الطاقة النووية.. بديل استراتيجي مناسب لدول الخليج

::cck::1229::/cck::
::introtext::

(المستقبل سينتقل شيئاً فشيئاً من النفط إلى الطاقة النووية)، هذه هي النتيجة التي تخلص إليها العديد من التقارير والمؤشرات الدولية، فقد أكدت وكالة الطاقة الدولية أن زيادة الطلب العالمي على الطاقة ستصل إلى الثلثين في العقود الثلاثة المقبلة، أي أن استهلاك النفط سيرتفع من نحو 84 مليون برميل يومياً حالياً إلى 140 مليون برميل، وسيزداد استهلاك الغاز الطبيعي بأكثر من 120 في المائة والفحم بأكثر من 60 في المائة.

::/introtext::
::fulltext::

(المستقبل سينتقل شيئاً فشيئاً من النفط إلى الطاقة النووية)، هذه هي النتيجة التي تخلص إليها العديد من التقارير والمؤشرات الدولية، فقد أكدت وكالة الطاقة الدولية أن زيادة الطلب العالمي على الطاقة ستصل إلى الثلثين في العقود الثلاثة المقبلة، أي أن استهلاك النفط سيرتفع من نحو 84 مليون برميل يومياً حالياً إلى 140 مليون برميل، وسيزداد استهلاك الغاز الطبيعي بأكثر من 120 في المائة والفحم بأكثر من 60 في المائة.

حسب بعض الإحصائيات الدولية فإن النفط متوقع له أن ينفد وينتهي في حدود (50- 70) سنة وإن البدائل الأخرى مكلفة. وحذر تقرير أصدرته (ميد) في 6 مارس 2008 من أن دول الخليج تواجه تحدياً كبيراً في ما يتعلق بالطاقة والمياه، إذ إن الطلب على الكهرباء سيقفز إلى 60 ألف ميغاواط في عام 2015 أي نحو 80 في المائة من القدرة الحالية، بينما سيتحتم توفير ضعفي كمية المياه المحلاة، أي أكثر من خمسة مليارات جالون في اليوم لتلبية الاحتياجات. وأضاف التقرير أن دبي تواجه أكبر تحدٍ في هذا المجال، إذ من المتوقّع أن تتضاعف القدرة على توفير الطاقة والمياه المحلاة بثلاث مرات لتصل إلى 16 ألف ميغاواط و800 مليون جالون في اليوم بحلول عام 2015.

ورأى التقرير أن قطاع الطاقة في دول الخليج يدخل مرحلة دقيقة، حيث إن النمو الاقتصادي القوي الذي شهدته تلك البلاد خلال السنوات الأربع الماضية، رفع الطلب بنسبة 10 في المائة في السنة بالنسبة إلى الكهرباء و8 في المائة في السنة بالنسبة إلى تحلية المياه، ما أدى إلى تراجع ملحوظ في مخزون الطاقة بالخليج، باستثناء إمارة أبوظبي، وهذا ما يضع مسألة نقص الطاقة ضمن أولويات دول الخليج، خصوصاً في دبي والكويت وأجزاء من المملكة العربية السعودية.

ومن هذا المنطلق، أعادت كثير من الدول وخاصة المتقدمة منها النظر في حساباتها، واتجهت إلى الطاقة النووية لأنها أيقنت أن تلك الطاقة تمثل بديلاً حيوياً للنفط، وأنها أحد الخيارات الاستراتيجية المهمة لتوليد الكهرباء وتحلية المياه والعديد من الاستخدامات الأخرى.

وفي هذا السياق، أعلنت العديد من الدول العربية – مثل مصر والأردن واليمن والجزائر وتونس والسودان – عن رغبتها في امتلاك التكنولوجيا النووية، وبدأت دول الخليج العربية الحديث عن إمكانية الدخول إلى مجال الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، عبر البيان الختامي للدورة السابعة والعشرين للمجلس الأعلى لمجلس التعاون – التي عقدت في الرياض يومي 9 و10/12/ 2006– والذي أقر بحق دول المنطقة في امتلاك الخبرة في مجال الطاقة النووية للأغراض السلمية، على أن يكون ذلك متاحاً للجميع في إطار الاتفاقيات الدولية ذات الصلة، ووجه المجلس الأعلى بإجراء دراسة مشتركة لدول المجلس لإيجاد برنامج مشترك في مجال التقنية النووية السلمية طبقاً للمعايير الدولية.

وتنفيذاً لهذا التوجه، بدأت الأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي في اتخاذ الخطوات اللازمة في هذا الاتجاه بالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، للاستفادة القصوى من خبراتها المتراكمة في مجال التقدير الكمي المتزايد في دول الخليج العربية للطاقة الكهربائية، والمياه العذبة على المدى الطويل، وعلى سبيل التحديد حتى عام 2030م، وبحث الخيارات الفنية للوفاء باحتياجاتها مقارنة بمصدر الطاقة الكربونية واقتصادياتها في ضوء السيناريوهات المحتملة لمسار تقنيات الطاقة وأسعارها، وكذلك تقدير أوّلي لمتطلبات المشروع من حيث القوى الفنية والبنية المؤسسة للمشروع، وكذلك المرافق المساندة وبيان المعاهدات الدولية ذات الصلة. وشكلت دول الخليج عدداً من الفرق الفنية لوضع دراسات تفصيلية وخطط تنفيذية للسير في المشروع النووي السلمي الخليجي.

النفط متوقع له أن ينفد وينتهي في حدود 50- 70 سنة 

مبررات استراتيجية واقتصادية لامتلاك الطاقة النووية

التوجه الخليجي لامتلاك الطاقة النووية يستند إلى مبررات استراتيجية واقتصادية قوية أهمها إنتاج الكهرباء وتحلية مياه البحر بتكاليف أقل لمواجهة الطلب المتنامي والمتسارع اللذين تتطلبهما خطط التنمية والتطوير في دول المجلس، فبينما يزداد النمو الاقتصادي بنسبة 7 في المائة في السنة، فإن الطلب على الطاقة يزداد بنسبة 16 في المائة، الأمر الذي يفرض العمل من أجل مضاعفة طاقة توليد الكهرباء في دول المنطقة خلال السنوات المقبلة لتلبية الارتفاع الحاد في الطلب على الطاقة. كما حذرت الأمم المتحدة من أن المنطقة تعاني من ندرة في موارد المياه نتيجة ظروفها المناخية، وأن قضايا المياه تشكل هاجساً استراتيجياً كبيراً يمس مجمل الأمن التنموي والاجتماعي والإنساني للدول العربية بصفة عامة، إذ إن معدل حصة الفرد السنوية من موارد المياه المتجددة هو حوالي 300 متر مكعب وهو دون 500 متر مكعب في 70 في المائة من المنطقة العربية وتتدنى هذه الحصة إلى 374 متراً مكعباً في دول الخليج العربية. وتوقعت أن يهبط متوسط نصيب الفرد إلى 547 متراً مكعباً بحلول عام 2050م، في حين أن الحد الأدنى المتفق عليه لتلبية مستلزمات التنمية المستدامة هو 1700 متر مكعب. وبالتالي أصبح استخدام الطاقة النووية في تحلية المياه وتوليد الكهرباء ضرورة وطنية وعالمية نظراً لحتمية تناقص الاحتياطيات المحدودة من النفط والغاز الطبيعي والفحم، كما ستوفر الطاقة النووية الوقود المنخفض الأسعار لتوليد الطاقة الكهربائية وتحلية المياه وتزويد المصانع بالطاقة بأسعار اقتصادية مقبولة.

وقد نجحت تجارب بعض الدول النامية في مجال استخدام الطاقة النووية مصدراً للكهرباء، وسبيلاً لتحلية المياه، وفي مقدمتها كوريا الجنوبية التي تستخدم الطاقة النووية لإنتاج الكهرباء بمعدل 44 في المائة، والأرجنتين 11.4 في المائة، وجنوب إفريقيا 6.5 في المائة. كما أحرزت بعض الدول الآسيوية؛ كاليابان وكازاخستان، نجاحاً باعتمادهما على الطاقة النووية في معالجة مياه البحار وتحويلها إلى مياه عذبة صالحة للشرب.

وتشير الإحصائيات إلى زيادة نسبة الطاقة الكهربائية باستخدام التقنية النووية من 9 في المائة في الثمانينات إلى حوالي 53 في المائة في عام 2006، وذلك كنسبة من إجمالي الكهرباء المولدة من كافة المصادر، وإلى أن عالم اليوم فيه نحو 443 مفاعلاً نووياً لإنتاج الطاقة تساهم في إنتاج أكثر من 16 في المائة من كهرباء العالم.

أصبح استخدام الطاقة النووية في تحلية المياه وتوليد الكهرباء ضرورة وطنية وعالمية 

التوجه نحو الطاقة النووية بين المخاوف والتطمينات

هناك بعض الأصوات التي تتخوف وتحذر من التوجه الخليجي نحو استخدام الطاقة النووية سلمياً، استناداً إلى أسباب عدة أبرزها:

أ- الاستعمال السيئ للطاقة النووية وإمكانية أن تتحول إلى دمار في حالة عدم الالتزام بمعايير الأمان والسلامة أو تم استخدامها للأغراض العسكرية.

ب- إن إنشاء المحطات النووية لإنتاج الطاقة عالي التكلفة مقارنة بالمحطات التقليدية التي تعمل بالغاز أو النفط، حيث إن كلفة بناء المحطات النووية أعلى بـ 3 إلى 4 مرات من تكلفة بناء المحطات التقليدية، وإن تكلفة بناء مفاعل نووي واحد تصل إلى 20 مليار دولار، وهناك تكلفة تشغيلية وصيانة باهظة تصل إلى 15 مليار دولار.

ج- صعوبة توفير اليورانيوم حيث إنه معدن ناضب ومحدود.

د- عدم توافر المياه الكافية للمفاعلات كما لا توجد كوادر فنية وباحثون بالمستوى الكافي في هذا المجال بدول الخليج.

إلا أن التفكير في استخدام الطاقة النووية الآن والمساعي الخليجية نحو الاستفادة من هذه الطاقة يأتي في وقته للأسباب الآتية:

1- الطفرة المالية التي تعيشها دول الخليج في الوقت الحاضر نتيجة لارتفاع أسعار النفط وإمكانية استثمار الأموال المتوافرة لهذا الغرض، كما أن تعاون كافة دول مجلس التعاون الخليجي يقلل من النفقات. ويمكن أن تلعب هيئة كهرباء دول الخليج العربية التي أسست حديثاً لتسهيل الربط الكهربائي بين دول المجلس دوراً مهماً في هذا المجال.

2- إن هناك جيلاً جديداً من المفاعلات النووية أكثر أماناً وأقل تكلفة وأكثر ديمومة ولا يمكن استخدامها في تكنولوجيا صنع الأسلحة النووية وتقلل من إنتاج النفايات النووية. إضافة إلى أن معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية وضعت معايير متشددة حددت كيفية استعمال هذه الطاقة النووية في الأغراض السلمية، وهناك اتفاقيات دولية تقضي بإرجاع هذه النفايات إلى الدول المصدرة لها والتي تكون مجهزة بأماكن خاصة للتخلص من النفايات النووية. وثمة دراسة علمية تؤكد أن البشرية كان يمكن أن تتعرض كل عام لانبعاث غازات كربونية يصل حجمها إلى 600 مليون طن تهدد البيئة وتلوث الأجواء الكونية إذا استمرت الدول في تشغيل محطات حرارية تعمل بالغاز والنفط بدلاً من 443 محطة نووية تعمل بأمان في عدد كبير من دول العالم.

3- مشكلة نقص اليورانيوم وصعوبة الحصول عليه يمكن حلها بإنشاء بنك متخصص لتخزين اليورانيوم بهدف توفيره عالمياً ووفق الشروط الدولية وتحت رقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

4- يمكن التغلب على مشكلة نقص الكوادر البشرية من خلال التعاون الخليجي مع بعض الدول العربية وخاصة مصر التي تتمتع بميزات كبيرة أهمها وجود الماء والعمالة والخبرات اللازمة بالإضافة إلى أن لديها موقعاً مجهّـزاً سلفاً لإقامة ما بين 4 – 5 مفاعلات طاقة نووية. وأيضاً التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية التي لديها الموارد والخبرات الكبيرة والقادرة على المساعدة في هذا المجال.

ومن هنا نقول إن التوجه الخليجي نحو الطاقة النووية لم يعد خياراً استراتيجياً فقط، بل بات ضرورة حتى لو لم ينفد النفط في الوقت المقدر، حيث إن وجود طاقة بديلة يساعد على المحافظة على النفط لأغراض التنمية. فاستخدام الطاقة النووية ليس بديلاً عن النفط وإنما يأتي في إطار الاستعداد لمرحلة ما بعد النفط، حيث تعتمد دول الخليج في الوقت الراهن بشكل رئيسي على النفط كمصدر وحيد للطاقة في إنتاج الكهرباء، وتحلية المياه وهما من مقومات الحياة الرئيسية، وبالتالي فمن الضروري أن تخطط هذه الدول لضمان توفيرهما وإيجاد البديل عند نفاد النفط في ظل استمرار التزايد السكاني والنمو الاقتصادي في هذه البلدان بمعدلات مرتفعة. وعلينا أن ندرك أن الانتقال من الطاقة التقليدية إلى الطاقة النووية يحتاج إلى فترة زمنية قدرتها دراسة الجدوى الأولية التي أجرتها الأمانة العامة لمجلس التعاون بـ 15 عاماً.

ويبقى على دول الخليج ضرورة تأهيل كوادر فنية متخصصة جاهزة للعمل في هذا القطاع الحيوي، وأن يتم إنشاء مؤسسة متخصصة تعنى بأمور الطاقة النووية لوضع الخطط اللازمة للمضي قدماً في وضع بناء شامل للطاقة النووية على المستوى الخليجي، وإنشاء مراكز بحثية تتابع الدراسات الخاصة في الطاقة النووية، وإنشاء هيئات رقابية وطنية مستقلة تعنى بمراقبة استخدام الطاقة النووية في الدولة، كما تعنى بواردات وصادرات الدولة من المواد والأجهزة المشعة، وذلك بهدف تأمين السلامة النووية في الدولة، ولمزيد من الشفافية أمام المؤسسات الدولية والمجتمع الدولي، وتدريس العلوم والتقنيات النووية في الجامعات العربية بغية تأمين الخبرات المتخصصة في هذا الميدان الحيوي.

::/fulltext::

araa64_82-e73
Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1229::/cck::
::introtext::

(المستقبل سينتقل شيئاً فشيئاً من النفط إلى الطاقة النووية)، هذه هي النتيجة التي تخلص إليها العديد من التقارير والمؤشرات الدولية، فقد أكدت وكالة الطاقة الدولية أن زيادة الطلب العالمي على الطاقة ستصل إلى الثلثين في العقود الثلاثة المقبلة، أي أن استهلاك النفط سيرتفع من نحو 84 مليون برميل يومياً حالياً إلى 140 مليون برميل، وسيزداد استهلاك الغاز الطبيعي بأكثر من 120 في المائة والفحم بأكثر من 60 في المائة.

::/introtext::
::fulltext::

(المستقبل سينتقل شيئاً فشيئاً من النفط إلى الطاقة النووية)، هذه هي النتيجة التي تخلص إليها العديد من التقارير والمؤشرات الدولية، فقد أكدت وكالة الطاقة الدولية أن زيادة الطلب العالمي على الطاقة ستصل إلى الثلثين في العقود الثلاثة المقبلة، أي أن استهلاك النفط سيرتفع من نحو 84 مليون برميل يومياً حالياً إلى 140 مليون برميل، وسيزداد استهلاك الغاز الطبيعي بأكثر من 120 في المائة والفحم بأكثر من 60 في المائة.

حسب بعض الإحصائيات الدولية فإن النفط متوقع له أن ينفد وينتهي في حدود (50- 70) سنة وإن البدائل الأخرى مكلفة. وحذر تقرير أصدرته (ميد) في 6 مارس 2008 من أن دول الخليج تواجه تحدياً كبيراً في ما يتعلق بالطاقة والمياه، إذ إن الطلب على الكهرباء سيقفز إلى 60 ألف ميغاواط في عام 2015 أي نحو 80 في المائة من القدرة الحالية، بينما سيتحتم توفير ضعفي كمية المياه المحلاة، أي أكثر من خمسة مليارات جالون في اليوم لتلبية الاحتياجات. وأضاف التقرير أن دبي تواجه أكبر تحدٍ في هذا المجال، إذ من المتوقّع أن تتضاعف القدرة على توفير الطاقة والمياه المحلاة بثلاث مرات لتصل إلى 16 ألف ميغاواط و800 مليون جالون في اليوم بحلول عام 2015.

ورأى التقرير أن قطاع الطاقة في دول الخليج يدخل مرحلة دقيقة، حيث إن النمو الاقتصادي القوي الذي شهدته تلك البلاد خلال السنوات الأربع الماضية، رفع الطلب بنسبة 10 في المائة في السنة بالنسبة إلى الكهرباء و8 في المائة في السنة بالنسبة إلى تحلية المياه، ما أدى إلى تراجع ملحوظ في مخزون الطاقة بالخليج، باستثناء إمارة أبوظبي، وهذا ما يضع مسألة نقص الطاقة ضمن أولويات دول الخليج، خصوصاً في دبي والكويت وأجزاء من المملكة العربية السعودية.

ومن هذا المنطلق، أعادت كثير من الدول وخاصة المتقدمة منها النظر في حساباتها، واتجهت إلى الطاقة النووية لأنها أيقنت أن تلك الطاقة تمثل بديلاً حيوياً للنفط، وأنها أحد الخيارات الاستراتيجية المهمة لتوليد الكهرباء وتحلية المياه والعديد من الاستخدامات الأخرى.

وفي هذا السياق، أعلنت العديد من الدول العربية – مثل مصر والأردن واليمن والجزائر وتونس والسودان – عن رغبتها في امتلاك التكنولوجيا النووية، وبدأت دول الخليج العربية الحديث عن إمكانية الدخول إلى مجال الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، عبر البيان الختامي للدورة السابعة والعشرين للمجلس الأعلى لمجلس التعاون – التي عقدت في الرياض يومي 9 و10/12/ 2006– والذي أقر بحق دول المنطقة في امتلاك الخبرة في مجال الطاقة النووية للأغراض السلمية، على أن يكون ذلك متاحاً للجميع في إطار الاتفاقيات الدولية ذات الصلة، ووجه المجلس الأعلى بإجراء دراسة مشتركة لدول المجلس لإيجاد برنامج مشترك في مجال التقنية النووية السلمية طبقاً للمعايير الدولية.

وتنفيذاً لهذا التوجه، بدأت الأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي في اتخاذ الخطوات اللازمة في هذا الاتجاه بالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، للاستفادة القصوى من خبراتها المتراكمة في مجال التقدير الكمي المتزايد في دول الخليج العربية للطاقة الكهربائية، والمياه العذبة على المدى الطويل، وعلى سبيل التحديد حتى عام 2030م، وبحث الخيارات الفنية للوفاء باحتياجاتها مقارنة بمصدر الطاقة الكربونية واقتصادياتها في ضوء السيناريوهات المحتملة لمسار تقنيات الطاقة وأسعارها، وكذلك تقدير أوّلي لمتطلبات المشروع من حيث القوى الفنية والبنية المؤسسة للمشروع، وكذلك المرافق المساندة وبيان المعاهدات الدولية ذات الصلة. وشكلت دول الخليج عدداً من الفرق الفنية لوضع دراسات تفصيلية وخطط تنفيذية للسير في المشروع النووي السلمي الخليجي.

النفط متوقع له أن ينفد وينتهي في حدود 50- 70 سنة 

مبررات استراتيجية واقتصادية لامتلاك الطاقة النووية

التوجه الخليجي لامتلاك الطاقة النووية يستند إلى مبررات استراتيجية واقتصادية قوية أهمها إنتاج الكهرباء وتحلية مياه البحر بتكاليف أقل لمواجهة الطلب المتنامي والمتسارع اللذين تتطلبهما خطط التنمية والتطوير في دول المجلس، فبينما يزداد النمو الاقتصادي بنسبة 7 في المائة في السنة، فإن الطلب على الطاقة يزداد بنسبة 16 في المائة، الأمر الذي يفرض العمل من أجل مضاعفة طاقة توليد الكهرباء في دول المنطقة خلال السنوات المقبلة لتلبية الارتفاع الحاد في الطلب على الطاقة. كما حذرت الأمم المتحدة من أن المنطقة تعاني من ندرة في موارد المياه نتيجة ظروفها المناخية، وأن قضايا المياه تشكل هاجساً استراتيجياً كبيراً يمس مجمل الأمن التنموي والاجتماعي والإنساني للدول العربية بصفة عامة، إذ إن معدل حصة الفرد السنوية من موارد المياه المتجددة هو حوالي 300 متر مكعب وهو دون 500 متر مكعب في 70 في المائة من المنطقة العربية وتتدنى هذه الحصة إلى 374 متراً مكعباً في دول الخليج العربية. وتوقعت أن يهبط متوسط نصيب الفرد إلى 547 متراً مكعباً بحلول عام 2050م، في حين أن الحد الأدنى المتفق عليه لتلبية مستلزمات التنمية المستدامة هو 1700 متر مكعب. وبالتالي أصبح استخدام الطاقة النووية في تحلية المياه وتوليد الكهرباء ضرورة وطنية وعالمية نظراً لحتمية تناقص الاحتياطيات المحدودة من النفط والغاز الطبيعي والفحم، كما ستوفر الطاقة النووية الوقود المنخفض الأسعار لتوليد الطاقة الكهربائية وتحلية المياه وتزويد المصانع بالطاقة بأسعار اقتصادية مقبولة.

وقد نجحت تجارب بعض الدول النامية في مجال استخدام الطاقة النووية مصدراً للكهرباء، وسبيلاً لتحلية المياه، وفي مقدمتها كوريا الجنوبية التي تستخدم الطاقة النووية لإنتاج الكهرباء بمعدل 44 في المائة، والأرجنتين 11.4 في المائة، وجنوب إفريقيا 6.5 في المائة. كما أحرزت بعض الدول الآسيوية؛ كاليابان وكازاخستان، نجاحاً باعتمادهما على الطاقة النووية في معالجة مياه البحار وتحويلها إلى مياه عذبة صالحة للشرب.

وتشير الإحصائيات إلى زيادة نسبة الطاقة الكهربائية باستخدام التقنية النووية من 9 في المائة في الثمانينات إلى حوالي 53 في المائة في عام 2006، وذلك كنسبة من إجمالي الكهرباء المولدة من كافة المصادر، وإلى أن عالم اليوم فيه نحو 443 مفاعلاً نووياً لإنتاج الطاقة تساهم في إنتاج أكثر من 16 في المائة من كهرباء العالم.

أصبح استخدام الطاقة النووية في تحلية المياه وتوليد الكهرباء ضرورة وطنية وعالمية 

التوجه نحو الطاقة النووية بين المخاوف والتطمينات

هناك بعض الأصوات التي تتخوف وتحذر من التوجه الخليجي نحو استخدام الطاقة النووية سلمياً، استناداً إلى أسباب عدة أبرزها:

أ- الاستعمال السيئ للطاقة النووية وإمكانية أن تتحول إلى دمار في حالة عدم الالتزام بمعايير الأمان والسلامة أو تم استخدامها للأغراض العسكرية.

ب- إن إنشاء المحطات النووية لإنتاج الطاقة عالي التكلفة مقارنة بالمحطات التقليدية التي تعمل بالغاز أو النفط، حيث إن كلفة بناء المحطات النووية أعلى بـ 3 إلى 4 مرات من تكلفة بناء المحطات التقليدية، وإن تكلفة بناء مفاعل نووي واحد تصل إلى 20 مليار دولار، وهناك تكلفة تشغيلية وصيانة باهظة تصل إلى 15 مليار دولار.

ج- صعوبة توفير اليورانيوم حيث إنه معدن ناضب ومحدود.

د- عدم توافر المياه الكافية للمفاعلات كما لا توجد كوادر فنية وباحثون بالمستوى الكافي في هذا المجال بدول الخليج.

إلا أن التفكير في استخدام الطاقة النووية الآن والمساعي الخليجية نحو الاستفادة من هذه الطاقة يأتي في وقته للأسباب الآتية:

1- الطفرة المالية التي تعيشها دول الخليج في الوقت الحاضر نتيجة لارتفاع أسعار النفط وإمكانية استثمار الأموال المتوافرة لهذا الغرض، كما أن تعاون كافة دول مجلس التعاون الخليجي يقلل من النفقات. ويمكن أن تلعب هيئة كهرباء دول الخليج العربية التي أسست حديثاً لتسهيل الربط الكهربائي بين دول المجلس دوراً مهماً في هذا المجال.

2- إن هناك جيلاً جديداً من المفاعلات النووية أكثر أماناً وأقل تكلفة وأكثر ديمومة ولا يمكن استخدامها في تكنولوجيا صنع الأسلحة النووية وتقلل من إنتاج النفايات النووية. إضافة إلى أن معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية وضعت معايير متشددة حددت كيفية استعمال هذه الطاقة النووية في الأغراض السلمية، وهناك اتفاقيات دولية تقضي بإرجاع هذه النفايات إلى الدول المصدرة لها والتي تكون مجهزة بأماكن خاصة للتخلص من النفايات النووية. وثمة دراسة علمية تؤكد أن البشرية كان يمكن أن تتعرض كل عام لانبعاث غازات كربونية يصل حجمها إلى 600 مليون طن تهدد البيئة وتلوث الأجواء الكونية إذا استمرت الدول في تشغيل محطات حرارية تعمل بالغاز والنفط بدلاً من 443 محطة نووية تعمل بأمان في عدد كبير من دول العالم.

3- مشكلة نقص اليورانيوم وصعوبة الحصول عليه يمكن حلها بإنشاء بنك متخصص لتخزين اليورانيوم بهدف توفيره عالمياً ووفق الشروط الدولية وتحت رقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

4- يمكن التغلب على مشكلة نقص الكوادر البشرية من خلال التعاون الخليجي مع بعض الدول العربية وخاصة مصر التي تتمتع بميزات كبيرة أهمها وجود الماء والعمالة والخبرات اللازمة بالإضافة إلى أن لديها موقعاً مجهّـزاً سلفاً لإقامة ما بين 4 – 5 مفاعلات طاقة نووية. وأيضاً التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية التي لديها الموارد والخبرات الكبيرة والقادرة على المساعدة في هذا المجال.

ومن هنا نقول إن التوجه الخليجي نحو الطاقة النووية لم يعد خياراً استراتيجياً فقط، بل بات ضرورة حتى لو لم ينفد النفط في الوقت المقدر، حيث إن وجود طاقة بديلة يساعد على المحافظة على النفط لأغراض التنمية. فاستخدام الطاقة النووية ليس بديلاً عن النفط وإنما يأتي في إطار الاستعداد لمرحلة ما بعد النفط، حيث تعتمد دول الخليج في الوقت الراهن بشكل رئيسي على النفط كمصدر وحيد للطاقة في إنتاج الكهرباء، وتحلية المياه وهما من مقومات الحياة الرئيسية، وبالتالي فمن الضروري أن تخطط هذه الدول لضمان توفيرهما وإيجاد البديل عند نفاد النفط في ظل استمرار التزايد السكاني والنمو الاقتصادي في هذه البلدان بمعدلات مرتفعة. وعلينا أن ندرك أن الانتقال من الطاقة التقليدية إلى الطاقة النووية يحتاج إلى فترة زمنية قدرتها دراسة الجدوى الأولية التي أجرتها الأمانة العامة لمجلس التعاون بـ 15 عاماً.

ويبقى على دول الخليج ضرورة تأهيل كوادر فنية متخصصة جاهزة للعمل في هذا القطاع الحيوي، وأن يتم إنشاء مؤسسة متخصصة تعنى بأمور الطاقة النووية لوضع الخطط اللازمة للمضي قدماً في وضع بناء شامل للطاقة النووية على المستوى الخليجي، وإنشاء مراكز بحثية تتابع الدراسات الخاصة في الطاقة النووية، وإنشاء هيئات رقابية وطنية مستقلة تعنى بمراقبة استخدام الطاقة النووية في الدولة، كما تعنى بواردات وصادرات الدولة من المواد والأجهزة المشعة، وذلك بهدف تأمين السلامة النووية في الدولة، ولمزيد من الشفافية أمام المؤسسات الدولية والمجتمع الدولي، وتدريس العلوم والتقنيات النووية في الجامعات العربية بغية تأمين الخبرات المتخصصة في هذا الميدان الحيوي.

::/fulltext::
::cck::1229::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *