الدبلوماسية البحرينية وأزمة الانتخابات الإيرانية

::cck::1062::/cck::
::introtext::

موقف الدبلوماسية البحرينية المعلن تجاه أزمة الانتخابات الرئاسية الإيرانية له جملة من الأبعاد تعكس نمطاً مختلفاً عما هو سائد خلال السنوات العشر الماضية من تاريخ السياسة الخارجية البحرينية على الأقل.

::/introtext::
::fulltext::

موقف الدبلوماسية البحرينية المعلن تجاه أزمة الانتخابات الرئاسية الإيرانية له جملة من الأبعاد تعكس نمطاً مختلفاً عما هو سائد خلال السنوات العشر الماضية من تاريخ السياسة الخارجية البحرينية على الأقل.

من الناحية التاريخية، كانت العلاقات البحرينية ـ الإيرانية متأرجحة بين التوتر المعلن والتوتر الكامن، وذلك منذ استقلال البحرين في العام 1971، وخلال فترات محدودة شهدت مرحلة من مراحل الاستقرار السياسي القائم على التعاون وتشابك المصالح المختلفة. فإذا أخذنا العلاقات بين البلدين منذ اندلاع الثورة الإسلامية في طهران خلال العام 1979 ارتفعت درجة حساسية العلاقة بين البلدين على المستويين الرسمي والشعبي، خصوصاً في ظل رفع النظام السياسي الإيراني شعار تصدير الثورة، إذ اعتبرت المنامة مثل هذا الشعار مصدر تهديد للأمن الوطني، ولم يكن ذلك مقتصراً على البحرين فحسب، وإنما على العديد من بلدان المنطقة، وفي مقدمتها دول مجلس التعاون الخليجي.

بعد اندلاع الحرب العراقية ـ الإيرانية شهدت العلاقات البحرينية ـ الإيرانية توتراً كبيراً

خلال المرحلة التي تلت الثورة لم تكن العلاقات مستقرة أيضاً، بل برزت اتهامات علنية من قبل الحكومة البحرينية تجاه إيران بدعم جماعات تسعى لزعزعة الأمن والاستقرار ومحاولة قلب نظام الحكم. وما إن اندلعت الحرب العراقية ـ الإيرانية حتى شهدت العلاقات البحرينية ـ الإيرانية توتراً كبيراً بسبب دعم المنامة للموقف العراقي بحكم الانتماء العروبي.

وبعد انتهاء الحرب العراقية ـ الإيرانية التقى الأمير الراحل بالرئيس الإيراني الأسبق هاشمي رفسنجاني على هامش قمة عدم الانحياز في السنغال خلال ديسمبر 1991، وتقرر رفع مستوى التبادل الدبلوماسي بين البلدين إلى درجة السفراء. ورغم ذلك لم يدم  الاستقرار في العلاقات الثنائية، ووصلت مراحل متقدمة من التوتر في صيف 1996 عندما أعلنت السلطات الرسمية عن اكتشاف (حزب الله البحرين) باعتباره تنظيماً سرياً يستهدف قلب نظام الحكم بدعم من طهران. وتم خفض مستوى العلاقات الدبلوماسية مع إيران إلى درجة القائم بالأعمال من جديد.

هذا التوتر في العلاقات دام فترة قصيرة، فخلال مايو 1997 انتخب الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي ، وفور توليه مقاليد الحكم شهدت العلاقات الخليجية ـ الإيرانية تقارباً ملحوظاً، وكان للتقارب السعودي ـ الإيراني تأثير لافت في إعادة العلاقات المستقرة بين المنامة وطهران، ليتوج لاحقاً بتبادل السفراء من جديد في العام 1999.

التفاعلات السياسية الداخلية التي يشهدها النظام السياسي الإيراني بإمكانها أن تؤثر في النظام الإقليمي الخليجي

وعلى مدى السنوات العشر الماضية، كانت مظاهر التوتر في العلاقات البحرينية ـ الإيرانية مصدرها بعض التصرفات الصادرة عن تيارات سياسية في إيران أو في المنامة نفسها. فكثيراً ما صدرت تصريحات من رسميين إيرانيين تمس السيادة البحرينية، وبالمقابل فإن السلطات الرسمية والقواعد الشعبية في البحرين تتحفظ كثيراً على رفع الأعلام الإيرانية أو صور القيادات الدينية الإيرانية أثناء بعض الفعاليات كموسم عاشوراء من قبل بعض الجماعات أو التيارات السياسية.

إلا أنه بعد هذا العرض التاريخي، فإن الموقف البحريني إزاء الأزمة الإيرانية الراهنة يكشف عن منهج جديد يسعى لوضع أسس جديدة في العلاقات بين البلدين، بحيث يتم تجاوز مراحل عدم الاستقرار التي تشهدها بين فترة وأخرى، وإعادة العلاقات من حالة التذبذب إلى حالة الثبات.

قد تكون الفرص مواتية بشكل كبير لتكريس هذا المنهج في السياسة الخارجية البحرينية، في ظل الهدوء الذي يشهده النظام الدولي إزاء الملف النووي الإيراني بسبب تصاعد الاهتمام بالشأن الداخلي الإيراني، فضلاً عن التركيز على تداعيات الانسحاب الأمريكي من الأراضي العراقية. والأهم من ذلك كثافة المصالح الاستراتيجية بين البحرين وإيران من جهة ودول مجلس التعاون وإيران من جهة أخرى.

ومع ذلك، فإن ثمة تحديات قد تؤثر في تكريس المنهج الجديد في السياسة الخارجية البحرينية، فالموقف الأمريكي مازال غير واضح من الأوضاع الداخلية الإيرانية، وبعض التحليلات تشير إلى وجود اتجاهات متضادة في دوائر صنع السياسة الخارجية الأمريكية إزاء التعامل مع طهران في الوقت الراهن. ومن غير المعروف كذلك موقف البيت الأبيض من تعزيز العلاقات الخليجية ـ الإيرانية في ظل حكومة الرئيس محمود أحمدي نجاد ، أو في حالة تصاعد العنف في الداخل الإيراني.

كذلك من التحديات المهمة، مدى قدرة النظام السياسي الإيراني على تأمين الاستقرار الداخلي، وتحقيق التوافق السياسي بين مختلف القوى السياسية تجاه حكومة نجاد. ففي حالة عدم تحقيق التوافق من شأن ذلك أن يسفر عن تصاعد الاتجاهات السياسية، وتحولها إلى تنظيمات سياسية تعمل خارج أطر الشرعية القانونية السائدة، أو بمعنى آخر (ثورة بيضاء). ويرتبط بذلك قدرة النظام الإيراني أيضاً على استمرار دعم نفوذه داخل النظام السياسي العراقي المجاور بعد انسحاب القوات الأمريكية، فبروز جبهتين في وقت واحد للحكومة الإيرانية يمثل تحدياً كبيراً، خصوصاً وأن المشاكل مازالت قائمة على الجبهة الشرقية مع أفغانستان.

من هنا يمكن اعتبار لجوء السياسة الخارجية البحرينية إلى موقفها المعلن بشأن الأزمة الإيرانية ليؤكد المخاطر والتهديدات التي تحملها المنطقة إذا تفاقمت الأمور، وبالتالي فإن التعاون الثنائي من أجل ضمان أمن واستقرار النظام الإقليمي الخليجي هو الطريق الأنسب لمواجهة تحديات النظام خلال الفترة المقبلة. إلا أنه من الأهمية بمكان أن تبدأ دوائر صنع السياسة الخارجية ببحث الخيارات والبدائل في حالة تفاقم الأوضاع في المنطقة بسبب المعطيات الجديدة في طهران، وبحث استراتيجيات مؤقتة ومتوسطة المدى للتقليل من تداعيات أية ظروف غير متوقعة.

في النهاية فإن التفاعلات السياسية الداخلية التي يشهدها النظام السياسي الإيراني بإمكانها أن تؤثر في النظام الإقليمي الخليجي، لحساسية العلاقات بين أطراف النظام نفسه. وفي الوقت نفسه فإن هناك مستوى يتعلق بتأثيرات التفاعلات السياسية الإيرانية في الأوضاع الداخلية في دول مجلس التعاون الخليجي، ويتزامن ذلك كله مع وصول مستوى العلاقات في النظام الإقليمي الخليجي إلى مراحل متقدمة من ترابط المصالح، والوعي المشترك بمخاطر تحدي زعزعة الأمن والاستقرار في المنطقة.

                                                                 

 

::/fulltext::

iran1-d90
Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1062::/cck::
::introtext::

موقف الدبلوماسية البحرينية المعلن تجاه أزمة الانتخابات الرئاسية الإيرانية له جملة من الأبعاد تعكس نمطاً مختلفاً عما هو سائد خلال السنوات العشر الماضية من تاريخ السياسة الخارجية البحرينية على الأقل.

::/introtext::
::fulltext::

موقف الدبلوماسية البحرينية المعلن تجاه أزمة الانتخابات الرئاسية الإيرانية له جملة من الأبعاد تعكس نمطاً مختلفاً عما هو سائد خلال السنوات العشر الماضية من تاريخ السياسة الخارجية البحرينية على الأقل.

من الناحية التاريخية، كانت العلاقات البحرينية ـ الإيرانية متأرجحة بين التوتر المعلن والتوتر الكامن، وذلك منذ استقلال البحرين في العام 1971، وخلال فترات محدودة شهدت مرحلة من مراحل الاستقرار السياسي القائم على التعاون وتشابك المصالح المختلفة. فإذا أخذنا العلاقات بين البلدين منذ اندلاع الثورة الإسلامية في طهران خلال العام 1979 ارتفعت درجة حساسية العلاقة بين البلدين على المستويين الرسمي والشعبي، خصوصاً في ظل رفع النظام السياسي الإيراني شعار تصدير الثورة، إذ اعتبرت المنامة مثل هذا الشعار مصدر تهديد للأمن الوطني، ولم يكن ذلك مقتصراً على البحرين فحسب، وإنما على العديد من بلدان المنطقة، وفي مقدمتها دول مجلس التعاون الخليجي.

بعد اندلاع الحرب العراقية ـ الإيرانية شهدت العلاقات البحرينية ـ الإيرانية توتراً كبيراً

خلال المرحلة التي تلت الثورة لم تكن العلاقات مستقرة أيضاً، بل برزت اتهامات علنية من قبل الحكومة البحرينية تجاه إيران بدعم جماعات تسعى لزعزعة الأمن والاستقرار ومحاولة قلب نظام الحكم. وما إن اندلعت الحرب العراقية ـ الإيرانية حتى شهدت العلاقات البحرينية ـ الإيرانية توتراً كبيراً بسبب دعم المنامة للموقف العراقي بحكم الانتماء العروبي.

وبعد انتهاء الحرب العراقية ـ الإيرانية التقى الأمير الراحل بالرئيس الإيراني الأسبق هاشمي رفسنجاني على هامش قمة عدم الانحياز في السنغال خلال ديسمبر 1991، وتقرر رفع مستوى التبادل الدبلوماسي بين البلدين إلى درجة السفراء. ورغم ذلك لم يدم  الاستقرار في العلاقات الثنائية، ووصلت مراحل متقدمة من التوتر في صيف 1996 عندما أعلنت السلطات الرسمية عن اكتشاف (حزب الله البحرين) باعتباره تنظيماً سرياً يستهدف قلب نظام الحكم بدعم من طهران. وتم خفض مستوى العلاقات الدبلوماسية مع إيران إلى درجة القائم بالأعمال من جديد.

هذا التوتر في العلاقات دام فترة قصيرة، فخلال مايو 1997 انتخب الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي ، وفور توليه مقاليد الحكم شهدت العلاقات الخليجية ـ الإيرانية تقارباً ملحوظاً، وكان للتقارب السعودي ـ الإيراني تأثير لافت في إعادة العلاقات المستقرة بين المنامة وطهران، ليتوج لاحقاً بتبادل السفراء من جديد في العام 1999.

التفاعلات السياسية الداخلية التي يشهدها النظام السياسي الإيراني بإمكانها أن تؤثر في النظام الإقليمي الخليجي

وعلى مدى السنوات العشر الماضية، كانت مظاهر التوتر في العلاقات البحرينية ـ الإيرانية مصدرها بعض التصرفات الصادرة عن تيارات سياسية في إيران أو في المنامة نفسها. فكثيراً ما صدرت تصريحات من رسميين إيرانيين تمس السيادة البحرينية، وبالمقابل فإن السلطات الرسمية والقواعد الشعبية في البحرين تتحفظ كثيراً على رفع الأعلام الإيرانية أو صور القيادات الدينية الإيرانية أثناء بعض الفعاليات كموسم عاشوراء من قبل بعض الجماعات أو التيارات السياسية.

إلا أنه بعد هذا العرض التاريخي، فإن الموقف البحريني إزاء الأزمة الإيرانية الراهنة يكشف عن منهج جديد يسعى لوضع أسس جديدة في العلاقات بين البلدين، بحيث يتم تجاوز مراحل عدم الاستقرار التي تشهدها بين فترة وأخرى، وإعادة العلاقات من حالة التذبذب إلى حالة الثبات.

قد تكون الفرص مواتية بشكل كبير لتكريس هذا المنهج في السياسة الخارجية البحرينية، في ظل الهدوء الذي يشهده النظام الدولي إزاء الملف النووي الإيراني بسبب تصاعد الاهتمام بالشأن الداخلي الإيراني، فضلاً عن التركيز على تداعيات الانسحاب الأمريكي من الأراضي العراقية. والأهم من ذلك كثافة المصالح الاستراتيجية بين البحرين وإيران من جهة ودول مجلس التعاون وإيران من جهة أخرى.

ومع ذلك، فإن ثمة تحديات قد تؤثر في تكريس المنهج الجديد في السياسة الخارجية البحرينية، فالموقف الأمريكي مازال غير واضح من الأوضاع الداخلية الإيرانية، وبعض التحليلات تشير إلى وجود اتجاهات متضادة في دوائر صنع السياسة الخارجية الأمريكية إزاء التعامل مع طهران في الوقت الراهن. ومن غير المعروف كذلك موقف البيت الأبيض من تعزيز العلاقات الخليجية ـ الإيرانية في ظل حكومة الرئيس محمود أحمدي نجاد ، أو في حالة تصاعد العنف في الداخل الإيراني.

كذلك من التحديات المهمة، مدى قدرة النظام السياسي الإيراني على تأمين الاستقرار الداخلي، وتحقيق التوافق السياسي بين مختلف القوى السياسية تجاه حكومة نجاد. ففي حالة عدم تحقيق التوافق من شأن ذلك أن يسفر عن تصاعد الاتجاهات السياسية، وتحولها إلى تنظيمات سياسية تعمل خارج أطر الشرعية القانونية السائدة، أو بمعنى آخر (ثورة بيضاء). ويرتبط بذلك قدرة النظام الإيراني أيضاً على استمرار دعم نفوذه داخل النظام السياسي العراقي المجاور بعد انسحاب القوات الأمريكية، فبروز جبهتين في وقت واحد للحكومة الإيرانية يمثل تحدياً كبيراً، خصوصاً وأن المشاكل مازالت قائمة على الجبهة الشرقية مع أفغانستان.

من هنا يمكن اعتبار لجوء السياسة الخارجية البحرينية إلى موقفها المعلن بشأن الأزمة الإيرانية ليؤكد المخاطر والتهديدات التي تحملها المنطقة إذا تفاقمت الأمور، وبالتالي فإن التعاون الثنائي من أجل ضمان أمن واستقرار النظام الإقليمي الخليجي هو الطريق الأنسب لمواجهة تحديات النظام خلال الفترة المقبلة. إلا أنه من الأهمية بمكان أن تبدأ دوائر صنع السياسة الخارجية ببحث الخيارات والبدائل في حالة تفاقم الأوضاع في المنطقة بسبب المعطيات الجديدة في طهران، وبحث استراتيجيات مؤقتة ومتوسطة المدى للتقليل من تداعيات أية ظروف غير متوقعة.

في النهاية فإن التفاعلات السياسية الداخلية التي يشهدها النظام السياسي الإيراني بإمكانها أن تؤثر في النظام الإقليمي الخليجي، لحساسية العلاقات بين أطراف النظام نفسه. وفي الوقت نفسه فإن هناك مستوى يتعلق بتأثيرات التفاعلات السياسية الإيرانية في الأوضاع الداخلية في دول مجلس التعاون الخليجي، ويتزامن ذلك كله مع وصول مستوى العلاقات في النظام الإقليمي الخليجي إلى مراحل متقدمة من ترابط المصالح، والوعي المشترك بمخاطر تحدي زعزعة الأمن والاستقرار في المنطقة.

                                                                 

 

::/fulltext::
::cck::1062::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *