أثر الحوار الأمريكي – الإيراني في الوضع المتأزم في العراق

::cck::1246::/cck::
::introtext::

يثير الحوار الأمريكي – الإيراني العديد من التساؤلات حول تأثير ذلك الحوار في الوضع المتأزم في العراق، وذلك في ظل تعقّد الأوضاع والظروف سواء في العراق أو تلك التي تحيط بالملف النووي الإيراني، وبخاصة مع تعثر المفاوضات الجماعية التي تقوم بها مجموعة (5+1) مع إيران حول برنامجها النووي ورغبة طهران في الاستفادة من الوضع في العراق للتأثير في سير مفاوضاتها مع الغرب بعد رفضها الحوافز والشروط الغربية كشروط للتهدئة من ناحية وتحذير الغرب والولايات المتحدة من أنَّ هذه الحوافز لن تدوم للأبد، مما يزيد الأمور تعقيداً في ملف إيران النووي الذي يتشابك ويتقاطع مع غيره من الملفات الأخرى وأهمها الوضع في العراق وأمن الخليج. 

::/introtext::
::fulltext::

يثير الحوار الأمريكي – الإيراني العديد من التساؤلات حول تأثير ذلك الحوار في الوضع المتأزم في العراق، وذلك في ظل تعقّد الأوضاع والظروف سواء في العراق أو تلك التي تحيط بالملف النووي الإيراني، وبخاصة مع تعثر المفاوضات الجماعية التي تقوم بها مجموعة (5+1) مع إيران حول برنامجها النووي ورغبة طهران في الاستفادة من الوضع في العراق للتأثير في سير مفاوضاتها مع الغرب بعد رفضها الحوافز والشروط الغربية كشروط للتهدئة من ناحية وتحذير الغرب والولايات المتحدة من أنَّ هذه الحوافز لن تدوم للأبد، مما يزيد الأمور تعقيداً في ملف إيران النووي الذي يتشابك ويتقاطع مع غيره من الملفات الأخرى وأهمها الوضع في العراق وأمن الخليج.

تبرز أهمية هذا الحوار بين طهران وواشنطن حول العراق من كونه يمثل سبيلاً آخر لاستكمال المفاوضات بين الولايات المتحدة التي تريد تأمين خروج مشرف لقواتها من العراق وعدم الانزلاق في هذا المأزق أكثر من ذلك مع الحفاظ على مصالحها الاقتصادية هناك، وبين إيران التي يزداد نفوذها وتغلغلها في العراق يوماً بعد يوم والتي لم يعد أحد يستطيع إنكار دورها في أي تسوية مستقبلية للوضع في العراق بما فيها الولايات المتحدة ذاتها.

ولأن فرصة نجاح هذا الحوار لا تزال قائمة، ولو بنسبٍ ضعيفة، فتبرز لدينا – نحن العرب – أهمية هذا الحوار، من الطبيعة الخاصة لقضايا الحوار الأمريكي-الإيراني، وذلك لارتباط معظم قضايا هذا الحوار بالأمن القومي العربي بصفةٍ عامة، والأمن القومي لدول الخليج العربية بصفةٍ خاصة باعتبارها دول جوار لإيران. فلا شكَّ في أن قضايا من قبيل أمن الخليج العربي، والطموح الإيراني لامتلاك أسلحة نووية، والقضية العراقية، والتجاذب الطائفي السُني- الشيعي، والنفوذ الإيراني لدى بعض الأطراف العربية (حزب الله – حماس – سوريا) هي قضايا محل اهتمام مشترك للدول العربية كافة، بل ذات أهمية قصوى بالنسبة إلى دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية التي تسعى إلى تحقيق التكامل فيما بينها، لما يربطها من تاريخ وتراث ولغة وجوار ومصالح مشتركة وتشابه في النظم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وغيرها من متطلبات التكامل ومقومات الوحدة.

وفي هذا السياق، تأتي القضية العراقية على رأس قضايا ذلك الحوار أهميةً بالنسبة للأمن القومي العربي والخليجي بصفة خاصة. وذلك لعدة أسباب يمكن إجمالها فيما يلي:

1- خطورة الأوضاع في العراق منذ انهيار الدولة المركزية في عام 2003 وإقامة ما يطلق عليه (العراق الجديد) في ظل الاحتلال الأنجلو أمريكي، وتدهور الأوضاع الأمنية والسياسية والاقتصادية في العراق.

2- وهذه – بكُلِّ أسف – تتمثل في ضعف الدور العربي في عراق ما بعد الاحتلال، سواء العربي الجماعي على مستوى المنظمات الإقليمية العربية أو الدور العربي الفردي على مستوى كل دولة عربية على حدة، وذلك إذا ما قُورن ذلك الدور بأدوارٍ أخرى غير عربية وخاصة الدورين الإيراني والتركي.

3- وهي ترتبط بسابقتها، وهي تعاظم النفوذ والتأثير الإيراني في العراق، حيث لعبت إيران الدور الأكبر والأخطر في هذا البلد العربي منذ ما يقارب سبع سنوات وحتى الآن، وهي فترة وجود الاحتلال الأجنبي في العراق، وهو ما يتعلق بموضوع هذا المقال حيث تستخدم إيران العراق كورقة ضغط في حوارها ومناوراتها مع الغرب بصفة عامة ومع الولايات المتحدة بصفة خاصة.

الغزو الأمريكي للعراق كان بمثابة الفرصة الذهبية لإيران لتوسيع نفوذها الإقليمي 

ولعلّه يكون من المناسب هنا أن يتم تناول هذا الموضوع من خلال جزأين، أولهما يتناول النفوذ الإيراني في العراق وتطوره خلال سنوات الاحتلال. أمّا الجزء الآخر فيتناول تأثير ذلك النفوذ في فرص نجاح الحوار الأمريكي- الإيراني، وتأثير ذلك الأخير في الوضع المتأزم في العراق.

أولاً: النفوذ الإيراني المتنامي في العراق منذ الاحتلال

يثير النفوذ الإيراني المتنامي في العراق منذ الاحتلال الأنجلوأمريكي في العشرين من مارس 2003 العديد من التساؤلات والإشكاليات في الوقت ذاته حول تأثير ذلك النفوذ في مستقبل العراق كدولة قومية ووحدة أراضيها واستقلالها السياسي، فضلاً عن أثر ذلك النفوذ في الوحدة الوطنية للشعب العراقي وهوية العراق كجزء من الأمة العربية، ولا يقل أهميةً عن هذه التساؤلات ذلك التساؤل الخاص بتأثير الحوار الأمريكي- الإيراني في الوضع المتأزم في العراق، باعتبار هاتين الدولتين مسؤولتين بشكلٍ رئيسي عن تدهور الأوضاع الأمنية والسياسية في العراق.

ولا شكَّ في أنه في عالم السياسة قد تلتقي المصالح في لحظة معيّنة بين ألدِّ الأعداء، وساعتها ربما نلاحظ توافقاً في السياسات المُتخذة تجاه قضية بعينها طالما أنها تحقق مصالح كلا الطرفين من وجهة نظر صانعي القرار وأصحاب سلطة تقدير المصلحة الوطنية في اللحظة التاريخية المعنيّة. وهذا ما ينطبق تماماً على ما حدث عندما التقت مصالح كلٍّ من الولايات المتحدة الأمريكية وإيران إزاء احتلال العراق، فإيران التي دخلت مع العراق في حربٍ ضَروس طيلة ثماني سنوات استنزفت منها الكثير من الجهد والمال، فضلاً عمّا يقارب عقداً من الزمن، سمحت (أو وافقت) على احتلال الولايات المتحدة للعراق في صفقةٍ غير مُعلنةٍ لتحقق من الاحتلال أهدافها المتعددة ضد دولة عربية كانت تعتبرها العدو الأخطر في منطقة الشرق الأوسط، وللثأر الشخصي من الرئيس العراقي الراحل صدام حسين الذي خاض حرب الثماني سنوات ضد النظام الإيراني.

ومن دون الخوض في تفسير هذه الصفقة وتحليل أسبابها، فقد توافقت المصالح في لحظة تاريخية معينة، حيث رأت واشنطن أن نظرية (الفوضى الخلاّقة) تفيد مصالحها في العراق، في حين أرادتها طهران (فوضى منضبطة)، حيث إن السياسة الإيرانية رأت في وجود القوات الأمريكية تحت عينها في العراق فرصةً مواتيةً للإمساك بورقة جديدة تضغط بها في مواجهة واشنطن لتسوية ملفات أخرى أبرزها؛ الملف النووي وأمن الخليج.

وتأسيساً على هذه الرؤية الإيرانية جهّزت طهران رجالها وعملاءها سواء من الشيعة العراقيين الذين لجأوا إليها إبّان حكم صدام حسين أو من الإيرانيين التابعين لجهاز الحرس الثوري الإيراني وأجهزة المخابرات، وذلك لتكوين ميليشيات مسلحة في عراق ما بعد الاحتلال، ولدعم شيعة العراق للسيطرة على السلطة في بغداد والاحتفاظ بمن يدينون بالولاء التام لطهران في المواقع المهمة العراقية لتكون هذه هي ورقة الضغط الإيرانية على واشنطن في العراق. فمن ناحيةٍ تضمن طهران ولاء من يتولى السلطة من شيعة العراق، ومن ناحيةٍ أخرى يكون لها دور في السيطرة على الميليشيات المسلحة لاستخدامها وقت اللزوم كأداة (للتنغيص) على القوات الأمريكية هناك.

سبع سنوات والعراق بين احتلالين

جاء الغزو الأمريكي للعراق في مارس 2003 بمثابة الفرصة الذهبية لإيران لتوسيع نفوذها كما ذكرنا، والانتقام من دولة كانت يوماً قوة إقليمية تحد من نفوذها، ودخلت معها حرباً راح ضحيتها ما يقرب من مليون شخص وتكلّفت ما يزيد على تريليون دولار. وقد سعت إيران إلى احتلال المكانة الإقليمية التي كانت يحتلها العراق فعملت على توسيع نفوذها في عراق ما بعد الاحتلال إلى جانب إحراز تقدم في الملفين الاقتصادي والنووي. وقد اتخذ النفوذ الإيراني في العراق صوراً متعددة إلى الدرجة التي لم تعد تخفى على أحد حتى وصل الأمر إلى أن القادة الأمريكيين والبريطانيين في العراق أعربوا عن قلقهم من هذا النفوذ الإيراني المتنامي وخطره على الأوضاع السياسية والأمنية في العراق.

فقد بدأت إيران منذ عام 2003 في نشر أتباعها تحت مسميات منظمات المجتمع المدني التي هي في الحقيقة واجهات مخابراتية إيرانية، ودعم وتدريب الميليشيات المسلحة المسؤولة عن تأجيج العنف الطائفي في العراق، وتصفية نخبة الفكر والثقافة والعلم والتكنولوجيا في العراق. وقد تمّ هذا الانتشار تحت رعاية القوات الأمريكية التي أشرفت على تدريب عشرات المئات من منتسبي حزب الدعوة (جناح نوري المالكي) والمجلس الأعلى (عبدالعزيز الحكيم) والتيار الصدري (مقتدى الصدر) من الذين عاشوا في إيران وتربطهم بها روابط وثيقة ويدينون لها بالولاء.

وقد اعترف كثير من التقارير الأمريكية والبريطانية بهذا التغلغل الإيراني في شؤون العراق الداخلية وحذرت منه، فقد جاء في تقرير حديث صدر عن المعهد الملكي البريطاني للدراسات الدولية  (أن الحرب الأمريكية على الإرهاب عزّزت دور إيران في الشرق الأوسط)، وأضاف التقرير أن الولايات المتحدة (أطاحت بنظامين منافسين لإيران في الشرق الأوسط هما: طالبان في أفغانستان، ونظام صدام حسين في العراق من دون إقامة بنى سياسية مستقرة ومتجانسة بدلاً منهما).

كما ذكر الباحث الأمريكي كينيث كاتسمان في ورقة بحثية صدرت عن الكونغرس الأمريكي في إبريل 2009، أنّ نفوذ إيران تعدى مجرد هدف (تحييد) العراق، كما أنّ طهران سعت إلى تحقيق أهدافها من خلال دعم الطوائف والميليشيات الموالية لها في العراق، والتأثير في القادة السياسيين وقادة الميليشيات وبناء روابط اقتصادية قوية مع العراق.

ومن دون الخوض في تفاصيل هذا النفوذ وأسبابه وصوره، فإن ما يهمنا هنا هو دراسة تأثير هذا النفوذ والتغلغل على مستقبل العراق وعلاقاته الإقليمية والعربية من ناحية، وتأثير ذلك النفوذ في فرص نجاح الحوار الأمريكي- الإيراني وتأثيره كذلك في الوضع في العراق.

إيران لعبت الدور الأكبر والأخطر في العراق منذ ما يقارب سبع سنوات وحتى الآن 

ثانياً: الحوار الأمريكي – الإيراني والوضع المتأزم في العراق

مثلما جمعت المصلحة المشتركة بين الولايات المتحدة وإيران قبل حوالي سبع سنوات عندما قررت واشنطن غزو العراق ومن ثّمَّ احتلاله في مارس 2003، لعبت كذلك المصلحة والمصلحة فقط الدور الرئيسي في تجميع الأمريكيين والإيرانيين حول مائدة حوارٍ واحدة لفتح ما سموه (حوار حول مستقبل العراق).

ولعلّه يكون من المناسب، في هذا الإطار، إبراز أهم ملامح هذا الحوار الذي تم من أجل هدف ظاهري هو خروج قوات الاحتلال من العراق بهدوء والحفاظ على الاستقرار الأمني في البلاد، لكنه في الحقيقة كان حواراً من أجل التفاوض حول مصالح كل طرف من الطرفين. فالحوار قد تمَّ بناءً على عدة دعوات من جانب مفكرين وسياسيين أمريكيين وعراقيين وإيرانيين رأت فيه هذه الأطراف طريقاً للتفاوض حول كيفية الخروج من العراق. وكان تقرير (دراسة العراق) المعروف إعلامياً بتقرير (بيكر – هاميلتون) الذي قدمته لجنة خبراء مشتركة من الجمهوريين والديمقراطيين للرئيس الأمريكي السابق جورج دبليو بوش حول العراق، قد أوصى الإدارة الأمريكية بأن تفتح حواراً مع دول جوار العراق وخاصةً ضلعي محور الشر (سوريا وإيران) كأحد مقترحات التقرير لبحث حلول الأزمة الأمريكية في العراق. ومن ناحيةٍ أخرى، طالب بعض السياسيين العراقيين، وعلى رأسهم الزعيم الشيعي الراحل عبدالعزيز الحكيم، إيران بفتح حوار مع واشنطن حول العراق.

ولعلَّ أبرز ملامح هذا الحوار أنه تم على فترات متباعدة ومن دون إعلان رسمي عن ذلك من الطرفين، حيث تكرر نفي الطرفين لإجراء أي حوار أو مباحثات حول العراق أثناء الاجتماعات أو المؤتمرات الدولية التي جمعت مسؤولين من الطرفين، وهو ما تكرر في مؤتمر شرم الشيخ بمصر حول العراق في مايو 2007، وغيره من اللقاءات. والملمح الثاني الأبرز لهذا الحوار أنه تم على مستوى دبلوماسي أقل (سفيراً البلدين في بغداد) ومرجع ذلك أن كلا الطرفين يحاول أن يُظهر للآخر أنه ليس مضطراً لإجراء هذا الحوار، وإنما هدف كل منهما هو مساعدة الآخر من أجل مصلحة العراق، وهو ما يتأكد عدم صحته على أرض الواقع المتأزم في العراق. وتتم هذه اللقاءات والحوارات غالباً بين سفيري البلدين في مكتب رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي في المنطقة الخضراء ببغداد بهدف التفاوض بين قوتي الاحتلال – إنْ صحَّ التعبير – للتوصل إلى تسوية تحافظ لكل طرف على مصالحه من دون التصادم المباشر مع الطرف الآخر، وهي أقرب إلى ما يُعرف بـ (توزيع الأدوار).

تستخدم إيران العراق كورقة ضغط في حوارها ومناوراتها مع الغرب بصفة عامة ومع الولايات المتحدة بصفة خاصة

وقد أعلن كل طرف هدف هذه المفاوضات من وجهة نظره، حيث صرح وزير خارجية إيران منوشهر متكي بأن الهدف من المفاوضات هو أن (إيران مستعدة لمساعدة أمريكا على الخروج من العراق)، في حين صرح السفير الأمريكي في بغداد رايان كروكر بأن الهدف هو (إنهاء الدعم الإيراني للميليشيات المسلحة في العراق). والحقيقة أن هذه الأهداف المعلنة من جانب الدبلوماسيين من كلا الطرفين هي مجرد غطاء لأهداف حقيقية يسعى كل طرف إلى تحقيق أكبر قدر من المكاسب بمساعدة الطرف الآخر وعلى حساب العراق وشعبه.

فالولايات المتحدة ترغب في  تأمين خروج مشرّف لقواتها التي تورطت في العراق نتيجة لسياسة إدارة الرئيس السابق جورج بوش الابن، وترغب واشنطن أيضاً في تنفيذ هذا الخروج من خلال إحلال قوات الجيش والشرطة العراقيين محل قوات الاحتلال تدريجياً لعدم ترك العراق يقع فريسةً سهلة في أيدي الإيرانيين بما يهدد المصالح الأمريكية الاقتصادية بالأساس في العراق. وفي المقابل تسعى إيران إلى تنفيذ أهدافها بدعم أنصارها من السياسيين العراقيين للسيطرة على السلطة في العراق، ومن ثمَّ ضمان دور رئيسي لها في مستقبل العراق، والإبقاء عليه كدولة منزوعة القوة تحت السيطرة الإيرانية أو على الأقل تأمن جانبها.

خلاصة القول إذن، أن الحوار الأمريكي-الإيراني، وما يتعلق منه بالعراق، يمثّل نقطةً جديدة لالتقاء المصالح وتبادل المنافع بين الولايات المتحدة وإيران. فبعد مرور حوالي سبع سنوات على احتلال العراق، وجدت كل من الدولتين أنه لا (الفوضى الخلاقة) التي أرادتها واشنطن تحققت، ولا (الفوضى المنضبطة) التي أرادتها طهران، وإنما أفرزت سنوات الاحتلال والدم في العراق نوعاً ثالثاً من الفوضى يمكن أن نطلق عليه (الفوضى المُدمرة)، وهي الفوضى التي طالت كل الأطراف داخل العراق وخارجه، ووضعت الولايات المتحدة على وجه التحديد في مأزق أرادت واشنطن أن تجد مخرجاً مشرفاً منه بمساعدة إيران التي سبق وساعدتها في دخول العراق من قبل، وهي – أي إيران – التي استفادت أكبر استفادة من احتلال العراق.

ومن ثمَّ يمكن ملاحظة ما يلي على هذا الحوار وأثره في الوضع المتأزم في العراق:

1- إن الحوار بين الولايات المتحدة وإيران بشأن العراق هو حوار (تكتيكي) لتوزيع الأدوار، وتحقيق المصالح المشتركة والمنافع المتبادلة، والاتفاق على خطة عمل المرحلة المقبلة بين الدولتين.

2- إن حواراً مثل هذا هو حوار مصالح بين دولتين اشتركتا في تدمير العراق، ومن ثمَّ فلا يُنتظر منه نتائج إيجابية لتحسين الأوضاع الأمنية والسياسية والاقتصادية المتأزمة في العراق. ودليل ذلك دخول كل طرف إلى طاولة الحوار بمجموعة من الأهداف الثابتة التي تخدم استراتيجيته والتي يسعى إلى تحقيقها ولو على حساب مصلحة العراق الوطنية.

3- إنَّ أيّاً من الطرفين لم يفعل شيئاً حقيقياً وملموساً لمعالجة الأوضاع المتدهورة في العراق، رغم قدرتهما على ذلك بما يمتلك كل طرف من أوراق للتأثير في الشأن العراقي.

4- إن استمرار غياب (أو تغييب) الدور العربي عن العراق، وتهميش دور العراقيين أنفسهم في تحديد مصيرهم ومستقبل بلدهم، يجعلان الحوار الأمريكي-الإيراني حول العراق أشبه بجولة مفاوضات بين طرفين متعاديين على ملفات أخرى يبرز كل طرف فيها أنه يمتلك ورقة العراق كورقة ضغط لتحقيق مكاسبه.

ومن ثمَّ، وفي ظل هذه الأوضاع القائمة والقاتمة، يكون هذا الحوار، وفي ظل حالة الشدّ والجذب بين إيران والمجتمع الدولي ( الدول الغربية بالأساس) حول برنامج إيران النووي ذا أثرٍ سلبي في الأوضاع في العراق، إذْ إن طهران التي ترفض التهدئة في ملف البرنامج النووي، وترفض الحوافز والشروط الأوروبية حتى الآن متحدّيةً التحذير الأمريكي – الأوروبي بأن هذه اللهجة اللينة ونظام الحوافز والدبلوماسية لن تكون إلى ما لا نهاية، بل إن الرئيس الأمريكي باراك أوباما صرّح أكثر من مرة بأنها لن تدوم طويلاً، وعليه فلن تتوانى طهران في التضحية بالعراق إذا ما استدعت المفاوضات ذلك لتسوية ملفات أخرى أبرزها الملف النووي الإيراني. 

::/fulltext::

araa64_47-581
Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1246::/cck::
::introtext::

يثير الحوار الأمريكي – الإيراني العديد من التساؤلات حول تأثير ذلك الحوار في الوضع المتأزم في العراق، وذلك في ظل تعقّد الأوضاع والظروف سواء في العراق أو تلك التي تحيط بالملف النووي الإيراني، وبخاصة مع تعثر المفاوضات الجماعية التي تقوم بها مجموعة (5+1) مع إيران حول برنامجها النووي ورغبة طهران في الاستفادة من الوضع في العراق للتأثير في سير مفاوضاتها مع الغرب بعد رفضها الحوافز والشروط الغربية كشروط للتهدئة من ناحية وتحذير الغرب والولايات المتحدة من أنَّ هذه الحوافز لن تدوم للأبد، مما يزيد الأمور تعقيداً في ملف إيران النووي الذي يتشابك ويتقاطع مع غيره من الملفات الأخرى وأهمها الوضع في العراق وأمن الخليج. 

::/introtext::
::fulltext::

يثير الحوار الأمريكي – الإيراني العديد من التساؤلات حول تأثير ذلك الحوار في الوضع المتأزم في العراق، وذلك في ظل تعقّد الأوضاع والظروف سواء في العراق أو تلك التي تحيط بالملف النووي الإيراني، وبخاصة مع تعثر المفاوضات الجماعية التي تقوم بها مجموعة (5+1) مع إيران حول برنامجها النووي ورغبة طهران في الاستفادة من الوضع في العراق للتأثير في سير مفاوضاتها مع الغرب بعد رفضها الحوافز والشروط الغربية كشروط للتهدئة من ناحية وتحذير الغرب والولايات المتحدة من أنَّ هذه الحوافز لن تدوم للأبد، مما يزيد الأمور تعقيداً في ملف إيران النووي الذي يتشابك ويتقاطع مع غيره من الملفات الأخرى وأهمها الوضع في العراق وأمن الخليج.

تبرز أهمية هذا الحوار بين طهران وواشنطن حول العراق من كونه يمثل سبيلاً آخر لاستكمال المفاوضات بين الولايات المتحدة التي تريد تأمين خروج مشرف لقواتها من العراق وعدم الانزلاق في هذا المأزق أكثر من ذلك مع الحفاظ على مصالحها الاقتصادية هناك، وبين إيران التي يزداد نفوذها وتغلغلها في العراق يوماً بعد يوم والتي لم يعد أحد يستطيع إنكار دورها في أي تسوية مستقبلية للوضع في العراق بما فيها الولايات المتحدة ذاتها.

ولأن فرصة نجاح هذا الحوار لا تزال قائمة، ولو بنسبٍ ضعيفة، فتبرز لدينا – نحن العرب – أهمية هذا الحوار، من الطبيعة الخاصة لقضايا الحوار الأمريكي-الإيراني، وذلك لارتباط معظم قضايا هذا الحوار بالأمن القومي العربي بصفةٍ عامة، والأمن القومي لدول الخليج العربية بصفةٍ خاصة باعتبارها دول جوار لإيران. فلا شكَّ في أن قضايا من قبيل أمن الخليج العربي، والطموح الإيراني لامتلاك أسلحة نووية، والقضية العراقية، والتجاذب الطائفي السُني- الشيعي، والنفوذ الإيراني لدى بعض الأطراف العربية (حزب الله – حماس – سوريا) هي قضايا محل اهتمام مشترك للدول العربية كافة، بل ذات أهمية قصوى بالنسبة إلى دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية التي تسعى إلى تحقيق التكامل فيما بينها، لما يربطها من تاريخ وتراث ولغة وجوار ومصالح مشتركة وتشابه في النظم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وغيرها من متطلبات التكامل ومقومات الوحدة.

وفي هذا السياق، تأتي القضية العراقية على رأس قضايا ذلك الحوار أهميةً بالنسبة للأمن القومي العربي والخليجي بصفة خاصة. وذلك لعدة أسباب يمكن إجمالها فيما يلي:

1- خطورة الأوضاع في العراق منذ انهيار الدولة المركزية في عام 2003 وإقامة ما يطلق عليه (العراق الجديد) في ظل الاحتلال الأنجلو أمريكي، وتدهور الأوضاع الأمنية والسياسية والاقتصادية في العراق.

2- وهذه – بكُلِّ أسف – تتمثل في ضعف الدور العربي في عراق ما بعد الاحتلال، سواء العربي الجماعي على مستوى المنظمات الإقليمية العربية أو الدور العربي الفردي على مستوى كل دولة عربية على حدة، وذلك إذا ما قُورن ذلك الدور بأدوارٍ أخرى غير عربية وخاصة الدورين الإيراني والتركي.

3- وهي ترتبط بسابقتها، وهي تعاظم النفوذ والتأثير الإيراني في العراق، حيث لعبت إيران الدور الأكبر والأخطر في هذا البلد العربي منذ ما يقارب سبع سنوات وحتى الآن، وهي فترة وجود الاحتلال الأجنبي في العراق، وهو ما يتعلق بموضوع هذا المقال حيث تستخدم إيران العراق كورقة ضغط في حوارها ومناوراتها مع الغرب بصفة عامة ومع الولايات المتحدة بصفة خاصة.

الغزو الأمريكي للعراق كان بمثابة الفرصة الذهبية لإيران لتوسيع نفوذها الإقليمي 

ولعلّه يكون من المناسب هنا أن يتم تناول هذا الموضوع من خلال جزأين، أولهما يتناول النفوذ الإيراني في العراق وتطوره خلال سنوات الاحتلال. أمّا الجزء الآخر فيتناول تأثير ذلك النفوذ في فرص نجاح الحوار الأمريكي- الإيراني، وتأثير ذلك الأخير في الوضع المتأزم في العراق.

أولاً: النفوذ الإيراني المتنامي في العراق منذ الاحتلال

يثير النفوذ الإيراني المتنامي في العراق منذ الاحتلال الأنجلوأمريكي في العشرين من مارس 2003 العديد من التساؤلات والإشكاليات في الوقت ذاته حول تأثير ذلك النفوذ في مستقبل العراق كدولة قومية ووحدة أراضيها واستقلالها السياسي، فضلاً عن أثر ذلك النفوذ في الوحدة الوطنية للشعب العراقي وهوية العراق كجزء من الأمة العربية، ولا يقل أهميةً عن هذه التساؤلات ذلك التساؤل الخاص بتأثير الحوار الأمريكي- الإيراني في الوضع المتأزم في العراق، باعتبار هاتين الدولتين مسؤولتين بشكلٍ رئيسي عن تدهور الأوضاع الأمنية والسياسية في العراق.

ولا شكَّ في أنه في عالم السياسة قد تلتقي المصالح في لحظة معيّنة بين ألدِّ الأعداء، وساعتها ربما نلاحظ توافقاً في السياسات المُتخذة تجاه قضية بعينها طالما أنها تحقق مصالح كلا الطرفين من وجهة نظر صانعي القرار وأصحاب سلطة تقدير المصلحة الوطنية في اللحظة التاريخية المعنيّة. وهذا ما ينطبق تماماً على ما حدث عندما التقت مصالح كلٍّ من الولايات المتحدة الأمريكية وإيران إزاء احتلال العراق، فإيران التي دخلت مع العراق في حربٍ ضَروس طيلة ثماني سنوات استنزفت منها الكثير من الجهد والمال، فضلاً عمّا يقارب عقداً من الزمن، سمحت (أو وافقت) على احتلال الولايات المتحدة للعراق في صفقةٍ غير مُعلنةٍ لتحقق من الاحتلال أهدافها المتعددة ضد دولة عربية كانت تعتبرها العدو الأخطر في منطقة الشرق الأوسط، وللثأر الشخصي من الرئيس العراقي الراحل صدام حسين الذي خاض حرب الثماني سنوات ضد النظام الإيراني.

ومن دون الخوض في تفسير هذه الصفقة وتحليل أسبابها، فقد توافقت المصالح في لحظة تاريخية معينة، حيث رأت واشنطن أن نظرية (الفوضى الخلاّقة) تفيد مصالحها في العراق، في حين أرادتها طهران (فوضى منضبطة)، حيث إن السياسة الإيرانية رأت في وجود القوات الأمريكية تحت عينها في العراق فرصةً مواتيةً للإمساك بورقة جديدة تضغط بها في مواجهة واشنطن لتسوية ملفات أخرى أبرزها؛ الملف النووي وأمن الخليج.

وتأسيساً على هذه الرؤية الإيرانية جهّزت طهران رجالها وعملاءها سواء من الشيعة العراقيين الذين لجأوا إليها إبّان حكم صدام حسين أو من الإيرانيين التابعين لجهاز الحرس الثوري الإيراني وأجهزة المخابرات، وذلك لتكوين ميليشيات مسلحة في عراق ما بعد الاحتلال، ولدعم شيعة العراق للسيطرة على السلطة في بغداد والاحتفاظ بمن يدينون بالولاء التام لطهران في المواقع المهمة العراقية لتكون هذه هي ورقة الضغط الإيرانية على واشنطن في العراق. فمن ناحيةٍ تضمن طهران ولاء من يتولى السلطة من شيعة العراق، ومن ناحيةٍ أخرى يكون لها دور في السيطرة على الميليشيات المسلحة لاستخدامها وقت اللزوم كأداة (للتنغيص) على القوات الأمريكية هناك.

سبع سنوات والعراق بين احتلالين

جاء الغزو الأمريكي للعراق في مارس 2003 بمثابة الفرصة الذهبية لإيران لتوسيع نفوذها كما ذكرنا، والانتقام من دولة كانت يوماً قوة إقليمية تحد من نفوذها، ودخلت معها حرباً راح ضحيتها ما يقرب من مليون شخص وتكلّفت ما يزيد على تريليون دولار. وقد سعت إيران إلى احتلال المكانة الإقليمية التي كانت يحتلها العراق فعملت على توسيع نفوذها في عراق ما بعد الاحتلال إلى جانب إحراز تقدم في الملفين الاقتصادي والنووي. وقد اتخذ النفوذ الإيراني في العراق صوراً متعددة إلى الدرجة التي لم تعد تخفى على أحد حتى وصل الأمر إلى أن القادة الأمريكيين والبريطانيين في العراق أعربوا عن قلقهم من هذا النفوذ الإيراني المتنامي وخطره على الأوضاع السياسية والأمنية في العراق.

فقد بدأت إيران منذ عام 2003 في نشر أتباعها تحت مسميات منظمات المجتمع المدني التي هي في الحقيقة واجهات مخابراتية إيرانية، ودعم وتدريب الميليشيات المسلحة المسؤولة عن تأجيج العنف الطائفي في العراق، وتصفية نخبة الفكر والثقافة والعلم والتكنولوجيا في العراق. وقد تمّ هذا الانتشار تحت رعاية القوات الأمريكية التي أشرفت على تدريب عشرات المئات من منتسبي حزب الدعوة (جناح نوري المالكي) والمجلس الأعلى (عبدالعزيز الحكيم) والتيار الصدري (مقتدى الصدر) من الذين عاشوا في إيران وتربطهم بها روابط وثيقة ويدينون لها بالولاء.

وقد اعترف كثير من التقارير الأمريكية والبريطانية بهذا التغلغل الإيراني في شؤون العراق الداخلية وحذرت منه، فقد جاء في تقرير حديث صدر عن المعهد الملكي البريطاني للدراسات الدولية  (أن الحرب الأمريكية على الإرهاب عزّزت دور إيران في الشرق الأوسط)، وأضاف التقرير أن الولايات المتحدة (أطاحت بنظامين منافسين لإيران في الشرق الأوسط هما: طالبان في أفغانستان، ونظام صدام حسين في العراق من دون إقامة بنى سياسية مستقرة ومتجانسة بدلاً منهما).

كما ذكر الباحث الأمريكي كينيث كاتسمان في ورقة بحثية صدرت عن الكونغرس الأمريكي في إبريل 2009، أنّ نفوذ إيران تعدى مجرد هدف (تحييد) العراق، كما أنّ طهران سعت إلى تحقيق أهدافها من خلال دعم الطوائف والميليشيات الموالية لها في العراق، والتأثير في القادة السياسيين وقادة الميليشيات وبناء روابط اقتصادية قوية مع العراق.

ومن دون الخوض في تفاصيل هذا النفوذ وأسبابه وصوره، فإن ما يهمنا هنا هو دراسة تأثير هذا النفوذ والتغلغل على مستقبل العراق وعلاقاته الإقليمية والعربية من ناحية، وتأثير ذلك النفوذ في فرص نجاح الحوار الأمريكي- الإيراني وتأثيره كذلك في الوضع في العراق.

إيران لعبت الدور الأكبر والأخطر في العراق منذ ما يقارب سبع سنوات وحتى الآن 

ثانياً: الحوار الأمريكي – الإيراني والوضع المتأزم في العراق

مثلما جمعت المصلحة المشتركة بين الولايات المتحدة وإيران قبل حوالي سبع سنوات عندما قررت واشنطن غزو العراق ومن ثّمَّ احتلاله في مارس 2003، لعبت كذلك المصلحة والمصلحة فقط الدور الرئيسي في تجميع الأمريكيين والإيرانيين حول مائدة حوارٍ واحدة لفتح ما سموه (حوار حول مستقبل العراق).

ولعلّه يكون من المناسب، في هذا الإطار، إبراز أهم ملامح هذا الحوار الذي تم من أجل هدف ظاهري هو خروج قوات الاحتلال من العراق بهدوء والحفاظ على الاستقرار الأمني في البلاد، لكنه في الحقيقة كان حواراً من أجل التفاوض حول مصالح كل طرف من الطرفين. فالحوار قد تمَّ بناءً على عدة دعوات من جانب مفكرين وسياسيين أمريكيين وعراقيين وإيرانيين رأت فيه هذه الأطراف طريقاً للتفاوض حول كيفية الخروج من العراق. وكان تقرير (دراسة العراق) المعروف إعلامياً بتقرير (بيكر – هاميلتون) الذي قدمته لجنة خبراء مشتركة من الجمهوريين والديمقراطيين للرئيس الأمريكي السابق جورج دبليو بوش حول العراق، قد أوصى الإدارة الأمريكية بأن تفتح حواراً مع دول جوار العراق وخاصةً ضلعي محور الشر (سوريا وإيران) كأحد مقترحات التقرير لبحث حلول الأزمة الأمريكية في العراق. ومن ناحيةٍ أخرى، طالب بعض السياسيين العراقيين، وعلى رأسهم الزعيم الشيعي الراحل عبدالعزيز الحكيم، إيران بفتح حوار مع واشنطن حول العراق.

ولعلَّ أبرز ملامح هذا الحوار أنه تم على فترات متباعدة ومن دون إعلان رسمي عن ذلك من الطرفين، حيث تكرر نفي الطرفين لإجراء أي حوار أو مباحثات حول العراق أثناء الاجتماعات أو المؤتمرات الدولية التي جمعت مسؤولين من الطرفين، وهو ما تكرر في مؤتمر شرم الشيخ بمصر حول العراق في مايو 2007، وغيره من اللقاءات. والملمح الثاني الأبرز لهذا الحوار أنه تم على مستوى دبلوماسي أقل (سفيراً البلدين في بغداد) ومرجع ذلك أن كلا الطرفين يحاول أن يُظهر للآخر أنه ليس مضطراً لإجراء هذا الحوار، وإنما هدف كل منهما هو مساعدة الآخر من أجل مصلحة العراق، وهو ما يتأكد عدم صحته على أرض الواقع المتأزم في العراق. وتتم هذه اللقاءات والحوارات غالباً بين سفيري البلدين في مكتب رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي في المنطقة الخضراء ببغداد بهدف التفاوض بين قوتي الاحتلال – إنْ صحَّ التعبير – للتوصل إلى تسوية تحافظ لكل طرف على مصالحه من دون التصادم المباشر مع الطرف الآخر، وهي أقرب إلى ما يُعرف بـ (توزيع الأدوار).

تستخدم إيران العراق كورقة ضغط في حوارها ومناوراتها مع الغرب بصفة عامة ومع الولايات المتحدة بصفة خاصة

وقد أعلن كل طرف هدف هذه المفاوضات من وجهة نظره، حيث صرح وزير خارجية إيران منوشهر متكي بأن الهدف من المفاوضات هو أن (إيران مستعدة لمساعدة أمريكا على الخروج من العراق)، في حين صرح السفير الأمريكي في بغداد رايان كروكر بأن الهدف هو (إنهاء الدعم الإيراني للميليشيات المسلحة في العراق). والحقيقة أن هذه الأهداف المعلنة من جانب الدبلوماسيين من كلا الطرفين هي مجرد غطاء لأهداف حقيقية يسعى كل طرف إلى تحقيق أكبر قدر من المكاسب بمساعدة الطرف الآخر وعلى حساب العراق وشعبه.

فالولايات المتحدة ترغب في  تأمين خروج مشرّف لقواتها التي تورطت في العراق نتيجة لسياسة إدارة الرئيس السابق جورج بوش الابن، وترغب واشنطن أيضاً في تنفيذ هذا الخروج من خلال إحلال قوات الجيش والشرطة العراقيين محل قوات الاحتلال تدريجياً لعدم ترك العراق يقع فريسةً سهلة في أيدي الإيرانيين بما يهدد المصالح الأمريكية الاقتصادية بالأساس في العراق. وفي المقابل تسعى إيران إلى تنفيذ أهدافها بدعم أنصارها من السياسيين العراقيين للسيطرة على السلطة في العراق، ومن ثمَّ ضمان دور رئيسي لها في مستقبل العراق، والإبقاء عليه كدولة منزوعة القوة تحت السيطرة الإيرانية أو على الأقل تأمن جانبها.

خلاصة القول إذن، أن الحوار الأمريكي-الإيراني، وما يتعلق منه بالعراق، يمثّل نقطةً جديدة لالتقاء المصالح وتبادل المنافع بين الولايات المتحدة وإيران. فبعد مرور حوالي سبع سنوات على احتلال العراق، وجدت كل من الدولتين أنه لا (الفوضى الخلاقة) التي أرادتها واشنطن تحققت، ولا (الفوضى المنضبطة) التي أرادتها طهران، وإنما أفرزت سنوات الاحتلال والدم في العراق نوعاً ثالثاً من الفوضى يمكن أن نطلق عليه (الفوضى المُدمرة)، وهي الفوضى التي طالت كل الأطراف داخل العراق وخارجه، ووضعت الولايات المتحدة على وجه التحديد في مأزق أرادت واشنطن أن تجد مخرجاً مشرفاً منه بمساعدة إيران التي سبق وساعدتها في دخول العراق من قبل، وهي – أي إيران – التي استفادت أكبر استفادة من احتلال العراق.

ومن ثمَّ يمكن ملاحظة ما يلي على هذا الحوار وأثره في الوضع المتأزم في العراق:

1- إن الحوار بين الولايات المتحدة وإيران بشأن العراق هو حوار (تكتيكي) لتوزيع الأدوار، وتحقيق المصالح المشتركة والمنافع المتبادلة، والاتفاق على خطة عمل المرحلة المقبلة بين الدولتين.

2- إن حواراً مثل هذا هو حوار مصالح بين دولتين اشتركتا في تدمير العراق، ومن ثمَّ فلا يُنتظر منه نتائج إيجابية لتحسين الأوضاع الأمنية والسياسية والاقتصادية المتأزمة في العراق. ودليل ذلك دخول كل طرف إلى طاولة الحوار بمجموعة من الأهداف الثابتة التي تخدم استراتيجيته والتي يسعى إلى تحقيقها ولو على حساب مصلحة العراق الوطنية.

3- إنَّ أيّاً من الطرفين لم يفعل شيئاً حقيقياً وملموساً لمعالجة الأوضاع المتدهورة في العراق، رغم قدرتهما على ذلك بما يمتلك كل طرف من أوراق للتأثير في الشأن العراقي.

4- إن استمرار غياب (أو تغييب) الدور العربي عن العراق، وتهميش دور العراقيين أنفسهم في تحديد مصيرهم ومستقبل بلدهم، يجعلان الحوار الأمريكي-الإيراني حول العراق أشبه بجولة مفاوضات بين طرفين متعاديين على ملفات أخرى يبرز كل طرف فيها أنه يمتلك ورقة العراق كورقة ضغط لتحقيق مكاسبه.

ومن ثمَّ، وفي ظل هذه الأوضاع القائمة والقاتمة، يكون هذا الحوار، وفي ظل حالة الشدّ والجذب بين إيران والمجتمع الدولي ( الدول الغربية بالأساس) حول برنامج إيران النووي ذا أثرٍ سلبي في الأوضاع في العراق، إذْ إن طهران التي ترفض التهدئة في ملف البرنامج النووي، وترفض الحوافز والشروط الأوروبية حتى الآن متحدّيةً التحذير الأمريكي – الأوروبي بأن هذه اللهجة اللينة ونظام الحوافز والدبلوماسية لن تكون إلى ما لا نهاية، بل إن الرئيس الأمريكي باراك أوباما صرّح أكثر من مرة بأنها لن تدوم طويلاً، وعليه فلن تتوانى طهران في التضحية بالعراق إذا ما استدعت المفاوضات ذلك لتسوية ملفات أخرى أبرزها الملف النووي الإيراني. 

::/fulltext::
::cck::1246::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *