أبعاد تطور القوات الجوية الخليجية ودورها في ردع التهديدات المستقبلية

::cck::1301::/cck::
::introtext::

تعتبر القوات المسلحة لدول مجلس التعاون الخليجي حديثة التكوين بالمقارنة ببعض الدول المجاورة، حيث مثّل الإحساس بالأخطار الخارجية ومواجهة النزاعات الحدودية القائمة حينها وارتفاع وتيرة أطماع دول مختلفة بعد اكتشاف وتصدير النفط الدافع الأساسي نحو بناء قوات حديثة ومجهزة لحماية وردع أي تجاوز لاستقلال تلك الدول. 

::/introtext::
::fulltext::

تعتبر القوات المسلحة لدول مجلس التعاون الخليجي حديثة التكوين بالمقارنة ببعض الدول المجاورة، حيث مثّل الإحساس بالأخطار الخارجية ومواجهة النزاعات الحدودية القائمة حينها وارتفاع وتيرة أطماع دول مختلفة بعد اكتشاف وتصدير النفط الدافع الأساسي نحو بناء قوات حديثة ومجهزة لحماية وردع أي تجاوز لاستقلال تلك الدول.

هناك عوامل عدة أسهمت في تشكيل الفكر الخليجي خلال عقود عدة من الصراعات السياسية والعسكرية والاقتصادية في منطقة الشرق الأوسط عموماً ومنطقة الخليج العربي خاصة خلال مرحلة الحرب الباردة التي كانت منطقة الخليج جزءاً أساسياً في الفكر الاستراتيجي لصناع القرار العسكري والسياسي في المعسكرين الغربي والشرقي، كما كان لارتفاع مد القومية العربية في خمسينات وستينات القرن العشرين وظهور الرئيس المصري جمال عبدالناصر أثر كبير في المنطقة ومواطنيها، بالإضافة إلى تأثير الصراع العربي – الإسرائيلي في الفكر الخليجي من منطلق الإحساس والالتزام القومي، كما أسهمت أوضاع إقليمية أخرى في تشكيل البيئة العسكرية لدول مجلس التعاون الخليجي ومن أهمها الحرب العراقية – الإيرانية بالفترة من (1980 – 1988) والتي أدت إلى تشكيل الكيان السياسي الموحد المعروف في مجلس التعاون الخليجي.

وكان أول قرار للقيادات السياسية الخليجية بعد إنشاء مجلس التعاون الخليجي هو إنشاء الأمانة العامة التي انبثقت منها اللجنة العسكرية التي تبحث وتقرر استراتيجية دول المجلس الدفاعية، حيث قامت بالطلب من أصحاب الجلالة والسمو ملوك ورؤساء دول المجلس إعطاء أولوية لبناء القوات الجوية للدول الست على مراحل عاجلة، وكان الرد سريعاً وحاسماً منهم بالموافقة.

وكان الهاجس الأكبر لكافة دول المجلس التي تعاني من محدودية في عدد السكان ووجود ثروات طبيعية هائلة هو احتمال الغزو المدرع بواسطة قوات برية تتفوق عددياً في الدروع والطاقة البشرية مما أدى إلى قيام اللجنة العسكرية باتخاذ قرار سريع ومهم في بداية فترة ثمانينات القرن الماضي في البدء (نتيجة لموافقة أصحاب الجلالة والسمو ملوك ورؤساء دول المجلس) على البدء في خطة بناء قوات جوية فعالة ومدربة تدريباً عالياً ومجهزة بأحدث المنظومات القتالية وشبكات الإنذار المبكر والاتصالات ومربوطة بأنظمة قيادة وسيطرة وأسلحة دفاع جوي عالية التقنية، وتنفيذ استراتيجية دفاعية جديدة على دول المجلس تتطلب قرارات حاسمة وقيادات عالية الكفاءة للربط بين القوات الجوية لدول المجلس.

وكان لي الشرف أن أكون جزءاً من مجهود تطوير وبناء القوات الجوية لدول مجلس التعاون الخليجي في الفترة من عام 1982 إلى حين تقاعدي عام 2000 من خلال رئاسة وعضوية عدد من اللجان الفنية التي شكلتها الأمانة العامة للمجلس اللجنة العسكرية، وباستثناء بعض المعلومات المصنفة السرية التي لا أستطيع التحدث عنها لأسباب تتعلق بالأمن الوطني لدول المجلس فإنه يمكن أن أقدم صورة موجزة عن أبعاد تطور وبناء القوات الجوية لدول المجلس والاستراتيجية الدفاعية التي تم على أساسها بناء الفكر القتالي لمواجهة التحديات والمخاطر التي واجهت الدول الخليجية في ظل بيئة التهديد العالية حينها، خاصة في الفترة الحاسمة من سنوات الحرب العراقية – الإيرانية التي أثرت في كافة الدول الخليجية من دون استثناء.

وكما بينت سابقاً فقد قامت اللجنة العسكرية لدول مجلس التعاون بإعطاء أولوية البناء للقوات الجوية لتواكب الخطر الناتج عن التهديدات والأطماع الإيرانية أثناء الحرب العراقية – الإيرانية خاصة خطر أسلحة الدمار الشامل والتعرض إلى وسائل النقل البحري المدنية والعسكرية في الخليج العربي، حيث تم بناء الإطار الذي تم على أساسه صياغة استراتيجية لبناء القوات الجوية الخليجية من منطلق المحاور التالية:

أ- العمل على توحيد منظومات القتال الجوية الرئيسية إن أمكن وزيادة الإنفاق على القوات الجوية بصفة خاصة.

ب- بناء شبكة إنذار مبكر وربطها عبر مركز عمليات مشترك.

ج- الوصول إلى التفوق الجوي أولاً ومن ثم السيادة الجوية على مسرح العمليات الجوي لدول المجلس بكل الطرق الممكنة مع الاستفادة من الدروس السابقة بهذا الخصوص من المعارك الجوية والحروب ذات العلاقة.

د- بناء نظام قيادة وسيطرة واتصالات مع تشكيل مركز عمليات رئيسي ومركز فرعي تبادلي لخدمة الدول الست.

هـ- توحيد قواعد الاشتباك وأسس العمل العدائي والأوامر الثابتة للطائرات والدفاع الجوي وإيجاد مستوى عال من التناغم بين أسلحة الدفاع الجوي والطائرات والقوات البرية.

و- تغيير أسس التدريب للطيارين والفنيين باستخدام معايير تدريب حديثة ومتقدمة.

ز- زيادة كفاءة الطيارين في مجال الطيران الليلي والقصف الأرضي والتحليق في الأجواء السيئة.

ح- تعديل الأسس التي يقبل بها الفنيون وتحسين الكفاءة الفنية للفنيين عبر وسائل تدريب عالية التقنية.

ط- توحيد العقيدة القتالية لكافة القوات الجوية الخليجية.

ي- بناء قواعد جوية جديدة وإنشاء معسكرات للدفاع الجوي تكون قادرة على استيعاب الأنواع المختلفة لطائرات دول المجلس والمنظومات القتالية للدفاع الجوي.

ك- إجراء تمارين جوية ومناورات مشتركة للدول الست لتعكس الواقع القتالي الحقيقي أثناء التدريبات والتمارين والمناورات.

ل- الاستمرار في تحديث التهديد بصفة دائمة حتى تواكب عملية البناء.

م- تبادل المعلومات الاستخبارية بين الدول الست بما فيها صور الموقف الجوي وأجهزة الاستشعار المختلفة.

ن- تحديد مناطق عزل للدفاع الجوي فوق الخليج العربي لتكون مناطق عزل لوقف الاختراقات الجوية والصاروخية.

ف- تخصيص مناطق اشتباك للدفاع الجوي والطائرات لوقف أي محاولة لمهاجمة دول المجلس.

القوات الجوية الملكية السعودية أثبتت كفاءة قتالية عالية في حرب تحرير الكويت 

لقد أدت سياسة البناء للقوات الجوية الخليجية والأولوية التي أعطيت لها في تلك الفترة إلى امتلاك دول المجلس قوات جوية متميزة رغم قلة عدد السكان بالمقارنة بدول عديدة كثيرة السكان وتملك معدات وطائرات ومنظومات تسليح كثيرة من دون كفاءة قتالية نتيجة للتركيز على الكفاءة والشعور بالمسؤولية الذي التزم به المعنيون في القوات الجوية الخليجية واستخدام العقيدة القتالية المناسبة وتوفر المشورة الفنية الجيدة من الأصدقاء والأشقاء وقوات التحالف، كما أدى الخوف من توسع نطاق الحرب العراقية – الإيرانية إلى امتلاك منظومات قتال وطائرات ذات تقنية عالية أسهمت هي الأخرى في التقدم الذي طرأ على القوات الجوية لدول المجلس، وعززت ذلك ميزانيات كبيرة للشراء والتدريب استطاعت توفير طائرات، رادادات، شبكات إنذار مبكر، أنظمة قيادة وسيطرة، أجهزة اتصالات مؤمنة، وفي المقابل كانت القوات الجوية تعاني من بعض المشكلات المتوازية مع مرحلة البناء وأبرزها بقاء القيادة العليا تحت سلطة قيادات غير جوية (قيادات برية – رئاسة أركان برية) لا تملك الحس الموجود لدى القيادات الجوية نظراًٍ لأن العمل في القوة الجوية يحتاج إلى كفاءة ذات مستوى علمي متقدم، بالإضافة إلى عامل آخر وهو فرض هياكل تنظيمية برية على الوحدات الجوية لا تناسب عمل القوة الجوية لأنها نسخة من ما هو مطبق في الوحدات البرية مما يضعف من سرعة الاستجابة لدى القيادات الجوية ويحد من صناعة القرار على مستوى القيادات الجوية العليا (القرار الجوي يتطلب سرعة وردة فعل سريعة للغاية)، كما تمثل زيادة نسبة الاستنزاف في الطاقات البشرية المؤهلة بسبب التسرب إلى القطاع الخاص مشكلة من نوع آخر حيث لا تستطيع القوات الجوية منافسة ذلك القطاع الذي يجتذب تلك الكوادر بصف دائمة.

أدى الخوف من توسع الحرب العراقية – الإيرانية إلى امتلاك دول الخليج منظومات قتال وطائرات عالية التقنية 

لقد أثبتت الحروب والأزمات التي مرت على منطقة الخليج العربي خلال العقود الثلاثة الماضية بدءاً من الحرب العراقية – الإيرانية والغزو العراقي لدولة الكويت، وحرب تحرير الكويت، وفترة الكر والفر مع النظام العراقي السابق في الفترة الممتدة من عام (1991 – 2003)، وأخيراً حرب تحرير العراق أن القوة الجوية تلعب دوراً حاسماً في الحروب وأصبحت قوة مناورة. وكما قال الأدميرال آرثر فورد من البحرية الأمريكية عام 1954 (إن القوة الجوية في هذا الزمان هي القوة المؤثرة وهي لا تستطيع كسب الحرب وحدها ولكن من دونها لا يمكن كسب أي حرب)، بينما أثبتت حرب تحرير الكويت كما بيّن جنرال المارينز المتقاعد برنارد ترينور المراسل الحربي السابق لجريدة (نيويورك تايمز) والبروفيسور حالياً في جامعة هارفارد (أنه لأول مرة بالتاريخ تصبح القوات الأرضية مساندة للحملة الجوية). وبعد حرب تحرير الكويت وبناءً على الدروس المستفادة من الحملة الجوية لعاصفة الصحراء، ومن المنطلق الذي ذكر أعلاه تم تسريع عملية التطوير للقوات الجوية الخليجية التي كانت قائمة أثناء الحرب العراقية – الإيرانية، خاصة بعد مشاركة القوات الجوية الملكية السعودية بنجاح في الحملة الجوية لتحرير الكويت والتي أثبتت فيها كفاءة قتالية عالية، وشاركها هذا النجاح بنسبة أقل القوات الجوية الخليجية التي شاركت رغم صغر حجمها بنجاح في الحملة الجوية.

وتكرر النجاح للقوات الجوية الخليجية مرة أخرى في حرب تحرير العراق في مارس 2003 عندما استطاعت القوة الجوية الكويتية التصدي لكافة الصواريخ البالستية بكوادر وطنية وأسلحة متطورة أثبتت أن الكفاءة القتالية التي اكتسبتها بعد معركة تحرير الكويت كانت استثماراً لصالح المواطن الخليجي.

ورغم النجاحات التي ذكرت ضمن هذا المقال للقوات الجوية لدول مجلس التعاون خلال العقود الثلاثة الماضية إلا أن المستقبل يحمل الكثير من التحديات، فمنطقة الخليج لن تكون معزولة عما يحدث في العالم خاصة في المجال الاقتصادي الذي سيؤثر في عمليات البناء للقوات الجوية، فليس هناك ضمان لارتفاع المؤشرات الإيجابية للاقتصاد العالمي والخليجي، كما أن أسعار النفط التي تلعب دوراً كبيراً في تحديد الميزانيات الدفاعية لكافة دول المجلس لن تكون بمأمن من الانخفاض مما يعني أن الأوليات والميزانيات المرتفعة التي خصصت في السابق لتحديث وبناء القوات الجوية الخليجية ستعاني تذبذباً وسترتبك الخطط المعدة سابقاً والمبنية على توقعات مسبقة هي الأخرى.

وهناك تهديد آخر لدول مجلس التعاون ينبع من خطورة البرنامج النووي الإيراني واستمرار طهران في بناء ترسانة لأسلحة الدمار الشامل التي تضغط على القدرات الجوية لقوات دول المجلس للوصول إلى سبل لبرنامج ردع شامل لمجابهة هذا التهديد الخطير، وهو ما تطلب مؤخراً إعادة النظر في الاستراتيجية الدفاعية والبحث عن بدائل أخرى لصد هذا الخطر.

ورغم كل ما ذكر في الفقرات السابقة إلا أنني أود أن أبين أن القوات الجوية لدول مجلس التعاون حققت العديد من الخطوات البناءة في مجال بناء القوة، ضمن التصور الخليجي الموحد والاستراتيجية الدفاعية التي أقرها أصحاب الجلالة والسمو ملوك ورؤساء دول المجلس، حيث نجحت التمارين الجوية المشتركة في بناء مستوى متقدم من الواقعية والكفاءة القتالية، واستطاعت تدريب الطيارين والفنيين على بيئة عمليات مختلفة، ونجح تقييم القواعد الجوية الجديدة حينها في تقديم المطلوب للعمليات الجوية المختلفة، ودعمت العمليات المشتركة بواقعية قتالية مميزة، كما استطاعت شبكة الإنذار المبكر ومنظومة القيادة والسيطرة إثبات علو كعب القوات الجوية وقت السلم والأزمات والحروب، وأدى توحيد لوائح القتال وقواعد الاشتباك ومفاهيم القتال المشترك في نقل القوات الجوية الخليجية إلى القرن العشرين إلى استخدام منظومة قتال خليجية قادرة على التصدي للأخطار المحتملة حتى بوجود الاتفاقيات الأمنية مع الدول الكبرى.

لذا تظل القوات الجوية الخليجية قوة لا يستهان في مهنيتها ومقدرتها القتالية خاصة في الظروف الحالية التي تمر بها المنطقة، وإذا كانت التهديدات المحيطة بتلك الدول لا تزال قائمة إلا أن دور القوات الجوية الخليجية في التصدي وردع أي عدوان هو سمة قائمة وتم بناؤها على أسس وضعت خلال عقود عدة من التخطيط والتدريب والجهد.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1301::/cck::
::introtext::

تعتبر القوات المسلحة لدول مجلس التعاون الخليجي حديثة التكوين بالمقارنة ببعض الدول المجاورة، حيث مثّل الإحساس بالأخطار الخارجية ومواجهة النزاعات الحدودية القائمة حينها وارتفاع وتيرة أطماع دول مختلفة بعد اكتشاف وتصدير النفط الدافع الأساسي نحو بناء قوات حديثة ومجهزة لحماية وردع أي تجاوز لاستقلال تلك الدول. 

::/introtext::
::fulltext::

تعتبر القوات المسلحة لدول مجلس التعاون الخليجي حديثة التكوين بالمقارنة ببعض الدول المجاورة، حيث مثّل الإحساس بالأخطار الخارجية ومواجهة النزاعات الحدودية القائمة حينها وارتفاع وتيرة أطماع دول مختلفة بعد اكتشاف وتصدير النفط الدافع الأساسي نحو بناء قوات حديثة ومجهزة لحماية وردع أي تجاوز لاستقلال تلك الدول.

هناك عوامل عدة أسهمت في تشكيل الفكر الخليجي خلال عقود عدة من الصراعات السياسية والعسكرية والاقتصادية في منطقة الشرق الأوسط عموماً ومنطقة الخليج العربي خاصة خلال مرحلة الحرب الباردة التي كانت منطقة الخليج جزءاً أساسياً في الفكر الاستراتيجي لصناع القرار العسكري والسياسي في المعسكرين الغربي والشرقي، كما كان لارتفاع مد القومية العربية في خمسينات وستينات القرن العشرين وظهور الرئيس المصري جمال عبدالناصر أثر كبير في المنطقة ومواطنيها، بالإضافة إلى تأثير الصراع العربي – الإسرائيلي في الفكر الخليجي من منطلق الإحساس والالتزام القومي، كما أسهمت أوضاع إقليمية أخرى في تشكيل البيئة العسكرية لدول مجلس التعاون الخليجي ومن أهمها الحرب العراقية – الإيرانية بالفترة من (1980 – 1988) والتي أدت إلى تشكيل الكيان السياسي الموحد المعروف في مجلس التعاون الخليجي.

وكان أول قرار للقيادات السياسية الخليجية بعد إنشاء مجلس التعاون الخليجي هو إنشاء الأمانة العامة التي انبثقت منها اللجنة العسكرية التي تبحث وتقرر استراتيجية دول المجلس الدفاعية، حيث قامت بالطلب من أصحاب الجلالة والسمو ملوك ورؤساء دول المجلس إعطاء أولوية لبناء القوات الجوية للدول الست على مراحل عاجلة، وكان الرد سريعاً وحاسماً منهم بالموافقة.

وكان الهاجس الأكبر لكافة دول المجلس التي تعاني من محدودية في عدد السكان ووجود ثروات طبيعية هائلة هو احتمال الغزو المدرع بواسطة قوات برية تتفوق عددياً في الدروع والطاقة البشرية مما أدى إلى قيام اللجنة العسكرية باتخاذ قرار سريع ومهم في بداية فترة ثمانينات القرن الماضي في البدء (نتيجة لموافقة أصحاب الجلالة والسمو ملوك ورؤساء دول المجلس) على البدء في خطة بناء قوات جوية فعالة ومدربة تدريباً عالياً ومجهزة بأحدث المنظومات القتالية وشبكات الإنذار المبكر والاتصالات ومربوطة بأنظمة قيادة وسيطرة وأسلحة دفاع جوي عالية التقنية، وتنفيذ استراتيجية دفاعية جديدة على دول المجلس تتطلب قرارات حاسمة وقيادات عالية الكفاءة للربط بين القوات الجوية لدول المجلس.

وكان لي الشرف أن أكون جزءاً من مجهود تطوير وبناء القوات الجوية لدول مجلس التعاون الخليجي في الفترة من عام 1982 إلى حين تقاعدي عام 2000 من خلال رئاسة وعضوية عدد من اللجان الفنية التي شكلتها الأمانة العامة للمجلس اللجنة العسكرية، وباستثناء بعض المعلومات المصنفة السرية التي لا أستطيع التحدث عنها لأسباب تتعلق بالأمن الوطني لدول المجلس فإنه يمكن أن أقدم صورة موجزة عن أبعاد تطور وبناء القوات الجوية لدول المجلس والاستراتيجية الدفاعية التي تم على أساسها بناء الفكر القتالي لمواجهة التحديات والمخاطر التي واجهت الدول الخليجية في ظل بيئة التهديد العالية حينها، خاصة في الفترة الحاسمة من سنوات الحرب العراقية – الإيرانية التي أثرت في كافة الدول الخليجية من دون استثناء.

وكما بينت سابقاً فقد قامت اللجنة العسكرية لدول مجلس التعاون بإعطاء أولوية البناء للقوات الجوية لتواكب الخطر الناتج عن التهديدات والأطماع الإيرانية أثناء الحرب العراقية – الإيرانية خاصة خطر أسلحة الدمار الشامل والتعرض إلى وسائل النقل البحري المدنية والعسكرية في الخليج العربي، حيث تم بناء الإطار الذي تم على أساسه صياغة استراتيجية لبناء القوات الجوية الخليجية من منطلق المحاور التالية:

أ- العمل على توحيد منظومات القتال الجوية الرئيسية إن أمكن وزيادة الإنفاق على القوات الجوية بصفة خاصة.

ب- بناء شبكة إنذار مبكر وربطها عبر مركز عمليات مشترك.

ج- الوصول إلى التفوق الجوي أولاً ومن ثم السيادة الجوية على مسرح العمليات الجوي لدول المجلس بكل الطرق الممكنة مع الاستفادة من الدروس السابقة بهذا الخصوص من المعارك الجوية والحروب ذات العلاقة.

د- بناء نظام قيادة وسيطرة واتصالات مع تشكيل مركز عمليات رئيسي ومركز فرعي تبادلي لخدمة الدول الست.

هـ- توحيد قواعد الاشتباك وأسس العمل العدائي والأوامر الثابتة للطائرات والدفاع الجوي وإيجاد مستوى عال من التناغم بين أسلحة الدفاع الجوي والطائرات والقوات البرية.

و- تغيير أسس التدريب للطيارين والفنيين باستخدام معايير تدريب حديثة ومتقدمة.

ز- زيادة كفاءة الطيارين في مجال الطيران الليلي والقصف الأرضي والتحليق في الأجواء السيئة.

ح- تعديل الأسس التي يقبل بها الفنيون وتحسين الكفاءة الفنية للفنيين عبر وسائل تدريب عالية التقنية.

ط- توحيد العقيدة القتالية لكافة القوات الجوية الخليجية.

ي- بناء قواعد جوية جديدة وإنشاء معسكرات للدفاع الجوي تكون قادرة على استيعاب الأنواع المختلفة لطائرات دول المجلس والمنظومات القتالية للدفاع الجوي.

ك- إجراء تمارين جوية ومناورات مشتركة للدول الست لتعكس الواقع القتالي الحقيقي أثناء التدريبات والتمارين والمناورات.

ل- الاستمرار في تحديث التهديد بصفة دائمة حتى تواكب عملية البناء.

م- تبادل المعلومات الاستخبارية بين الدول الست بما فيها صور الموقف الجوي وأجهزة الاستشعار المختلفة.

ن- تحديد مناطق عزل للدفاع الجوي فوق الخليج العربي لتكون مناطق عزل لوقف الاختراقات الجوية والصاروخية.

ف- تخصيص مناطق اشتباك للدفاع الجوي والطائرات لوقف أي محاولة لمهاجمة دول المجلس.

القوات الجوية الملكية السعودية أثبتت كفاءة قتالية عالية في حرب تحرير الكويت 

لقد أدت سياسة البناء للقوات الجوية الخليجية والأولوية التي أعطيت لها في تلك الفترة إلى امتلاك دول المجلس قوات جوية متميزة رغم قلة عدد السكان بالمقارنة بدول عديدة كثيرة السكان وتملك معدات وطائرات ومنظومات تسليح كثيرة من دون كفاءة قتالية نتيجة للتركيز على الكفاءة والشعور بالمسؤولية الذي التزم به المعنيون في القوات الجوية الخليجية واستخدام العقيدة القتالية المناسبة وتوفر المشورة الفنية الجيدة من الأصدقاء والأشقاء وقوات التحالف، كما أدى الخوف من توسع نطاق الحرب العراقية – الإيرانية إلى امتلاك منظومات قتال وطائرات ذات تقنية عالية أسهمت هي الأخرى في التقدم الذي طرأ على القوات الجوية لدول المجلس، وعززت ذلك ميزانيات كبيرة للشراء والتدريب استطاعت توفير طائرات، رادادات، شبكات إنذار مبكر، أنظمة قيادة وسيطرة، أجهزة اتصالات مؤمنة، وفي المقابل كانت القوات الجوية تعاني من بعض المشكلات المتوازية مع مرحلة البناء وأبرزها بقاء القيادة العليا تحت سلطة قيادات غير جوية (قيادات برية – رئاسة أركان برية) لا تملك الحس الموجود لدى القيادات الجوية نظراًٍ لأن العمل في القوة الجوية يحتاج إلى كفاءة ذات مستوى علمي متقدم، بالإضافة إلى عامل آخر وهو فرض هياكل تنظيمية برية على الوحدات الجوية لا تناسب عمل القوة الجوية لأنها نسخة من ما هو مطبق في الوحدات البرية مما يضعف من سرعة الاستجابة لدى القيادات الجوية ويحد من صناعة القرار على مستوى القيادات الجوية العليا (القرار الجوي يتطلب سرعة وردة فعل سريعة للغاية)، كما تمثل زيادة نسبة الاستنزاف في الطاقات البشرية المؤهلة بسبب التسرب إلى القطاع الخاص مشكلة من نوع آخر حيث لا تستطيع القوات الجوية منافسة ذلك القطاع الذي يجتذب تلك الكوادر بصف دائمة.

أدى الخوف من توسع الحرب العراقية – الإيرانية إلى امتلاك دول الخليج منظومات قتال وطائرات عالية التقنية 

لقد أثبتت الحروب والأزمات التي مرت على منطقة الخليج العربي خلال العقود الثلاثة الماضية بدءاً من الحرب العراقية – الإيرانية والغزو العراقي لدولة الكويت، وحرب تحرير الكويت، وفترة الكر والفر مع النظام العراقي السابق في الفترة الممتدة من عام (1991 – 2003)، وأخيراً حرب تحرير العراق أن القوة الجوية تلعب دوراً حاسماً في الحروب وأصبحت قوة مناورة. وكما قال الأدميرال آرثر فورد من البحرية الأمريكية عام 1954 (إن القوة الجوية في هذا الزمان هي القوة المؤثرة وهي لا تستطيع كسب الحرب وحدها ولكن من دونها لا يمكن كسب أي حرب)، بينما أثبتت حرب تحرير الكويت كما بيّن جنرال المارينز المتقاعد برنارد ترينور المراسل الحربي السابق لجريدة (نيويورك تايمز) والبروفيسور حالياً في جامعة هارفارد (أنه لأول مرة بالتاريخ تصبح القوات الأرضية مساندة للحملة الجوية). وبعد حرب تحرير الكويت وبناءً على الدروس المستفادة من الحملة الجوية لعاصفة الصحراء، ومن المنطلق الذي ذكر أعلاه تم تسريع عملية التطوير للقوات الجوية الخليجية التي كانت قائمة أثناء الحرب العراقية – الإيرانية، خاصة بعد مشاركة القوات الجوية الملكية السعودية بنجاح في الحملة الجوية لتحرير الكويت والتي أثبتت فيها كفاءة قتالية عالية، وشاركها هذا النجاح بنسبة أقل القوات الجوية الخليجية التي شاركت رغم صغر حجمها بنجاح في الحملة الجوية.

وتكرر النجاح للقوات الجوية الخليجية مرة أخرى في حرب تحرير العراق في مارس 2003 عندما استطاعت القوة الجوية الكويتية التصدي لكافة الصواريخ البالستية بكوادر وطنية وأسلحة متطورة أثبتت أن الكفاءة القتالية التي اكتسبتها بعد معركة تحرير الكويت كانت استثماراً لصالح المواطن الخليجي.

ورغم النجاحات التي ذكرت ضمن هذا المقال للقوات الجوية لدول مجلس التعاون خلال العقود الثلاثة الماضية إلا أن المستقبل يحمل الكثير من التحديات، فمنطقة الخليج لن تكون معزولة عما يحدث في العالم خاصة في المجال الاقتصادي الذي سيؤثر في عمليات البناء للقوات الجوية، فليس هناك ضمان لارتفاع المؤشرات الإيجابية للاقتصاد العالمي والخليجي، كما أن أسعار النفط التي تلعب دوراً كبيراً في تحديد الميزانيات الدفاعية لكافة دول المجلس لن تكون بمأمن من الانخفاض مما يعني أن الأوليات والميزانيات المرتفعة التي خصصت في السابق لتحديث وبناء القوات الجوية الخليجية ستعاني تذبذباً وسترتبك الخطط المعدة سابقاً والمبنية على توقعات مسبقة هي الأخرى.

وهناك تهديد آخر لدول مجلس التعاون ينبع من خطورة البرنامج النووي الإيراني واستمرار طهران في بناء ترسانة لأسلحة الدمار الشامل التي تضغط على القدرات الجوية لقوات دول المجلس للوصول إلى سبل لبرنامج ردع شامل لمجابهة هذا التهديد الخطير، وهو ما تطلب مؤخراً إعادة النظر في الاستراتيجية الدفاعية والبحث عن بدائل أخرى لصد هذا الخطر.

ورغم كل ما ذكر في الفقرات السابقة إلا أنني أود أن أبين أن القوات الجوية لدول مجلس التعاون حققت العديد من الخطوات البناءة في مجال بناء القوة، ضمن التصور الخليجي الموحد والاستراتيجية الدفاعية التي أقرها أصحاب الجلالة والسمو ملوك ورؤساء دول المجلس، حيث نجحت التمارين الجوية المشتركة في بناء مستوى متقدم من الواقعية والكفاءة القتالية، واستطاعت تدريب الطيارين والفنيين على بيئة عمليات مختلفة، ونجح تقييم القواعد الجوية الجديدة حينها في تقديم المطلوب للعمليات الجوية المختلفة، ودعمت العمليات المشتركة بواقعية قتالية مميزة، كما استطاعت شبكة الإنذار المبكر ومنظومة القيادة والسيطرة إثبات علو كعب القوات الجوية وقت السلم والأزمات والحروب، وأدى توحيد لوائح القتال وقواعد الاشتباك ومفاهيم القتال المشترك في نقل القوات الجوية الخليجية إلى القرن العشرين إلى استخدام منظومة قتال خليجية قادرة على التصدي للأخطار المحتملة حتى بوجود الاتفاقيات الأمنية مع الدول الكبرى.

لذا تظل القوات الجوية الخليجية قوة لا يستهان في مهنيتها ومقدرتها القتالية خاصة في الظروف الحالية التي تمر بها المنطقة، وإذا كانت التهديدات المحيطة بتلك الدول لا تزال قائمة إلا أن دور القوات الجوية الخليجية في التصدي وردع أي عدوان هو سمة قائمة وتم بناؤها على أسس وضعت خلال عقود عدة من التخطيط والتدريب والجهد.

::/fulltext::
::cck::1301::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *