العرب وإيران.. من المواقف السلبية إلى التفاعل الخلاق

::cck::1227::/cck::
::introtext::

من يجيل النظر في ما أنتجته القريحة العلمية والأكاديمية العربية حيال الصيغة التي اتخذتها العلاقات العربية ـ الإيرانية يجد أنها دارت حول التفكير في ثلاثة أشكال هي: إما التعاون أو الصراع أو المزاوجة بين الاثنين، بحيث يتعايشان في الزمان والمكان. لكن هذه الصيغ لم تعد قادرة على النهوض بالعلاقات بين الطرفين بعد التطورات الفارقة التي جرت في الآونة الأخيرة.

::/introtext::
::fulltext::

من يجيل النظر في ما أنتجته القريحة العلمية والأكاديمية العربية حيال الصيغة التي اتخذتها العلاقات العربية ـ الإيرانية يجد أنها دارت حول التفكير في ثلاثة أشكال هي: إما التعاون أو الصراع أو المزاوجة بين الاثنين، بحيث يتعايشان في الزمان والمكان. لكن هذه الصيغ لم تعد قادرة على النهوض بالعلاقات بين الطرفين بعد التطورات الفارقة التي جرت في الآونة الأخيرة.

تحمل هذه الصيغ الثلاث قدراً هائلاً من (الإيجابية)، لكن العرب وقفوا عند حدود التفكير فيها، ولم يدخلوا بقوة إلى دائرة الفعل، واتخذوا موقفاً سلبياً من إيران قام على ثلاثة عناصر هي:

أولاً: ترك العرب فراغاً إقليمياً طمعت إيران في ملئه، ولم يقفوا على مسافة واحدة من طهران. فعلى سبيل المثال كانت سلطنة عمان متقدمة دوماً خطوات في علاقتها بإيران مقارنة ببقية دول مجلس التعاون الخليجي. وكانت إمارة دبي على مسافة أقرب من إيران بحكم العلاقات التجارية الكبيرة بينهما مقارنة بإمارة أبوظبي. ومثل هذا الأمر أوجد وضعاً غير صحي استغلته طهران.

ثانياً: تحولت بعض الدول العربية الرئيسية، أو كادت، إلى أداة من أدوات السياسة الخارجية الأمريكية في (منطقة الشرق الأوسط) تجاه إيران، ورهنت هذه الدول مستوى تحسن العلاقات مع طهران بإرادة واشنطن، لا برغبة الشعوب العربية، ولا حتى بما تقتضيه المصالح الوطنية.

ثالثاً: قدم العرب في علاقتهم بإيران النزال السياسي الحاد على التكامل، الذي يعني البحث عن نقاط التقاء مشتركة، سواء تجاه إسرائيل أو حيال حماية النفط العربي أو المصالح التي تتطلبها الروابط الإسلامية أو حتى همزات الوصل الثقافية والحضارية في المنطقة.

وبدلاً من هذه المواقف السلبية التي تأسست على العناصر الثلاثة، سابقة الذكر، فإن العرب مطالبون في هذه اللحظة التاريخية بأن يقيموا تفاعلاً خلاقاً مع إيران، يقوم على ستة عناصر هي:

1- تقريب مواقف الدول العربية بحيث تقف على مسافة واحدة من طهران، بما يحرم الأخيرة من اللعب على التناقضات بين العرب.

2- قيام العرب بـ (هجوم) دبلوماسي على إيران، لا يقتصر على المستوى الرسمي، لكن يمتد إلى المستويات الأدنى. فليس من المعقول أن تتبع بعض الدول العربية هذا الأسلوب مع إسرائيل، مراهنة على مخاطبة (أنصار السلام) هناك، وتضن على إيران بهذه الطريقة. فداخل إيران نفسها جماعات وقوى تستحق أن نتواصل معها، حتى في ظل وجود قطيعة أو خصام أو جفاء مع النظام الرسمي، وذلك من أجل الدفاع عن المصالح العربية عند الخطوط الدبلوماسية الأمامية.

3- استقلال القرار العربي حيال إيران عن أي إرادة لطرف خارجي، سواء الولايات المتحدة الأمريكية أو غيرها.

4- تقوية الذات العربية في مواجهة إيران، بدلاً من الاعتماد على الغير، في إيجاد توازن إقليمي. وهذه التقوية لا تعني أبداً التجهيز للدخول في صراع سافر ضد طهران، بل ترمي إلى ردع الإيرانيين وجعلهم يحسبون للعرب ألف حساب، أو وقف أطماعهم والدخول في تفاعل إيجابي معهم.

5- احتواء أو تحييد الأوراق التي تمتلكها إيران في التعامل مع العرب، وفي مقدمتها قوى وتنظيمات المقاومة. فحين تهجر دول عربية مهمة المقاومة أو تتخلى عنها فإنها تفتح الطريق أمام إيران للدخول على الخط ومغازلة قوى الممانعة والمقاومة واستقطابها. كما يجب أن تستوعب الدول العربية الطوائف الشيعية الموجودة في بعضها، على عدة أسس:

أولاً: إن رفض قطاعات من الشيعة للقومية العربية لا يعني بالضرورة رفض الانتماء إلى العالم العربي، بقدر ما يعني عدم التجاوب مع الجانب (العلماني) للفكرة القومية. فقد رأى رجال الدين الشيعة، شأنهم في ذلك شأن العديد من الحركات الإسلامية السنية، أن القومية تبدو في جوهرها معادية للإسلام، واستندوا في ذلك إلى كون المفكرين والحركيين القوميين العرب الأوائل ليسوا مسلمين، وكون القومية تنطوي على (عنصرية) للعرق العربي، طالما عانى منها المسلمون من غير العرب طويلاً في القرون التي رحلت. وبغض النظر عن مدى صواب أو خطأ تصورات الشيعة عن القومية، فإننا يجب ألا نتخذ منها دليلاً على عدم انتمائهم، لأن قطاعات عريضة من السنة العرب، خاصة من بين المنتمين للجماعات والتنظيمات السياسية ذات الإسناد الإسلامي، رفضت القومية وعادتها، ورأت أنها وضعت لمحاربة الإسلام، ومن ثم قاومتها، وفرحت لفشلها. ومع ذلك فإن من بين الشيعة مفكرين وساسة تفاعلوا بإيجابية مع الفكر القومي، ودافعوا عنه، من صفوف حزب البعث، والأحزاب الاشتراكية في بلاد الشام، والتيارات القومية في منطقة الخليج العربي، شأنهم في هذا شأن نظرائهم من السنة.

ثانياً: أنه ليس من صالح الدول العربية أن تتحدث في الاتجاه الذي يسلخ الشيعة من عروبتهم، فمثلاً ستصبح عروبة العراق هشة إذا أخرجنا العرب الشيعة من المعادلة، بل ستكون حتماً دولة غير عربية من دونهم. كما أنه ليس من صالح التطور السياسي في المنطقة النفخ في أوصال العلاقة بين الدين والسياسة، سواء من بوابة التشيع أو من نافذة الحركات الإسلامية السنية. كما أن هناك أجندة مشتركة للسنة والشيعة معاً في المنطقة، منها مواجهة العدوان الإسرائيلي والاستكبار الأمريكي.

لا بد من احتواء و تحييد الأوراق التي تمتلكها إيران في التعامل مع العرب 

ثالثاً: إن الولاء للدولة الوطنية ليس مجرد رابطة عاطفية تدور في فراغ، بل تتأسس على أفكار وممارسات في الواقع المعيش، تقوم على إعلاء مبدأ المواطنة، والمساواة بين الفئات والشرائح المشكلة للدولة، وبناء معايير عادلة في توزيع الثروة والمناصب والأمن الاجتماعي والجماعي. إذ إن آفة بعض الأنظمة العربية أنها منذ الاستقلال، وحتى اللحظة الراهنة، لم تفعل ما تحافظ به على (التكامل الوطني)، فجارت على الأقليات ومن بينها الشيعة. وآن الآوان أن تنتهج هذه الأنظمة من السياسات ما يرمم الشروخ التي أوجدتها التفرقة بين العناصر الاجتماعية المكونة للدولة، بدلاً من اتهام أي أقلية بعدم الولاء لوطنها.

رابعاً: هناك مساحة شاسعة بين (التعاطف) و(الولاء)، وإذا كان الشيعة العرب يتعاطفون مع إيران، فإن هذا التعاطف امتد إلى السنة العرب أيضاً في لحظات تاريخية محددة، مثل التي أعقبت قيام ثورة الخميني، التي بدت ملهمة للجماعات الإسلامية السنية برمتها، ومثل فترات المواجهة بين إيران والغرب، حيث يرى العرب السنة في النهاية أن إيران أقرب إليهم من أمريكا وإسرائيل، وأن هناك قواسم مشتركة بينها وبين العرب، خاصة في مقاومة المشروع الاستيطاني الصهيوني، والتصدي للاستراتيجية الأمريكية في المنطقة.

6 ـ يجب على العرب أن يستفيدوا من التجربة الإيرانية في أكثر من مجال: أولها الحنكة الدبلوماسية الكبيرة والتي أدارت بها إيران معركتها الدبلوماسية مع الولايات المتحدة، ووظفت فيها كافة الأوراق التي تمتلكها، وأفلتت من الخنق التام الذي فرض عليها بعد احتلال واشنطن للعراق وأفغانستان ودخولها القوي في القوقاز وآسيا الوسطى وتعزيز وجودها في منطقة الخليج العربي، ونجحت في أن تحول الموقف لصالحها، بجعل احتلال العراق يصب في المصلحة الإيرانية، وإيجاد توازن في القوقاز بمساعدة أرمينيا ضد أذربيجان المنضوية تحت لواء الاستراتيجية الأمريكية، وتحييد تركيا التي تربطها علاقات قوية بواشنطن، والهجوم الدبلوماسي على دول الخليج العربية، والاستفادة من إزاحة طالبان، السنية المتطرفة، عن السلطة، واستقطاب دولتين مشاطئتين لبحر قزوين هما روسيا وتركمانستان، في مواجهة أذربيجان وكازاخستان اللتين تميلان إلى جانب التصور الأمريكي حيال التعامل مع نفط بحر قزوين. وثانيها هو الاستفادة من التجربة الإيرانية في الاتجاه إلى تعزيز القدرات العسكرية والاقتصادية، بما يمكن الدولة من اتخاذ قرارات مستقلة في سياستها الخارجية. وثالثها هو الإيمان بأن مخالفة واشنطن لا تعني الوقوع في كارثة محققة، وأن ما قاله الرئيس المصري الراحل أنور السادات من أن 99 في المائة من أوراق اللعبة في المنطقة بيد الولايات المتحدة هو أمر مبالغ فيه. فإيران استطاعت أن تدخل في مواجهة ضد واشنطن على مستوى الخطاب والممارسة، مصحوبة بتحركات دبلوماسية واعية، وبناء قنوات خلفية للتواصل، بما حسم النزال في خاتمة المطاف لصالحها، ولو مؤقتاً. أما رابعها، فهو أن أفضل وسيلة للتعامل مع إسرائيل هو التحدي، وليس استجداء السلام أو الاستكانة. فإسرائيل تحترم من يتحداها، وهو يقف على أرض صلبة، وستكون مجبرة على الدخول في تفاوض معه وتقديم تنازلات، على غرار ما جرى مع (حزب الله) بخصوص قضية الأسرى. أما من يتوسل إليها أو يتراخى في مواجهتها فلن ينال شيئاً على الإطلاق. والمجال الخامس هو ضرورة أن يمعن العرب النظر في تجربة الإيرانيين في إدارة سياستهم الخارجية، بحيث يكون هناك اتفاق عليها بين كافة الأطراف والقوى السياسية والاجتماعية داخل الدولة، رغم الخلافات والاختلافات الداخلية. فالمحافظون والإصلاحيون في إيران يقفون موقفاً واحداً من قضية احتلال الجزر الإماراتية الثلاث، وهي مسألة جلية في تصريحاتهم وتحركاتهم.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1227::/cck::
::introtext::

من يجيل النظر في ما أنتجته القريحة العلمية والأكاديمية العربية حيال الصيغة التي اتخذتها العلاقات العربية ـ الإيرانية يجد أنها دارت حول التفكير في ثلاثة أشكال هي: إما التعاون أو الصراع أو المزاوجة بين الاثنين، بحيث يتعايشان في الزمان والمكان. لكن هذه الصيغ لم تعد قادرة على النهوض بالعلاقات بين الطرفين بعد التطورات الفارقة التي جرت في الآونة الأخيرة.

::/introtext::
::fulltext::

من يجيل النظر في ما أنتجته القريحة العلمية والأكاديمية العربية حيال الصيغة التي اتخذتها العلاقات العربية ـ الإيرانية يجد أنها دارت حول التفكير في ثلاثة أشكال هي: إما التعاون أو الصراع أو المزاوجة بين الاثنين، بحيث يتعايشان في الزمان والمكان. لكن هذه الصيغ لم تعد قادرة على النهوض بالعلاقات بين الطرفين بعد التطورات الفارقة التي جرت في الآونة الأخيرة.

تحمل هذه الصيغ الثلاث قدراً هائلاً من (الإيجابية)، لكن العرب وقفوا عند حدود التفكير فيها، ولم يدخلوا بقوة إلى دائرة الفعل، واتخذوا موقفاً سلبياً من إيران قام على ثلاثة عناصر هي:

أولاً: ترك العرب فراغاً إقليمياً طمعت إيران في ملئه، ولم يقفوا على مسافة واحدة من طهران. فعلى سبيل المثال كانت سلطنة عمان متقدمة دوماً خطوات في علاقتها بإيران مقارنة ببقية دول مجلس التعاون الخليجي. وكانت إمارة دبي على مسافة أقرب من إيران بحكم العلاقات التجارية الكبيرة بينهما مقارنة بإمارة أبوظبي. ومثل هذا الأمر أوجد وضعاً غير صحي استغلته طهران.

ثانياً: تحولت بعض الدول العربية الرئيسية، أو كادت، إلى أداة من أدوات السياسة الخارجية الأمريكية في (منطقة الشرق الأوسط) تجاه إيران، ورهنت هذه الدول مستوى تحسن العلاقات مع طهران بإرادة واشنطن، لا برغبة الشعوب العربية، ولا حتى بما تقتضيه المصالح الوطنية.

ثالثاً: قدم العرب في علاقتهم بإيران النزال السياسي الحاد على التكامل، الذي يعني البحث عن نقاط التقاء مشتركة، سواء تجاه إسرائيل أو حيال حماية النفط العربي أو المصالح التي تتطلبها الروابط الإسلامية أو حتى همزات الوصل الثقافية والحضارية في المنطقة.

وبدلاً من هذه المواقف السلبية التي تأسست على العناصر الثلاثة، سابقة الذكر، فإن العرب مطالبون في هذه اللحظة التاريخية بأن يقيموا تفاعلاً خلاقاً مع إيران، يقوم على ستة عناصر هي:

1- تقريب مواقف الدول العربية بحيث تقف على مسافة واحدة من طهران، بما يحرم الأخيرة من اللعب على التناقضات بين العرب.

2- قيام العرب بـ (هجوم) دبلوماسي على إيران، لا يقتصر على المستوى الرسمي، لكن يمتد إلى المستويات الأدنى. فليس من المعقول أن تتبع بعض الدول العربية هذا الأسلوب مع إسرائيل، مراهنة على مخاطبة (أنصار السلام) هناك، وتضن على إيران بهذه الطريقة. فداخل إيران نفسها جماعات وقوى تستحق أن نتواصل معها، حتى في ظل وجود قطيعة أو خصام أو جفاء مع النظام الرسمي، وذلك من أجل الدفاع عن المصالح العربية عند الخطوط الدبلوماسية الأمامية.

3- استقلال القرار العربي حيال إيران عن أي إرادة لطرف خارجي، سواء الولايات المتحدة الأمريكية أو غيرها.

4- تقوية الذات العربية في مواجهة إيران، بدلاً من الاعتماد على الغير، في إيجاد توازن إقليمي. وهذه التقوية لا تعني أبداً التجهيز للدخول في صراع سافر ضد طهران، بل ترمي إلى ردع الإيرانيين وجعلهم يحسبون للعرب ألف حساب، أو وقف أطماعهم والدخول في تفاعل إيجابي معهم.

5- احتواء أو تحييد الأوراق التي تمتلكها إيران في التعامل مع العرب، وفي مقدمتها قوى وتنظيمات المقاومة. فحين تهجر دول عربية مهمة المقاومة أو تتخلى عنها فإنها تفتح الطريق أمام إيران للدخول على الخط ومغازلة قوى الممانعة والمقاومة واستقطابها. كما يجب أن تستوعب الدول العربية الطوائف الشيعية الموجودة في بعضها، على عدة أسس:

أولاً: إن رفض قطاعات من الشيعة للقومية العربية لا يعني بالضرورة رفض الانتماء إلى العالم العربي، بقدر ما يعني عدم التجاوب مع الجانب (العلماني) للفكرة القومية. فقد رأى رجال الدين الشيعة، شأنهم في ذلك شأن العديد من الحركات الإسلامية السنية، أن القومية تبدو في جوهرها معادية للإسلام، واستندوا في ذلك إلى كون المفكرين والحركيين القوميين العرب الأوائل ليسوا مسلمين، وكون القومية تنطوي على (عنصرية) للعرق العربي، طالما عانى منها المسلمون من غير العرب طويلاً في القرون التي رحلت. وبغض النظر عن مدى صواب أو خطأ تصورات الشيعة عن القومية، فإننا يجب ألا نتخذ منها دليلاً على عدم انتمائهم، لأن قطاعات عريضة من السنة العرب، خاصة من بين المنتمين للجماعات والتنظيمات السياسية ذات الإسناد الإسلامي، رفضت القومية وعادتها، ورأت أنها وضعت لمحاربة الإسلام، ومن ثم قاومتها، وفرحت لفشلها. ومع ذلك فإن من بين الشيعة مفكرين وساسة تفاعلوا بإيجابية مع الفكر القومي، ودافعوا عنه، من صفوف حزب البعث، والأحزاب الاشتراكية في بلاد الشام، والتيارات القومية في منطقة الخليج العربي، شأنهم في هذا شأن نظرائهم من السنة.

ثانياً: أنه ليس من صالح الدول العربية أن تتحدث في الاتجاه الذي يسلخ الشيعة من عروبتهم، فمثلاً ستصبح عروبة العراق هشة إذا أخرجنا العرب الشيعة من المعادلة، بل ستكون حتماً دولة غير عربية من دونهم. كما أنه ليس من صالح التطور السياسي في المنطقة النفخ في أوصال العلاقة بين الدين والسياسة، سواء من بوابة التشيع أو من نافذة الحركات الإسلامية السنية. كما أن هناك أجندة مشتركة للسنة والشيعة معاً في المنطقة، منها مواجهة العدوان الإسرائيلي والاستكبار الأمريكي.

لا بد من احتواء و تحييد الأوراق التي تمتلكها إيران في التعامل مع العرب 

ثالثاً: إن الولاء للدولة الوطنية ليس مجرد رابطة عاطفية تدور في فراغ، بل تتأسس على أفكار وممارسات في الواقع المعيش، تقوم على إعلاء مبدأ المواطنة، والمساواة بين الفئات والشرائح المشكلة للدولة، وبناء معايير عادلة في توزيع الثروة والمناصب والأمن الاجتماعي والجماعي. إذ إن آفة بعض الأنظمة العربية أنها منذ الاستقلال، وحتى اللحظة الراهنة، لم تفعل ما تحافظ به على (التكامل الوطني)، فجارت على الأقليات ومن بينها الشيعة. وآن الآوان أن تنتهج هذه الأنظمة من السياسات ما يرمم الشروخ التي أوجدتها التفرقة بين العناصر الاجتماعية المكونة للدولة، بدلاً من اتهام أي أقلية بعدم الولاء لوطنها.

رابعاً: هناك مساحة شاسعة بين (التعاطف) و(الولاء)، وإذا كان الشيعة العرب يتعاطفون مع إيران، فإن هذا التعاطف امتد إلى السنة العرب أيضاً في لحظات تاريخية محددة، مثل التي أعقبت قيام ثورة الخميني، التي بدت ملهمة للجماعات الإسلامية السنية برمتها، ومثل فترات المواجهة بين إيران والغرب، حيث يرى العرب السنة في النهاية أن إيران أقرب إليهم من أمريكا وإسرائيل، وأن هناك قواسم مشتركة بينها وبين العرب، خاصة في مقاومة المشروع الاستيطاني الصهيوني، والتصدي للاستراتيجية الأمريكية في المنطقة.

6 ـ يجب على العرب أن يستفيدوا من التجربة الإيرانية في أكثر من مجال: أولها الحنكة الدبلوماسية الكبيرة والتي أدارت بها إيران معركتها الدبلوماسية مع الولايات المتحدة، ووظفت فيها كافة الأوراق التي تمتلكها، وأفلتت من الخنق التام الذي فرض عليها بعد احتلال واشنطن للعراق وأفغانستان ودخولها القوي في القوقاز وآسيا الوسطى وتعزيز وجودها في منطقة الخليج العربي، ونجحت في أن تحول الموقف لصالحها، بجعل احتلال العراق يصب في المصلحة الإيرانية، وإيجاد توازن في القوقاز بمساعدة أرمينيا ضد أذربيجان المنضوية تحت لواء الاستراتيجية الأمريكية، وتحييد تركيا التي تربطها علاقات قوية بواشنطن، والهجوم الدبلوماسي على دول الخليج العربية، والاستفادة من إزاحة طالبان، السنية المتطرفة، عن السلطة، واستقطاب دولتين مشاطئتين لبحر قزوين هما روسيا وتركمانستان، في مواجهة أذربيجان وكازاخستان اللتين تميلان إلى جانب التصور الأمريكي حيال التعامل مع نفط بحر قزوين. وثانيها هو الاستفادة من التجربة الإيرانية في الاتجاه إلى تعزيز القدرات العسكرية والاقتصادية، بما يمكن الدولة من اتخاذ قرارات مستقلة في سياستها الخارجية. وثالثها هو الإيمان بأن مخالفة واشنطن لا تعني الوقوع في كارثة محققة، وأن ما قاله الرئيس المصري الراحل أنور السادات من أن 99 في المائة من أوراق اللعبة في المنطقة بيد الولايات المتحدة هو أمر مبالغ فيه. فإيران استطاعت أن تدخل في مواجهة ضد واشنطن على مستوى الخطاب والممارسة، مصحوبة بتحركات دبلوماسية واعية، وبناء قنوات خلفية للتواصل، بما حسم النزال في خاتمة المطاف لصالحها، ولو مؤقتاً. أما رابعها، فهو أن أفضل وسيلة للتعامل مع إسرائيل هو التحدي، وليس استجداء السلام أو الاستكانة. فإسرائيل تحترم من يتحداها، وهو يقف على أرض صلبة، وستكون مجبرة على الدخول في تفاوض معه وتقديم تنازلات، على غرار ما جرى مع (حزب الله) بخصوص قضية الأسرى. أما من يتوسل إليها أو يتراخى في مواجهتها فلن ينال شيئاً على الإطلاق. والمجال الخامس هو ضرورة أن يمعن العرب النظر في تجربة الإيرانيين في إدارة سياستهم الخارجية، بحيث يكون هناك اتفاق عليها بين كافة الأطراف والقوى السياسية والاجتماعية داخل الدولة، رغم الخلافات والاختلافات الداخلية. فالمحافظون والإصلاحيون في إيران يقفون موقفاً واحداً من قضية احتلال الجزر الإماراتية الثلاث، وهي مسألة جلية في تصريحاتهم وتحركاتهم.

::/fulltext::
::cck::1227::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *