التعليم محرك طويل الأجل للتنمية الاقتصادية

::cck::1319::/cck::
::introtext::

أسهمت الثروة النفطية في الخليج في العقود الماضية في تكريس تجاهل العلم، إذ لا حاجة للعلم ما دام المال يشتري التقنية. والمفارقة أن الاكتشافات العلمية حتى في ميدان النفط عماد الاقتصاد الخليجي استمر استيرادها من الخارج لأكثر من نصف قرن، ويسري هذا على تقنية التنقيب والحفر والتكرير، بل حتى التسويق، وتتكرر المأساة في تقنية تحلية مياه البحر، إذ تعتبر دول الخليج الوحيدة في العالم التي تعتمد اعتماداً مباشراً على تحلية مياه البحر وهي الأعلى عالمياً في استهلاك المياه المحلاة بـ 60 في المائة من المياه المحلاة عالمياً.

::/introtext::
::fulltext::

أسهمت الثروة النفطية في الخليج في العقود الماضية في تكريس تجاهل العلم، إذ لا حاجة للعلم ما دام المال يشتري التقنية. والمفارقة أن الاكتشافات العلمية حتى في ميدان النفط عماد الاقتصاد الخليجي استمر استيرادها من الخارج لأكثر من نصف قرن، ويسري هذا على تقنية التنقيب والحفر والتكرير، بل حتى التسويق، وتتكرر المأساة في تقنية تحلية مياه البحر، إذ تعتبر دول الخليج الوحيدة في العالم التي تعتمد اعتماداً مباشراً على تحلية مياه البحر وهي الأعلى عالمياً في استهلاك المياه المحلاة بـ 60 في المائة من المياه المحلاة عالمياً.

انخفضت الإنتاجية خارج قطاعي النفط والغاز خلال فترة المكاسب المتأتية من أموال النفط خصوصاً في العقد الحالي معرضة بذلك النمو الاقتصادي المستدام للخطر، لأن الإنفاق في الوقت الحاضر بجزء كبير من عوائد النفط والغاز كان على الإنشاءات والعقارات قليلة الإنتاجية والتي لا تترك سوى انطباع سطحي بوجود بحبوحة. فالاستثمارات العقارية المعلقة والملغاة لـ 400 مشروع في دبي بقيمة 300 مليار دولار مقابل قيمة إجمالي الاستثمارات في القطاع الصناعي في مجمل دول الخليج بنحو 150 مليار دولار.

إن المنطقة تنعم بطفرة اقتصادية مدعومة إلى درجة كبيرة بارتفاع مداخيل النفط، لكن أيضاً بتحرر اقتصادي متسارع، في حين لاتزال تعاني دول الخليج من عدم القدرة على إدماج الحركة التعليمية وإمكانية مواءمة مخرجاته مع احتياجات السوق وحاجات الدولة، فلم يعد التعليم معنياً بتقليص نسبة الأمية بين السكان بقدر ما أصبح معنياً بمستقبل الشعوب، وهو متغير أساسي من متغيرات النظام العالمي الجديد وأحد أهم معايير القوة على البقاء والمنافسة في العصر العولمي.

فعلى الرغم الاستثمار السخي في مجال التعليم في دول الخليج على مدار 40 عاماً الماضية، فإن المنطقة لا تزال متخلفة عن نظيراتها الدولية، وهي تصنف بصورة ثابتة بالقرب من أسفل القائمة عندما يشارك طلابها في اختبارات دولية موحدة مثل الاتجاهات في دراسة الرياضيات والعلوم الدولية، بعكس الطلبة المبتعثين والذين يحققون نتائج باهرة ومنافسة خصوصاً من تمكن منهم من استيعاب نظام التعليم النوعي.

ولذلك يتساءل المراقبون والمتابعون لمنطقتنا لماذا عجزت الاستثمارات الحكومية في مجال التعليم عن تحقيق أهدافها؟ ويبدو أن المشكلة الأساسية هي في استراتيجيات التعليم التي لم تكن يوماً مرتبطة بصورة واضحة بأي أهداف اقتصادية مثلما هي في الدول المتقدمة التي تقترب فيها السياسات التعليمية مع الأهداف الوطنية إلى حد الاندماج وتدار من خلال الترابط والتكامل بين التخصصات والاهتمامات العلمية وبين تطلعات الدولة والمجتمع، وتتسابق الجامعات في البحث عن أحدث تطبيقات واستراتيجيات التعليم الحديث وفق قناعة قائمة بأن أنظمة التعليم يجب ألا تكون ثابتة أو متجمدة، وأكثر ما يميز المناهج في الدول المتقدمة قدرتها على الحركة والتطور والمنافسة والاهتمام بالتعليم الواعي الذي يجعل الطالب مرتبطاً منذ وقت مبكر بالعلم وحركته وتحدياته، ولذلك فهم يهضمون عملياته ضمن سياقه الطبيعي ويتعاطون مع مهاراته بوعي منذ المراحل المبكرة لأن فلسفة التعليم لديهم تختلف عن فلسفة التعليم لدينا التي لا تزال قاصرة عن الارتقاء بالتعليم من أجل خدمة التنمية.

أصبح التعليم متغيراً أساسياً من متغيرات النظام العالمي الجديد 

فهناك بحوث وأوراق علمية قامت بها جهات عدة منها إحصاءات وزارة التخطيط للوقوف على أسباب تحديات التعليم العالي في السعودية، التي وجدت أن العاملين السعوديين الذين يعملون في الإدارة بنسبة مرتفعة جداً تصل إلى 83 في المائة من المحترفين في مجال الإدارة والذين نسبتهم 18 في المائة من إجمالي القوى العاملة في المملكة العربية السعودية، والنسبة المتبقية وهي 17 في المائة تشمل بقية التخصصات مثل الأطباء والمهندسين والعلماء والمحامين بينما يمثلون في دول أخرى يعتمد اقتصادها على النفط مثل النرويج إلى ما نسبته 60 في المائة من المحترفين، لذلك نجد أن المهندسين في المملكة يمثلون 4,6 لكل ألف نسمة و75 في المائة منهم غير سعوديين، بينما في بريطانيا وألمانيا يشكل المهندسون 53 و 38 لكل ألف نسمة على التوالي، وإذا نظرنا إلى الأطباء في السعودية عام 2005 فإنهم يشكلون 1,6 لكل ألف نسمة 79 في المائة منهم غير سعوديين، لكن النسبة في فلندا والولايات المتحدة تصل إلى 50 طبيباً لكل ألف نسمة.

ويمثل البحث العلمي حجر الزاوية في تقدم الدول ورقي المجتمعات ودعم مراكزه، ويعتبر سمة بارزة لدول العالم المتقدم، ففي السنوات الخمس الأخيرة وفقاً لمعهد المعلومات العلمية فإن 3,5 مليون ورقة علمية تتوزع على 37 في المائة منها للاتحاد الأوروبي و 34 في المائة للولايات المتحدة، و 21 في المائة لدول آسيا المحيط الهادئ، و 2,2 في المائة للهند، و 1,3 في المائة لإسرائيل بمفردها، بينما كانت مساهمة العالم العربي لا تزيد على 0,3 في المائة، ويمكن أن نرجع الأسباب الرئيسية إلى أن مهارات الوصول للمعلومات في الجامعات الخليجية التي لا تغطي إلا 6 في المائة فقط قد ترتفع في بعض التخصصات إلى 31 في المائة، وفي دراسات علمية أثبتت أن متوسط نسبة ما تخصصه الجامعات السعودية في ساعاتها لتغطية المهارات البحثية في خططها الدراسية بلغ 4,8 في المائة، بينما هناك جامعات مثل هارفارد، ستانفورد، كامبريدج، أكسفورد أستراليا، وسنغافورة تخصص ما نسبته 20 في المائة من ساعات خططها الدراسية لتنمية المهارات البحثية.

فالعلاقة حميمية بين التقدم العلمي والازدهار الصناعي والتنموي، لأن البحث العلمي ساعد كثيراً من الدول على النهوض بعدما تمكنت من امتلاك أسباب العلم والمعرفة، لأن هناك دورة متكاملة بين مخرجات مؤسسات التعليم العالي وقطاع الصناعة والتنمية، ويعتبر قطاع الصناعة القطاع الأبرز المستفيد من نتائج البحوث العلمية ومخرجاتها، وكلما زاد التناغم بين أضلاع المثلث (التعليم العالي والصناعة والبحث العلمي) كانت القيمة المضافة لعطاء كل منها تتضاعف ويصبح المجتمع الرابح الأكبر.

إن التقنية هي من حق الجميع، لكنها تبقى حكراً على المجتهدين والمثابرين الذين يقضون ساعات طوال في المختبرات العلمية وفي مراكز البحوث، ولا تزال الولايات المتحدة تتقدم دول العالم ببراءات الاختراع بأكثر من 50 في المائة تليها اليابان بنحو 20 في المائة ثم ألمانيا بنحو 6 في المائة وتستحوذ عشر دول على 93 في المائة من إجمالي براءات الاختراع التي تسجل في الولايات المتحدة.

وتقف الولايات المتحدة على رأس الدول في استثمارات الأبحاث والتطوير، فقد أنفقت 330 مليار دولار عام 2006، أما دول الاتحاد الأوروبي فقد أنفقت 230 مليار دولار، وأنفقت اليابان 130 مليار دولار، وزادت الولايات المتحدة من هذا الإنفاق في الفترة الأخيرة بنحو 34 في المائة، بينما لم تزد الصين وكوريا الجنوبية الإنفاق عن 14 في المائة، وإن كان الإنفاق زاد على الأبحاث والتطوير في آسيا من 27,9 في المائة عام 1997 إلى 36,5 في المائة عام 2004 من الحصة العالمية.

ولذلك كان الإنتاج العلمي في الدول العربية متواضعاً جداً، فقد وجد أن عشرين دولة عربية أسهمت بـ 0,55 في المائة من الإنتاج العلمي في العالم، بينما أسهمت إسرائيل بمفردها بـ 0,89 في المائة. لقد انعكس ضعف الإنفاق على البحث والتطوير في العالم العربي على تقدم وتوسع التنمية الاقتصادية في الدول العربية، وساهم في هجرة العقول العربية إلى الخارج للبحث عن فرص عمل. وحسب تقرير صادر عن التنمية البشرية في 5/9/2009 أفاد بأن 70 ألفاً من خريجي الجامعات العربية يهاجرون سنوياً للبحث عن فرصة عمل في الخارج في حين أن 54 من الطلاب الذين يدرسون في الخارج لا يعودون إلى بلدانهم الأصلية، وتشترك دول الخليج في هجرة هذه الأدمغة ولو جزئياً لأن مخرجات التعليم لم تتمكن من إيجاد فرص وظيفية جديدة.

يمثل البحث العلمي حجر الزاوية في تقدم الدول ورقي المجتمعات 

وإذا كان انتقال الكفاءات على مستوى العالم يعد إحدى ركائز العولمة فإنها في الدول العربية طاردة للكفاءات، بينما في الدول المتقدمة هي طاردة للقوى الأقل مهارة وكفاءة وهي في الوقت نفسه جاذبة للكفاءات والقدرات العلمية.

إن الاستثمار في البحث العلمي لم يعد ترفاً وإنما أصبح خياراً اقتصادياً ناجحاً يعبر عن رؤية مستقبلية تنموية واعية لضمان الاستمرار الذاتي لعملية التنمية بكل مجالاتها.

وقد برز في الولايات المتحدة قبل عقود مكاتب نقل التكنولوجيا، حيث جعلت ممولي المشاريع يدعمون ألمع الأفكار الواردة من جامعات مثل ستانفورد، وإم أي تي، وهارفارد، وكانت حلقة وصل بين الجامعات والشركات والممولين لتوثيق شراكة التعليم العالي مع القطاعات التنموية.

وينظر إلى مثل هذه المكاتب كجزء حيوي من جهود أي بلد في سبيل اللحاق بالولايات المتحدة في عدد ونوعية الشركات الجديدة التي يتم إنشاؤها كي تستثمر أبحاث الجامعات التي تساهم في توسعة القاعدة الإنتاجية التي تولد وظائف جديدة والتي تحول البحث الخام من مختبرات الجامعات إلى منتجات ملائمة تجارياً، وأصبح المستثمرون يعقدون مناسبات مع أكاديميين لمناقشة المنتجات المحتملة تمهيداً لإطلاقها في عالم التصنيع، لأن الشركات التقليدية لا تسهم كثيراً في النمو الاقتصادي وزيادة الدخل وهي لا تخلق وظائف جديدة، وفي كل دول العالم تتولد الوظائف الجديدة من الشركات الجديدة التي تبنت التكنولوجيا الجديدة والتي تم الحصول عليها، وتم تطويرها في مراكز الأبحاث في الجامعات وما حولها، فأصبحت الجامعات بوصلة لتوجيه القطاع الخاص.

فالاستثمار في العقول استثمار لا ينضب، بينما الاستثمار في حقول النفط لابد أن ينضب في يوم من الأيام، فإنشاء المراكز البحثية ليس كافياً في الفترة الحالية، بل إن المرحلة تتطلب تواصلاً دائماً مع العالم الخارجي كي تتمكن من اختصار المراحل.

ولا يكتفي دور التعليم الجامعي بإيصال المعلومات المتخصصة للطلاب فقط، بل يقوم التعليم بدور إعداد الشباب ليصبحوا مغامرين استثماريين، أي يجب استخدام التعليم في بناء ثقافة المشاريع الاستثمارية لأن صناعات اليوم أصبحت تعتمد على المعرفة المكثفة، ورغم عدد العمال الصينيين الذين يفوق عددهم ستة أضعاف عددهم في الولايات المتحدة فإن قيمة الإنتاج الصناعي في الولايات المتحدة تفوق قيمة الإنتاج الصناعي في الصين، والسبب في ذلك يعود إلى كفاءة إنتاجية العامل الأمريكي التي تعادل 12 ضعف إنتاجية نظيره الصيني، وإن كانت هي استراتيجية متوافقة ومقبولة مع عدد السكان في الصين الذي يمثل ربع سكان العالم .

فلقد أصبح هناك توسع في العالم الغربي في الوظائف التي تتطلب مهارات عالية لأنها تعيد تأهيل نفسها باستمرار وبسرعة عالية لمواكبة الثورة المعرفية والتكنولوجية الحديثة خصوصاً في قطاع الخدمات التي يصعب تصدير منتجاتها بالسهولة التي تصدر بها البضائع الملموسة، لأن المعرفة والتقنيات الحديثة أصبحت في متناول الدول النامية أكثر من ذي قبل، لكن أثبت التاريخ أن التخصص ومن ثم التفوق في مجالات معينة دائماً ما يعود بالنفع على الاقتصاد.

لكن التعليم في دول الخليج لا يزال يتجه نحو التعليم الكمي لسببين: الأول يعود إلى مركزية الجامعات، الحكومية والثاني استمرار الخلل في هيكلية البنية الاقتصادية، فتصل نسبة القبول في الجامعات السعودية إلى 90 في المائة من إجمالي عدد خريجي الثانوية، بينما النسبة الأعلى في العالم لا تتجاوز الـ 50 في المائة من إجمالي عدد المتخرجين من الثانوية لأن التنمية الشاملة تجعل السوق بحاجة إلى تخصصات مهنية واسعة، فيذهب بقية المتخرجين إلى المعاهد والمراكز المهنية التدريبية المتخصصة التي يحتاجها سوق العمل.

ولم تستطع دول الخليج تفكيك مركزية الجامعات الكبيرة والضخمة التي يصعب إعادة هيكلتها وهي سمة في العالم الإسلامي فنجد أن عدد الجامعات في العالم الإسلامي نحو 500 جامعة فقط في حين أن عدد الجامعات في الولايات المتحدة بمفردها يبلغ نحو 5758 جامعة، وفي الهند نحو 8407 جامعات، وتحاول المملكة العربية السعودية التوجه نحو تفكيك المركزية بعدما ارتفع عدد الجامعات السعودية من ثماني جامعات إلى عشرين جامعة مؤخراً وافق خادم الحرمين الشريفين على إنشاء أربع جامعات أخرى جديدة.

ولذلك أصبح أمام دول الخليج التصدي للكيف التعليمي الذي يؤثر في معايير الجودة والاعتماد الأكاديمي والريادة البحثية وتفادي المركزية وأعبائها وما ينجم عنها من خلل في مستوى الإدارة حتى نصبح أمام قيادات جامعية مختلفة وناضجة لا تهمها الأحجام والأعداد بقدر ما تعتني بالجودة النوعية والمخرجات التي ستفرزها الجامعات الصغيرة على عكس الجامعات المركزية الكبيرة التي لا يمكن التحكم فيها والسيطرة عليها، بينما الجامعات الصغيرة تستطيع أن تخرج من عباءة التقليد وتكون (محاضن) فعلية للتنمية، بالإضافة إلى أن تفكيك مركزية الجامعات يساهم في التنمية المناطقية، وتعتمد الجامعة في نشاطها العلمي على المميزات النسبية الخاصة بالمنطقة كي تخدم التنمية المحلية قبل الإقليمية.

وحتى التعليم الجامعي الخاص في الإمارات والبحرين وفي بقية دول الخليج لم يتمكن من سد فجوة التعليم النوعي المفقود في الجامعات الحكومية، بل ساهم في تكريس التعليم التقليدي النمطي (التعليم من أجل التعليم فقط) لأنها كانت تستهدف الربح كأولوية تضاف إليها مشكلة انتشار ظاهرة تسجيل الطلاب الخليجيين في جامعات غير معترف بها تعزز طوفان الشهادات الوهمية التي ينعكس أثرها بالسلب على التنمية الاقتصادية.

فالتعليم الخاص في دول الخليج لم يحتو على برامج جديدة تلبي احتياجات البيئة المحلية كدراسة التصحر وتحلية المياه مع اقتصار الالتحاق به على الفئات الغنية خصوصاً التي تفرض رسوماً عالية، بينما الجامعات الخاصة التي أنشئت خصيصاً للجاليات المقيمة والتي لا تستطيع دفع رسوم عالية فإنها تستهدف فقط الربح، فمخرجاتها متواضعة جداً بل أقل مستوى من مخرجات التعليم الحكومي، واستمر هذا النوع من التعليم بسبب عدم خضوعه للتقييم الدولي المستقل اسوة بالجامعات العالمية، ومن واجب الحكومات عدم تمكين الطلاب من الالتحاق بالجامعات الخاصة ذات التقييم المتدني، ويجب أن تتحرر الدول المضيفة من دعم والدفاع عن تلك الجامعات التي على أراضيها ويمكن أن توضع  تحت مظلة تقييم مجلس التعاون الخليجي.

إن التعليم النوعي في الغرب استفاد من أموال الأعمال الخيرية منذ فترة طويلة، وساهم المانحون الأثرياء في تخصيص قدر كبير من المال في أدق العلوم البحتة مثل الفيزياء النظرية وعلم الكونيات وغيرها من علوم دقيقة مكلفة لا تستطيع الجامعات تغطية تكاليفها. فأصبحت الجامعات في أمريكا في سباق محموم لجمع تبرعات لتحسين مكانتها خصوصاً بعد الأزمة المالية العالمية التي قلصت من ثروات الأغنياء تسببت في منافسة ضارية بين الجامعات للاستئثار بهذه التبرعات، لأن كل جامعة تسعى إلى تثبيت مكانتها وصورتها حتى تتمكن من استقطاب الطلاب الرواد، وكذلك الأساتذة البارزين، فأصبح المال الخيري مسألة جوهرية بالنسبة إلى المستوى الأكاديمي النوعي، بالإضافة إلى امتلاك بعض الجامعات وخصوصاً الجامعات العريقة أوقافاً خاصة بها لتمويل نفقاتها ذاتياً، فجامعة مثل هارفارد تبلغ قيمة وقفها نحو 25,5 مليار دولار.

لكن هناك مؤشرات مؤخراً في دول الخليج تدل على أن النظام يتحرك نحو التغيير، وأغلب دول الخليج بدأت تجعل التعليم من أولوياتها، وسيتعين عليها أن تخطط بعمق، وأن تنفذ استراتيجياتها بحذر، ومنذ عام 2006 تتنافس كل من قطر ودبي والبحرين على أن تصبح مقراً للتعليم الجامعي في المنطقة بعد أن كانت دبي قد أسست قرية دبي للمعرفة التي تضم في ثناياها 16 جامعة عالمية و 200 معهد قبل أن تلحقها قطر هي الأخرى وتؤسس مدينة جامعية واستقطبت خمس جامعات من أكبر الجامعات العالمية، وتحاول البحرين أن تتحول إلى مركز إقليمي للتعليم الجامعي والتدريب.

بعد أحداث 11 سبتمبر وما أعقبها من صعوبة في الحصول على تأشيرات لبعض الدول الغربية، وخاصة الولايات المتحدة، نشطت فكرة الاستثمار في استقطاب الجامعات العالمية الكبرى إلى المنطقة بعد أن كانت تحاول وضع قدميها على أراضي الخليج، فأصبحت الفرصة متاحة أمامها، ولكن بسبب استهدافها للربح لم تستطع المساهمة في تحقيق نقلة نوعية في التعليم العالي في دول الخليج.

فلسفة التعليم لدينا لا تزال قاصرة عن الارتقاء بالتعليم من أجل خدمة التنمية

أما في المملكة العربية السعودية فقد أولى الملك عبدالله بن عبدالعزيز التعليم العالي اهتماماً بالغاً خصوصاً في مجال النانو تكنولوجي (التقنيات متناهية الصغر)، وقام مؤخراً بافتتاح جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية، ودعا إلى هذا الافتتاح زعماء العديد من الدول، فهو يدرك أهمية وحجم الدور المنوط بالمملكة العربية السعودية والذي يجب أن تلعبه في الحاضر والمستقبل وتأثيره في بناء الاقتصاد القائم على المعرفة ورؤيته في أن يضع المملكة ضمن قائمة دول العالم الرائدة في مجال أبحاث وتطبيقات العلوم والتقنية.

وأصر الملك عبدالله بن عبد العزيز على أن يتغلب على العقبات والتحديات والواقع المرير الذي يعانيه التعليم العالي من البيروقراطية فأصدر أوامره بابتعاث خريجي الجامعات، بالإضافة إلى بعض خريجي الثانوية الذين لم تستطع أن تستوعبهم الجامعات السعودية بالدراسة في الجامعات المرموقة والذين وصل عددهم إلى أكثر من 40 ألف مبتعث حتى يستطيعوا قيادة التنمية الاقتصادية بعد عودتهم بعد أن ينضم إليهم المتخرجون من الجامعات السعودية بعدما تحولت جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية من حلم إلى واقع، وكذلك بقية الجامعات السعودية والخليجية التي بدأت تصل إلى العالمية لتوثيق الشراكة ما بين الجامعات والقطاعات المختلفة بهدف المساهمة في بناء الاقتصاد المبني على المعرفة، ولا يمكن أن يتم ذلك في ظل استمرار دول الخليج في عدم استقطاب الكفاءات والاعتماد فقط على الوجاهات والأسماء المعروفة غير الكفؤة لمجرد تقديم ولاء الطاعة والتبعية العمياء. لذلك ينبغي على الجامعات أن تنشئ لجاناً استشارية قادرة على اختيار الكفاءات والقدرات العلمية المتميزة بدلاً من تهميشها، وإعادة تقييم شاملة لكل مؤسسة وفرد من خلال جهات محايدة ومستقلة حتى نخرج من عنق الزجاجة.

::/fulltext::

araa62_23-bda
Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1319::/cck::
::introtext::

أسهمت الثروة النفطية في الخليج في العقود الماضية في تكريس تجاهل العلم، إذ لا حاجة للعلم ما دام المال يشتري التقنية. والمفارقة أن الاكتشافات العلمية حتى في ميدان النفط عماد الاقتصاد الخليجي استمر استيرادها من الخارج لأكثر من نصف قرن، ويسري هذا على تقنية التنقيب والحفر والتكرير، بل حتى التسويق، وتتكرر المأساة في تقنية تحلية مياه البحر، إذ تعتبر دول الخليج الوحيدة في العالم التي تعتمد اعتماداً مباشراً على تحلية مياه البحر وهي الأعلى عالمياً في استهلاك المياه المحلاة بـ 60 في المائة من المياه المحلاة عالمياً.

::/introtext::
::fulltext::

أسهمت الثروة النفطية في الخليج في العقود الماضية في تكريس تجاهل العلم، إذ لا حاجة للعلم ما دام المال يشتري التقنية. والمفارقة أن الاكتشافات العلمية حتى في ميدان النفط عماد الاقتصاد الخليجي استمر استيرادها من الخارج لأكثر من نصف قرن، ويسري هذا على تقنية التنقيب والحفر والتكرير، بل حتى التسويق، وتتكرر المأساة في تقنية تحلية مياه البحر، إذ تعتبر دول الخليج الوحيدة في العالم التي تعتمد اعتماداً مباشراً على تحلية مياه البحر وهي الأعلى عالمياً في استهلاك المياه المحلاة بـ 60 في المائة من المياه المحلاة عالمياً.

انخفضت الإنتاجية خارج قطاعي النفط والغاز خلال فترة المكاسب المتأتية من أموال النفط خصوصاً في العقد الحالي معرضة بذلك النمو الاقتصادي المستدام للخطر، لأن الإنفاق في الوقت الحاضر بجزء كبير من عوائد النفط والغاز كان على الإنشاءات والعقارات قليلة الإنتاجية والتي لا تترك سوى انطباع سطحي بوجود بحبوحة. فالاستثمارات العقارية المعلقة والملغاة لـ 400 مشروع في دبي بقيمة 300 مليار دولار مقابل قيمة إجمالي الاستثمارات في القطاع الصناعي في مجمل دول الخليج بنحو 150 مليار دولار.

إن المنطقة تنعم بطفرة اقتصادية مدعومة إلى درجة كبيرة بارتفاع مداخيل النفط، لكن أيضاً بتحرر اقتصادي متسارع، في حين لاتزال تعاني دول الخليج من عدم القدرة على إدماج الحركة التعليمية وإمكانية مواءمة مخرجاته مع احتياجات السوق وحاجات الدولة، فلم يعد التعليم معنياً بتقليص نسبة الأمية بين السكان بقدر ما أصبح معنياً بمستقبل الشعوب، وهو متغير أساسي من متغيرات النظام العالمي الجديد وأحد أهم معايير القوة على البقاء والمنافسة في العصر العولمي.

فعلى الرغم الاستثمار السخي في مجال التعليم في دول الخليج على مدار 40 عاماً الماضية، فإن المنطقة لا تزال متخلفة عن نظيراتها الدولية، وهي تصنف بصورة ثابتة بالقرب من أسفل القائمة عندما يشارك طلابها في اختبارات دولية موحدة مثل الاتجاهات في دراسة الرياضيات والعلوم الدولية، بعكس الطلبة المبتعثين والذين يحققون نتائج باهرة ومنافسة خصوصاً من تمكن منهم من استيعاب نظام التعليم النوعي.

ولذلك يتساءل المراقبون والمتابعون لمنطقتنا لماذا عجزت الاستثمارات الحكومية في مجال التعليم عن تحقيق أهدافها؟ ويبدو أن المشكلة الأساسية هي في استراتيجيات التعليم التي لم تكن يوماً مرتبطة بصورة واضحة بأي أهداف اقتصادية مثلما هي في الدول المتقدمة التي تقترب فيها السياسات التعليمية مع الأهداف الوطنية إلى حد الاندماج وتدار من خلال الترابط والتكامل بين التخصصات والاهتمامات العلمية وبين تطلعات الدولة والمجتمع، وتتسابق الجامعات في البحث عن أحدث تطبيقات واستراتيجيات التعليم الحديث وفق قناعة قائمة بأن أنظمة التعليم يجب ألا تكون ثابتة أو متجمدة، وأكثر ما يميز المناهج في الدول المتقدمة قدرتها على الحركة والتطور والمنافسة والاهتمام بالتعليم الواعي الذي يجعل الطالب مرتبطاً منذ وقت مبكر بالعلم وحركته وتحدياته، ولذلك فهم يهضمون عملياته ضمن سياقه الطبيعي ويتعاطون مع مهاراته بوعي منذ المراحل المبكرة لأن فلسفة التعليم لديهم تختلف عن فلسفة التعليم لدينا التي لا تزال قاصرة عن الارتقاء بالتعليم من أجل خدمة التنمية.

أصبح التعليم متغيراً أساسياً من متغيرات النظام العالمي الجديد 

فهناك بحوث وأوراق علمية قامت بها جهات عدة منها إحصاءات وزارة التخطيط للوقوف على أسباب تحديات التعليم العالي في السعودية، التي وجدت أن العاملين السعوديين الذين يعملون في الإدارة بنسبة مرتفعة جداً تصل إلى 83 في المائة من المحترفين في مجال الإدارة والذين نسبتهم 18 في المائة من إجمالي القوى العاملة في المملكة العربية السعودية، والنسبة المتبقية وهي 17 في المائة تشمل بقية التخصصات مثل الأطباء والمهندسين والعلماء والمحامين بينما يمثلون في دول أخرى يعتمد اقتصادها على النفط مثل النرويج إلى ما نسبته 60 في المائة من المحترفين، لذلك نجد أن المهندسين في المملكة يمثلون 4,6 لكل ألف نسمة و75 في المائة منهم غير سعوديين، بينما في بريطانيا وألمانيا يشكل المهندسون 53 و 38 لكل ألف نسمة على التوالي، وإذا نظرنا إلى الأطباء في السعودية عام 2005 فإنهم يشكلون 1,6 لكل ألف نسمة 79 في المائة منهم غير سعوديين، لكن النسبة في فلندا والولايات المتحدة تصل إلى 50 طبيباً لكل ألف نسمة.

ويمثل البحث العلمي حجر الزاوية في تقدم الدول ورقي المجتمعات ودعم مراكزه، ويعتبر سمة بارزة لدول العالم المتقدم، ففي السنوات الخمس الأخيرة وفقاً لمعهد المعلومات العلمية فإن 3,5 مليون ورقة علمية تتوزع على 37 في المائة منها للاتحاد الأوروبي و 34 في المائة للولايات المتحدة، و 21 في المائة لدول آسيا المحيط الهادئ، و 2,2 في المائة للهند، و 1,3 في المائة لإسرائيل بمفردها، بينما كانت مساهمة العالم العربي لا تزيد على 0,3 في المائة، ويمكن أن نرجع الأسباب الرئيسية إلى أن مهارات الوصول للمعلومات في الجامعات الخليجية التي لا تغطي إلا 6 في المائة فقط قد ترتفع في بعض التخصصات إلى 31 في المائة، وفي دراسات علمية أثبتت أن متوسط نسبة ما تخصصه الجامعات السعودية في ساعاتها لتغطية المهارات البحثية في خططها الدراسية بلغ 4,8 في المائة، بينما هناك جامعات مثل هارفارد، ستانفورد، كامبريدج، أكسفورد أستراليا، وسنغافورة تخصص ما نسبته 20 في المائة من ساعات خططها الدراسية لتنمية المهارات البحثية.

فالعلاقة حميمية بين التقدم العلمي والازدهار الصناعي والتنموي، لأن البحث العلمي ساعد كثيراً من الدول على النهوض بعدما تمكنت من امتلاك أسباب العلم والمعرفة، لأن هناك دورة متكاملة بين مخرجات مؤسسات التعليم العالي وقطاع الصناعة والتنمية، ويعتبر قطاع الصناعة القطاع الأبرز المستفيد من نتائج البحوث العلمية ومخرجاتها، وكلما زاد التناغم بين أضلاع المثلث (التعليم العالي والصناعة والبحث العلمي) كانت القيمة المضافة لعطاء كل منها تتضاعف ويصبح المجتمع الرابح الأكبر.

إن التقنية هي من حق الجميع، لكنها تبقى حكراً على المجتهدين والمثابرين الذين يقضون ساعات طوال في المختبرات العلمية وفي مراكز البحوث، ولا تزال الولايات المتحدة تتقدم دول العالم ببراءات الاختراع بأكثر من 50 في المائة تليها اليابان بنحو 20 في المائة ثم ألمانيا بنحو 6 في المائة وتستحوذ عشر دول على 93 في المائة من إجمالي براءات الاختراع التي تسجل في الولايات المتحدة.

وتقف الولايات المتحدة على رأس الدول في استثمارات الأبحاث والتطوير، فقد أنفقت 330 مليار دولار عام 2006، أما دول الاتحاد الأوروبي فقد أنفقت 230 مليار دولار، وأنفقت اليابان 130 مليار دولار، وزادت الولايات المتحدة من هذا الإنفاق في الفترة الأخيرة بنحو 34 في المائة، بينما لم تزد الصين وكوريا الجنوبية الإنفاق عن 14 في المائة، وإن كان الإنفاق زاد على الأبحاث والتطوير في آسيا من 27,9 في المائة عام 1997 إلى 36,5 في المائة عام 2004 من الحصة العالمية.

ولذلك كان الإنتاج العلمي في الدول العربية متواضعاً جداً، فقد وجد أن عشرين دولة عربية أسهمت بـ 0,55 في المائة من الإنتاج العلمي في العالم، بينما أسهمت إسرائيل بمفردها بـ 0,89 في المائة. لقد انعكس ضعف الإنفاق على البحث والتطوير في العالم العربي على تقدم وتوسع التنمية الاقتصادية في الدول العربية، وساهم في هجرة العقول العربية إلى الخارج للبحث عن فرص عمل. وحسب تقرير صادر عن التنمية البشرية في 5/9/2009 أفاد بأن 70 ألفاً من خريجي الجامعات العربية يهاجرون سنوياً للبحث عن فرصة عمل في الخارج في حين أن 54 من الطلاب الذين يدرسون في الخارج لا يعودون إلى بلدانهم الأصلية، وتشترك دول الخليج في هجرة هذه الأدمغة ولو جزئياً لأن مخرجات التعليم لم تتمكن من إيجاد فرص وظيفية جديدة.

يمثل البحث العلمي حجر الزاوية في تقدم الدول ورقي المجتمعات 

وإذا كان انتقال الكفاءات على مستوى العالم يعد إحدى ركائز العولمة فإنها في الدول العربية طاردة للكفاءات، بينما في الدول المتقدمة هي طاردة للقوى الأقل مهارة وكفاءة وهي في الوقت نفسه جاذبة للكفاءات والقدرات العلمية.

إن الاستثمار في البحث العلمي لم يعد ترفاً وإنما أصبح خياراً اقتصادياً ناجحاً يعبر عن رؤية مستقبلية تنموية واعية لضمان الاستمرار الذاتي لعملية التنمية بكل مجالاتها.

وقد برز في الولايات المتحدة قبل عقود مكاتب نقل التكنولوجيا، حيث جعلت ممولي المشاريع يدعمون ألمع الأفكار الواردة من جامعات مثل ستانفورد، وإم أي تي، وهارفارد، وكانت حلقة وصل بين الجامعات والشركات والممولين لتوثيق شراكة التعليم العالي مع القطاعات التنموية.

وينظر إلى مثل هذه المكاتب كجزء حيوي من جهود أي بلد في سبيل اللحاق بالولايات المتحدة في عدد ونوعية الشركات الجديدة التي يتم إنشاؤها كي تستثمر أبحاث الجامعات التي تساهم في توسعة القاعدة الإنتاجية التي تولد وظائف جديدة والتي تحول البحث الخام من مختبرات الجامعات إلى منتجات ملائمة تجارياً، وأصبح المستثمرون يعقدون مناسبات مع أكاديميين لمناقشة المنتجات المحتملة تمهيداً لإطلاقها في عالم التصنيع، لأن الشركات التقليدية لا تسهم كثيراً في النمو الاقتصادي وزيادة الدخل وهي لا تخلق وظائف جديدة، وفي كل دول العالم تتولد الوظائف الجديدة من الشركات الجديدة التي تبنت التكنولوجيا الجديدة والتي تم الحصول عليها، وتم تطويرها في مراكز الأبحاث في الجامعات وما حولها، فأصبحت الجامعات بوصلة لتوجيه القطاع الخاص.

فالاستثمار في العقول استثمار لا ينضب، بينما الاستثمار في حقول النفط لابد أن ينضب في يوم من الأيام، فإنشاء المراكز البحثية ليس كافياً في الفترة الحالية، بل إن المرحلة تتطلب تواصلاً دائماً مع العالم الخارجي كي تتمكن من اختصار المراحل.

ولا يكتفي دور التعليم الجامعي بإيصال المعلومات المتخصصة للطلاب فقط، بل يقوم التعليم بدور إعداد الشباب ليصبحوا مغامرين استثماريين، أي يجب استخدام التعليم في بناء ثقافة المشاريع الاستثمارية لأن صناعات اليوم أصبحت تعتمد على المعرفة المكثفة، ورغم عدد العمال الصينيين الذين يفوق عددهم ستة أضعاف عددهم في الولايات المتحدة فإن قيمة الإنتاج الصناعي في الولايات المتحدة تفوق قيمة الإنتاج الصناعي في الصين، والسبب في ذلك يعود إلى كفاءة إنتاجية العامل الأمريكي التي تعادل 12 ضعف إنتاجية نظيره الصيني، وإن كانت هي استراتيجية متوافقة ومقبولة مع عدد السكان في الصين الذي يمثل ربع سكان العالم .

فلقد أصبح هناك توسع في العالم الغربي في الوظائف التي تتطلب مهارات عالية لأنها تعيد تأهيل نفسها باستمرار وبسرعة عالية لمواكبة الثورة المعرفية والتكنولوجية الحديثة خصوصاً في قطاع الخدمات التي يصعب تصدير منتجاتها بالسهولة التي تصدر بها البضائع الملموسة، لأن المعرفة والتقنيات الحديثة أصبحت في متناول الدول النامية أكثر من ذي قبل، لكن أثبت التاريخ أن التخصص ومن ثم التفوق في مجالات معينة دائماً ما يعود بالنفع على الاقتصاد.

لكن التعليم في دول الخليج لا يزال يتجه نحو التعليم الكمي لسببين: الأول يعود إلى مركزية الجامعات، الحكومية والثاني استمرار الخلل في هيكلية البنية الاقتصادية، فتصل نسبة القبول في الجامعات السعودية إلى 90 في المائة من إجمالي عدد خريجي الثانوية، بينما النسبة الأعلى في العالم لا تتجاوز الـ 50 في المائة من إجمالي عدد المتخرجين من الثانوية لأن التنمية الشاملة تجعل السوق بحاجة إلى تخصصات مهنية واسعة، فيذهب بقية المتخرجين إلى المعاهد والمراكز المهنية التدريبية المتخصصة التي يحتاجها سوق العمل.

ولم تستطع دول الخليج تفكيك مركزية الجامعات الكبيرة والضخمة التي يصعب إعادة هيكلتها وهي سمة في العالم الإسلامي فنجد أن عدد الجامعات في العالم الإسلامي نحو 500 جامعة فقط في حين أن عدد الجامعات في الولايات المتحدة بمفردها يبلغ نحو 5758 جامعة، وفي الهند نحو 8407 جامعات، وتحاول المملكة العربية السعودية التوجه نحو تفكيك المركزية بعدما ارتفع عدد الجامعات السعودية من ثماني جامعات إلى عشرين جامعة مؤخراً وافق خادم الحرمين الشريفين على إنشاء أربع جامعات أخرى جديدة.

ولذلك أصبح أمام دول الخليج التصدي للكيف التعليمي الذي يؤثر في معايير الجودة والاعتماد الأكاديمي والريادة البحثية وتفادي المركزية وأعبائها وما ينجم عنها من خلل في مستوى الإدارة حتى نصبح أمام قيادات جامعية مختلفة وناضجة لا تهمها الأحجام والأعداد بقدر ما تعتني بالجودة النوعية والمخرجات التي ستفرزها الجامعات الصغيرة على عكس الجامعات المركزية الكبيرة التي لا يمكن التحكم فيها والسيطرة عليها، بينما الجامعات الصغيرة تستطيع أن تخرج من عباءة التقليد وتكون (محاضن) فعلية للتنمية، بالإضافة إلى أن تفكيك مركزية الجامعات يساهم في التنمية المناطقية، وتعتمد الجامعة في نشاطها العلمي على المميزات النسبية الخاصة بالمنطقة كي تخدم التنمية المحلية قبل الإقليمية.

وحتى التعليم الجامعي الخاص في الإمارات والبحرين وفي بقية دول الخليج لم يتمكن من سد فجوة التعليم النوعي المفقود في الجامعات الحكومية، بل ساهم في تكريس التعليم التقليدي النمطي (التعليم من أجل التعليم فقط) لأنها كانت تستهدف الربح كأولوية تضاف إليها مشكلة انتشار ظاهرة تسجيل الطلاب الخليجيين في جامعات غير معترف بها تعزز طوفان الشهادات الوهمية التي ينعكس أثرها بالسلب على التنمية الاقتصادية.

فالتعليم الخاص في دول الخليج لم يحتو على برامج جديدة تلبي احتياجات البيئة المحلية كدراسة التصحر وتحلية المياه مع اقتصار الالتحاق به على الفئات الغنية خصوصاً التي تفرض رسوماً عالية، بينما الجامعات الخاصة التي أنشئت خصيصاً للجاليات المقيمة والتي لا تستطيع دفع رسوم عالية فإنها تستهدف فقط الربح، فمخرجاتها متواضعة جداً بل أقل مستوى من مخرجات التعليم الحكومي، واستمر هذا النوع من التعليم بسبب عدم خضوعه للتقييم الدولي المستقل اسوة بالجامعات العالمية، ومن واجب الحكومات عدم تمكين الطلاب من الالتحاق بالجامعات الخاصة ذات التقييم المتدني، ويجب أن تتحرر الدول المضيفة من دعم والدفاع عن تلك الجامعات التي على أراضيها ويمكن أن توضع  تحت مظلة تقييم مجلس التعاون الخليجي.

إن التعليم النوعي في الغرب استفاد من أموال الأعمال الخيرية منذ فترة طويلة، وساهم المانحون الأثرياء في تخصيص قدر كبير من المال في أدق العلوم البحتة مثل الفيزياء النظرية وعلم الكونيات وغيرها من علوم دقيقة مكلفة لا تستطيع الجامعات تغطية تكاليفها. فأصبحت الجامعات في أمريكا في سباق محموم لجمع تبرعات لتحسين مكانتها خصوصاً بعد الأزمة المالية العالمية التي قلصت من ثروات الأغنياء تسببت في منافسة ضارية بين الجامعات للاستئثار بهذه التبرعات، لأن كل جامعة تسعى إلى تثبيت مكانتها وصورتها حتى تتمكن من استقطاب الطلاب الرواد، وكذلك الأساتذة البارزين، فأصبح المال الخيري مسألة جوهرية بالنسبة إلى المستوى الأكاديمي النوعي، بالإضافة إلى امتلاك بعض الجامعات وخصوصاً الجامعات العريقة أوقافاً خاصة بها لتمويل نفقاتها ذاتياً، فجامعة مثل هارفارد تبلغ قيمة وقفها نحو 25,5 مليار دولار.

لكن هناك مؤشرات مؤخراً في دول الخليج تدل على أن النظام يتحرك نحو التغيير، وأغلب دول الخليج بدأت تجعل التعليم من أولوياتها، وسيتعين عليها أن تخطط بعمق، وأن تنفذ استراتيجياتها بحذر، ومنذ عام 2006 تتنافس كل من قطر ودبي والبحرين على أن تصبح مقراً للتعليم الجامعي في المنطقة بعد أن كانت دبي قد أسست قرية دبي للمعرفة التي تضم في ثناياها 16 جامعة عالمية و 200 معهد قبل أن تلحقها قطر هي الأخرى وتؤسس مدينة جامعية واستقطبت خمس جامعات من أكبر الجامعات العالمية، وتحاول البحرين أن تتحول إلى مركز إقليمي للتعليم الجامعي والتدريب.

بعد أحداث 11 سبتمبر وما أعقبها من صعوبة في الحصول على تأشيرات لبعض الدول الغربية، وخاصة الولايات المتحدة، نشطت فكرة الاستثمار في استقطاب الجامعات العالمية الكبرى إلى المنطقة بعد أن كانت تحاول وضع قدميها على أراضي الخليج، فأصبحت الفرصة متاحة أمامها، ولكن بسبب استهدافها للربح لم تستطع المساهمة في تحقيق نقلة نوعية في التعليم العالي في دول الخليج.

فلسفة التعليم لدينا لا تزال قاصرة عن الارتقاء بالتعليم من أجل خدمة التنمية

أما في المملكة العربية السعودية فقد أولى الملك عبدالله بن عبدالعزيز التعليم العالي اهتماماً بالغاً خصوصاً في مجال النانو تكنولوجي (التقنيات متناهية الصغر)، وقام مؤخراً بافتتاح جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية، ودعا إلى هذا الافتتاح زعماء العديد من الدول، فهو يدرك أهمية وحجم الدور المنوط بالمملكة العربية السعودية والذي يجب أن تلعبه في الحاضر والمستقبل وتأثيره في بناء الاقتصاد القائم على المعرفة ورؤيته في أن يضع المملكة ضمن قائمة دول العالم الرائدة في مجال أبحاث وتطبيقات العلوم والتقنية.

وأصر الملك عبدالله بن عبد العزيز على أن يتغلب على العقبات والتحديات والواقع المرير الذي يعانيه التعليم العالي من البيروقراطية فأصدر أوامره بابتعاث خريجي الجامعات، بالإضافة إلى بعض خريجي الثانوية الذين لم تستطع أن تستوعبهم الجامعات السعودية بالدراسة في الجامعات المرموقة والذين وصل عددهم إلى أكثر من 40 ألف مبتعث حتى يستطيعوا قيادة التنمية الاقتصادية بعد عودتهم بعد أن ينضم إليهم المتخرجون من الجامعات السعودية بعدما تحولت جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية من حلم إلى واقع، وكذلك بقية الجامعات السعودية والخليجية التي بدأت تصل إلى العالمية لتوثيق الشراكة ما بين الجامعات والقطاعات المختلفة بهدف المساهمة في بناء الاقتصاد المبني على المعرفة، ولا يمكن أن يتم ذلك في ظل استمرار دول الخليج في عدم استقطاب الكفاءات والاعتماد فقط على الوجاهات والأسماء المعروفة غير الكفؤة لمجرد تقديم ولاء الطاعة والتبعية العمياء. لذلك ينبغي على الجامعات أن تنشئ لجاناً استشارية قادرة على اختيار الكفاءات والقدرات العلمية المتميزة بدلاً من تهميشها، وإعادة تقييم شاملة لكل مؤسسة وفرد من خلال جهات محايدة ومستقلة حتى نخرج من عنق الزجاجة.

::/fulltext::
::cck::1319::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *