قراءة في مضمون معاهدة إعلان مبادئ الصداقة والتعاون طويلة الأمد العراقية الأمريكية والمخاطر المترتبة عليها

::cck::1088::/cck::
::introtext::

تمثل معاهدة إعلان مبادئ الصداقة والتعاون طويلة الأمد بين العراق والولايات المتحدة الأمريكية بداية لمرحلة جديدة في تاريخ العراق، لأنها سترسم معالم العملية السياسية والاقتصادية والأمنية فيه على المدى البعيد، كما أنها ستعمل على تحديد توجهات السياسة الخارجية للعراق. لذلك فإن الحديث عنها يثير الكثير من التساؤلات التي قد تصل أحياناً إلى حد الدهشة.

::/introtext::
::fulltext::

تمثل معاهدة إعلان مبادئ الصداقة والتعاون طويلة الأمد بين العراق والولايات المتحدة الأمريكية بداية لمرحلة جديدة في تاريخ العراق، لأنها سترسم معالم العملية السياسية والاقتصادية والأمنية فيه على المدى البعيد، كما أنها ستعمل على تحديد توجهات السياسة الخارجية للعراق. لذلك فإن الحديث عنها يثير الكثير من التساؤلات التي قد تصل أحياناً إلى حد الدهشة.

لقد ابتدأت بديباجة نصت على الآتي (لقد أكدت الحكومة العراقية في بيانها الصادر في 26 أغسطس 2007، والموقع من قبل القادة السياسيين الخمسة، والذي أيده الرئيس بوش، أن الحكومتين ملتزمتان بتطوير علاقة بعيدة الأمد كبلدين ذات سيادة واستقلال تامين، وأكد البيان ان العلاقة بين البلدين سوف تكون لصالح الأجيال المقبلة، وقد بنيت على التضحيات البطولية التي قدمها الشعبان العراقي والأمريكي من أجل الحرية والديمقراطية).

هذا الكلام لطيف في صياغته، لكن الشيء غير اللطيف فيه، هو أنه موجود في النسخة السرية للسفارة الأمريكية فقط، وغير موجود في النسخة الخاصة بالدكتور موفق الربيعي، ـ وهي النسخة التي ستوزع على أعضاء مجلس النواب العراقي ـ، هذه المسألة توصلنا إلى نتيجة مفادها أن الولايات المتحدة الأمريكية لا تريد أن تلزم نفسها مع الشعب والحكومة العراقية بأي من الكلام المذكور في نص الديباجة، وبالأخص ما يتعلق بمسألة (السيادة والاستقلال التامين للعراق…)، وكذلك عبارة (أن العلاقة ستكون لصالح الأجيال المقبلة…)، إنما ستكون المصلحة الأمريكية فوق الكل.

الولايات المتحدة تعتبر الاتفاقية الأمنية بمثابة صيغة قانونية لشرعية الوجود الأمريكي العسكري في العراق

ولكن السؤال المهم: هل يمتلك العراق الأهلية القانونية لتوقيع مثل هكذا معاهدة؟ فالعراق وبموجب ميثاق الأمم المتحدة فاقد للدولية، خصوصاً بعد الاجتياح العراقي للكويت عام 1990، والذي جعله يقع تحت طائلة الفصل السابع من الميثاق الدولي، حيث نص ذلك البند على تفويض مجلس الأمن اتخاذ إجراءات قسرية ضد أي من الدول التي يعتقد أنها تشكل تهديداً للسلام، إن الإجابة على هذا التساؤل تدفعنا إلى الحديث قليلاً عن مفهوم السيادة، إذ كان الرأي السائد في السابق أن الدولة هي اللاعب الرئيس في العلاقات الدولية، لأنها تتمتع بالسيادة، لأنه لا توجد سلطة أخرى تعلو عليها ما لم تقبلها بإرادتها، لذلك فإن وجهة النظر تلك قد تغيرت بعد ظهور المنظمات الدولية، إذ لم تعد الدولة تتمتع بذات السيادة المطلقة بعد أن أصبح التنظيم الدولي يحد من حريتها السابقة بشكل كبير، فعلى الرغم من أن ميثاق الأمم المتحدة في فقرته السابعة من المادة الثانية أكد على (ليس في هذا الميثاق ما يسوغ للأمم المتحدة أن تتدخل في الشؤون التي تكون من صميم السلطان الداخلي لدولة ما…)، ولكن أصبح اليوم من الصعب المواءمة بين السيادة بمعناها التقليدي وبين قيام المنظمات الدولية، فحالة التطور المستمر في القانون الدولي أضعف مبدأ السيادة المطلقة الذي كان سائداً منذ قرون، لذا فإن إقدام العراق على توقيع معاهدة أو اتفاقية معينة مع أي جهة خارجية، قد يكون ممكناً في ظل المفهوم الجديد للسيادة، والتي عملت على إعاقة قيام أي تنظيم دولي فعال، فضلاً عن أنها أصبحت الوسيلة التي شجعت الدول القوية على الاعتداء على الدول الضعيفة، وسنلاحظ ذلك من خلال بنود الاتفاقية المذكورة، التي تضمنت ثلاثة مجالات أو محاور:

1ـ المجال السياسي والدبلوماسي: ويضم سبعة بنود، وأحاول قراءة بعض بنودها، إذ يؤكد البند الأول على دعم الحكومة العراقية في حماية النظام الديمقراطي في العراق من الأخطار التي تواجهه داخلياً وخارجياً.

وهذا يثير غرابة وتساؤلاً، فالمعروف في لغة العلاقات الدولية أن الاتفاقيات حينما تبرم بين الدول المستقلة يكون النص فيها دائماً على نحو يؤكد تعهد الطرفين على حماية كل منهما للآخر، أما النص المذكور فيؤكد على عدم تكافؤ العلاقة بين طرفي المعاهدة.

وهنالك بند آخر يؤكد على (احترام الدستور وصيانته باعتباره تعبيراً عن إرادة الشعب العراقي، والوقوف بحزم أمام أية محاولة لتعطيله أو تعليقه أو تجاوزه). وهنا لا يجوز أن تتعهد جهة خارجية بحماية الدستور، فهذا مخالف للدستور، كما أن عدم اكتمال البناء السياسي العراقي سيثير تساؤلاً مهماً حول الجهة التي ستمثل العراق في هذه المفاوضات.

2ـ المجال الاقتصادي: لقد ضم هذا المحور ستة بنود، وقد نصت على (دعم العراق للنهوض في مختلف المجالات الاقتصادية وتطوير قدراته الإنتاجية ومساعدته على الانتقال إلى اقتصاد السوق).

كما نصت على (المساعدة في دفع الأطراف المختلفة إلى الالتزام بتعهداتها تجاه العراق، كما وردت في العهد الدولي مع العراق).

كما نصت أيضاً على (تسهيل وتشجيع تدفق الاستثمارات الأجنبية إلى العراق للمساهمة في عمليات الإعمار والبناء).

3ـ المحور الأمني: وهو المحو الأخطر في الموضوع، ويضم ثلاثة بنود أساسية أهمها:

ـ (تقديم مساعدات أمنية للحكومة العراقية، والالتزام بردع أي عدوان خارجي يستهدف العراق وينتهك سيادته وحرمة أراضيه ومياهه وأجوائه).

ـ (مواجهة المجموعات الإرهابية، وفي مقدمتها القاعدة وبقايا النظام السابق، والقضاء على شبكاتها اللوجستية ومصادر تمويلها وإلحاق الهزيمة بها واجتثاثها من العراق).

الهدف الأساسي للولايات المتحدة من غزوها العراق هو إقامة قواعد عسكرية دائمة في العراق

نستنتج من ذلك أن رغبة الولايات المتحدة الأمريكية من وراء تحقيق الاتفاق المذكورة هو تحقيق الآتي:

1ـ محاولة الإدارة الأمريكية استيعاب ضغوط الديمقراطيين المتزايدة بسحب القوات الأمريكية من العراق، بعد فشل السياسة الأمريكية هناك، والتكلفة البشرية والمادية العالية، فهو صيغة قانونية لشرعنة الوجود العسكري الأمريكي في العراق، وتحقيق الأهداف الأمريكية السياسية  والاقتصادية، والتي دفعته لغزو العراق وإسقاط نظامه السياسي، لذلك وفي محاولة من جانب الإدارة الأمريكية لتمرير هذا الاتفاق، اعتبرت أنه ليس معاهدة دولية، بل هو اتفاق إطاري نظري لتنظيم العلاقات بين الجانبين، وأن الصلاحيات الدستورية للرئيس بوش تمنحه حق التوقيع عليه من دون عرضه على الكونغرس ذي الأغلبية الديمقراطية.

2ـ يوفر هذا الاتفاق للإدارة الأمريكية غطاءً شرعياً لاستمرار وجودها العسكري في العراق بعد انتهاء تفويض الأمم المتحدة العام المقبل للقوات الدولية، بل إن هذا الغطاء يقنن شكل الوجود الأمريكي، الذي يأخذ شكل القواعد الدائمة، فمن ناحية فإن مضمون إعلان المبادئ في بعده الأمني، يشير إلى حماية العراق ضد الأخطار الخارجية والداخلية، وحماية الحكومة العراقية من أي محاولة للانقلاب عليها من جانب الجماعات الخارجة على القانون، وهو بذلك يرهن أمن واستقرار العراق واستمرار الحكومة تحت الحماية الأمريكية، حيث تشير مسودة الإعلان إلى إشراف أمريكي لعشر سنوات على وزارتي الداخلية والدفاع والاستخبارات العامة، ومن ناحية ثانية، ففي ظل الظروف غير الطبيعية التي يعيشها العراق من استمرار تعثر العملية السياسية وتصاعد العنف وعدم الاستقرار المرشح للاستمرار لفترة طويلة من الزمن، في ظل استمرار حالة الخلل في إدارة العملية السياسية التي ترتكز على الطائفية وعدم بناء مؤسسات الدولة خاصة الجيش والشرطة، فمعنى ذلك أن العراق سيظل الحاضنة الأمريكية، والقوات الأمريكية هي الوصي في بلوغه مرحلة الرشد، وبالتالي تبرير الوجود الدائم في العراق، خاصة أن إعلان المبادئ لم يتناول وضع جدول زمني أو سقف للوجود الأمريكي، ورغم تصريح مستشار الأمن القومي العراقي موفق الربيعي بأن وجود قواعد دائمة خط أحمر، إلا أن صانعي القرار العراقيين لم ينفوا ذلك.

الولايات المتحدة تعتبر الاتفاقية الأمنية بمثابة صيغة قانونية لشرعية الوجود الأمريكي العسكري في العراق

3ـ برغم أن إعلان المبادئ ينظم العلاقات السياسية والاقتصادية والأمنية، إلا أن البعد الأمني هو المهم، فالهدف الأساسي للولايات المتحدة من غزوها العراق هو إقامة قواعد عسكرية دائمة في العراق، تكون مرتكزاً لتنفيذ مخططاتها في المنطقة، وإقامة الشرق الأوسط الكبير، واحتواء وتطويق إيران، باعتبارها تمثل الخطر الأكبر على مصالحها وعلى مصالح حليفتها (إسرائيل)، وتكون هذه القواعد منطلقاً لأية عمليات عسكرية في المستقبل ضد إيران، وضرب برنامجها النووي. وإذا كان الاتفاق ينص على حماية العراق ضد الأخطار الخارجية كتبرير لاستمرار الوجود العسكري، فإن هذا المنطق يخالف الواقع، فخبرة العقود الأربعة الاخيرة تشير إلى أن العراق كان هو مصدر التهديد في المنطقة بعد حرب إيران ثم غزو الكويت، ولم يتعرض لتهديدات أمنية حقيقية من الخارج.

4ـ تستهدف الولايات المتحدة الأمريكية من هذا الاتفاق إدماج العراق في المنظومة الغربية بشكل عام، والمنظومة الأمريكية بشكل خاص، على كافة المستويات، على غرار تجربة اليابان وألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، فسياسياً إقامة نظام ليبرالي غير معادٍ للمصالح الغربية، ويتوافق مع توجهات السياسة الخارجية الأمريكية تجاه قضايا المنطقة، وخطورة ذلك أنه يسلخ العراق عن توجهاته العروبية، واقتصادياً فإن عملية تحويل اقتصاده إلى اقتصاد السوق، وإدماجه في المنظومة الاقتصادية العالمية بعد ضم العراق لمنطقة التجارة العالمية، هذا التشابك يجعل نمو الاقتصاد العراقي يعتمد بشكل أساسي على الاقتصاد الأمريكي أو التبادل التجاري، وهذا سيحقق مزايا اقتصادية عديدة للولايات المتحدة الأمريكية، فمن ناحية يضمن سيطرة شركاتها على إنتاج وتصدير النفط العراقي، بما يستعيد تكلفة الحرب، ويفتح السوق العراقية أمام المنتجات الأمريكية. والمشكلة هنا أن الاقتصاد العراقي الذي ارتكز على القطاع العام وسيطرة الدولة والنفط كمصدر أساسي للدخل القومي، جعل المواطن يعتمد في حياته بشكل أساسي على الدولة لفترة طويلة، وقد أدت الحروب العديدة التي عاشها العراق إلى تدهور اقتصاده وانتشار البطالة والفقر وتدمير البنية الأساسية وانهيار مؤسسات الدولة، وبالتالي فغياب دور الدولة في التنمية والاعتماد على القطاع الخاص وفقاً لاقتصاد السوق في المرحلة المقبلة، سوف يزيدان من معدلات الفقر في العراق وتعثر التنمية الاقتصادية.

ومع ذلك ستظل اتفاقية إعلان مبادئ الصداقة والتعاون طويلة الأمد بين العراق والولايات المتحدة الأمريكية، والاتفاق الأمني ـ تحديداً ـ مصادرة أمريكية لمستقبل العراق!

                         

::/fulltext::

army6-098
Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1088::/cck::
::introtext::

تمثل معاهدة إعلان مبادئ الصداقة والتعاون طويلة الأمد بين العراق والولايات المتحدة الأمريكية بداية لمرحلة جديدة في تاريخ العراق، لأنها سترسم معالم العملية السياسية والاقتصادية والأمنية فيه على المدى البعيد، كما أنها ستعمل على تحديد توجهات السياسة الخارجية للعراق. لذلك فإن الحديث عنها يثير الكثير من التساؤلات التي قد تصل أحياناً إلى حد الدهشة.

::/introtext::
::fulltext::

تمثل معاهدة إعلان مبادئ الصداقة والتعاون طويلة الأمد بين العراق والولايات المتحدة الأمريكية بداية لمرحلة جديدة في تاريخ العراق، لأنها سترسم معالم العملية السياسية والاقتصادية والأمنية فيه على المدى البعيد، كما أنها ستعمل على تحديد توجهات السياسة الخارجية للعراق. لذلك فإن الحديث عنها يثير الكثير من التساؤلات التي قد تصل أحياناً إلى حد الدهشة.

لقد ابتدأت بديباجة نصت على الآتي (لقد أكدت الحكومة العراقية في بيانها الصادر في 26 أغسطس 2007، والموقع من قبل القادة السياسيين الخمسة، والذي أيده الرئيس بوش، أن الحكومتين ملتزمتان بتطوير علاقة بعيدة الأمد كبلدين ذات سيادة واستقلال تامين، وأكد البيان ان العلاقة بين البلدين سوف تكون لصالح الأجيال المقبلة، وقد بنيت على التضحيات البطولية التي قدمها الشعبان العراقي والأمريكي من أجل الحرية والديمقراطية).

هذا الكلام لطيف في صياغته، لكن الشيء غير اللطيف فيه، هو أنه موجود في النسخة السرية للسفارة الأمريكية فقط، وغير موجود في النسخة الخاصة بالدكتور موفق الربيعي، ـ وهي النسخة التي ستوزع على أعضاء مجلس النواب العراقي ـ، هذه المسألة توصلنا إلى نتيجة مفادها أن الولايات المتحدة الأمريكية لا تريد أن تلزم نفسها مع الشعب والحكومة العراقية بأي من الكلام المذكور في نص الديباجة، وبالأخص ما يتعلق بمسألة (السيادة والاستقلال التامين للعراق…)، وكذلك عبارة (أن العلاقة ستكون لصالح الأجيال المقبلة…)، إنما ستكون المصلحة الأمريكية فوق الكل.

الولايات المتحدة تعتبر الاتفاقية الأمنية بمثابة صيغة قانونية لشرعية الوجود الأمريكي العسكري في العراق

ولكن السؤال المهم: هل يمتلك العراق الأهلية القانونية لتوقيع مثل هكذا معاهدة؟ فالعراق وبموجب ميثاق الأمم المتحدة فاقد للدولية، خصوصاً بعد الاجتياح العراقي للكويت عام 1990، والذي جعله يقع تحت طائلة الفصل السابع من الميثاق الدولي، حيث نص ذلك البند على تفويض مجلس الأمن اتخاذ إجراءات قسرية ضد أي من الدول التي يعتقد أنها تشكل تهديداً للسلام، إن الإجابة على هذا التساؤل تدفعنا إلى الحديث قليلاً عن مفهوم السيادة، إذ كان الرأي السائد في السابق أن الدولة هي اللاعب الرئيس في العلاقات الدولية، لأنها تتمتع بالسيادة، لأنه لا توجد سلطة أخرى تعلو عليها ما لم تقبلها بإرادتها، لذلك فإن وجهة النظر تلك قد تغيرت بعد ظهور المنظمات الدولية، إذ لم تعد الدولة تتمتع بذات السيادة المطلقة بعد أن أصبح التنظيم الدولي يحد من حريتها السابقة بشكل كبير، فعلى الرغم من أن ميثاق الأمم المتحدة في فقرته السابعة من المادة الثانية أكد على (ليس في هذا الميثاق ما يسوغ للأمم المتحدة أن تتدخل في الشؤون التي تكون من صميم السلطان الداخلي لدولة ما…)، ولكن أصبح اليوم من الصعب المواءمة بين السيادة بمعناها التقليدي وبين قيام المنظمات الدولية، فحالة التطور المستمر في القانون الدولي أضعف مبدأ السيادة المطلقة الذي كان سائداً منذ قرون، لذا فإن إقدام العراق على توقيع معاهدة أو اتفاقية معينة مع أي جهة خارجية، قد يكون ممكناً في ظل المفهوم الجديد للسيادة، والتي عملت على إعاقة قيام أي تنظيم دولي فعال، فضلاً عن أنها أصبحت الوسيلة التي شجعت الدول القوية على الاعتداء على الدول الضعيفة، وسنلاحظ ذلك من خلال بنود الاتفاقية المذكورة، التي تضمنت ثلاثة مجالات أو محاور:

1ـ المجال السياسي والدبلوماسي: ويضم سبعة بنود، وأحاول قراءة بعض بنودها، إذ يؤكد البند الأول على دعم الحكومة العراقية في حماية النظام الديمقراطي في العراق من الأخطار التي تواجهه داخلياً وخارجياً.

وهذا يثير غرابة وتساؤلاً، فالمعروف في لغة العلاقات الدولية أن الاتفاقيات حينما تبرم بين الدول المستقلة يكون النص فيها دائماً على نحو يؤكد تعهد الطرفين على حماية كل منهما للآخر، أما النص المذكور فيؤكد على عدم تكافؤ العلاقة بين طرفي المعاهدة.

وهنالك بند آخر يؤكد على (احترام الدستور وصيانته باعتباره تعبيراً عن إرادة الشعب العراقي، والوقوف بحزم أمام أية محاولة لتعطيله أو تعليقه أو تجاوزه). وهنا لا يجوز أن تتعهد جهة خارجية بحماية الدستور، فهذا مخالف للدستور، كما أن عدم اكتمال البناء السياسي العراقي سيثير تساؤلاً مهماً حول الجهة التي ستمثل العراق في هذه المفاوضات.

2ـ المجال الاقتصادي: لقد ضم هذا المحور ستة بنود، وقد نصت على (دعم العراق للنهوض في مختلف المجالات الاقتصادية وتطوير قدراته الإنتاجية ومساعدته على الانتقال إلى اقتصاد السوق).

كما نصت على (المساعدة في دفع الأطراف المختلفة إلى الالتزام بتعهداتها تجاه العراق، كما وردت في العهد الدولي مع العراق).

كما نصت أيضاً على (تسهيل وتشجيع تدفق الاستثمارات الأجنبية إلى العراق للمساهمة في عمليات الإعمار والبناء).

3ـ المحور الأمني: وهو المحو الأخطر في الموضوع، ويضم ثلاثة بنود أساسية أهمها:

ـ (تقديم مساعدات أمنية للحكومة العراقية، والالتزام بردع أي عدوان خارجي يستهدف العراق وينتهك سيادته وحرمة أراضيه ومياهه وأجوائه).

ـ (مواجهة المجموعات الإرهابية، وفي مقدمتها القاعدة وبقايا النظام السابق، والقضاء على شبكاتها اللوجستية ومصادر تمويلها وإلحاق الهزيمة بها واجتثاثها من العراق).

الهدف الأساسي للولايات المتحدة من غزوها العراق هو إقامة قواعد عسكرية دائمة في العراق

نستنتج من ذلك أن رغبة الولايات المتحدة الأمريكية من وراء تحقيق الاتفاق المذكورة هو تحقيق الآتي:

1ـ محاولة الإدارة الأمريكية استيعاب ضغوط الديمقراطيين المتزايدة بسحب القوات الأمريكية من العراق، بعد فشل السياسة الأمريكية هناك، والتكلفة البشرية والمادية العالية، فهو صيغة قانونية لشرعنة الوجود العسكري الأمريكي في العراق، وتحقيق الأهداف الأمريكية السياسية  والاقتصادية، والتي دفعته لغزو العراق وإسقاط نظامه السياسي، لذلك وفي محاولة من جانب الإدارة الأمريكية لتمرير هذا الاتفاق، اعتبرت أنه ليس معاهدة دولية، بل هو اتفاق إطاري نظري لتنظيم العلاقات بين الجانبين، وأن الصلاحيات الدستورية للرئيس بوش تمنحه حق التوقيع عليه من دون عرضه على الكونغرس ذي الأغلبية الديمقراطية.

2ـ يوفر هذا الاتفاق للإدارة الأمريكية غطاءً شرعياً لاستمرار وجودها العسكري في العراق بعد انتهاء تفويض الأمم المتحدة العام المقبل للقوات الدولية، بل إن هذا الغطاء يقنن شكل الوجود الأمريكي، الذي يأخذ شكل القواعد الدائمة، فمن ناحية فإن مضمون إعلان المبادئ في بعده الأمني، يشير إلى حماية العراق ضد الأخطار الخارجية والداخلية، وحماية الحكومة العراقية من أي محاولة للانقلاب عليها من جانب الجماعات الخارجة على القانون، وهو بذلك يرهن أمن واستقرار العراق واستمرار الحكومة تحت الحماية الأمريكية، حيث تشير مسودة الإعلان إلى إشراف أمريكي لعشر سنوات على وزارتي الداخلية والدفاع والاستخبارات العامة، ومن ناحية ثانية، ففي ظل الظروف غير الطبيعية التي يعيشها العراق من استمرار تعثر العملية السياسية وتصاعد العنف وعدم الاستقرار المرشح للاستمرار لفترة طويلة من الزمن، في ظل استمرار حالة الخلل في إدارة العملية السياسية التي ترتكز على الطائفية وعدم بناء مؤسسات الدولة خاصة الجيش والشرطة، فمعنى ذلك أن العراق سيظل الحاضنة الأمريكية، والقوات الأمريكية هي الوصي في بلوغه مرحلة الرشد، وبالتالي تبرير الوجود الدائم في العراق، خاصة أن إعلان المبادئ لم يتناول وضع جدول زمني أو سقف للوجود الأمريكي، ورغم تصريح مستشار الأمن القومي العراقي موفق الربيعي بأن وجود قواعد دائمة خط أحمر، إلا أن صانعي القرار العراقيين لم ينفوا ذلك.

الولايات المتحدة تعتبر الاتفاقية الأمنية بمثابة صيغة قانونية لشرعية الوجود الأمريكي العسكري في العراق

3ـ برغم أن إعلان المبادئ ينظم العلاقات السياسية والاقتصادية والأمنية، إلا أن البعد الأمني هو المهم، فالهدف الأساسي للولايات المتحدة من غزوها العراق هو إقامة قواعد عسكرية دائمة في العراق، تكون مرتكزاً لتنفيذ مخططاتها في المنطقة، وإقامة الشرق الأوسط الكبير، واحتواء وتطويق إيران، باعتبارها تمثل الخطر الأكبر على مصالحها وعلى مصالح حليفتها (إسرائيل)، وتكون هذه القواعد منطلقاً لأية عمليات عسكرية في المستقبل ضد إيران، وضرب برنامجها النووي. وإذا كان الاتفاق ينص على حماية العراق ضد الأخطار الخارجية كتبرير لاستمرار الوجود العسكري، فإن هذا المنطق يخالف الواقع، فخبرة العقود الأربعة الاخيرة تشير إلى أن العراق كان هو مصدر التهديد في المنطقة بعد حرب إيران ثم غزو الكويت، ولم يتعرض لتهديدات أمنية حقيقية من الخارج.

4ـ تستهدف الولايات المتحدة الأمريكية من هذا الاتفاق إدماج العراق في المنظومة الغربية بشكل عام، والمنظومة الأمريكية بشكل خاص، على كافة المستويات، على غرار تجربة اليابان وألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، فسياسياً إقامة نظام ليبرالي غير معادٍ للمصالح الغربية، ويتوافق مع توجهات السياسة الخارجية الأمريكية تجاه قضايا المنطقة، وخطورة ذلك أنه يسلخ العراق عن توجهاته العروبية، واقتصادياً فإن عملية تحويل اقتصاده إلى اقتصاد السوق، وإدماجه في المنظومة الاقتصادية العالمية بعد ضم العراق لمنطقة التجارة العالمية، هذا التشابك يجعل نمو الاقتصاد العراقي يعتمد بشكل أساسي على الاقتصاد الأمريكي أو التبادل التجاري، وهذا سيحقق مزايا اقتصادية عديدة للولايات المتحدة الأمريكية، فمن ناحية يضمن سيطرة شركاتها على إنتاج وتصدير النفط العراقي، بما يستعيد تكلفة الحرب، ويفتح السوق العراقية أمام المنتجات الأمريكية. والمشكلة هنا أن الاقتصاد العراقي الذي ارتكز على القطاع العام وسيطرة الدولة والنفط كمصدر أساسي للدخل القومي، جعل المواطن يعتمد في حياته بشكل أساسي على الدولة لفترة طويلة، وقد أدت الحروب العديدة التي عاشها العراق إلى تدهور اقتصاده وانتشار البطالة والفقر وتدمير البنية الأساسية وانهيار مؤسسات الدولة، وبالتالي فغياب دور الدولة في التنمية والاعتماد على القطاع الخاص وفقاً لاقتصاد السوق في المرحلة المقبلة، سوف يزيدان من معدلات الفقر في العراق وتعثر التنمية الاقتصادية.

ومع ذلك ستظل اتفاقية إعلان مبادئ الصداقة والتعاون طويلة الأمد بين العراق والولايات المتحدة الأمريكية، والاتفاق الأمني ـ تحديداً ـ مصادرة أمريكية لمستقبل العراق!

                         

::/fulltext::
::cck::1088::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *