الصين تطرق ملف الدفاع الصاروخي – الجزء الثاني
::cck::1096::/cck::
::introtext::
لماذا كانت لغة الصين حول دفاع الصواريخ الباليستية خافتة إلى ذلك الحد؟ إن الإجابة عن هذا السؤال، بصفة عامة، تتداخل فيها أربعة عناصر، وهي الفشل في إقامة جبهة روسية-صينية موحدة ضد دفاع الصواريخ الباليستية وتقليل التقييم التكنولوجي لقدرات النظام وفهم أفضل للقضايا وإعطاء الأولوية القصوى للحفاظ على علاقات صينية-أمريكية مستقرة وكذلك التغييرات التكتيكية في السياسة الصينية تجاه اليابان.
::/introtext::
::fulltext::
المصدر: المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية”سرفايفل” (Survival)، المجلد السادس والأربعون، العدد الثاني، صيف عام 2004، (ص 123-142)
قام مركز الخليج للأبحاث بترجمته ونشره في سلسلة ترجمات خليجية – العدد التاسع – 2006
ما بعد الحادي عشر من سبتمبر: مصادر التغيير
إذاً، لماذا كانت لغة الصين حول دفاع الصواريخ الباليستية خافتة إلى ذلك الحد؟ إن الإجابة عن هذا السؤال، بصفة عامة، تتداخل فيها أربعة عناصر، وهي الفشل في إقامة جبهة روسية-صينية موحدة ضد دفاع الصواريخ الباليستية وتقليل التقييم التكنولوجي لقدرات النظام وفهم أفضل للقضايا وإعطاء الأولوية القصوى للحفاظ على علاقات صينية-أمريكية مستقرة وكذلك التغييرات التكتيكية في السياسة الصينية تجاه اليابان. ويبدو أن الصين قبلت، على مضض، بالفرضية التي تقول إن نشر دفاع الصواريخ الباليستية أمر لا مفر منه، وإن الولايات المتحدة ستمضي قدماً في إقامة شكل من أشكال نظام صواريخ الدفاع الوطني. وستنشئ اليابان هي الأخرى نظام دفاع الصواريخ التكتيكي غير عابئة برد فعل بكين. وهذا لا يعني أن مخاوف الصين الأساسية قد زالت، بل اختارت الصين أن تركز في الوقت الراهن على مشكلتها الداخلية وتعديل أسلوب سياستها الخارجية حسبما يتطلبه الموقف.
فشل التعاون الروسي-الصيني
حرصت الصين خلال أواخر التسعينات وأوائل عام 2000 على تقوية جبهة صينية-روسية معارضة لدفاع الصواريخ الباليستية. فعندما أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية في يناير 1999 قرارها برصد مزيد من التمويل لبحوث دفاع الصواريخ الباليستية كان أحد ردود الأفعال الصينية هو تسريع محادثاتها مع موسكو حول تبني موقف مشترك بينهما. وفي إبريل 1999، أصدرت الصين وروسيا بياناً مشتركاً أعربتا فيه عن قلقهما في هذا الخصوص وأعلنتا عن عزمهما على مواصلة مشاوراتها. كما قدمت روسيا والصين في أكتوبر 1999 مشروع قرار أمام لجنة الأمم المتحدة الأولى الخاصة بنزع السلاح والأمن الدولي يطالب بوجوب امتثال برامج الولايات المتحدة لشروط معاهدة مناهضة الصواريخ الباليستية. ونجحت الصين كذلك في إصدار بيان مشترك مع روسيا وطاجيكستان وكازاخستان وقيرغيزستان يعارض نشرالصواريخ التكتيكية في منطقة آسيا والمحيط الهادئ.
وقد تهاوت هذه الجبهة عندما أعلنت الولايات المتحدة قرارها بإلغاء معاهدة حظر الصواريخ الباليستية من جانب واحد في الرابع عشر من ديسمبر 2001. وكان رد الفعل الروسي متحفظاً، فقد صرح الرئيس الروسي السابق فلاديمير بوتين بأن روسيا تعتبر الخطوة (خاطئة). وعبر وزير الدفاع سيرغي إيفانوف عن رغبة روسيا في المضي قدماً في خطط خفض الترسانات النووية. ولم تكن تصرفات روسيا مفاجئة حسبما يرى بعض المحللين الصينيين.
فقد علق أحد هؤلاء المحللين، وهو من الخبراء الحكوميين، بقوله (إنني أشك في أن روسيا تهتم أصلاً بمسألة دفاع الصواريخ التكتيكي أو حتى دفاع الصواريخ الوطني، حيثإن التقديرات تشير إلى أن المستهدف بهذه الأنظمة هو الصين، وليس روسياً). وقيل إن بوش أكد لبوتين أن النظام ليس موجهاً ضد موسكو، وأن الولايات المتحدة ليست لديها الرغبة في تحييد الرادع النووي الروسي. وشاركت الولايات المتحدة وروسيا في حوار حول التعاون في مجال الدفاع الصاروخي، كما جرت محاولات لتحريك سعي مشترك مر عليه عقد من الزمن للسماح بالكشف المبكر عن إطلاق الصواريخ. غير أن مثل تلك الضمانات لم يتم منحها للصين قط، الأمر الذي أذكى جذوة الاعتقاد في بكين بأن دفاع الصواريخ الباليستية يستهدفها هي.
التقييم التكنولوجي
يبدو أن الصين قد استنتجت أيضاً، أنه ومن وجهة النظر التكنولوجية،لا يزال هناك مشوار طويل أمام هذه الأنظمة قبل أن يتم نشرها فعلياً. ويشك البعض في إمكانية أن يتم نشر صواريخ الدفاع الوطني بنهاية عام 2004 مثلما وعد بوش. أصبح الخبراء الصينيون الآن على معرفة تامة بالجوانب الفنية لصواريخ الدفاع الباليستية. وبينما ظل بعضهم قلقاً بشأن الآثار السلبية التي قد تنجم عن النظام على المدى البعيد، فإن هنالك وجهة نظر تقول إنه كان هناك كثير من المبالغة في وصف الفاعلية الفنية للنظام. ولا تتطلب خطة بوش الحالية القاضيةبإنتاج عشرين صاروخ اعتراض رد فعل عاجلاً من الصين كما يرى أحد خبراء الحد من التسلح الصيني. ويرى آخر أن الصين يمكنها التعايش مع صواريخ الدفاع الباليستية إذا ما ظلت التركيبة محدودة. ويثق الخبراء بأن الصين ستتمكن على المدى الطويل من مواجهة صواريخ الدفاع الباليستية، وذلك (بافتراض أن قوتها الاقتصادية ستستمر في النمو فترة زمنية قادمة تستطيع الصين أن تنتج بسهولة 600 صاروخ (عابر للقارات بحلول عام 2020م، وهو رقم لا يمكن لصواريخ الدفاع الباليستية ردعه أبداً). ويمكن أن تتضاعف ميزانية الدفاع الصينية بحلول عام 2005 اعتماداً على معدلات الزيادة الحالية. وقد تنبأت (البنتاغون) في يوليو 2002 بأن الإنفاق العسكري السنوي للصين سيزداد إلى ثلاثة أو أربعة أضعاف بحلول عام 2020. كما أن هنالك وجهة نظر تقول إن الهجوم في حالة أي مواجهة بين الصواريخ الباليستية عابرة القارات وصواريخ الدفاع الباليستية الهجومية سيكون دائماً أقل تكلفة بكثير من الدفاع وأقل حاجة إلى البرامج التكنولوجية. وربما يرى البعض في الصين، بناءً على تكلفة مشروع صواريخ الدفاع الباليستية، أن تلك ميزانيات عسكرية مدمرة ستضعف تلك الدول التي تتبناها بدلاً من تقويتها.
الحفاظ على علاقات مستقرة بين الولايات المتحدة والصين
اتخذت إدارة بوش منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر خطوات مهمة لإغراء الصين بالمشاركة في مزيد من المشاورات المنتظمة، بما فيها مباحثات تم عقدها في بكين حول الأمن الاستراتيجي والحد من الأسلحة ووقف انتشارها من قبل جميع الأطراف.
كما استأنفت الإدارة اجتماعات ثنائية رفيعة المستوى في إطار المشاورات الدفاعية، والتي أعطت جدول التبادل العسكري-العسكري شكلاً رسمياً. وفضلت بكين، على الرغم من وجود قضايا صعبة عالقة مثل العلاقات التجارية وضوابط التصدير، محاولة الوصول إلى علاقات ثنائية مستقرة أكثر من التركيز على جوانب معينة متنازع عليها. وبما أن الأولوية القصوى للصين هي التنمية الاقتصادية الداخلية، فقد تم تعديل سياسة البلاد الخارجية في اتجاه تعزيز علاقات مستقرة تؤدي إلى مزيد من النمو. وفوق ذلك، فقد أدركت الصين -كما أشار إلى ذلك أحد خبراء الأمن الصينيين- بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر أن لدى الولايات المتحدة من القوة بحيث يصعب معارضتها في كل الأحوال سياسياً وعسكرياً واقتصادياً. والأهمية التي توليها الصين لإقامة علاقات صينية-أمريكية مستقرة يمكن أن تعزى أيضاً لرغبتها في أن تكون وسيطاً فاعلاً في أزمة شبه الجزيرة الكورية المتفاقمة، والتي تمس بطريقة مباشرة مصالح الصين الأمنية. ذلك أن سقوط نظام كيم يونغ إيل في كوريا الشمالية قد يؤدي إلى دخول القوات الأمريكية المتمركزة في كوريا الجنوبية مباشرة إلى الحدود الصينية-الكورية. وستشهد الصين تدفق طوفان من اللاجئين من كوريا الشمالية نتيجة للفوضى التي سيحدثها الاضطراب الاقتصادي الشديد. كما قد يتحول التوازن السياسي العسكري في شمال شرق آسيا لمصلحة طرف واحد. إذاً هناك تخوف من جانب الصين من أن سقوط نظام كوريا الشمالية سيضر بأمن بكين. وعلى هذا، يبدو أنه ليس أمام الصينيين من خيار سوى تبني طريقة متهادنة حتى في القضايا السياسية التي قد يكون وضعهم فيها غير مؤاتٍ وحتى في مسألة دفاع الصواريخ الباليستية التي تثير الصين حولها شكوكاً قوية، يبدو أنها غير راغبة في تغيير وضع التعاون القوي الذي تبنته مع واشنطن بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر.
سياسة الصين مع اليابان
حدثت أيضاً نقلة ملحوظة في سياسة الصين تجاه اليابان. ويبدو أن القيادة الصينية قد تعلمت أن (الغلظة) في المسائل التاريخية من المحتمل أن تثير مشاعر مناهضة لها أكثر من الحصول على اعتذارات من الشعب الياباني. وتمثل مصداق هذا التوجه في زيارة جيانغ زيمين إلى طوكيو في خريف عام 1998. كما أن الصين خففت من لجهتها عندما زار زهو رونغجي اليابان في عام 1999. ومثلما كان الأمر في علاقاتها مع الولايات المتحدة، فإن مبعث هذه النقلة يكمن في رغبة الصين، وإن كان ذلك بشكل مؤقت،في التغاضي عن بعض المشكلات العالقة من أجل الحفاظ على علاقات مستقرة تكون في مصلحة التنمية الاقتصادية للصين.
ويبدو من المرجح أن تستمر الصين، ما دام تركيزها منصباً على اقتصادها، في السعي نحو إحراز تعاون ثنائي أوسع وتجنب النزاع. ويرى يانغ بوجنغ، وهو محلل في المعهد الحكومي الصيني للعلاقات الدولية المعاصرة، أن هنالك حاجة إلى(تفكير جديد) في العلاقات الصينية-اليابانية، ذلك أن التحسن الحقيقي في العلاقات المشتركة والتعاون الثنائي الوثيق ستكون لهما قيمة استراتيجية عظيمة لا يقتصر تأثيرها على المنافع العملية المادية مثل التعاون الاقتصادي والفني فقط. ويكمن مصدر آخر لهذه النقلة في تزايد ثقة الصين بنفسها بصورة عامة. ذلك أنه ومثلما لاحظ كل من ميدروس وتايلور، فقد تزايد الإدراك لدى الصين بضرورة التغير من صورة (عقلية الضحية)إلى صورة(عقلية القوى العظمى). ويقول آخرون إن على الصين تبني سياسة أقل تشدداً في التعامل مع المشكلات العالقة في العلاقات الصينية-اليابانية، بما في ذلك صواريخ الدفاع التكتيكية، وذلك أنه(ومهما يكن من أمر، فإن اليابان تسير إلى اضمحلال مقارنة بالصين على المدى الطويل). ويؤكد البروفيسور فيثانغ زاووكي المحاضر في الأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية أنه يمكن تلخيص الشعور العام لدى عامة اليابانيين تجاه الصين بأنه الخوف من تنامي الصين القوية. إن النمو الاقتصادي مقارنة بالركود الاقتصادي الياباني ساعد على انتشار الشعور المرضي بأن الصين تشكل تهديداً لليابانيين. وبصورة خاصة، يلاحظ المراقبون احتمال تناقص مقدرة اليابان الدفاعية إذا استمر الشلل الاقتصادي فيها. لذلك فإنه ينبغي على الصين ألا تهتم كثيراً ببرامج اليابان الدفاعية مثل صواريخ الدفاع التكتيكية. ويقول أحد المحللين(بما أن مصير اليابان هو السقوط ليس اقتصادياً فحسب، ويتساءل بالقول: فهل من الحصافة حقاً بالنسبة لليابان من الناحية العسكرية أن تحول مواردها إلى نظام مشكوك فيه تكنولوجياً مثل صواريخ الدفاع التكتيكي؟ إن هنالك طرقاً عديدة للغاية لكي تقوي اليابان قدراتها بشكل أكثر ضماناً إذا ما كانت تهتم فعلاً بأمر دفاعها).
وعلى الرغم من خفوت معارضتها لصواريخ الدفاع الباليستية، فإن بعض المحللين الصينيين يشيرون إلى أن ذلك لا يعني زوال القلق الصيني حول هذا النظام كلياً. ويبررون ذلك بأنه، على المستوى الجوهري، ليس ثمة تغيير حقيقي، وأن الصين مازالت ترى في صواريخ الدفاع الباليستية مشكلة مستعصية الحل بينها وبين الولايات المتحدة واليابان. ويؤكدون بصفة خاصة أن صواريخ الدفاع الوطني ما هي إلا انعكاس لرغبة الولايات المتحدة في حرمان الصين من ردعها النووي (واستعداد اليابان للمساعدة في مثل هذه المحاولات الاحتوائية بانضمامها إلى مبادرة صواريخ الدفاع التكتيكي التي تقودها الولايات المتحدة في آسيا). وفي هذا الإطار، يبدو أن للصين رغبة متأصلة في أن يكون تعاون الولايات المتحدة معها جدياً باعتبارها قوة صاعدة.
(سيتحقق التكافؤ الاستراتيجي بين الصين واليابان بحلول عام 2020. وعندها، ولأول مرة، ستحترم الولايات المتحدة الصين حقاً، وستتنازل عن القضايا الأمنية من مثل إعادة توحيد تايوان مع الوطن الأم).
ردود الأفعال الصينية المحتملة
ليس هنالك من إجماع واضح وسط مجتمع السياسة الأمنية الصينية حول كيفية الرد على الدفاع الصاروخي. فبينما يناصر فريق من المحللين أسلوب الترقب، يدعو فريق آخر إلى اتخاذ إجراء عدائي. ويبدو أن الصينيين أنفسهم غير واثقين بالطريقة التي يتعاملون بها مع هذه المسألة على ضوء مصالح البلاد المتنوعة من النواحي الدبلوماسية والأمنية والسياسية الداخلية. لكن هنالك سلسلة من ردود الأفعال التي تدور في الأوساط الأمنية بهذا الخصوص، وتشمل تسريع التحديث الاستراتيجي والتراجع عن الالتزامات الخاصة بالحد من التسلح وإجراء مراجعات للمبادئ النووية الصينية ووضع القوة النووية.
تسريع عملية التحديث الاستراتيجي
هنالك إجماع واضح على أن (دفاع الصواريخ الباليستية) ليس هو الدافع المباشر وراء التحديث العسكري الاستراتيجي في الصين (فقد بدأت عملية التحديث في الثمانينات قبل أن تصبح صواريخ الدفاع الباليستية قضية بزمن طويل)،لكن أصبح هنالك ارتباط الآن بين الأمرين. ومن هنا، فإنه من المرجح أن تظل جهود التحديث الاستراتيجي الصيني في المستقبل تحمل صدى مخاوف الصين حول خطط الولايات المتحدة الخاصة بصواريخ الدفاع الباليستية من حيث الكمية والنوعية معاً.
فمن حيث الكمية،هنالك إجماع على أن صواريخ الدفاع الوطني ستحدد الحجم النهائي للترسانة النووية الصينية، غير أن معدل الزيادة لايزال موضوع جدل ساخن. ففي عام 2003، قدرت وزارة الدفاع الأمريكية أن ترسانة الصين من الصواريخ الباليستية عابرة القارات والقادرة على ضرب الولايات المتحدة قد تزداد من عشرين إلى نحوثلاثين بحلول عام 2005. ومن الممكن أن تصل إلى ستين بحلول عام 2010. ويظهر أن نسبة الزيادة ستعتمد على الكيفية التي تحكم بها القيادة الصينية على فاعلية صواريخ الدفاع الوطني. ويقول دينغلي شين:
(ربما تضطر الصين إلى وضع أسوأ افتراض، وهو أنه بإمكان النظام أن يحرز معدل اعتراض عالياً بشكل مذهل يصل إلى 90 في المائة. وفي هذه الحالة، سيكون من السهل الرد، وذلك ببساطة عن طريق زيادة الترسانة الصينية بمعدل تسعة أضعاف، وسيحقق هذا مستوى الردع نفسه، ويكلف ما يعادل نحو بضعة مليارات دولار على مدى زمني من عشرة إلى عشرين عاماً. ولن يكون من الصعب على الاقتصاد الصيني امتصاص تلك التكلفة، إن كان لا مناص من ذلك).
وهنالك خبراء صينيون مثل شين يجادلون بأن هذا الموضوع يحتاج إلى أن تتم معالجته على مدى زمني طويل. ويؤكد هؤلاء المحللون أن الصين ستجبَر على اتخاذ رد فعل عدواني إذا ما استنتجت أن صواريخ الدفاع الوطني ستبطل ردعها النووي. ويذهب بعض المحللين أبعد من ذلك فيؤكدون أن الصين قادرة على أن تنشر ستمائة من الصواريخ الباليستية عابرة القارات بحلول عام 2020 إذا ما تواصل نموها الاقتصادي والعسكري. وهذا ما عبر عنه شو شولونغ، الذي كان وقتها باحثاً في (معهد الصين للعلاقات الدولية المعاصرة)، في عام 2000، إذ قال:
(لا تواجه الصين مشكلة في أن تزيد ترسانتها بمعدل مائة صاروخ سنوياً حتى مع وجود قيود الميزانية الحالية، فإنتاج هذه الصواريخ لا يكلف كثيراً).
وإذا كان الأمر كذلك، فلن تتسنى لصواريخ الدفاع الوطني، كما يستنتج المحللون، الفرصة للقضاء على تأثير الردع النووي الصيني. وكذلك تعمل الصين على تحسين قدراتها على العمل في ظروف الطوارئ في شرق آسيا. وتمتلك الصين في الوقت الراهن ترسانة تضم قرابة 450 صاروخاً باليستياً قصيرة المدى لها القدرة على ضرب تايوان. وتشير وزارة الدفاع الأمريكية إلى أن هذا العدد قابل للزيادة بشكل ملموس خلال السنوات القليلة المقبلة.
ومن المتوقع أيضاً إنتاج تعزيزات نوعية مهمة. فقد جاء في التقرير الذي رفعت (البنتاغون) إلى الكونغرس في يوليو 2002 أن الصين (من المحتمل أن تتخذ إجراءات لتحسين مقدرتها على هزيمة نظام دفاع الصواريخ الباليستية بهدف الحفاظ على ردعها الاستراتيجي. وستشمل تلك الإجراءات المحتملة تحسين القدرة الاختراقية لصواريخها الباليستية عابرة القارات، وزيادة العدد المنشور من هذه الصواريخ وربما تطوير نظام رؤوس حربية مركبة لها أو (4 CSS-4) على الأرجح).
وهنالك تعزيزات أخرى محتملة، حسب تقرير لمجلس الاستخبارات الوطني الأمريكي لعام 1999، ومن بينها إجراء تحسينات في القدرة على التحرك والوقود الصلب والقيادة والتحكم والدقة. وقد ظلت تقارير البنتاغون إلى الكونغرس تحذر باستمرار من أن الصين تعمل على تحسين قدراتها في مجال القيادة والتحكم إلى جانب توظيفها للتكنولوجيا لإدخال تحسينات كبيرة على دقة الصاروخ في الوصول إلى الهدف. وربما تشرع الصين أيضاً في إنتاج أنظمة مضادة للأقمار الصناعية. وأشار تقرير البنتاغون في يوليو 2003 إلى أن الصين ربما تكون قد تمكنت فعلاً من الحصول على تكنولوجيا أجنبية متنوعة لتستخدمها في تطوير قدرات صينية فعالة مضادة للأقمار الصناعية.
ويرى البعض أن تطوير الصين لسفن فضائية مأهولة قد تكون له تأثيرات عسكرية كبيرة تشمل احتمال نشر مركبات تستطيع الرجوع إلى الأرض من جديد بعد رحلة فضائية وتكون ذات قدرة على المناورة. وذكر أن الصين بدأت بحوثاً حول المقدرات العسكرية المتقدمة كجزء من (قوة ردع الفضاء الخارجي) عقب تجربتها الناجحة في إطلاق رحلة فضائية مأهولة في الرابع عشر من أكتوبر 2003. وأشار المسؤولون الصينيون إلى أن بكين تعمل الآن على إنتاج الليزر والصواريخ القادرة على تدمير الأقمار الصناعية.
ويظهر أن لبكين القدرة تكنولوجياً واقتصادياً على تدبير بعض أساليب الرد على التحركات الأمريكية واليابانية مثل زيادة عدد الصواريخ الباليستية عابرة القارات، ولكن هنالك أساليب أخرى تتطلب توظيف أموال كثيرة. وأحد أمثلتها إنتاج المركبات الفضائية المشار إليها أعلاه. وثمة شكوك في ما إذا كان بمقدور الصين تطوير هذه المقدرات. ويرى بعض المحللين الصينيين أن القائمين على الصناعة الدفاعية قد زجوا بهذا الموضوع، على الرغم من أن تلك المركبات مشكوك فيها تكنولوجياًوتتسم بارتفاع التكلفة، وذلك بهدف الحصول على ميزانية دفاع أكبر تماماً مثلما تستخدم المؤسسة العسكرية الصينية الصواريخ الدفاعية الباليستية كذريعة للحصول على مخصصات أوفر في الميزانية.
ويبدو أن الصين تعمل أيضاً في تدابير مضادة متنوعة لهزيمة الصواريخ الدفاعية التكتيكية من خلال تحسين صواريخها الباليستية متوسطة المدى. وقد أوردت صحيفة (الواشنطن تايمز) في يوليو 2002 أن الصين أجرت اختباراً لإطلاق صاروخ متوسط المدى (CSS-5 أو Dong Feng-21) يحمل رؤوساً حربية زائفة مصممة لهزيمة صواريخ الدفاع الباليستية. وبدأت الصين تعمل على رفع قدرات قوى صواريخها القديمة (CSS-2) متوسطة المدى منذ أواخر التسعينات، مستخدمة تقنية صواريخ(CSS-5) المتطورة والقادرة على حمل رؤوس نووية. وهذا النوع من الصواريخ يتم نشره، كما أشار تقرير لمركز الاستخبارات الجوية الوطني التابع لسلاح الجو الأمريكي عام 1997، قرب الحدود الصينية ليشمل مداها كلاً من روسيا والهند واليابان.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1096::/cck::
::introtext::
لماذا كانت لغة الصين حول دفاع الصواريخ الباليستية خافتة إلى ذلك الحد؟ إن الإجابة عن هذا السؤال، بصفة عامة، تتداخل فيها أربعة عناصر، وهي الفشل في إقامة جبهة روسية-صينية موحدة ضد دفاع الصواريخ الباليستية وتقليل التقييم التكنولوجي لقدرات النظام وفهم أفضل للقضايا وإعطاء الأولوية القصوى للحفاظ على علاقات صينية-أمريكية مستقرة وكذلك التغييرات التكتيكية في السياسة الصينية تجاه اليابان.
::/introtext::
::fulltext::
المصدر: المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية”سرفايفل” (Survival)، المجلد السادس والأربعون، العدد الثاني، صيف عام 2004، (ص 123-142)
قام مركز الخليج للأبحاث بترجمته ونشره في سلسلة ترجمات خليجية – العدد التاسع – 2006
ما بعد الحادي عشر من سبتمبر: مصادر التغيير
إذاً، لماذا كانت لغة الصين حول دفاع الصواريخ الباليستية خافتة إلى ذلك الحد؟ إن الإجابة عن هذا السؤال، بصفة عامة، تتداخل فيها أربعة عناصر، وهي الفشل في إقامة جبهة روسية-صينية موحدة ضد دفاع الصواريخ الباليستية وتقليل التقييم التكنولوجي لقدرات النظام وفهم أفضل للقضايا وإعطاء الأولوية القصوى للحفاظ على علاقات صينية-أمريكية مستقرة وكذلك التغييرات التكتيكية في السياسة الصينية تجاه اليابان. ويبدو أن الصين قبلت، على مضض، بالفرضية التي تقول إن نشر دفاع الصواريخ الباليستية أمر لا مفر منه، وإن الولايات المتحدة ستمضي قدماً في إقامة شكل من أشكال نظام صواريخ الدفاع الوطني. وستنشئ اليابان هي الأخرى نظام دفاع الصواريخ التكتيكي غير عابئة برد فعل بكين. وهذا لا يعني أن مخاوف الصين الأساسية قد زالت، بل اختارت الصين أن تركز في الوقت الراهن على مشكلتها الداخلية وتعديل أسلوب سياستها الخارجية حسبما يتطلبه الموقف.
فشل التعاون الروسي-الصيني
حرصت الصين خلال أواخر التسعينات وأوائل عام 2000 على تقوية جبهة صينية-روسية معارضة لدفاع الصواريخ الباليستية. فعندما أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية في يناير 1999 قرارها برصد مزيد من التمويل لبحوث دفاع الصواريخ الباليستية كان أحد ردود الأفعال الصينية هو تسريع محادثاتها مع موسكو حول تبني موقف مشترك بينهما. وفي إبريل 1999، أصدرت الصين وروسيا بياناً مشتركاً أعربتا فيه عن قلقهما في هذا الخصوص وأعلنتا عن عزمهما على مواصلة مشاوراتها. كما قدمت روسيا والصين في أكتوبر 1999 مشروع قرار أمام لجنة الأمم المتحدة الأولى الخاصة بنزع السلاح والأمن الدولي يطالب بوجوب امتثال برامج الولايات المتحدة لشروط معاهدة مناهضة الصواريخ الباليستية. ونجحت الصين كذلك في إصدار بيان مشترك مع روسيا وطاجيكستان وكازاخستان وقيرغيزستان يعارض نشرالصواريخ التكتيكية في منطقة آسيا والمحيط الهادئ.
وقد تهاوت هذه الجبهة عندما أعلنت الولايات المتحدة قرارها بإلغاء معاهدة حظر الصواريخ الباليستية من جانب واحد في الرابع عشر من ديسمبر 2001. وكان رد الفعل الروسي متحفظاً، فقد صرح الرئيس الروسي السابق فلاديمير بوتين بأن روسيا تعتبر الخطوة (خاطئة). وعبر وزير الدفاع سيرغي إيفانوف عن رغبة روسيا في المضي قدماً في خطط خفض الترسانات النووية. ولم تكن تصرفات روسيا مفاجئة حسبما يرى بعض المحللين الصينيين.
فقد علق أحد هؤلاء المحللين، وهو من الخبراء الحكوميين، بقوله (إنني أشك في أن روسيا تهتم أصلاً بمسألة دفاع الصواريخ التكتيكي أو حتى دفاع الصواريخ الوطني، حيثإن التقديرات تشير إلى أن المستهدف بهذه الأنظمة هو الصين، وليس روسياً). وقيل إن بوش أكد لبوتين أن النظام ليس موجهاً ضد موسكو، وأن الولايات المتحدة ليست لديها الرغبة في تحييد الرادع النووي الروسي. وشاركت الولايات المتحدة وروسيا في حوار حول التعاون في مجال الدفاع الصاروخي، كما جرت محاولات لتحريك سعي مشترك مر عليه عقد من الزمن للسماح بالكشف المبكر عن إطلاق الصواريخ. غير أن مثل تلك الضمانات لم يتم منحها للصين قط، الأمر الذي أذكى جذوة الاعتقاد في بكين بأن دفاع الصواريخ الباليستية يستهدفها هي.
التقييم التكنولوجي
يبدو أن الصين قد استنتجت أيضاً، أنه ومن وجهة النظر التكنولوجية،لا يزال هناك مشوار طويل أمام هذه الأنظمة قبل أن يتم نشرها فعلياً. ويشك البعض في إمكانية أن يتم نشر صواريخ الدفاع الوطني بنهاية عام 2004 مثلما وعد بوش. أصبح الخبراء الصينيون الآن على معرفة تامة بالجوانب الفنية لصواريخ الدفاع الباليستية. وبينما ظل بعضهم قلقاً بشأن الآثار السلبية التي قد تنجم عن النظام على المدى البعيد، فإن هنالك وجهة نظر تقول إنه كان هناك كثير من المبالغة في وصف الفاعلية الفنية للنظام. ولا تتطلب خطة بوش الحالية القاضيةبإنتاج عشرين صاروخ اعتراض رد فعل عاجلاً من الصين كما يرى أحد خبراء الحد من التسلح الصيني. ويرى آخر أن الصين يمكنها التعايش مع صواريخ الدفاع الباليستية إذا ما ظلت التركيبة محدودة. ويثق الخبراء بأن الصين ستتمكن على المدى الطويل من مواجهة صواريخ الدفاع الباليستية، وذلك (بافتراض أن قوتها الاقتصادية ستستمر في النمو فترة زمنية قادمة تستطيع الصين أن تنتج بسهولة 600 صاروخ (عابر للقارات بحلول عام 2020م، وهو رقم لا يمكن لصواريخ الدفاع الباليستية ردعه أبداً). ويمكن أن تتضاعف ميزانية الدفاع الصينية بحلول عام 2005 اعتماداً على معدلات الزيادة الحالية. وقد تنبأت (البنتاغون) في يوليو 2002 بأن الإنفاق العسكري السنوي للصين سيزداد إلى ثلاثة أو أربعة أضعاف بحلول عام 2020. كما أن هنالك وجهة نظر تقول إن الهجوم في حالة أي مواجهة بين الصواريخ الباليستية عابرة القارات وصواريخ الدفاع الباليستية الهجومية سيكون دائماً أقل تكلفة بكثير من الدفاع وأقل حاجة إلى البرامج التكنولوجية. وربما يرى البعض في الصين، بناءً على تكلفة مشروع صواريخ الدفاع الباليستية، أن تلك ميزانيات عسكرية مدمرة ستضعف تلك الدول التي تتبناها بدلاً من تقويتها.
الحفاظ على علاقات مستقرة بين الولايات المتحدة والصين
اتخذت إدارة بوش منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر خطوات مهمة لإغراء الصين بالمشاركة في مزيد من المشاورات المنتظمة، بما فيها مباحثات تم عقدها في بكين حول الأمن الاستراتيجي والحد من الأسلحة ووقف انتشارها من قبل جميع الأطراف.
كما استأنفت الإدارة اجتماعات ثنائية رفيعة المستوى في إطار المشاورات الدفاعية، والتي أعطت جدول التبادل العسكري-العسكري شكلاً رسمياً. وفضلت بكين، على الرغم من وجود قضايا صعبة عالقة مثل العلاقات التجارية وضوابط التصدير، محاولة الوصول إلى علاقات ثنائية مستقرة أكثر من التركيز على جوانب معينة متنازع عليها. وبما أن الأولوية القصوى للصين هي التنمية الاقتصادية الداخلية، فقد تم تعديل سياسة البلاد الخارجية في اتجاه تعزيز علاقات مستقرة تؤدي إلى مزيد من النمو. وفوق ذلك، فقد أدركت الصين -كما أشار إلى ذلك أحد خبراء الأمن الصينيين- بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر أن لدى الولايات المتحدة من القوة بحيث يصعب معارضتها في كل الأحوال سياسياً وعسكرياً واقتصادياً. والأهمية التي توليها الصين لإقامة علاقات صينية-أمريكية مستقرة يمكن أن تعزى أيضاً لرغبتها في أن تكون وسيطاً فاعلاً في أزمة شبه الجزيرة الكورية المتفاقمة، والتي تمس بطريقة مباشرة مصالح الصين الأمنية. ذلك أن سقوط نظام كيم يونغ إيل في كوريا الشمالية قد يؤدي إلى دخول القوات الأمريكية المتمركزة في كوريا الجنوبية مباشرة إلى الحدود الصينية-الكورية. وستشهد الصين تدفق طوفان من اللاجئين من كوريا الشمالية نتيجة للفوضى التي سيحدثها الاضطراب الاقتصادي الشديد. كما قد يتحول التوازن السياسي العسكري في شمال شرق آسيا لمصلحة طرف واحد. إذاً هناك تخوف من جانب الصين من أن سقوط نظام كوريا الشمالية سيضر بأمن بكين. وعلى هذا، يبدو أنه ليس أمام الصينيين من خيار سوى تبني طريقة متهادنة حتى في القضايا السياسية التي قد يكون وضعهم فيها غير مؤاتٍ وحتى في مسألة دفاع الصواريخ الباليستية التي تثير الصين حولها شكوكاً قوية، يبدو أنها غير راغبة في تغيير وضع التعاون القوي الذي تبنته مع واشنطن بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر.
سياسة الصين مع اليابان
حدثت أيضاً نقلة ملحوظة في سياسة الصين تجاه اليابان. ويبدو أن القيادة الصينية قد تعلمت أن (الغلظة) في المسائل التاريخية من المحتمل أن تثير مشاعر مناهضة لها أكثر من الحصول على اعتذارات من الشعب الياباني. وتمثل مصداق هذا التوجه في زيارة جيانغ زيمين إلى طوكيو في خريف عام 1998. كما أن الصين خففت من لجهتها عندما زار زهو رونغجي اليابان في عام 1999. ومثلما كان الأمر في علاقاتها مع الولايات المتحدة، فإن مبعث هذه النقلة يكمن في رغبة الصين، وإن كان ذلك بشكل مؤقت،في التغاضي عن بعض المشكلات العالقة من أجل الحفاظ على علاقات مستقرة تكون في مصلحة التنمية الاقتصادية للصين.
ويبدو من المرجح أن تستمر الصين، ما دام تركيزها منصباً على اقتصادها، في السعي نحو إحراز تعاون ثنائي أوسع وتجنب النزاع. ويرى يانغ بوجنغ، وهو محلل في المعهد الحكومي الصيني للعلاقات الدولية المعاصرة، أن هنالك حاجة إلى(تفكير جديد) في العلاقات الصينية-اليابانية، ذلك أن التحسن الحقيقي في العلاقات المشتركة والتعاون الثنائي الوثيق ستكون لهما قيمة استراتيجية عظيمة لا يقتصر تأثيرها على المنافع العملية المادية مثل التعاون الاقتصادي والفني فقط. ويكمن مصدر آخر لهذه النقلة في تزايد ثقة الصين بنفسها بصورة عامة. ذلك أنه ومثلما لاحظ كل من ميدروس وتايلور، فقد تزايد الإدراك لدى الصين بضرورة التغير من صورة (عقلية الضحية)إلى صورة(عقلية القوى العظمى). ويقول آخرون إن على الصين تبني سياسة أقل تشدداً في التعامل مع المشكلات العالقة في العلاقات الصينية-اليابانية، بما في ذلك صواريخ الدفاع التكتيكية، وذلك أنه(ومهما يكن من أمر، فإن اليابان تسير إلى اضمحلال مقارنة بالصين على المدى الطويل). ويؤكد البروفيسور فيثانغ زاووكي المحاضر في الأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية أنه يمكن تلخيص الشعور العام لدى عامة اليابانيين تجاه الصين بأنه الخوف من تنامي الصين القوية. إن النمو الاقتصادي مقارنة بالركود الاقتصادي الياباني ساعد على انتشار الشعور المرضي بأن الصين تشكل تهديداً لليابانيين. وبصورة خاصة، يلاحظ المراقبون احتمال تناقص مقدرة اليابان الدفاعية إذا استمر الشلل الاقتصادي فيها. لذلك فإنه ينبغي على الصين ألا تهتم كثيراً ببرامج اليابان الدفاعية مثل صواريخ الدفاع التكتيكية. ويقول أحد المحللين(بما أن مصير اليابان هو السقوط ليس اقتصادياً فحسب، ويتساءل بالقول: فهل من الحصافة حقاً بالنسبة لليابان من الناحية العسكرية أن تحول مواردها إلى نظام مشكوك فيه تكنولوجياً مثل صواريخ الدفاع التكتيكي؟ إن هنالك طرقاً عديدة للغاية لكي تقوي اليابان قدراتها بشكل أكثر ضماناً إذا ما كانت تهتم فعلاً بأمر دفاعها).
وعلى الرغم من خفوت معارضتها لصواريخ الدفاع الباليستية، فإن بعض المحللين الصينيين يشيرون إلى أن ذلك لا يعني زوال القلق الصيني حول هذا النظام كلياً. ويبررون ذلك بأنه، على المستوى الجوهري، ليس ثمة تغيير حقيقي، وأن الصين مازالت ترى في صواريخ الدفاع الباليستية مشكلة مستعصية الحل بينها وبين الولايات المتحدة واليابان. ويؤكدون بصفة خاصة أن صواريخ الدفاع الوطني ما هي إلا انعكاس لرغبة الولايات المتحدة في حرمان الصين من ردعها النووي (واستعداد اليابان للمساعدة في مثل هذه المحاولات الاحتوائية بانضمامها إلى مبادرة صواريخ الدفاع التكتيكي التي تقودها الولايات المتحدة في آسيا). وفي هذا الإطار، يبدو أن للصين رغبة متأصلة في أن يكون تعاون الولايات المتحدة معها جدياً باعتبارها قوة صاعدة.
(سيتحقق التكافؤ الاستراتيجي بين الصين واليابان بحلول عام 2020. وعندها، ولأول مرة، ستحترم الولايات المتحدة الصين حقاً، وستتنازل عن القضايا الأمنية من مثل إعادة توحيد تايوان مع الوطن الأم).
ردود الأفعال الصينية المحتملة
ليس هنالك من إجماع واضح وسط مجتمع السياسة الأمنية الصينية حول كيفية الرد على الدفاع الصاروخي. فبينما يناصر فريق من المحللين أسلوب الترقب، يدعو فريق آخر إلى اتخاذ إجراء عدائي. ويبدو أن الصينيين أنفسهم غير واثقين بالطريقة التي يتعاملون بها مع هذه المسألة على ضوء مصالح البلاد المتنوعة من النواحي الدبلوماسية والأمنية والسياسية الداخلية. لكن هنالك سلسلة من ردود الأفعال التي تدور في الأوساط الأمنية بهذا الخصوص، وتشمل تسريع التحديث الاستراتيجي والتراجع عن الالتزامات الخاصة بالحد من التسلح وإجراء مراجعات للمبادئ النووية الصينية ووضع القوة النووية.
تسريع عملية التحديث الاستراتيجي
هنالك إجماع واضح على أن (دفاع الصواريخ الباليستية) ليس هو الدافع المباشر وراء التحديث العسكري الاستراتيجي في الصين (فقد بدأت عملية التحديث في الثمانينات قبل أن تصبح صواريخ الدفاع الباليستية قضية بزمن طويل)،لكن أصبح هنالك ارتباط الآن بين الأمرين. ومن هنا، فإنه من المرجح أن تظل جهود التحديث الاستراتيجي الصيني في المستقبل تحمل صدى مخاوف الصين حول خطط الولايات المتحدة الخاصة بصواريخ الدفاع الباليستية من حيث الكمية والنوعية معاً.
فمن حيث الكمية،هنالك إجماع على أن صواريخ الدفاع الوطني ستحدد الحجم النهائي للترسانة النووية الصينية، غير أن معدل الزيادة لايزال موضوع جدل ساخن. ففي عام 2003، قدرت وزارة الدفاع الأمريكية أن ترسانة الصين من الصواريخ الباليستية عابرة القارات والقادرة على ضرب الولايات المتحدة قد تزداد من عشرين إلى نحوثلاثين بحلول عام 2005. ومن الممكن أن تصل إلى ستين بحلول عام 2010. ويظهر أن نسبة الزيادة ستعتمد على الكيفية التي تحكم بها القيادة الصينية على فاعلية صواريخ الدفاع الوطني. ويقول دينغلي شين:
(ربما تضطر الصين إلى وضع أسوأ افتراض، وهو أنه بإمكان النظام أن يحرز معدل اعتراض عالياً بشكل مذهل يصل إلى 90 في المائة. وفي هذه الحالة، سيكون من السهل الرد، وذلك ببساطة عن طريق زيادة الترسانة الصينية بمعدل تسعة أضعاف، وسيحقق هذا مستوى الردع نفسه، ويكلف ما يعادل نحو بضعة مليارات دولار على مدى زمني من عشرة إلى عشرين عاماً. ولن يكون من الصعب على الاقتصاد الصيني امتصاص تلك التكلفة، إن كان لا مناص من ذلك).
وهنالك خبراء صينيون مثل شين يجادلون بأن هذا الموضوع يحتاج إلى أن تتم معالجته على مدى زمني طويل. ويؤكد هؤلاء المحللون أن الصين ستجبَر على اتخاذ رد فعل عدواني إذا ما استنتجت أن صواريخ الدفاع الوطني ستبطل ردعها النووي. ويذهب بعض المحللين أبعد من ذلك فيؤكدون أن الصين قادرة على أن تنشر ستمائة من الصواريخ الباليستية عابرة القارات بحلول عام 2020 إذا ما تواصل نموها الاقتصادي والعسكري. وهذا ما عبر عنه شو شولونغ، الذي كان وقتها باحثاً في (معهد الصين للعلاقات الدولية المعاصرة)، في عام 2000، إذ قال:
(لا تواجه الصين مشكلة في أن تزيد ترسانتها بمعدل مائة صاروخ سنوياً حتى مع وجود قيود الميزانية الحالية، فإنتاج هذه الصواريخ لا يكلف كثيراً).
وإذا كان الأمر كذلك، فلن تتسنى لصواريخ الدفاع الوطني، كما يستنتج المحللون، الفرصة للقضاء على تأثير الردع النووي الصيني. وكذلك تعمل الصين على تحسين قدراتها على العمل في ظروف الطوارئ في شرق آسيا. وتمتلك الصين في الوقت الراهن ترسانة تضم قرابة 450 صاروخاً باليستياً قصيرة المدى لها القدرة على ضرب تايوان. وتشير وزارة الدفاع الأمريكية إلى أن هذا العدد قابل للزيادة بشكل ملموس خلال السنوات القليلة المقبلة.
ومن المتوقع أيضاً إنتاج تعزيزات نوعية مهمة. فقد جاء في التقرير الذي رفعت (البنتاغون) إلى الكونغرس في يوليو 2002 أن الصين (من المحتمل أن تتخذ إجراءات لتحسين مقدرتها على هزيمة نظام دفاع الصواريخ الباليستية بهدف الحفاظ على ردعها الاستراتيجي. وستشمل تلك الإجراءات المحتملة تحسين القدرة الاختراقية لصواريخها الباليستية عابرة القارات، وزيادة العدد المنشور من هذه الصواريخ وربما تطوير نظام رؤوس حربية مركبة لها أو (4 CSS-4) على الأرجح).
وهنالك تعزيزات أخرى محتملة، حسب تقرير لمجلس الاستخبارات الوطني الأمريكي لعام 1999، ومن بينها إجراء تحسينات في القدرة على التحرك والوقود الصلب والقيادة والتحكم والدقة. وقد ظلت تقارير البنتاغون إلى الكونغرس تحذر باستمرار من أن الصين تعمل على تحسين قدراتها في مجال القيادة والتحكم إلى جانب توظيفها للتكنولوجيا لإدخال تحسينات كبيرة على دقة الصاروخ في الوصول إلى الهدف. وربما تشرع الصين أيضاً في إنتاج أنظمة مضادة للأقمار الصناعية. وأشار تقرير البنتاغون في يوليو 2003 إلى أن الصين ربما تكون قد تمكنت فعلاً من الحصول على تكنولوجيا أجنبية متنوعة لتستخدمها في تطوير قدرات صينية فعالة مضادة للأقمار الصناعية.
ويرى البعض أن تطوير الصين لسفن فضائية مأهولة قد تكون له تأثيرات عسكرية كبيرة تشمل احتمال نشر مركبات تستطيع الرجوع إلى الأرض من جديد بعد رحلة فضائية وتكون ذات قدرة على المناورة. وذكر أن الصين بدأت بحوثاً حول المقدرات العسكرية المتقدمة كجزء من (قوة ردع الفضاء الخارجي) عقب تجربتها الناجحة في إطلاق رحلة فضائية مأهولة في الرابع عشر من أكتوبر 2003. وأشار المسؤولون الصينيون إلى أن بكين تعمل الآن على إنتاج الليزر والصواريخ القادرة على تدمير الأقمار الصناعية.
ويظهر أن لبكين القدرة تكنولوجياً واقتصادياً على تدبير بعض أساليب الرد على التحركات الأمريكية واليابانية مثل زيادة عدد الصواريخ الباليستية عابرة القارات، ولكن هنالك أساليب أخرى تتطلب توظيف أموال كثيرة. وأحد أمثلتها إنتاج المركبات الفضائية المشار إليها أعلاه. وثمة شكوك في ما إذا كان بمقدور الصين تطوير هذه المقدرات. ويرى بعض المحللين الصينيين أن القائمين على الصناعة الدفاعية قد زجوا بهذا الموضوع، على الرغم من أن تلك المركبات مشكوك فيها تكنولوجياًوتتسم بارتفاع التكلفة، وذلك بهدف الحصول على ميزانية دفاع أكبر تماماً مثلما تستخدم المؤسسة العسكرية الصينية الصواريخ الدفاعية الباليستية كذريعة للحصول على مخصصات أوفر في الميزانية.
ويبدو أن الصين تعمل أيضاً في تدابير مضادة متنوعة لهزيمة الصواريخ الدفاعية التكتيكية من خلال تحسين صواريخها الباليستية متوسطة المدى. وقد أوردت صحيفة (الواشنطن تايمز) في يوليو 2002 أن الصين أجرت اختباراً لإطلاق صاروخ متوسط المدى (CSS-5 أو Dong Feng-21) يحمل رؤوساً حربية زائفة مصممة لهزيمة صواريخ الدفاع الباليستية. وبدأت الصين تعمل على رفع قدرات قوى صواريخها القديمة (CSS-2) متوسطة المدى منذ أواخر التسعينات، مستخدمة تقنية صواريخ(CSS-5) المتطورة والقادرة على حمل رؤوس نووية. وهذا النوع من الصواريخ يتم نشره، كما أشار تقرير لمركز الاستخبارات الجوية الوطني التابع لسلاح الجو الأمريكي عام 1997، قرب الحدود الصينية ليشمل مداها كلاً من روسيا والهند واليابان.
::/fulltext::
::cck::1096::/cck::
