تمثل بالتكامل الاقتصادي الأفقي، وذلك بدخول أعضاء جدد إلى داخل المجموعة الأوروبية، حيث ابتدأت المجموعة بـ(6) دول وحالياً (27) دولة. وقد اقترنت مراحل فترة التكامل الأفقي بمراحل الضعف الاقتصادي الذي اجتاح أوروبا خلال حقبة السبعينات والنصف الأول من عقد الثمانينات.
حقق مجلس التعاون الخليجي خطوات إيجابية على طريق التكامل الاقتصادي الرأسي
مجلس التعاون الخليجي
1ـ التأسيس: بمبادرة من أمير دولة كويت الراحل الشيخ جابر الأحمد الصباح ، جرى تأسيس مجلس التعاون الخليجي في اجتماع قمة لزعماء دول الخليج العربي في أبوظبي في 25 مايو 1981 بعضوية ست دول خليجية هي: الكويت، السعودية، الإمارات، البحرين، سلطنة عمان وقطر. وحُددت للمجلس منذ تأسيسه أهداف ذات مضامين وحدوية من خلال التركيز على التنسيق والترابط والتكامل بين أعضائه، ووضع أنظمة متماثلة وإقامة مشاريع مشتركة وفي كافة المجالات وصولاً إلى الوحدة.
2ـ إقامة منطقة التجارة الحرة: بدأت دول مجلس التعاون الخليجي، ومنذ بداية إنشاء المجلس في مايو 1981 باتخاذ الترتيبات اللازمة لإنشاء منطقة التجارة الحرة لدول المجلس عن طريق إبرام الاتفاقية الاقتصادية الموحدة التي تم التوقيع عليها في نوفمبر 1981، وقد دخلت اتفاقية منظمة التجارة الحرة حيز التنفيذ في مارس 1983، واستمرت نحو عشرين عاماً إلى نهاية 2002، حين حل محلها الاتحاد الجمركي لدول المجلس، وخلال فترة منطقة التجارة الحرة (1983 ـ 2002) ارتفع حجم التبادل التجاري بين دول المجلس من أقل من 6 مليارات دولار في عام 1983 إلى 20 مليار دولار في عام 2002.
3ـ الاتحاد الجمركي لدول المجلس: شكل قيام الاتحاد الجمركي لدول مجلس التعاون الخليجي في الأول من يناير 2003، نقلة نوعية في العمل الاقتصادي المشترك كونه يقوم بشكل أساسي على توحيد التعريفة الجمركية وإزالة معوقات التبادل التجاري وتوحيد إجراءات الاستيراد والتصدير ومعاملة المنطقة الجغرافية للدول الست الأعضاء كمنطقة جمركية واحدة، وحددت له فترة انتقالية ما بين (2003 ـ 2007) لإتاحة الفرصة للدول الأعضاء للتأقلم مع جوانب الاتحاد الجمركي، وبنهاية تلك الفترة يكون تطبيق الاتحاد الجمركي كاملاً على جميع السلع، ويصبح مجلس التعاون منظمة جمركية واحدة.
4ـ السوق الخليجية المشتركة: صدر إعلان الدوحة بشأن إقامة السوق الخليجية المشتركة في ديسمبر 2007. وتهدف السوق المشتركة إلى تحقيق المساواة التامة في المعاملة بين مواطني دول المجلس في ممارسة الأنشطة الاقتصادية وتنقل رؤوس الأموال والاستثمار بجميع أنواعه، والعمل، والاستفادة من الخدمات التعليمية والصحية في جميع دول المجلس.
5ـ اتفاقية الاتحاد النقدي: اعتمد قادة دول مجلس التعاون الخليجي في قمة مسقط بنهاية 2008 اتفاقية الاتحاد النقدي والمتضمنة الأطر التشريعية والمؤسسية له، كما اعتمد النظام الأساسي للمجلس النقدي الذي سيتحول إلى مصرف مركزي. وكان القادة الخليجيون قد قرروا في الخامس من مايو 2009، أن تكون الرياض مقراً للمصرف المركزي الخليجي المستقبلي، وهي مسألة شكلت مصدر تباينات بين دول المجلس، وقررت دولة الإمارات الانسحاب رسمياً من الاتحاد النقدي الخليجي.
رؤية مقارنة
1ـ يعتبر العامل الاقتصادي (الطاقة) هو العامل المشترك الرئيسي الذي دفع بقادة أوروبا، وقادة الخليج العربي لتأسيس الاتحادين، (الاتحاد الأوروبي) و(مجلس التعاون الخليجي) حيث كان الفحم والفولاذ، محوراً للتجمع الأول، فيما كان النفط والغاز محوراً للتجمع الثاني.
2ـ تتميز دول مجلس التعاون الخليجي الست بمجموعة من المشتركات في مقدمتها وحدة الجغرافية والتاريخ، واللغة والدين والقومية بل وحتى طبيعة الأنظمة السياسية مما يعطي لنهجها التكاملي أرجحية متفردة عن الاتحاد الأوروبي، حيث لا تمتلك المجموعة الأوروبية المشتركات التي تتوفر لدول مجلس التعاون الخليجي، ومع ذلك حققت المجموعة الأوروبية تطورات متلاحقة في كافة المجالات.
3ـ يمتلك الاتحاد الأوروبي إمكانيات اقتصادية صناعية وتكنولوجية وزراعية هائلة، كونه ثاني أكبر اقتصاد بالعالم بعد الولايات المتحدة الأمريكية، ويضم كتلة سكانية تتجاوز 300 مليون نسمة وبالمقابل يمتلك مجلس التعاون الخليجي إمكانيات نفطية هائلة حيث يبلغ الاحتياطي النفطي الخليجي نحو 480 مليار برميل من النفط، أو ما يعادل 23 في المائة من الاحتياطي العالمي، ويأتي تسلسله الأول في العالم في هذا القطاع رغم أن عدد سكانه لا يتجاوز 36 مليون نسمة. وساهم تفوقها بهذا الميدان في تنشيط عمليات التنمية الاقتصادية وتحريك التجارة الداخلية والخارجية وتنشيط الأسواق المالية.
4ـ حقق الاتحاد الأوروبي، رغم اختلاف المشتركات إنجازات عملية في مجال التكامل الاقتصادي الرأسي وصولاً لمرحلة الاندماج منذ عام 1992 بعد اتفاقية ماسترخت، وتوسع بتكامله الأفقي من ست دول إلى27 دولة. بالمقارنة حقق مجلس التعاون الخليجي خطوات إيجابية على طريق التكامل الاقتصادي الرأسي ابتداءاً من تطبيق منظمة التجارة الحرة (1983 ـ 2002)، والاتحاد الجمركي (2003 ـ 2007) والسوق المشتركة (2007 ـ 2009)، في حين لم يتوسع المجلس أفقياً بإضافة أي دولة منذ عام 1981 وحتى الوقت الحاضر، رغم إمكانية وضع آليات أو حتى شروط على غرار الاتحاد الأوروبي لتوسيع دائرة العضوية فيه.
5ـ وعلى الرغم من الاختلافات بين تجربتي كل من الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي، فكلاهما عكس تجربة اقتصادية وسياسية واجتماعية رائدة، وبخاصة أن كلا التجربتين حققت لشعوبها إنجازات اقتصادية وسياسية واجتماعية يشار إليها بالبنان في التاريخ المعاصر. ومع ذلك هناك تباين في مديات التطور الاقتصادي والصناعي بين كلا المجموعتين. وفي الوقت الذي نجد فيه دول الاتحاد الأوروبي تجاوزت عصر التكنولوجيا، ودخلت منذ ثمانينات القرن الماضي إلى عصر المعلومات المستند إلى الاستخدام الواسع للإلكترونيات وبحوث العمليات، والاتصالات وعلى مدى واسع، نجد مستويات التطور في بلدان مجلس التعاون الخليجي، لاتزال في بدايات عصر التكنولوجيا، رغم وجود استثناءات لبعض دول الخليج للتعامل بشكل واسع مع ثورة المعلومات والاتصالات بالوقت الحاضر.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1055::/cck::
::introtext::
استأثرت كل من قارة أوروبا ومنطقة الخليج العربي، ومنذ سنوات طويلة خلت وحتى الوقت الحاضر بأهمية استثنائية وعلى كافة المستويات، حيث كانت أوروبا مركزاً للتطور الحضاري في التاريخ المعاصر، وتبلور فيها النظام الاقتصادي الرأسمالي، وبرزت منها دول كإمبراطوريات مثل بريطانيا، وفرنسا، وإسبانيا والبرتغال والتي فرضت سيطرتها السياسية والاقتصادية على العديد من دول العالم. أما منطقة الخليج العربي، وبحكم عبقرية الزمان والمكان، ووفرة النفط بهذه الأوطان، أضحت مجال اًلسيطرة بعض الدول الأوروبية حيناً، ومعبراً وميداناً لتجارتها في أحيان أخرى، وتطورت تدريجياً لتصبح مركزاً لجذب الأنشطة الاقتصادية والاستثمارية على الصعيدين العربي والعالمي.
::/introtext::
::fulltext::
استأثرت كل من قارة أوروبا ومنطقة الخليج العربي، ومنذ سنوات طويلة خلت وحتى الوقت الحاضر بأهمية استثنائية وعلى كافة المستويات، حيث كانت أوروبا مركزاً للتطور الحضاري في التاريخ المعاصر، وتبلور فيها النظام الاقتصادي الرأسمالي، وبرزت منها دول كإمبراطوريات مثل بريطانيا، وفرنسا، وإسبانيا والبرتغال والتي فرضت سيطرتها السياسية والاقتصادية على العديد من دول العالم. أما منطقة الخليج العربي، وبحكم عبقرية الزمان والمكان، ووفرة النفط بهذه الأوطان، أضحت مجالاً لسيطرة بعض الدول الأوروبية حيناً، ومعبراً وميداناً لتجارتها في أحيان أخرى، وتطورت تدريجياً لتصبح مركزاً لجذب الأنشطة الاقتصادية والاستثمارية على الصعيدين العربي والعالمي.
وقد شجعت هذه الأهمية عدداً من المفكرين والقادة اللامعين من السياسيين وغيرهم في تلك المنطقتين (أوروبا والخليج العربي) للتفكير ملياً لتجاوز الخلافات الثنائية وترصين عناصر القوة الاقتصادية المتاحة، وذلك من خلال تأسيس (الهيئة الأوروبية للفحم والفولاذ) عام 1951 والتي شكلت نواة للاتحاد الأوروبي لاحقاً. فيما تأسس (مجلس التعاون الخليجي) عام 1981 والذي أرسى المقدمات الأولية للوحدة المنشودة لدول الخليج العربي.
الاتحاد الأوروبي
مرت التجربة الأوروبية بتطورات تاريخية خلال العقود الستة الماضية، وتحديداً منذ عام 1950 وحتى الوقت الحاضر، ومن أهم تلك التطورات الآتي:
1ـ التأسيس: بتاريخ 9/5/1950 اقترح وزير خارجية فرنسا ( روبرت شومان ) خطة لتجاوز تراكم الخلافات الفرنسية الألمانية، التي حصلت أثناء الحرب العالمية الثانية باقتراحه توحيد إنتاج الفحم والفولاذ في كل من فرنسا وألمانية الاتحادية، وعُرفت هذه الخطة (بخطة شومان). وفي 8/4/1951 وقعت في باريس اتفاقية لتأسيس الهيئة الأوروبية للفحم والفولاذ من 6 دول هي: فرنسا، ألمانيا، إيطاليا، بلجيكا، هولندا، ولوكسمبورغ، وعرفت باسم (اتحاد الفحم والفولاذ).
بدأ الاتحاد الأوروبي بست دول والآن وصل إلى 27 دولة
2ـ السوق الأوروبية المشتركة: بتاريخ 25/5/1957 وقعت الدول الست الأعضاء في اتحاد الفحم والفولاذ في روما اتفاقية لتأسيس (السوق الأوروبية المشتركة) والتي دُمجت لاحقاً مع اتحاد الفحم والفولاذ ومنظمة الطاقة الأوروبية النووية، لتشكل مجتمعة ما أطلق عليه (المجموعة الاقتصادية الأوروبية). وفي 1/7/1968 ألغيت جميع الجمارك بين الدول الأعضاء في المجموعة الاقتصادية الأوروبية، وتم اعتماد تعريفة جمركية موحدة تجاه الخارج، وهي خطوة مهمة نحو السوق الداخلية الأوربية الموحدة.
3ـ التعاون النقدي الأوروبي: في 1/1/1983 بدأ تطبيق النظام النقدي الأوروبي ووحدة الصرف الأوروبية، واعتماد آلية تفصيلية للتدخل في أسواق النقد بهدف التحكم بأسعار الصرف لعملات الدول الأعضاء وتقديم الدعم للعملات التي تتعرض للضعف أو التذبذب. وقد تضمن النظام النقدي الأوروبي ثماني عملات هي: المارك الألماني، الفرنك الفرنسي، الفرنك البلجيكي، الجليدر الهولندي، الكرون الدنماركي، الليرة الإيطالية، الجنيه الإيرلندي، وفرنك لوكسمبورغ. ووفقاً لهذا النظام يُسمح لكل عملة أن تتذبذب مقابل العملات الأخرى في الدول الأعضاء بحدود (2.52 في المائة) من سعر العملة بالنسبة لوحدة النقد الأوروبية.
4ـ معاهدة ماسترخت والعملة الأوروبية الموحدة: في 9 و10 و11/12/1991 تم عقد قمة المجموعة الأوروبية في مدينة (ماسترخت) الهولندية وفيها اتفق على تحويل المجموعة الأوروبية من مجموعة اقتصادية إلى وحدة سياسية ذات عُملة واحدة أطلق عليها لاحقاً تسمية اليورو. وشملت الخطوط العريضة لمعاهدة ماسترخت ما يأتي:
1- تحديد أسعار الصرف بشكل لا رجعة فيه لإصدار عملة موحدة.
2- متابعة السياسات الاقتصادية ضمن خطوط إرشادية وإنشاء جهاز للمتابعة والمراقبة مع صندوق مالي لمساعدة الدول الفقيرة ضمن الاتحاد.
3- اشترطت المعاهدة على الدول للانضمام للمجموعة الأوروبية ضرورة تخفيض عجز الموازنة الحكومية إلى (3 في المائة) من إجمالي الناتج القومي، وخفض المديونية الحكومية إلى (60 في المائة) من قيمة الإنتاج السنوي للدولة.
وحددت معاهدة ماسترخت ثلاث مراحل للوصول إلى الوحدة المالية والاقتصادية وهي إصدار عملة أوروبية موحدة، وإنشاء البنك المركزي الأوروبي، ووضع معايير محددة للانضمام للوحدة النقدية في مقدمتها، أن لا يزيد معدل التضخم النقدي بأكثر (1.5 في المائة) على معدل التضخم في أفضل ثلاث دول بالمجموعة، وأن لا يتجاوز عجز الموازنة (3 في المائة) من إجمالي الناتج القومي، وأن لا تزيد نسبة الفائدة على القروض الطويلة الأجل على (2 في المائة)، وأن لا يكون قد جرى انخفاض سعر صرف العملة الوطنية أمام عملة دولة أخرى عضو في غضون العامين السابقين على الأقل.
وقد اتخذت وسائل تطبيق التكامل الاقتصادي الأوروبي منهجين: الأول، التكامل الاقتصادي الرأسي، وذلك باتباع منهج التدرج بالانتقال من منطقة التجارة الحرة إلى الاتحاد الجمركي (1951 ـ 1957)، ثم مرحلة السوق المشتركة (1958 ـ 1968)، ثم مرحلة الوحدة الاقتصادية (1985 ـ 1992)، وأخيراً مرحلة الاندماج الاقتصادي بعد معاهدة ماسترخت (1992 ـ 2009). وقد اقترنت فترة التكامل الاقتصادي الرأسي بمراحل الازدهار الاقتصادي. أما المنهج الثاني، فقد تمثل بالتكامل الاقتصادي الأفقي، وذلك بدخول أعضاء جدد إلى داخل المجموعة الأوروبية، حيث ابتدأت المجموعة بـ(6) دول وحالياً (27) دولة. وقد اقترنت مراحل فترة التكامل الأفقي بمراحل الضعف الاقتصادي الذي اجتاح أوروبا خلال حقبة السبعينات والنصف الأول من عقد الثمانينات.
حقق مجلس التعاون الخليجي خطوات إيجابية على طريق التكامل الاقتصادي الرأسي
مجلس التعاون الخليجي
1ـ التأسيس: بمبادرة من أمير دولة كويت الراحل الشيخ جابر الأحمد الصباح ، جرى تأسيس مجلس التعاون الخليجي في اجتماع قمة لزعماء دول الخليج العربي في أبوظبي في 25 مايو 1981 بعضوية ست دول خليجية هي: الكويت، السعودية، الإمارات، البحرين، سلطنة عمان وقطر. وحُددت للمجلس منذ تأسيسه أهداف ذات مضامين وحدوية من خلال التركيز على التنسيق والترابط والتكامل بين أعضائه، ووضع أنظمة متماثلة وإقامة مشاريع مشتركة وفي كافة المجالات وصولاً إلى الوحدة.
2ـ إقامة منطقة التجارة الحرة: بدأت دول مجلس التعاون الخليجي، ومنذ بداية إنشاء المجلس في مايو 1981 باتخاذ الترتيبات اللازمة لإنشاء منطقة التجارة الحرة لدول المجلس عن طريق إبرام الاتفاقية الاقتصادية الموحدة التي تم التوقيع عليها في نوفمبر 1981، وقد دخلت اتفاقية منظمة التجارة الحرة حيز التنفيذ في مارس 1983، واستمرت نحو عشرين عاماً إلى نهاية 2002، حين حل محلها الاتحاد الجمركي لدول المجلس، وخلال فترة منطقة التجارة الحرة (1983 ـ 2002) ارتفع حجم التبادل التجاري بين دول المجلس من أقل من 6 مليارات دولار في عام 1983 إلى 20 مليار دولار في عام 2002.
3ـ الاتحاد الجمركي لدول المجلس: شكل قيام الاتحاد الجمركي لدول مجلس التعاون الخليجي في الأول من يناير 2003، نقلة نوعية في العمل الاقتصادي المشترك كونه يقوم بشكل أساسي على توحيد التعريفة الجمركية وإزالة معوقات التبادل التجاري وتوحيد إجراءات الاستيراد والتصدير ومعاملة المنطقة الجغرافية للدول الست الأعضاء كمنطقة جمركية واحدة، وحددت له فترة انتقالية ما بين (2003 ـ 2007) لإتاحة الفرصة للدول الأعضاء للتأقلم مع جوانب الاتحاد الجمركي، وبنهاية تلك الفترة يكون تطبيق الاتحاد الجمركي كاملاً على جميع السلع، ويصبح مجلس التعاون منظمة جمركية واحدة.
4ـ السوق الخليجية المشتركة: صدر إعلان الدوحة بشأن إقامة السوق الخليجية المشتركة في ديسمبر 2007. وتهدف السوق المشتركة إلى تحقيق المساواة التامة في المعاملة بين مواطني دول المجلس في ممارسة الأنشطة الاقتصادية وتنقل رؤوس الأموال والاستثمار بجميع أنواعه، والعمل، والاستفادة من الخدمات التعليمية والصحية في جميع دول المجلس.
5ـ اتفاقية الاتحاد النقدي: اعتمد قادة دول مجلس التعاون الخليجي في قمة مسقط بنهاية 2008 اتفاقية الاتحاد النقدي والمتضمنة الأطر التشريعية والمؤسسية له، كما اعتمد النظام الأساسي للمجلس النقدي الذي سيتحول إلى مصرف مركزي. وكان القادة الخليجيون قد قرروا في الخامس من مايو 2009، أن تكون الرياض مقراً للمصرف المركزي الخليجي المستقبلي، وهي مسألة شكلت مصدر تباينات بين دول المجلس، وقررت دولة الإمارات الانسحاب رسمياً من الاتحاد النقدي الخليجي.
رؤية مقارنة
1ـ يعتبر العامل الاقتصادي (الطاقة) هو العامل المشترك الرئيسي الذي دفع بقادة أوروبا، وقادة الخليج العربي لتأسيس الاتحادين، (الاتحاد الأوروبي) و(مجلس التعاون الخليجي) حيث كان الفحم والفولاذ، محوراً للتجمع الأول، فيما كان النفط والغاز محوراً للتجمع الثاني.
2ـ تتميز دول مجلس التعاون الخليجي الست بمجموعة من المشتركات في مقدمتها وحدة الجغرافية والتاريخ، واللغة والدين والقومية بل وحتى طبيعة الأنظمة السياسية مما يعطي لنهجها التكاملي أرجحية متفردة عن الاتحاد الأوروبي، حيث لا تمتلك المجموعة الأوروبية المشتركات التي تتوفر لدول مجلس التعاون الخليجي، ومع ذلك حققت المجموعة الأوروبية تطورات متلاحقة في كافة المجالات.
3ـ يمتلك الاتحاد الأوروبي إمكانيات اقتصادية صناعية وتكنولوجية وزراعية هائلة، كونه ثاني أكبر اقتصاد بالعالم بعد الولايات المتحدة الأمريكية، ويضم كتلة سكانية تتجاوز 300 مليون نسمة وبالمقابل يمتلك مجلس التعاون الخليجي إمكانيات نفطية هائلة حيث يبلغ الاحتياطي النفطي الخليجي نحو 480 مليار برميل من النفط، أو ما يعادل 23 في المائة من الاحتياطي العالمي، ويأتي تسلسله الأول في العالم في هذا القطاع رغم أن عدد سكانه لا يتجاوز 36 مليون نسمة. وساهم تفوقها بهذا الميدان في تنشيط عمليات التنمية الاقتصادية وتحريك التجارة الداخلية والخارجية وتنشيط الأسواق المالية.
4ـ حقق الاتحاد الأوروبي، رغم اختلاف المشتركات إنجازات عملية في مجال التكامل الاقتصادي الرأسي وصولاً لمرحلة الاندماج منذ عام 1992 بعد اتفاقية ماسترخت، وتوسع بتكامله الأفقي من ست دول إلى27 دولة. بالمقارنة حقق مجلس التعاون الخليجي خطوات إيجابية على طريق التكامل الاقتصادي الرأسي ابتداءاً من تطبيق منظمة التجارة الحرة (1983 ـ 2002)، والاتحاد الجمركي (2003 ـ 2007) والسوق المشتركة (2007 ـ 2009)، في حين لم يتوسع المجلس أفقياً بإضافة أي دولة منذ عام 1981 وحتى الوقت الحاضر، رغم إمكانية وضع آليات أو حتى شروط على غرار الاتحاد الأوروبي لتوسيع دائرة العضوية فيه.
5ـ وعلى الرغم من الاختلافات بين تجربتي كل من الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي، فكلاهما عكس تجربة اقتصادية وسياسية واجتماعية رائدة، وبخاصة أن كلا التجربتين حققت لشعوبها إنجازات اقتصادية وسياسية واجتماعية يشار إليها بالبنان في التاريخ المعاصر. ومع ذلك هناك تباين في مديات التطور الاقتصادي والصناعي بين كلا المجموعتين. وفي الوقت الذي نجد فيه دول الاتحاد الأوروبي تجاوزت عصر التكنولوجيا، ودخلت منذ ثمانينات القرن الماضي إلى عصر المعلومات المستند إلى الاستخدام الواسع للإلكترونيات وبحوث العمليات، والاتصالات وعلى مدى واسع، نجد مستويات التطور في بلدان مجلس التعاون الخليجي، لاتزال في بدايات عصر التكنولوجيا، رغم وجود استثناءات لبعض دول الخليج للتعامل بشكل واسع مع ثورة المعلومات والاتصالات بالوقت الحاضر.
::/fulltext::
::cck::1055::/cck::
