مسارات تفاوض نحو اتجاه غامض ومتأزم
::cck::1222::/cck::
::introtext::
تتخوف إيران (بعد انسحاب أمريكا من العراق) من أن يتحول العراق إلى دولة ديمقراطية حديثة ومنافسة لنموذج الملالي بعدما حاولت إيران جاهدة سد الفراغ الناجم عن انهيار الدولة العراقية، وبالتالي تحقق حلم الهيمنة التاريخية على العراق. وبذلك أصبح هناك تداخل وتشابك في الأوراق والأطراف، ولم تتضح حتى الآن حدود المعادلة الجديدة بشكل واضح لأن كل طرف يملك أوراقاً يلعب ويفاوض بها.
::/introtext::
::fulltext::
تتخوف إيران (بعد انسحاب أمريكا من العراق) من أن يتحول العراق إلى دولة ديمقراطية حديثة ومنافسة لنموذج الملالي بعدما حاولت إيران جاهدة سد الفراغ الناجم عن انهيار الدولة العراقية، وبالتالي تحقق حلم الهيمنة التاريخية على العراق. وبذلك أصبح هناك تداخل وتشابك في الأوراق والأطراف، ولم تتضح حتى الآن حدود المعادلة الجديدة بشكل واضح لأن كل طرف يملك أوراقاً يلعب ويفاوض بها.
بعدما استلم باراك أوباما رئاسة الولايات المتحدة بعد الأزمة المالية العالمية بادر إلى تعزيز اتصالاته بالمملكة العربية السعودية، وقد أورد تقرير سياسي في مجلة (نيوريببلك) الأمريكية (أن الرئيس الأمريكي الجديد في حاجة ماسة لجهود الملك عبدالله بن عبد العزيز من أجل إنجاح خططه وسياساته الجديدة في كل من العراق وأفغانستان وباكستان وإيران، وغوانتانامو ومكافحة الإرهاب، وحل الأزمة الاقتصادية العالمية المتصاعدة، بالإضافة إلى حل أزمة الشرق الأوسط)، وسجلت كاميرات التصوير في مؤتمر القمة الاقتصادي العالمي الذي عقد في لندن في إبريل 2009 انحناء الرئيس الأمريكي للملك عبدالله بن عبدالعزيز عند مصافحته له، ولم يكن ذلك مستغرباً لما للرئيس الأمريكي من حاجة إلى جهود السعودية في أن تلعب دوراً فاعلاً فيها، ويعتقد السياسيون أن حاجة أوباما للسعوديين أكثر من حاجتهم إليه.
وتدرك إدارة الرئيس أوباما أن هناك تنافساً للسيطرة الإقليمية بين السعودية وإيران، واقترح المحلل الأمريكي دنيس روس أن يمارس السعوديون ضغوطهم المادية ضد إيران وذلك بتشجيع البنوك الأوروبية على قطع كافة علاقاتها المالية مع إيران مقابل مكافآت من السعوديين ومنع من يتردد بذلك من البنوك الغربية من ممارسة أي نشاطات تجارية داخل المملكة، كما اقترح أن تمارس السعودية ضغوطها على الصينيين لاتخاذ مواقف أكثر تصلباً تجاه إيران. ومن جانبه يدرك المحلل نيكولاس بيرنز أن الملك عبدالله بن عبدالعزيز يتسم بالحذر في التعامل مع مثل هذه القضايا الحساسة ولا يريد أن يبدو أنه ينضم إلى صف الولايات المتحدة والغرب ضد دولة إسلامية. بالإضافة إلى أن أمريكا تطالب السعودية بدعم النظام العراقي الحالي وإرسال سفير سعودي وهو تحرك ظلت المملكة تمقته في ظل تصاعد نفوذ النظام الشيعي الموالي لإيران في العراق.
كما تتخوف السعودية من فترة ما بعد انسحاب أمريكا من العراق الذي يشبه إلى حد ما انسحاب القوى الغربية من ألمانيا الغربية عام 1948 حيث سارع الاتحاد السوفييتي إلى ملء الفراغ، ويسود اعتقاد في طهران بأن الإدارة الأمريكية ليست ملتزمة تجاه العراق اليوم بقدر التزام إدارة ترومان تجاه ألمانيا الغربية عام 1948، ولذلك قد تتهيأ إيران بقوة للتحرك وسد الفراغ لأن التقارير تشير إلى أن 70 في المائة من التصاريح التجارية الجديدة عام 2008 تخص شركات إيرانية، كما تلقت جماعات مسلحة تحظى برعاية وسيطرة إيران، بما في ذلك ما يطلق عليه جيش المهدي، أسلحة جديدة وتدريباً على الحروب داخل المدن، واستقر الآلاف من عملاء الاستخبارات الإيرانية في العراق، لكن الأمر الجيد أن طهران فشلت في السيطرة على الحوزة ذات الأهمية الحيوية في النجف بقيادة السيستاني كحماة لسيادة العراق، غير أن طهران تعمد إلى تدريب جيل جديد من رجال الدين بمن فيهم مقتدى الصدر كي يحصل على لقب (آية الله).
فالعراقيون الآن منقسمون بين دعم الذين يسمون بـ (حزب إيران) في إطار ثماني محافظات يغلب عليها الشيعة معا تحت مسمى الفيدرالية تحت المظلة الإيرانية، وبين مؤيدي عراق مستقل يجمع كل مكونات الشعب العراقي، عراق غير طائفي وغير فئوي مدعوم من السعودية وبقية الدول العربية.
فأمريكا تساوم السعودية على إيقاف تمدد النفوذ الإيراني مقابل أن تساهم المملكة بدور فاعل في حل العديد من القضايا التي تهم مصالح أمريكا وإسرائيل في منطقة الشرق الأوسط.
وكما تطالب السعودية أمريكا بوقف النفوذ الإيراني في العراق فتركيا كذلك تطالب أمريكا بعدم السماح بتوسعة الحكم الذاتي للأكراد والسيطرة على كركوك حتى أصبح التقارب الأمريكي-التركي يقلق إيران.
وبناء على ذلك هناك تقرير دولي يدعو إلى إشراك السعودية وتركيا ومصر في مفاوضات الملف النووي الإيراني الذي ترى السعودية أنه أمر يهم الدول الغربية وإسرائيل أكثر ما يهم الدول العربية والإسلامية لأنه يثير حساسية بين السعودية وإيران ويزيد من التوتر ويطيل أمد الصراع في المنطقة.
والثابت الوحيد في كل هذه التحولات هو العامل الجغرافي وعدم قدرة صناع السياسة على الهروب منه، وإذا كانت تركيا من جهة إمبراطورية قديمة تقريباً مستقرة، كما حال إيران، فإن المنطق الجيوبولتيكي وبحكم التقارب والتماس الجغرافيين بين الإمبراطوريتين يقول بحتمية الصراع بين الاثنتين على مناطق النفوذ وحتمية الصراع على جنوب القوقاز ومنطقة الخليج، خاصة في العراق وأيضاً المشرق العربي.
إيران تعمد إلى زعزعة الأنظمة المنافسة كي تضعها في موقع الدفاع فقط
وإلى جانب الإمبراطوريتين هناك الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل والدول العربية بقيادة المملكة العربية السعودية، لكن تختلف إيران عن تركيا في مدى هامش تحركها السياسي والاستراتيجي في محيطها المباشر، الأمر الذي جعل منها المستفيد الأكبر من كل الاستراتيجيات التي اعتمدتها أمريكا بعد أحداث 11 سيتمبر ما أوجد واقعاً جديداً زاد من هيمنة إيران ليس بسبب قوتها، وهذا ما شجع إيران على التمدد، ولو أرادت أن تعاملها الدول العربية بالمثل فهي قادرة على زعزعة أمنها الداخلي لأن الأقليات في إيران تمثل 60 في المائة من الشعب الإيراني، وأكبر مثال على ذلك التفجيرات الأخيرة التي حدثت وتسببت في أزمة دبلوماسية بين إيران وباكستان.
وبسبب فشل أمريكا في العراق ظهرت للعالم محدودية قدرة أمريكا على فرض حلول منفردة ما جعل إيران تسعى إلى زعزعة الأنظمة المنافسة كي تضعها في موقع الدفاع فقط حتى تحتفظ بزمام المبادرة بمفردها، وعندما بدأت تفقد هذه المبادرة اتجهت إلى إدانة السعودية لضربها الحوثيين المتسللين إلى أراضيها، مثلما فعلت مع مصر عندما جعلت مصر تقع تحت الضغط الشعبي المصري والعربي في ما يخص التعامل مع أهل غزة.
وتسعى إسرائيل وإيران إلى إيجاد مناطق نفوذ وحصارات واحتلالات ورهائن وأسوار واقية، واتجهت إسرائيل من أجل الحد من نفوذ وقوة إيران إلى محاولة إبرام صفقة مع روسيا (جورجيا مقابل إيران) أي الاستقرار في جورجيا مقابل نزع سلاح إيران النووي لأن روسيا هي شريان الحياة بالنسبة للبرنامج النووي الإيراني، لكن تركيا دخلت على الخط من أجل أن تلعب لعبة توازن معقدة جداً، فتركيا منذ فترة تراقب ما يدور في ملعبها الخلفي ولا تريد هي ولا روسيا ولا السعودية إطلاقاً صراعاً عسكرياً في الخليج، بل تريد تركيا أن تكسب ثقة إيران قدر ما تستطيع كي لا تحدث كارثة في الخليج (تكلفة المساعدات التي قدمتها دول الخليج في الحرب الخليجية الأولى لصدام حسين نحو 47 مليار دولار، وبلغت تكلفة الحرب بعد غزو صدام حسين للكويت، دفعتها الولايات المتحدة، نحو 61 مليار دولار حصلت واشنطن على مساعدات مالية وعينية مثل النفط والغذاء بقيمة 52 مليار دولار من دول مجلس التعاون بينها 36 مليار دولار من الكويت وحدها).
وتستعد تركيا الآن لملء الفراغ في العراق بعد انسحاب أمريكا كي تحد من القلق الذي ينتاب السعودية وإن كانت المملكة تريد أن تحمل أمريكا والعرب مسؤولية ملء هذا الفراغ لحساسية العراقيين من الدور التركي، وتريد تركيا أن تدخل في تحالفات سياسية جديدة كي تساهم في إطفاء النار التي تلهب المنطقة.
لذا فإن المواقف أصبحت الآن متشابكة ومعقدة للغاية، وإن كانت أمريكا تنظر بحذر إلى الخطوات التركية وموقفها من إسرائيل رغم تأكيد رجب طيب أردوغان أن الاتفاق الاستراتيجي بين تركيا وإسرائيل لا يزال سليماً وقائماً، ومن حيث التقرب من روسيا.
لكن تركيا من أجل أن تكون وسيطاً بين واشنطن وإيران خففت من جرعة تحديها لأمريكا، بالمقابل هناك غياب عربي مخيف في ساحة هذه التحركات كأن الأمر لا يعني سوى السعودية بعدما انشغلت مصر بالمصالحة الفلسطينية.
فمسارات التفاوض أثبتت أنه لا يمكن التعاطي مع ملفات المنطقة بشكل منفصل بعدما فشلت الإدارة الأمريكية في طرح إطار شامل فيه رؤية للأمن الإقليمي بسبب انغماس هذه الإدارة في أفغانستان وضعف إدارتها للملف النووي الإيراني.
إن المنطقة يلفها ثلاثة مشاريع فاشلة، المشروع الأمريكي الذي يضغط على الدول المحورية كالسعودية ومصر، ومشروع إيراني يستهدف استقرار المنطقة من داخلها عن طريق جماعات تقوض أنظمة الدول، ومشروع التطرف، وهذه المشاريع الثلاثة تهدد استقرار الدول المحورية. إذ إن موقف الإدارة الأمريكية تجاه إيران يجعل المنطقة قلقة جداً ومتشككة في ما يخص رغبة الأمريكيين الحقيقية في استقرار المنطقة، وينقص تصريحاتها فهم محركات الاستقرار في المنطقة في ظل تخبط أمريكي لأن الاستراتيجية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط تائهة وساذجة، فأمريكا بحاجة إلى بناء استراتيجية جديدة دعائمها الأساسية المناطق الملتهبة كي نضمن سلامة الدول المحورية، لأن ذلك يحافظ على سلامة وأمن الشرق الأوسط وأيضاً سلامة الأمن القومي الأمريكي في المنطقة. فالسعودية وقفت وبقوة في وجه اختراق إيران للمشرق العربي وتمزيقها للصف الخليجي وسحبها سوريا من الحضانة المصرية-السعودية، فهي تتحرك نحو استعادة زمام المبادرة من إيران خصوصاً بعدما باتت العلاقة مع قطر أكثر انسجاماً، وتحاول كذلك الاقتراب أكثر من سوريا حيث نجحتا في إيجاد وفاق وطني في لبنان أرضى جميع الأطراف خصوصاً المعارضة المتحالفة مع سوريا وإيران، والآن تسعى السعودية إلى دعم استرداد العراق وعيه السياسي بدلاً من عراق مذهبي وطائفي.

تريد تركيا أن تكسب ثقة إيران قدر ما تستطيع كي لا تحدث كارثة في الخليج
فإلى الآن لا تزال المملكة العربية السعودية بمفردها في الساحة تحاول استيعاب الاختراق الإيراني من أجل سلام واستقرار المشرق العربي، لأن مصر ترى في إيران وسورياوقطر معرقلاً للمصالحة الفلسطينية التي ترعاها الحكومة المصرية.
ولهذا السبب صعدت إيران ومعها نوري المالكي هجومهما نحو السعودية، واستدارت إيران نحو السعودية بتهديدها بتسميم أجواء الحج، وتسييس موسم ديني أمر يثير الحساسية لدى السعودية من أجل أن تتوقف المملكة عن احتواء الاختراق الإيراني، والسعودية بذلك تحاول أن تجبر إيران على اللجوء إلى الحوار الدبلوماسي بعد تضييق الخناق عليها من كل جانب بعدما خسرت المعركة السياسية مع السعودية لما لها من مكانة عالمية.
ويتجه العالم اليوم نحو عالم متعدد الأقطاب، وهذا أمر يعقد مسار المفاوضات، ويعقد أيضاً فترة تكوين نظام عالمي جديد. ومن هذا المنطلق يمكن استشراف الكثير من المؤشرات الإقليمية، فالدور السعودي ستكون له تداعيات إقليمية، ودوره الرئيسي يكمن في استمرار احتواء إيران وإعادة إحياء الدور العربي، ودخول تركيا كلاعب موازن لإيران في المنطقة.
إن مستقبل الاستراتيجية الأمريكية يتوقع لها أن تكون استراتيجية لعبة التوازن بين القوى الإقليمية الكبرى مع الأخذ في الاعتبار مصالح هذه القوى على أن تكون أمريكا اللاعب الموازن. وستنضم بكين وروسيا إلى الغرب في فرض عقوبات اقتصادية مشددة على إيران في حال استمرت في امتناعها عن التخصيب خارج أراضيها كحد أدنى هذا إذا لم تكن هناك ضربة مفاجئة ومدمرة لا مهادنة فيها لإيران تفاجئ روسيا والصين ودول المنطقة.
لقد حاول الملك عبدالله بن عبدالعزيز إشراك الهند بعد الزيارة التي قام بها عام 2006، وكما يمكن أن تزود منطقة الخليج الهند بعازل استراتيجي في مواجهة السياسات التي تعمل ضد المصالح الهندية، يمكن كذلك بناء علاقة أمنية ما بين دول الخليج والدولة الهندية من خلال وضع إطار للتعاون العسكري مع نيودلهي يمكن أن يكون واسع الأثر والمدى والقيام بتمارين بحرية مشتركة، وإبرام عقود كبيرة في مجال الدفاع سيوفر لمنطقة الخليج توازناً فاعلاً ضد أي تهديد من إيران متنامية النفوذ.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1222::/cck::
::introtext::
تتخوف إيران (بعد انسحاب أمريكا من العراق) من أن يتحول العراق إلى دولة ديمقراطية حديثة ومنافسة لنموذج الملالي بعدما حاولت إيران جاهدة سد الفراغ الناجم عن انهيار الدولة العراقية، وبالتالي تحقق حلم الهيمنة التاريخية على العراق. وبذلك أصبح هناك تداخل وتشابك في الأوراق والأطراف، ولم تتضح حتى الآن حدود المعادلة الجديدة بشكل واضح لأن كل طرف يملك أوراقاً يلعب ويفاوض بها.
::/introtext::
::fulltext::
تتخوف إيران (بعد انسحاب أمريكا من العراق) من أن يتحول العراق إلى دولة ديمقراطية حديثة ومنافسة لنموذج الملالي بعدما حاولت إيران جاهدة سد الفراغ الناجم عن انهيار الدولة العراقية، وبالتالي تحقق حلم الهيمنة التاريخية على العراق. وبذلك أصبح هناك تداخل وتشابك في الأوراق والأطراف، ولم تتضح حتى الآن حدود المعادلة الجديدة بشكل واضح لأن كل طرف يملك أوراقاً يلعب ويفاوض بها.
بعدما استلم باراك أوباما رئاسة الولايات المتحدة بعد الأزمة المالية العالمية بادر إلى تعزيز اتصالاته بالمملكة العربية السعودية، وقد أورد تقرير سياسي في مجلة (نيوريببلك) الأمريكية (أن الرئيس الأمريكي الجديد في حاجة ماسة لجهود الملك عبدالله بن عبد العزيز من أجل إنجاح خططه وسياساته الجديدة في كل من العراق وأفغانستان وباكستان وإيران، وغوانتانامو ومكافحة الإرهاب، وحل الأزمة الاقتصادية العالمية المتصاعدة، بالإضافة إلى حل أزمة الشرق الأوسط)، وسجلت كاميرات التصوير في مؤتمر القمة الاقتصادي العالمي الذي عقد في لندن في إبريل 2009 انحناء الرئيس الأمريكي للملك عبدالله بن عبدالعزيز عند مصافحته له، ولم يكن ذلك مستغرباً لما للرئيس الأمريكي من حاجة إلى جهود السعودية في أن تلعب دوراً فاعلاً فيها، ويعتقد السياسيون أن حاجة أوباما للسعوديين أكثر من حاجتهم إليه.
وتدرك إدارة الرئيس أوباما أن هناك تنافساً للسيطرة الإقليمية بين السعودية وإيران، واقترح المحلل الأمريكي دنيس روس أن يمارس السعوديون ضغوطهم المادية ضد إيران وذلك بتشجيع البنوك الأوروبية على قطع كافة علاقاتها المالية مع إيران مقابل مكافآت من السعوديين ومنع من يتردد بذلك من البنوك الغربية من ممارسة أي نشاطات تجارية داخل المملكة، كما اقترح أن تمارس السعودية ضغوطها على الصينيين لاتخاذ مواقف أكثر تصلباً تجاه إيران. ومن جانبه يدرك المحلل نيكولاس بيرنز أن الملك عبدالله بن عبدالعزيز يتسم بالحذر في التعامل مع مثل هذه القضايا الحساسة ولا يريد أن يبدو أنه ينضم إلى صف الولايات المتحدة والغرب ضد دولة إسلامية. بالإضافة إلى أن أمريكا تطالب السعودية بدعم النظام العراقي الحالي وإرسال سفير سعودي وهو تحرك ظلت المملكة تمقته في ظل تصاعد نفوذ النظام الشيعي الموالي لإيران في العراق.
كما تتخوف السعودية من فترة ما بعد انسحاب أمريكا من العراق الذي يشبه إلى حد ما انسحاب القوى الغربية من ألمانيا الغربية عام 1948 حيث سارع الاتحاد السوفييتي إلى ملء الفراغ، ويسود اعتقاد في طهران بأن الإدارة الأمريكية ليست ملتزمة تجاه العراق اليوم بقدر التزام إدارة ترومان تجاه ألمانيا الغربية عام 1948، ولذلك قد تتهيأ إيران بقوة للتحرك وسد الفراغ لأن التقارير تشير إلى أن 70 في المائة من التصاريح التجارية الجديدة عام 2008 تخص شركات إيرانية، كما تلقت جماعات مسلحة تحظى برعاية وسيطرة إيران، بما في ذلك ما يطلق عليه جيش المهدي، أسلحة جديدة وتدريباً على الحروب داخل المدن، واستقر الآلاف من عملاء الاستخبارات الإيرانية في العراق، لكن الأمر الجيد أن طهران فشلت في السيطرة على الحوزة ذات الأهمية الحيوية في النجف بقيادة السيستاني كحماة لسيادة العراق، غير أن طهران تعمد إلى تدريب جيل جديد من رجال الدين بمن فيهم مقتدى الصدر كي يحصل على لقب (آية الله).
فالعراقيون الآن منقسمون بين دعم الذين يسمون بـ (حزب إيران) في إطار ثماني محافظات يغلب عليها الشيعة معا تحت مسمى الفيدرالية تحت المظلة الإيرانية، وبين مؤيدي عراق مستقل يجمع كل مكونات الشعب العراقي، عراق غير طائفي وغير فئوي مدعوم من السعودية وبقية الدول العربية.
فأمريكا تساوم السعودية على إيقاف تمدد النفوذ الإيراني مقابل أن تساهم المملكة بدور فاعل في حل العديد من القضايا التي تهم مصالح أمريكا وإسرائيل في منطقة الشرق الأوسط.
وكما تطالب السعودية أمريكا بوقف النفوذ الإيراني في العراق فتركيا كذلك تطالب أمريكا بعدم السماح بتوسعة الحكم الذاتي للأكراد والسيطرة على كركوك حتى أصبح التقارب الأمريكي-التركي يقلق إيران.
وبناء على ذلك هناك تقرير دولي يدعو إلى إشراك السعودية وتركيا ومصر في مفاوضات الملف النووي الإيراني الذي ترى السعودية أنه أمر يهم الدول الغربية وإسرائيل أكثر ما يهم الدول العربية والإسلامية لأنه يثير حساسية بين السعودية وإيران ويزيد من التوتر ويطيل أمد الصراع في المنطقة.
والثابت الوحيد في كل هذه التحولات هو العامل الجغرافي وعدم قدرة صناع السياسة على الهروب منه، وإذا كانت تركيا من جهة إمبراطورية قديمة تقريباً مستقرة، كما حال إيران، فإن المنطق الجيوبولتيكي وبحكم التقارب والتماس الجغرافيين بين الإمبراطوريتين يقول بحتمية الصراع بين الاثنتين على مناطق النفوذ وحتمية الصراع على جنوب القوقاز ومنطقة الخليج، خاصة في العراق وأيضاً المشرق العربي.
إيران تعمد إلى زعزعة الأنظمة المنافسة كي تضعها في موقع الدفاع فقط
وإلى جانب الإمبراطوريتين هناك الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل والدول العربية بقيادة المملكة العربية السعودية، لكن تختلف إيران عن تركيا في مدى هامش تحركها السياسي والاستراتيجي في محيطها المباشر، الأمر الذي جعل منها المستفيد الأكبر من كل الاستراتيجيات التي اعتمدتها أمريكا بعد أحداث 11 سيتمبر ما أوجد واقعاً جديداً زاد من هيمنة إيران ليس بسبب قوتها، وهذا ما شجع إيران على التمدد، ولو أرادت أن تعاملها الدول العربية بالمثل فهي قادرة على زعزعة أمنها الداخلي لأن الأقليات في إيران تمثل 60 في المائة من الشعب الإيراني، وأكبر مثال على ذلك التفجيرات الأخيرة التي حدثت وتسببت في أزمة دبلوماسية بين إيران وباكستان.
وبسبب فشل أمريكا في العراق ظهرت للعالم محدودية قدرة أمريكا على فرض حلول منفردة ما جعل إيران تسعى إلى زعزعة الأنظمة المنافسة كي تضعها في موقع الدفاع فقط حتى تحتفظ بزمام المبادرة بمفردها، وعندما بدأت تفقد هذه المبادرة اتجهت إلى إدانة السعودية لضربها الحوثيين المتسللين إلى أراضيها، مثلما فعلت مع مصر عندما جعلت مصر تقع تحت الضغط الشعبي المصري والعربي في ما يخص التعامل مع أهل غزة.
وتسعى إسرائيل وإيران إلى إيجاد مناطق نفوذ وحصارات واحتلالات ورهائن وأسوار واقية، واتجهت إسرائيل من أجل الحد من نفوذ وقوة إيران إلى محاولة إبرام صفقة مع روسيا (جورجيا مقابل إيران) أي الاستقرار في جورجيا مقابل نزع سلاح إيران النووي لأن روسيا هي شريان الحياة بالنسبة للبرنامج النووي الإيراني، لكن تركيا دخلت على الخط من أجل أن تلعب لعبة توازن معقدة جداً، فتركيا منذ فترة تراقب ما يدور في ملعبها الخلفي ولا تريد هي ولا روسيا ولا السعودية إطلاقاً صراعاً عسكرياً في الخليج، بل تريد تركيا أن تكسب ثقة إيران قدر ما تستطيع كي لا تحدث كارثة في الخليج (تكلفة المساعدات التي قدمتها دول الخليج في الحرب الخليجية الأولى لصدام حسين نحو 47 مليار دولار، وبلغت تكلفة الحرب بعد غزو صدام حسين للكويت، دفعتها الولايات المتحدة، نحو 61 مليار دولار حصلت واشنطن على مساعدات مالية وعينية مثل النفط والغذاء بقيمة 52 مليار دولار من دول مجلس التعاون بينها 36 مليار دولار من الكويت وحدها).
وتستعد تركيا الآن لملء الفراغ في العراق بعد انسحاب أمريكا كي تحد من القلق الذي ينتاب السعودية وإن كانت المملكة تريد أن تحمل أمريكا والعرب مسؤولية ملء هذا الفراغ لحساسية العراقيين من الدور التركي، وتريد تركيا أن تدخل في تحالفات سياسية جديدة كي تساهم في إطفاء النار التي تلهب المنطقة.
لذا فإن المواقف أصبحت الآن متشابكة ومعقدة للغاية، وإن كانت أمريكا تنظر بحذر إلى الخطوات التركية وموقفها من إسرائيل رغم تأكيد رجب طيب أردوغان أن الاتفاق الاستراتيجي بين تركيا وإسرائيل لا يزال سليماً وقائماً، ومن حيث التقرب من روسيا.
لكن تركيا من أجل أن تكون وسيطاً بين واشنطن وإيران خففت من جرعة تحديها لأمريكا، بالمقابل هناك غياب عربي مخيف في ساحة هذه التحركات كأن الأمر لا يعني سوى السعودية بعدما انشغلت مصر بالمصالحة الفلسطينية.
فمسارات التفاوض أثبتت أنه لا يمكن التعاطي مع ملفات المنطقة بشكل منفصل بعدما فشلت الإدارة الأمريكية في طرح إطار شامل فيه رؤية للأمن الإقليمي بسبب انغماس هذه الإدارة في أفغانستان وضعف إدارتها للملف النووي الإيراني.
إن المنطقة يلفها ثلاثة مشاريع فاشلة، المشروع الأمريكي الذي يضغط على الدول المحورية كالسعودية ومصر، ومشروع إيراني يستهدف استقرار المنطقة من داخلها عن طريق جماعات تقوض أنظمة الدول، ومشروع التطرف، وهذه المشاريع الثلاثة تهدد استقرار الدول المحورية. إذ إن موقف الإدارة الأمريكية تجاه إيران يجعل المنطقة قلقة جداً ومتشككة في ما يخص رغبة الأمريكيين الحقيقية في استقرار المنطقة، وينقص تصريحاتها فهم محركات الاستقرار في المنطقة في ظل تخبط أمريكي لأن الاستراتيجية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط تائهة وساذجة، فأمريكا بحاجة إلى بناء استراتيجية جديدة دعائمها الأساسية المناطق الملتهبة كي نضمن سلامة الدول المحورية، لأن ذلك يحافظ على سلامة وأمن الشرق الأوسط وأيضاً سلامة الأمن القومي الأمريكي في المنطقة. فالسعودية وقفت وبقوة في وجه اختراق إيران للمشرق العربي وتمزيقها للصف الخليجي وسحبها سوريا من الحضانة المصرية-السعودية، فهي تتحرك نحو استعادة زمام المبادرة من إيران خصوصاً بعدما باتت العلاقة مع قطر أكثر انسجاماً، وتحاول كذلك الاقتراب أكثر من سوريا حيث نجحتا في إيجاد وفاق وطني في لبنان أرضى جميع الأطراف خصوصاً المعارضة المتحالفة مع سوريا وإيران، والآن تسعى السعودية إلى دعم استرداد العراق وعيه السياسي بدلاً من عراق مذهبي وطائفي.

تريد تركيا أن تكسب ثقة إيران قدر ما تستطيع كي لا تحدث كارثة في الخليج
فإلى الآن لا تزال المملكة العربية السعودية بمفردها في الساحة تحاول استيعاب الاختراق الإيراني من أجل سلام واستقرار المشرق العربي، لأن مصر ترى في إيران وسورياوقطر معرقلاً للمصالحة الفلسطينية التي ترعاها الحكومة المصرية.
ولهذا السبب صعدت إيران ومعها نوري المالكي هجومهما نحو السعودية، واستدارت إيران نحو السعودية بتهديدها بتسميم أجواء الحج، وتسييس موسم ديني أمر يثير الحساسية لدى السعودية من أجل أن تتوقف المملكة عن احتواء الاختراق الإيراني، والسعودية بذلك تحاول أن تجبر إيران على اللجوء إلى الحوار الدبلوماسي بعد تضييق الخناق عليها من كل جانب بعدما خسرت المعركة السياسية مع السعودية لما لها من مكانة عالمية.
ويتجه العالم اليوم نحو عالم متعدد الأقطاب، وهذا أمر يعقد مسار المفاوضات، ويعقد أيضاً فترة تكوين نظام عالمي جديد. ومن هذا المنطلق يمكن استشراف الكثير من المؤشرات الإقليمية، فالدور السعودي ستكون له تداعيات إقليمية، ودوره الرئيسي يكمن في استمرار احتواء إيران وإعادة إحياء الدور العربي، ودخول تركيا كلاعب موازن لإيران في المنطقة.
إن مستقبل الاستراتيجية الأمريكية يتوقع لها أن تكون استراتيجية لعبة التوازن بين القوى الإقليمية الكبرى مع الأخذ في الاعتبار مصالح هذه القوى على أن تكون أمريكا اللاعب الموازن. وستنضم بكين وروسيا إلى الغرب في فرض عقوبات اقتصادية مشددة على إيران في حال استمرت في امتناعها عن التخصيب خارج أراضيها كحد أدنى هذا إذا لم تكن هناك ضربة مفاجئة ومدمرة لا مهادنة فيها لإيران تفاجئ روسيا والصين ودول المنطقة.
لقد حاول الملك عبدالله بن عبدالعزيز إشراك الهند بعد الزيارة التي قام بها عام 2006، وكما يمكن أن تزود منطقة الخليج الهند بعازل استراتيجي في مواجهة السياسات التي تعمل ضد المصالح الهندية، يمكن كذلك بناء علاقة أمنية ما بين دول الخليج والدولة الهندية من خلال وضع إطار للتعاون العسكري مع نيودلهي يمكن أن يكون واسع الأثر والمدى والقيام بتمارين بحرية مشتركة، وإبرام عقود كبيرة في مجال الدفاع سيوفر لمنطقة الخليج توازناً فاعلاً ضد أي تهديد من إيران متنامية النفوذ.
::/fulltext::
::cck::1222::/cck::
