استكشاف فرص تعزيز العلاقات الأوروبية – الخليجية
::cck::875::/cck::
::introtext::
بعد مرور أكثر من 20 عاماًعلى توقيع اتفاقية التعاون بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي في 1988 (كان ذلك في إطار المجموعة الأوروبيةإذ لم يكن الاتحاد الأوروبي قد شُكّل بعد)، فلا شك في أن الوقت مناسب جداً كي نلقي نظرة على الماضي، ونتطلع في الوقت ذاته إلى المستقبل لتقييم ما تم إنجازه وتحليل ما يمكن أن نتعلمه من تجارب السنوات الماضية للدفع قدماً بمسيرة هذا التعاون.
::/introtext::
::fulltext::
بعد مرور أكثر من 20 عاماًعلى توقيع اتفاقية التعاون بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي في 1988 (كان ذلك في إطار المجموعة الأوروبيةإذ لم يكن الاتحاد الأوروبي قد شُكّل بعد)، فلا شك في أن الوقت مناسب جداً كي نلقي نظرة على الماضي، ونتطلع في الوقت ذاته إلى المستقبل لتقييم ما تم إنجازه وتحليل ما يمكن أن نتعلمه من تجارب السنوات الماضية للدفع قدماً بمسيرة هذا التعاون.
لقد تطورت العلاقات المؤسسية بين الكتلتين على مستويات عدة. فعلى صعيد العلاقات متعددة الأطراف، كانت هناك علاقات بين المفوضية الأوروبية ودول مجلس التعاون الخليجي، وبين رئاسة الاتحاد الأوروبي المتغيرة باستمرار ورئاسة مجلس التعاون.وبالمثل،تطورت العلاقات على المستوى الثنائي بين الدول الأعضاء منفردة. وفي ما يخص مجلس التعاون الخليجي، فإن عملية صنع القرار لا تزال تتم على مستوى الدول الفرديةوليس ضمن إطار المجلس متعدد الأطراف. أما بالنسبة للاتحاد الأوروبي، فإن الدولة التي تتولى منصب رئاسة الاتحاد لمدة ستة أشهر،تلعب دوراًمهماً في رسم معالم مسيرة العلاقات الخارجية للاتحاد الأوروبي والمضي بها قدماً. ونظراًلكون دول مجلس التعاون الخليجي لا تخضع لاستراتيجية رسمية، مثل سياسة الجوار التي ينتهجها الاتحاد الأوروبي، فإن تطور العلاقات بين الجانبين يتأثر أيضاً بالوقت الذي تخصصه رئاسة الاتحاد الأوروبي وبالجهود التي تبذلها لتعزيز العلاقات المتبادلة. وقد بينت التجارب السابقة أنه خلال فترة الرئاسات التي كانت تمتلك القدرة والتصميم على التركيز على تطوير العلاقات الخليجية- الأوروبية، مثل رئاسة ألمانيا في النصف الأول من عام 2007 ورئاسة فرنسا في النصف الثاني من عام 2008، كانت هناك إمكانيةلتحقيق مزيد من التقدم باتجاه تعزيز العلاقات المؤسسية بين الجانبين. في حين أن هذا الوضع لم يكن بالضرورة قائماً خلال فترة الرئاسات الأخرى،مما جعل العلاقات الأوروبية- الخليجية تدخل في متاهات كثيرة.
ومع تولي السويد منصب رئاسة الاتحاد الأوروبي ابتداء من يوليو 2009، قام مركز الخليج للأبحاث في دبيومركز الدراسات الشرق أوسطية في جامعة لوند بالسويد، بتنظيم مؤتمر لمدة يومين في الثامن والتاسع من يونيو 2009 في مدينة لوند بالسويد تحت عنوان (الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي: التحديات والآفاق المستقبلية في ظل الرئاسة السويدية للاتحاد). وقد عُقد الاجتماع في إطار مشروع الجسر المخصص لأنشطة التواصل والدبلوماسية العامة بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي بدعم من المفوضية الأوروبية. وقد ركزت معظم النقاشات الدائرة على وضع العلاقات وكيفية حل القضايا الشائكة وإزالة العقبات في ظل الرئاسة السويدية للاتحاد الأوروبي. وشدد المشاركون على أنه في حين أن تطوير العلاقات ليس بالضرورة أن يشكل أولوية رئيسية بالنسبة للسويد نفسها، فإن هناك استعداداً واضحاً لدى المسؤولين السويديين للبحث بعمق وجدية في تعقيدات العلاقات الأوروبية – الخليجية، والمساهمة بشكل أفضل في تحسين تلك العلاقات وتعزيزها. كما ركزت ورشة العمل التي تم تنظيمها في إطار فعاليات المؤتمر على مدى إدراك المسؤولين السويديينللأهمية الاستراتيجية لمنطقة الخليج بالنسبة للاتحاد الأوروبي، وضرورة مواصلة العمل لتعزيز التنمية فيها.
إلا أنه سرعان ما تبين من خلال دراسة إيجابيات وسلبيات العلاقة بين الجانبين أن الإخفاق في إحراز أي تقدم في المفاوضات الدائرة بينهما للتوصل إلى اتفاقية للتجارة الحرة (FTA)كان بمثابة دليل ساطع على وجود أوجه قصور في مجمل العلاقات الخليجية – الأوروبية، وحتى فشلها.فهناك من يرى أن عجز كلا الجانبين عن التوصل إلى نتيجة مثمرة بعد عقدين من المباحثات، ما هو إلا مؤشر واضح إلى حقيقة أن العلاقات المؤسسية بين الجانبين لم تتطور بعد بما فيه الكفاية. إلا أن ما تجب الإشارة إليه هنا هو أنتشخيص الوضع بهذه الطريقة ليس دقيقاً تماماً، خصوصاً إذا ما ألقينا نظرة أكثر شمولاً على الكيفية التي تطورت بها العلاقات بين الجانبين. حتى بالنسبة لمفاوضات اتفاقية التجارة الحرة المعلقة،فإنه يمكن للمرء أن ينظر إلى الأمر من زاوية مختلفة ليتوصل إلى حقيقة مفادها أن الجانبين لم يجريا مفاوضات جدية إلا كنتيجة مباشرة لتحسن العلاقات المؤسسية بينهما.يُضاف إلى ذلك أن اعتبار تعليقالمفاوضات من جانب مجلس التعاون الخليجي كغاية بحد ذاتها هو مجرد قصر نظر. فما حصل كان تدبيراً مؤقتاً يمكن التراجع عنه في أي لحظة.
إن تشبيه الوضع بالكأس نصف الملوءة، والنظر إليها باعتبارها نصف مملوءة وليست نصف فارغة،بات أمراً ملحاً خصوصاً عندما ينظر المرء إلى المبادرات العديدة التي تم طرحها خلال السنوات الخمس الماضية وحدها. هنا أيضاً، ينبغي للمرء ألا يقيّم العلاقات الخليجية- الأوروبية من منظور اتفاقية التعاون المطبقة منذ أكثرمن عقديْن من الزمن،إنما من منظور ما لم يتم تحقيقه إلى الآن. فالأمر لن يكون منصفاً لأن الجانبين لم يكونا خلال غالبية تلك الفترة مستعدّيْن – مؤسسياً أو سياسياً– للتعاون بطريقة موضوعية في مثل هذه المسألة المعقدة باعتبارها اتفاقية لإنشاء منطقة للتجارة الحرة.
رئاسة السويد للاتحاد الأوروبي توفر فرصة ذهبية لتسوية المسائل العالقة
فما حصل في الحقيقة هو أن العلاقات بين الجانبين نمت وتطورت على كافة الجبهات باستثناء جبهة اتفاقية التجارة الحرة. فقد تضاعف الميزان التجاري الإجمالي أكثر من مرتين خلال السنوات الخمس الماضية، وظل الاتحاد الأوروبي أكبر شريك تجاري لمجلس التعاون الخليجي. وجرت العادة أن يتم عقد اجتماعات وزارية سنوية بانتظام،كانت بياناتها الختامية تكشف عن وجود تقارب نسبي في وجهات النظر بشأن معظم القضايا المطروحة. كما يجري حالياً عقد العديد من اجتماعات الخبراء في مجالات التعاون البيئي والطاقة والتعليم ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. ويوجد حالياً مكتب للمفوضية الأوروبية في العاصمة السعودية الرياض منذ عام 2004، وهناك مقترحات يجري النظر فيها لفتح مكاتب إضافية في دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى. كما يوجد تبادل منتظم على صعيد الكثير من خطط تكامل مجلس التعاون الخليجي، بدءاً من طرق تحسين الاتحاد الجمركي إلى تطبيق قواعد السوق المشتركة، إلى العمل بالعملة الخليجية الموحدة.حتى إنه كانت هناك مشاورات أيضاً تخص قيام مجلس التعاون الخليجي بتطوير سياسة الجوار الخاصة به، والتعلم من التجارب الأوروبية. وما يكمّل هذه العملية ويعززها هو وجود مزيد من الاتصالات على الصعيدين الخاص وغير الحكومي. وبعيداً عن كون تطور العلاقات الخليجية – الأوروبيةصورة من الصور التي تعكس الإخفاق والفشل، فإن ما يمكن قوله بالتالي هو أن هذه العلاقات هي علاقات حيوية للغاية، خصوصاًإذا ما أخذنا في اعتباراتنا تطور العلاقات الذي شهدته السنوات القليلة الماضية. فأوروبا تظل من كافة الجوانب،ذات أهمية محورية لمنطقة الخليج وشريكاً رئيسياً لها.
ومع ذلك، لم تتطور العلاقات بين الجانبين لتبلغ مداها، ويمكن اعتبار ما تم تحقيقه في أحسن الأحوال بمثابة نقطة انطلاق جيدة. وما نخلص إليه هنا هو أن هناك إجماعاً في الآراء على أن التزام الجانبين يجب أن يكون أكثر وضوحاً، وأنه يتعين عليهما بذل مزيد من الجهود المتضافرة لتحويل العلاقات إلى أكثر من مجرد عبارات ومقترحات بسيطة.
ضرورة البحث عن القضايا المشتركة
إن السمة الطاغية على العلاقات الأوروبية – الخليجية،سواء في أحسن الأحوال أو أسوئها، هي عدم قدرة الجانبين على التوصل الى اتفاق بشأن إقامة منطقة للتجارة الحرة . ففي حين أكد المجلس المشترك (الأوروبي – الخليجي) في اجتماعه الذي عقد في العاصمة العمانية مسقط في نهاية إبريل 2009 على التزام واسع النطاق من كلا الجانبين بتوسيع وتعميق العلاقات بينهما خارج نطاق اتفاقية التجارة الحرة، لا تزال هذه المسألة تخيّم على علاقات الجانبين كالسحابة السوداء التي لا يمكن حجبها. ولهذا سيتحتم على الجانبين مواصلة تضافر الجهود المبذولة لتسوية المسائل العالقة وتقديم مقترحات توفيقية تعمل على حلحلة المأزق الحالي. وهناك تصور داخل دول مجلس التعاون الخليجي مفاده أن مساهمة الاتحاد الأوروبي لا تزال حتى هذه اللحظة قليلة من حيث المساعدة على دمج دول المجلس في الأسواق العالمية، وأن الاتحاد لا يمارس المرونة المطلوبة أبداً في ما يخص وضعه التجاري. ولا شك في أن هذا الموضوع يندرج من ضمن جملة الموضوعات التي تحتاج إلى معالجة سريعة. وطالما أنه لم يتم التوصل إلى حل هذه المسألة ككل، فمن المرجح أن تظل مجالات التعاون الأخرى التي يمكن الدفع بها قدماً، تراوح مكانها. وما نود قوله هنا بصراحة، هو أن عدم مرونة السياسات الاقتصادية الحالية كان بمثابة عقبة تحول دون تحقيق الأهداف السياسية على نطاق واسع.
تعليق المفاوضات الأوروبية-الخليجية كان تدبيراً خليجياً مؤقتاً يمكن التراجع عنه في أي لحظة
ولا شك في أن إعلان الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي عبدالرحمن العطية في نهاية عام 2008 عن تعليق محادثات التجارة الحرة من جانب واحد كان مفاجئاً للاتحاد الأوروبي، إلا أن الأمر ينبغي ألا يكون كذلك؛ فما حصل في الحقيقة هو أن هذه المحادثات، على الرغم من تعقيدها وتفصيلاتها، ظلت متواصلة لفترة طويلة جداً، إنما دون التوقف عن ترداد مقولة أن هذا العام هو العام الذي سيشهد التوصل إلى توقيع الاتفاقية النهائية وذلك منذ عام 2003. وقد شعر مجلس التعاون الخليجي بأنه كان بمثابة الطرف الذي يتعين عليه دائماً تقديم كل التنازلات، وأن المفاوضات كانت تسير وعلى نحو متزايد لمصلحة جهة واحدة، إذ كان الاتحاد الأوروبي يكثر من طلباته في حين كان المطلوب من مجلس التعاون أن يلبيها. وهكذا ومن دون قدر كاف من المرونة من جانب الاتحاد الأوروبي، باتت إمكانية استمرار المحادثات ضعيفة للغاية؛ فما كان من مجلس التعاون الخليجي إلا أن اتخذ قراراًبوقفها من جانبه.
لكن ما يبعث على التفاؤل هو حقيقة أنه على الرغم من تعليق المفاوضات بشكل رسمي، فإن المباحثات ظلت متواصلة بين الجانبين، ولكن من دون طابع رسمي، من خلال عقد عدد من الجلسات خلال النصف الأول من عام 2009. جاء ذلك في أعقاب التزام الجانبين في اجتماع المجلس المشترك في مسقط بمواصلة هذه المباحثات. وهناك توقعات على نطاق واسع تشير إلى أن المفاوضات الرسمية لن تُستأنف إلا في حال كانت هناك مؤشرات واضحة تدل على أنها ستتكلل بالنجاح من خلال التوصل إلى اتفاق نهائي. وفي هذا السياق، يبدو أن مسألة الرسوم الجمركية على الصادرات هي النقطة الرئيسية الشائكة. ورغم تسليط الضوء على حقوق الإنسان والديمقراطية باعتبارها العائق الرئيسي من الجانب الخليجي الذي كان يعتبرها تدخلاً مباشراً في سيادته الوطنية، إلا أنه ينبغي أن يتم النظر إليها باعتبارها مسألة ثانوية يمكن حلها من خلال المفاوضات الدبلوماسية. وإذا كان من شيء تقوم دول المجلس بالضغط لتغيير لهجة الحديث عنه، فهو ذو طبيعة اشتراطية، أي فكرة أن يقوم الاتحاد الأوروبي بالاحتفاظ بحقه في تعليق الاتفاقية أو أجزاء منها في حال وجود مزاعم تشير إلى انتهاكات لحقوق الإنسان من الجانب الخليجي. إلا أن هذا الأمر ليس مثار خلاف أساسي يمكن أن يتسبب في فشل المفاوضات في نهاية المطاف.
أوروبا تظل من كافة الجوانب ذات أهمية محورية لمنطقة الخليجوشريكاً رئيسياً لها
ونظراً لالتزام السويد بالسعي للتوصل إلى نهاية سريعة لجولة مباحثات الدوحة التجارية ولدمج منطقة الشرق الأوسط باعتبارها من الأسواق الناشئة الرئيسية، فإن رئاسة السويد للاتحاد الأوروبي توفر فرصة ذهبية لتسوية المسائل العالقة، أو على الأقل للحفاظ على مستويات الاتصال المفتوحة، على أمل أن يتم حل العقدة الأخيرة في هذه المسألة المزمنة. وما هو مهم هنا هو وجود تنسيق وثيق بين رئاسة الاتحاد الأوروبي والمفوضية الأوروبية لتقديم مقترحات بناءة لدول مجلس التعاون الخليجي. ونظراً لسجل السويد الحافل بإيجاد حلول ودية للمسائل العالقة، فإن جهودها في التوصل إلى نتيجة مثمرة لمحادثات اتفاقية التجارة الحرة، يمكن أن تكون بمثابة الوصفة السحرية التي تعالج الأمر.
وبعيداً عن مسألة اتفاقية التجارة الحرة، بات واضحاً أن الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي يعتبران نفسيهما بمثابة شريكين محتملين على صعيد مجموعة كاملة من القضايا الاقتصادية الأخرى، خصوصاً في ضوء الأزمة الاقتصادية والمالية العالمية الحالية. وكون الجانبين يمثلان كتلتين متكاملتين جيداً، يمكن تعزيز التنسيق بينهما في مجالات الحوكمة الاقتصادية ودور صناديق الثروة السيادية وإجراءات المتابعة بشأن الأفكار التي صيغت حول كيفية التعامل مع الأزمة المالية الحالية. وطالما أن المناقشات التي جرت في قمة مجموعة الـ 20 التي عقدت في مدينة بيتسبرغ بالولايات المتحدة في سبتمبر الماضي كانت بمثابة خطوة في الاتجاه الصحيح، فستكون هناك حتماً حاجة مستمرة لتحسين طرق معالجة الأزمة الهيكلية الناجمة عن الاضطراب المالي الحالي، وتقييم مقترحات الإصلاحات وفاعليتها. ولا شك في أن الاستئناف الفوري للحوار الاقتصادي بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي من شأنه أن يكون إحدى المقاربات التي ينبغي العمل بها، وهذا هو بالتأكيد أحد المجالات التي يمكن للسويد أن تسهم فيها بفاعلية.
كما تشكل قضايا الأمن والطاقة والبيئة مجالات أخرى للتعاون الرامي إلى تعزيز العلاقات بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي. فمن ناحية، هناك اتفاق واسع النطاق على ضرورة المضي قدماً باتجاه نظام ما بعد (كيوتو)، والتوصل إلى اتفاق شامل في محادثات المناخ في كوبنهاغن في الفترة المقبلة. ومن ناحية أخرى، هناك فرصة لإقامة شبكات متينة في مجال الطاقة النظيفة واستخدام الطاقة الشمسية، وإمكانية التقدم في مجال حجز وتخزين الكربون، حيث يتم بموجبها استخدام أفضل لشبكات الخبراء ولتبادل المعلومات بين المؤسسات في كلا الجانبين. ولا شك في أن الاتفاق على أن تكون أبوظبي مقراً جديداً للوكالة الدولية للطاقة المتجددة (إيرينا) (IRENA) يوفر فرصة جيدة للتعاون مع دول مجلس التعاون الخليجي على صعيد اتخاذ تدابير منسقة واعتماد مقاربات مشتركة بشأن مسألة التغيرات المناخية. ويجب العمل هنا على الدخول في مباحثات ترمي إلى إنشاء مركز أوروبي – خليجي مشترك لتكنولوجيا الطاقة لتنفيذ مشاريع تعاونية مشتركة. كما ينبغي بذل مزيد من الجهود لتعزيز التعاون في مجالات البحث والدراسة المتعلقة بحجز وتخزين الكربون.
ومن مجالات التعاون المهمة الأخرى، هناك مجال البحث والتطوير، حيث ينبغي التفكير جدياً في إنشاء شبكة فعالة لنقل المعارف والخبرات. وطالما أن الاتصالات الأولية قائمة بين أفراد ومؤسسات من الجانبين الأوروبي والخليجي، فمن الضروري أن يتم العمل على جعل هذه الاتصالات تجرى ضمن أطر ذات طابع رسمي، وهو ما من شأنه أن يساهم فعلاً في تنمية المجتمعات بطريقة متبادلة المنفعة. وهنا، يمكن للتعاون الفعال في مجالات البحث المختلفة أن يؤدي إلى إحراز تقدم كبير في عدد من المجالات الحيوية مثل الطاقة والبيئة، والتي تعد بالفعل واحداً من مجالات العلاقات التي التزم الجانبان بقوة بتعزيزها. وهناك أيضاً ضرورة لاستكشاف أسباب انخفاض نسبة مشاركة طلاب وأعضاء هيئة تدريس جامعات دول مجلس التعاون الخليجي في برامج الاتحاد الأوروبي، إذ إن هذا الأمر يشكل واحداً من أوجه القصور في الجهود الرامية الى تعزيز برامج التبادل العلمي وتحسين مستوى حرية التبادل الثقافي، وحتى إلى وجود قدر أكبر من التقارب في صنع القرارات والسياسات.
وهناك أفكار محددة تشمل إعادة بدء مشروع الدراسات الخليجية/الدراسات الأوروبية الذي كان على وشك التنفيذ في نهاية التسعينات من القرن الماضي وتندرج دول مجلس التعاون الخليجي فيه ضمن الأطر المتعاقبة للمديرية العامة للأبحاث التابعة للمفوضية الأوروبية. ولتفادي إمكانية أن يصبح هذا الأمر قضية تمويلية، يمكن إنشاء صندوق مخصص لتلقي المساهمات المالية من الاتحاد الأوروبي ودول مجلس التعاون الخليجي، وكذلك من مصادر من القطاع الخاص. وأخيراً، يجب أن تكون هناك إمكانية لتشكيل مجموعة عمل تقدم تقريراً مفصلاً عن التقدم المحرز في إطار زمني محدد.
وعلى القدر نفسه من الأهمية، هناك مجال الثقافة والدبلوماسية العامة التي ستكون بمثابة أساس متين لتحسين مستوى التفاهم وتبادل وجهات النظر بين الناس من كلا الجانبين. وكما ذكرنا سابقاً، يجب العمل على تطبيق مزيد من الخطط الملموسة في مجال تبادل الطلاب والأكاديميين، خصوصاً أن مستوى الاتصال المباشر في هذا المجال ضعيف حالياً. فخلال ورشة العمل التي تم تنظيمها في جامعة لوند، على سبيل المثال، أكدت وزيرة التجارة السويدية إيوا بيورلينغ بوضوح على رغبة السويد في مثل هذا التبادل من أجل القضاء على ما وصفته بصراع الجهل الذي لا يزال قائماً. وهناك أيضاً مسألة تعزيز نظرة شعوب المنطقة إلى الاتحاد الأوروبي وذلك لزيادة فاعلية العلاقة معه، والتشديد على الحجة القائلة بأن استمرار العلاقات الثنائية بين الجانبين أمر ضروري، لكنه غير كاف في نهاية المطاف. وهناك مسألة أخرى تتعلق بتحرير أنظمة تأشيرات دخول دول الاتحاد الأوروبي، وهي مسألة ظلت تثير كثيراً من القلق بين دول مجلس التعاون الخليجي، ولهذا ينبغي البحث فيها في الاجتماعات المشتركة بين الجانبين. ويمكن القول، في الوقت ذاته، إن مشاركة المجتمع المدني بين الجانبين تشهد نمواً مطرداً، كما يتضح من مشروع الجسر الذي يجمع بين عدة مؤسسات من كلتا المنطقتين. ولا شك في أن هذا أمر يمكن البناء عليه لمعرفة مدى إمكانية وجود مزيد من التعاون بين الجانبين وفائدته.
وبعيداً عن الجوانب الاقتصادية والاجتماعية، فإن المناخ السياسي الحالي في كلتا المنطقتين وحول العالم، يتطلب وجود التزام قوي بتعزيز العلاقات بين الاتحاد الأوروبي ودول مجلس التعاون الخليجي. فما زال الأمن في منطقة الخليج متقلباً إلى حد كبير، وما أدى إلى تفاقم الوضع في المنطقة هو حالة عدم الاستقرار التي يشهدها الداخل الإيراني في أعقاب الإعلان عن نتائج الانتخابات الرئاسية المثيرة للجدل، والتي كان من نتيجتها بروز توجهين مضادين حول مستقبل الجمهورية الإسلامية في إيران. بالإضافة إلى ذلك، هناك مجالات حساسة كالإرهاب وعدم الانتشار النووي، والاستقرار في اليمن، والقرصنة في خليج عدن، والوضع في أفغانستان/ باكستان، وهي أمور تندرج في سلم أولويات أجندة كل من أوروبا ودول مجلس التعاون الخليجي. وفي ما يخص كل هذه المسائل، يجب أن يكون هناك حوار وثيق بين الجانبين وذلك للتركيز على اعتماد نهج موحد. وفي هذا السياق، من المهم جداً ألا يُنظر إلى أوروبا على أنها ستقوم بدور بديل عن الدور المركزي الذي لا تزال تطلع به الولايات المتحدة في المنطقة. فإذا اعتقدت دول مجلس التعاون الخليجي أنه يمكن لأوروبا أن تحل محل الولايات المتحدة باعتبارها القوة الخارجية الرئيسية في منطقة الخليج، فإنها ستكون قد أساءت بالكامل فهم القدرات الأوروبية الحالية فضلاً عن نواياها. ولا شك في أن البديل عن ذلك، هو الاعتراف بدور أوروبا باعتباره دوراً مكملاً في المنطقة يوفر قنوات دبلوماسية إضافية يجب استغلالها على نحو أفضل.
وبالنظر لمختلف التحديات التي يواجهها الأمن الإقليمي في منطقة الخليج، فمن المرجح أن تشهد فترة الرئاسة السويدية للاتحاد الأوروبي موجة من النشاط الدبلوماسي، خصوصاً في ضوء حقيقة أن الإدارة الأمريكية في عهد الرئيس باراك أوباما مستعدة للتعاون على نحو أفضل مع كل من حلفائها الأوروبيين وشركائها الخليجيين للمضي قدماً باتجاه اتخاذ مواقف مشتركة. ولا شك في أن هذا الأمر بالغ الأهمية لا سيما أن دول مجلس التعاون الخليجي والاتحاد الأوروبي تشترك في وجهات النظر نفسها بشأن كافة القضايا الإقليمية الرئيسية المعلقة – سواء كانت تتعلق بالبرنامج النووي الإيراني أو الاستقرار في كل من العراق وأفغانستان، أو ضرورة العمل على منع تفكك اليمن خشية انهياره كدولة. إلا أنه لا تزال هناك ضرورة ملحة كي يعزز مجلس التعاون الخليجي والاتحاد الأوروبي أواصر التعاون بينهما على نحو أفضل، من أجل وضع أجندة مشتركة، وأيضاً من أجل نقل تلك الرسالة إلى كل من الشركاء والخصوم على حد سواء. ولا شك في أن آثار الإخفاق في المضي قدماً نحو شكل من أشكال القرار المشترك ستظل حاضرة طيلة السنوات القليلة المقبلة وستدفع ثمنها كافة الأطراف المعنية. وهذا يشمل بالطبع تحديد أولويات القضايا التي ينبغي التعامل معها قبل أن تظهر عواقبها الوخيمة.
هذا التعاون هو بيت القصيد تحديداً بالنسبة لنشر الأسلحة النووية في منطقة الخليج، لا سيما أنها قد تشهد عدداً من المفاجآت غير السارة التي يصعب التكهن بنتائجها ما دامت قضية البرنامج النووي الإيراني لم تُحل بشكل مرضٍ للجميع. ومن الواضح تماماً أن المصداقية الدولية وليست مصداقية الاتحاد الأوروبي فحسب، باتتا على المحك ما دامت إيران متعنتة في موقفها الرافض للعمل بشفافية كاملة في ما يخص برنامجها النووي. فسياسة الجزرة والعصا التي يجري الحديث عنها حالياً باعتبارها تشكل جوهر الإطار الحالي للتعامل مع إيران، لم تسفر حتى الآن عن أي تقدم يذكر، وباتت بالتالي غير مقبولة. كما أن عملية العزل والاحتواء الكامل هي عملية غير مجدية أيضاً لأنها تترك إيران دون أي مصلحة في استمرار الوضع الراهن، وتدفعها إلى إعطاء الأولوية للتفكير بالاكتفاء الذاتي. ولا بد من الاستنتاج هنا أن فرص الحلحلة باتت بشكل عام محدودة وربما تزول بسرعة.
هناك أخيراً، قضية أمن الخليج، وماهية سياسة الخطوة خطوة التي يمكن التفكير بها للانتقال من حالة الخلافات الإقليمية الراهنة إلى حالة من الاستشراف بالمستقبل تقوم على البناء على الأهداف المتفق عليها بين جميع الأطراف. وقد تم وضع مقترحات عدة بشأن هيكليات أمنية خليجية مختلفة، إلا أنها لم تؤد إلى نتائج ملموسة. ونظراً لكون الرئاسة السويدية للاتحاد الأوروبي تمتلك خبرة طويلة في حل النزاعات الإقليمية ودعم الجهود الدبلوماسية، فلا شك في أن بإمكانها أن تساعد مجدداً على توفير مثل هذه النقاشات والحوارات مع إعطائها زخماً جديداً. وبشكل عام، يجب أن تكون هناك أيضاً محاولة للتفكير على نطاق أوسع بشأن الخطوط العريضة لمستقبل نظام أمني خليجي يمكن تطبيقه بمشاركة كافة الدول المطلة على الخليج.
وبالرجوع إلى قائمة القضايا والمسائل التي تم التطرق إليها سابقاً، نورد فيما يلي جملة من التوصيات على أمل أن يتم النظر فيها من قبل الرئاسة السويدية الحالية للاتحاد الأوروبي أو الرئاسة التي ستخلفها:
* إبرام اتفاقية التجارة الحرة لإزالة الحواجز والعقبات: يجب أن يكون عمق الحوار القائم متوافقاً مع الالتزامات التي تم التعهد بتنفيذها. فهناك إرادة سياسية قوية لدى الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي للدفع قدماً بمسيرة التعاون بينهما، رغم أن العلاقات بينهما لم تصل بعد إلى مداها الكامل، وهو ما يجسده الإخفاق في إبرام اتفاقية التجارة الحرة التي طال انتظارها. وفي هذا السياق، من الضروري أن يتم العمل على تحريك الوضع الحالي للعلاقات من إطار السياسة إلى إطار السياسات الفعلية التي يمكن تنفيذها بفاعلية من قبل الجانبين. ولا شك في أن التوصل إلى اتفاقية للتجارة الحرة أمر حاسم في هذا الصدد، لأنه سيؤدي إلى إطلاق الموارد وتركيز الطاقات وتعزيز العلاقات السياسية إلى مستوى جديد من المشاركة.
* وضع خطوط عريضة لأجندة مترقبة: تأتي الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي عادة بجدول زمني للأنشطة التي تريد القيام بها خلال فترة ولايتها التي تمتد إلى ستة أشهر. وطالما تكون هناك بطبيعة الحال قضايا عدة تخص أوروبا نفسها، وتتطلب اهتماماً فورياً – كالتوصل الى معاهدة لشبونة في الوقت الراهن، على سبيل المثال – فيجب أن تكون هناك أيضاً أجندة واضحة وموجزة تخص قضايا العلاقات الخارجية. وإذا كانت الرئاسة السويدية تسعى إلى توثيق العلاقات مع دول مجلس التعاون الخليجي، فإنه ينبغي عليها أن تضع قائمة بأولوياتها الرئيسية التي تتعلق بعلاقاتها مع تلك الدول، وأن تعلن موقفها من القضايا الرئيسية التي تتعين عليها معالجتها.
* المشاركة في المناقشات الخاصة بالقضايا الإقليمية: يشكل تطور الأحداث في أفغانستان/ باكستان والعراق وإيران واليمن عاملاً رئيسياً بالنسبة لمستقبل أمن الخليج. ونظراً لكون هذه الدول تشكل جواراً مباشراً لدول مجلس التعاون الخليجي، ولسعي هذه الأخيرة إلى الحفاظ على مصالحها الوطنية التي باتت عرضة للتهديد، تظل هناك حقيقة مفادها أن دول مجلس التعاون الخليجي تمتلك قدرات محدودة لا تمكّنها من التأثير كثيراً في التطورات الحاصلة على أرض الواقع، وتنفيذ بعض ما تتوخاه من بنود على أجندتها. ورغم قيام الجانبين بطرح عدد من المبادرات، إلا أن تبادل وجهات النظر بينهما لم يكن بتلك الفاعلية. ومع ذلك، ستظل مواقف ومصالح الجانبين خارج المناقشات الأوسع نطاقاً ما لم يتم اعتماد نهج مشترك بينهما. وفي إطار مجموعات العمل المقترحة أدناه، ستكون هناك إمكانية لتحسين تبادل الخبرات وتسليط الضوء على النهج المشترك. فعلى سبيل المثال، ربما يمكّن هذا التبادل دول مجلس التعاون الخليجي من نقل خبرتها في العمل مع إيران، وتحديد ماذا سيكون عليه البديل في حال فشل الجهود الدبلوماسية النووية الحالية. ومن شأنه أيضاً أن يسمح لدول مجلس التعاون الخليجي بأن تعلن عن مفهومها الشامل لأمن منطقة الخليج.
* تشكيل مجموعات عمل مشتركة: في سياق ما ورد أعلاه، ينبغي أن يقوم الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي بإنشاء مجموعات عمل لوضع أجندة مشتركة، وتنسيق السياسات والبحث عن نهج يمكن أن يكون له أثر بناء على أرض الواقع. ونظراً لاتساع طيف القضايا التي يمكن أن تشكل أساساً لعلاقة أوروبية – خليجية بناءة، فإنه ينبغي تشكيل مجموعات عمل رسمية في المجالات الرئيسية التي تشمل السياسات الاقتصادية والطاقة وقضايا البيئة والأمن الإقليمي، وكذلك التعاون في مجال التربية والتعليم. ويمكن لمجموعات عمل من هذا القبيل أن تجمع بين كبار المسؤولين من كلا الجانبين، فضلاً عن الخبراء لإضفاء الطابع الرسمي على المناقشات الدائرة بينهما ووضع خطط عمل ذات صلة. ولا شك في أن أمراً كهذا من شأنه أن يكون نهجاً أكثر تنظيماً يمكنه أن يحل محل النهج الخاص الذي يحكم جوانب العلاقات في الوقت الراهن.
وفي الختام، لا بد من الإشارة إلى أن هناك ضرورة قصوى للتركيز على القضايا الأكثر إلحاحاً لوضع نهج موحد وصوْغ سياسات مشتركة، إنما من دون أن يغيب عن بال الجانبين ضرورة وجود ركائز قوية لاستمرارية المشاركة واستدامتها. وأخيراً، شدّد مؤتمر (لوند) على حقيقة أن هناك الكثير من التوصيات الرامية إلى الدفع قدماً بمسيرة العلاقات بين الاتحاد الأوروبي ودول مجلس التعاون الخليجي.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::875::/cck::
::introtext::
بعد مرور أكثر من 20 عاماًعلى توقيع اتفاقية التعاون بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي في 1988 (كان ذلك في إطار المجموعة الأوروبيةإذ لم يكن الاتحاد الأوروبي قد شُكّل بعد)، فلا شك في أن الوقت مناسب جداً كي نلقي نظرة على الماضي، ونتطلع في الوقت ذاته إلى المستقبل لتقييم ما تم إنجازه وتحليل ما يمكن أن نتعلمه من تجارب السنوات الماضية للدفع قدماً بمسيرة هذا التعاون.
::/introtext::
::fulltext::
بعد مرور أكثر من 20 عاماًعلى توقيع اتفاقية التعاون بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي في 1988 (كان ذلك في إطار المجموعة الأوروبيةإذ لم يكن الاتحاد الأوروبي قد شُكّل بعد)، فلا شك في أن الوقت مناسب جداً كي نلقي نظرة على الماضي، ونتطلع في الوقت ذاته إلى المستقبل لتقييم ما تم إنجازه وتحليل ما يمكن أن نتعلمه من تجارب السنوات الماضية للدفع قدماً بمسيرة هذا التعاون.
لقد تطورت العلاقات المؤسسية بين الكتلتين على مستويات عدة. فعلى صعيد العلاقات متعددة الأطراف، كانت هناك علاقات بين المفوضية الأوروبية ودول مجلس التعاون الخليجي، وبين رئاسة الاتحاد الأوروبي المتغيرة باستمرار ورئاسة مجلس التعاون.وبالمثل،تطورت العلاقات على المستوى الثنائي بين الدول الأعضاء منفردة. وفي ما يخص مجلس التعاون الخليجي، فإن عملية صنع القرار لا تزال تتم على مستوى الدول الفرديةوليس ضمن إطار المجلس متعدد الأطراف. أما بالنسبة للاتحاد الأوروبي، فإن الدولة التي تتولى منصب رئاسة الاتحاد لمدة ستة أشهر،تلعب دوراًمهماً في رسم معالم مسيرة العلاقات الخارجية للاتحاد الأوروبي والمضي بها قدماً. ونظراًلكون دول مجلس التعاون الخليجي لا تخضع لاستراتيجية رسمية، مثل سياسة الجوار التي ينتهجها الاتحاد الأوروبي، فإن تطور العلاقات بين الجانبين يتأثر أيضاً بالوقت الذي تخصصه رئاسة الاتحاد الأوروبي وبالجهود التي تبذلها لتعزيز العلاقات المتبادلة. وقد بينت التجارب السابقة أنه خلال فترة الرئاسات التي كانت تمتلك القدرة والتصميم على التركيز على تطوير العلاقات الخليجية- الأوروبية، مثل رئاسة ألمانيا في النصف الأول من عام 2007 ورئاسة فرنسا في النصف الثاني من عام 2008، كانت هناك إمكانيةلتحقيق مزيد من التقدم باتجاه تعزيز العلاقات المؤسسية بين الجانبين. في حين أن هذا الوضع لم يكن بالضرورة قائماً خلال فترة الرئاسات الأخرى،مما جعل العلاقات الأوروبية- الخليجية تدخل في متاهات كثيرة.
ومع تولي السويد منصب رئاسة الاتحاد الأوروبي ابتداء من يوليو 2009، قام مركز الخليج للأبحاث في دبيومركز الدراسات الشرق أوسطية في جامعة لوند بالسويد، بتنظيم مؤتمر لمدة يومين في الثامن والتاسع من يونيو 2009 في مدينة لوند بالسويد تحت عنوان (الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي: التحديات والآفاق المستقبلية في ظل الرئاسة السويدية للاتحاد). وقد عُقد الاجتماع في إطار مشروع الجسر المخصص لأنشطة التواصل والدبلوماسية العامة بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي بدعم من المفوضية الأوروبية. وقد ركزت معظم النقاشات الدائرة على وضع العلاقات وكيفية حل القضايا الشائكة وإزالة العقبات في ظل الرئاسة السويدية للاتحاد الأوروبي. وشدد المشاركون على أنه في حين أن تطوير العلاقات ليس بالضرورة أن يشكل أولوية رئيسية بالنسبة للسويد نفسها، فإن هناك استعداداً واضحاً لدى المسؤولين السويديين للبحث بعمق وجدية في تعقيدات العلاقات الأوروبية – الخليجية، والمساهمة بشكل أفضل في تحسين تلك العلاقات وتعزيزها. كما ركزت ورشة العمل التي تم تنظيمها في إطار فعاليات المؤتمر على مدى إدراك المسؤولين السويديينللأهمية الاستراتيجية لمنطقة الخليج بالنسبة للاتحاد الأوروبي، وضرورة مواصلة العمل لتعزيز التنمية فيها.
إلا أنه سرعان ما تبين من خلال دراسة إيجابيات وسلبيات العلاقة بين الجانبين أن الإخفاق في إحراز أي تقدم في المفاوضات الدائرة بينهما للتوصل إلى اتفاقية للتجارة الحرة (FTA)كان بمثابة دليل ساطع على وجود أوجه قصور في مجمل العلاقات الخليجية – الأوروبية، وحتى فشلها.فهناك من يرى أن عجز كلا الجانبين عن التوصل إلى نتيجة مثمرة بعد عقدين من المباحثات، ما هو إلا مؤشر واضح إلى حقيقة أن العلاقات المؤسسية بين الجانبين لم تتطور بعد بما فيه الكفاية. إلا أن ما تجب الإشارة إليه هنا هو أنتشخيص الوضع بهذه الطريقة ليس دقيقاً تماماً، خصوصاً إذا ما ألقينا نظرة أكثر شمولاً على الكيفية التي تطورت بها العلاقات بين الجانبين. حتى بالنسبة لمفاوضات اتفاقية التجارة الحرة المعلقة،فإنه يمكن للمرء أن ينظر إلى الأمر من زاوية مختلفة ليتوصل إلى حقيقة مفادها أن الجانبين لم يجريا مفاوضات جدية إلا كنتيجة مباشرة لتحسن العلاقات المؤسسية بينهما.يُضاف إلى ذلك أن اعتبار تعليقالمفاوضات من جانب مجلس التعاون الخليجي كغاية بحد ذاتها هو مجرد قصر نظر. فما حصل كان تدبيراً مؤقتاً يمكن التراجع عنه في أي لحظة.
إن تشبيه الوضع بالكأس نصف الملوءة، والنظر إليها باعتبارها نصف مملوءة وليست نصف فارغة،بات أمراً ملحاً خصوصاً عندما ينظر المرء إلى المبادرات العديدة التي تم طرحها خلال السنوات الخمس الماضية وحدها. هنا أيضاً، ينبغي للمرء ألا يقيّم العلاقات الخليجية- الأوروبية من منظور اتفاقية التعاون المطبقة منذ أكثرمن عقديْن من الزمن،إنما من منظور ما لم يتم تحقيقه إلى الآن. فالأمر لن يكون منصفاً لأن الجانبين لم يكونا خلال غالبية تلك الفترة مستعدّيْن – مؤسسياً أو سياسياً– للتعاون بطريقة موضوعية في مثل هذه المسألة المعقدة باعتبارها اتفاقية لإنشاء منطقة للتجارة الحرة.
رئاسة السويد للاتحاد الأوروبي توفر فرصة ذهبية لتسوية المسائل العالقة
فما حصل في الحقيقة هو أن العلاقات بين الجانبين نمت وتطورت على كافة الجبهات باستثناء جبهة اتفاقية التجارة الحرة. فقد تضاعف الميزان التجاري الإجمالي أكثر من مرتين خلال السنوات الخمس الماضية، وظل الاتحاد الأوروبي أكبر شريك تجاري لمجلس التعاون الخليجي. وجرت العادة أن يتم عقد اجتماعات وزارية سنوية بانتظام،كانت بياناتها الختامية تكشف عن وجود تقارب نسبي في وجهات النظر بشأن معظم القضايا المطروحة. كما يجري حالياً عقد العديد من اجتماعات الخبراء في مجالات التعاون البيئي والطاقة والتعليم ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. ويوجد حالياً مكتب للمفوضية الأوروبية في العاصمة السعودية الرياض منذ عام 2004، وهناك مقترحات يجري النظر فيها لفتح مكاتب إضافية في دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى. كما يوجد تبادل منتظم على صعيد الكثير من خطط تكامل مجلس التعاون الخليجي، بدءاً من طرق تحسين الاتحاد الجمركي إلى تطبيق قواعد السوق المشتركة، إلى العمل بالعملة الخليجية الموحدة.حتى إنه كانت هناك مشاورات أيضاً تخص قيام مجلس التعاون الخليجي بتطوير سياسة الجوار الخاصة به، والتعلم من التجارب الأوروبية. وما يكمّل هذه العملية ويعززها هو وجود مزيد من الاتصالات على الصعيدين الخاص وغير الحكومي. وبعيداً عن كون تطور العلاقات الخليجية – الأوروبيةصورة من الصور التي تعكس الإخفاق والفشل، فإن ما يمكن قوله بالتالي هو أن هذه العلاقات هي علاقات حيوية للغاية، خصوصاًإذا ما أخذنا في اعتباراتنا تطور العلاقات الذي شهدته السنوات القليلة الماضية. فأوروبا تظل من كافة الجوانب،ذات أهمية محورية لمنطقة الخليج وشريكاً رئيسياً لها.
ومع ذلك، لم تتطور العلاقات بين الجانبين لتبلغ مداها، ويمكن اعتبار ما تم تحقيقه في أحسن الأحوال بمثابة نقطة انطلاق جيدة. وما نخلص إليه هنا هو أن هناك إجماعاً في الآراء على أن التزام الجانبين يجب أن يكون أكثر وضوحاً، وأنه يتعين عليهما بذل مزيد من الجهود المتضافرة لتحويل العلاقات إلى أكثر من مجرد عبارات ومقترحات بسيطة.
ضرورة البحث عن القضايا المشتركة
إن السمة الطاغية على العلاقات الأوروبية – الخليجية،سواء في أحسن الأحوال أو أسوئها، هي عدم قدرة الجانبين على التوصل الى اتفاق بشأن إقامة منطقة للتجارة الحرة . ففي حين أكد المجلس المشترك (الأوروبي – الخليجي) في اجتماعه الذي عقد في العاصمة العمانية مسقط في نهاية إبريل 2009 على التزام واسع النطاق من كلا الجانبين بتوسيع وتعميق العلاقات بينهما خارج نطاق اتفاقية التجارة الحرة، لا تزال هذه المسألة تخيّم على علاقات الجانبين كالسحابة السوداء التي لا يمكن حجبها. ولهذا سيتحتم على الجانبين مواصلة تضافر الجهود المبذولة لتسوية المسائل العالقة وتقديم مقترحات توفيقية تعمل على حلحلة المأزق الحالي. وهناك تصور داخل دول مجلس التعاون الخليجي مفاده أن مساهمة الاتحاد الأوروبي لا تزال حتى هذه اللحظة قليلة من حيث المساعدة على دمج دول المجلس في الأسواق العالمية، وأن الاتحاد لا يمارس المرونة المطلوبة أبداً في ما يخص وضعه التجاري. ولا شك في أن هذا الموضوع يندرج من ضمن جملة الموضوعات التي تحتاج إلى معالجة سريعة. وطالما أنه لم يتم التوصل إلى حل هذه المسألة ككل، فمن المرجح أن تظل مجالات التعاون الأخرى التي يمكن الدفع بها قدماً، تراوح مكانها. وما نود قوله هنا بصراحة، هو أن عدم مرونة السياسات الاقتصادية الحالية كان بمثابة عقبة تحول دون تحقيق الأهداف السياسية على نطاق واسع.
تعليق المفاوضات الأوروبية-الخليجية كان تدبيراً خليجياً مؤقتاً يمكن التراجع عنه في أي لحظة
ولا شك في أن إعلان الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي عبدالرحمن العطية في نهاية عام 2008 عن تعليق محادثات التجارة الحرة من جانب واحد كان مفاجئاً للاتحاد الأوروبي، إلا أن الأمر ينبغي ألا يكون كذلك؛ فما حصل في الحقيقة هو أن هذه المحادثات، على الرغم من تعقيدها وتفصيلاتها، ظلت متواصلة لفترة طويلة جداً، إنما دون التوقف عن ترداد مقولة أن هذا العام هو العام الذي سيشهد التوصل إلى توقيع الاتفاقية النهائية وذلك منذ عام 2003. وقد شعر مجلس التعاون الخليجي بأنه كان بمثابة الطرف الذي يتعين عليه دائماً تقديم كل التنازلات، وأن المفاوضات كانت تسير وعلى نحو متزايد لمصلحة جهة واحدة، إذ كان الاتحاد الأوروبي يكثر من طلباته في حين كان المطلوب من مجلس التعاون أن يلبيها. وهكذا ومن دون قدر كاف من المرونة من جانب الاتحاد الأوروبي، باتت إمكانية استمرار المحادثات ضعيفة للغاية؛ فما كان من مجلس التعاون الخليجي إلا أن اتخذ قراراًبوقفها من جانبه.
لكن ما يبعث على التفاؤل هو حقيقة أنه على الرغم من تعليق المفاوضات بشكل رسمي، فإن المباحثات ظلت متواصلة بين الجانبين، ولكن من دون طابع رسمي، من خلال عقد عدد من الجلسات خلال النصف الأول من عام 2009. جاء ذلك في أعقاب التزام الجانبين في اجتماع المجلس المشترك في مسقط بمواصلة هذه المباحثات. وهناك توقعات على نطاق واسع تشير إلى أن المفاوضات الرسمية لن تُستأنف إلا في حال كانت هناك مؤشرات واضحة تدل على أنها ستتكلل بالنجاح من خلال التوصل إلى اتفاق نهائي. وفي هذا السياق، يبدو أن مسألة الرسوم الجمركية على الصادرات هي النقطة الرئيسية الشائكة. ورغم تسليط الضوء على حقوق الإنسان والديمقراطية باعتبارها العائق الرئيسي من الجانب الخليجي الذي كان يعتبرها تدخلاً مباشراً في سيادته الوطنية، إلا أنه ينبغي أن يتم النظر إليها باعتبارها مسألة ثانوية يمكن حلها من خلال المفاوضات الدبلوماسية. وإذا كان من شيء تقوم دول المجلس بالضغط لتغيير لهجة الحديث عنه، فهو ذو طبيعة اشتراطية، أي فكرة أن يقوم الاتحاد الأوروبي بالاحتفاظ بحقه في تعليق الاتفاقية أو أجزاء منها في حال وجود مزاعم تشير إلى انتهاكات لحقوق الإنسان من الجانب الخليجي. إلا أن هذا الأمر ليس مثار خلاف أساسي يمكن أن يتسبب في فشل المفاوضات في نهاية المطاف.
أوروبا تظل من كافة الجوانب ذات أهمية محورية لمنطقة الخليجوشريكاً رئيسياً لها
ونظراً لالتزام السويد بالسعي للتوصل إلى نهاية سريعة لجولة مباحثات الدوحة التجارية ولدمج منطقة الشرق الأوسط باعتبارها من الأسواق الناشئة الرئيسية، فإن رئاسة السويد للاتحاد الأوروبي توفر فرصة ذهبية لتسوية المسائل العالقة، أو على الأقل للحفاظ على مستويات الاتصال المفتوحة، على أمل أن يتم حل العقدة الأخيرة في هذه المسألة المزمنة. وما هو مهم هنا هو وجود تنسيق وثيق بين رئاسة الاتحاد الأوروبي والمفوضية الأوروبية لتقديم مقترحات بناءة لدول مجلس التعاون الخليجي. ونظراً لسجل السويد الحافل بإيجاد حلول ودية للمسائل العالقة، فإن جهودها في التوصل إلى نتيجة مثمرة لمحادثات اتفاقية التجارة الحرة، يمكن أن تكون بمثابة الوصفة السحرية التي تعالج الأمر.
وبعيداً عن مسألة اتفاقية التجارة الحرة، بات واضحاً أن الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي يعتبران نفسيهما بمثابة شريكين محتملين على صعيد مجموعة كاملة من القضايا الاقتصادية الأخرى، خصوصاً في ضوء الأزمة الاقتصادية والمالية العالمية الحالية. وكون الجانبين يمثلان كتلتين متكاملتين جيداً، يمكن تعزيز التنسيق بينهما في مجالات الحوكمة الاقتصادية ودور صناديق الثروة السيادية وإجراءات المتابعة بشأن الأفكار التي صيغت حول كيفية التعامل مع الأزمة المالية الحالية. وطالما أن المناقشات التي جرت في قمة مجموعة الـ 20 التي عقدت في مدينة بيتسبرغ بالولايات المتحدة في سبتمبر الماضي كانت بمثابة خطوة في الاتجاه الصحيح، فستكون هناك حتماً حاجة مستمرة لتحسين طرق معالجة الأزمة الهيكلية الناجمة عن الاضطراب المالي الحالي، وتقييم مقترحات الإصلاحات وفاعليتها. ولا شك في أن الاستئناف الفوري للحوار الاقتصادي بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي من شأنه أن يكون إحدى المقاربات التي ينبغي العمل بها، وهذا هو بالتأكيد أحد المجالات التي يمكن للسويد أن تسهم فيها بفاعلية.
كما تشكل قضايا الأمن والطاقة والبيئة مجالات أخرى للتعاون الرامي إلى تعزيز العلاقات بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي. فمن ناحية، هناك اتفاق واسع النطاق على ضرورة المضي قدماً باتجاه نظام ما بعد (كيوتو)، والتوصل إلى اتفاق شامل في محادثات المناخ في كوبنهاغن في الفترة المقبلة. ومن ناحية أخرى، هناك فرصة لإقامة شبكات متينة في مجال الطاقة النظيفة واستخدام الطاقة الشمسية، وإمكانية التقدم في مجال حجز وتخزين الكربون، حيث يتم بموجبها استخدام أفضل لشبكات الخبراء ولتبادل المعلومات بين المؤسسات في كلا الجانبين. ولا شك في أن الاتفاق على أن تكون أبوظبي مقراً جديداً للوكالة الدولية للطاقة المتجددة (إيرينا) (IRENA) يوفر فرصة جيدة للتعاون مع دول مجلس التعاون الخليجي على صعيد اتخاذ تدابير منسقة واعتماد مقاربات مشتركة بشأن مسألة التغيرات المناخية. ويجب العمل هنا على الدخول في مباحثات ترمي إلى إنشاء مركز أوروبي – خليجي مشترك لتكنولوجيا الطاقة لتنفيذ مشاريع تعاونية مشتركة. كما ينبغي بذل مزيد من الجهود لتعزيز التعاون في مجالات البحث والدراسة المتعلقة بحجز وتخزين الكربون.
ومن مجالات التعاون المهمة الأخرى، هناك مجال البحث والتطوير، حيث ينبغي التفكير جدياً في إنشاء شبكة فعالة لنقل المعارف والخبرات. وطالما أن الاتصالات الأولية قائمة بين أفراد ومؤسسات من الجانبين الأوروبي والخليجي، فمن الضروري أن يتم العمل على جعل هذه الاتصالات تجرى ضمن أطر ذات طابع رسمي، وهو ما من شأنه أن يساهم فعلاً في تنمية المجتمعات بطريقة متبادلة المنفعة. وهنا، يمكن للتعاون الفعال في مجالات البحث المختلفة أن يؤدي إلى إحراز تقدم كبير في عدد من المجالات الحيوية مثل الطاقة والبيئة، والتي تعد بالفعل واحداً من مجالات العلاقات التي التزم الجانبان بقوة بتعزيزها. وهناك أيضاً ضرورة لاستكشاف أسباب انخفاض نسبة مشاركة طلاب وأعضاء هيئة تدريس جامعات دول مجلس التعاون الخليجي في برامج الاتحاد الأوروبي، إذ إن هذا الأمر يشكل واحداً من أوجه القصور في الجهود الرامية الى تعزيز برامج التبادل العلمي وتحسين مستوى حرية التبادل الثقافي، وحتى إلى وجود قدر أكبر من التقارب في صنع القرارات والسياسات.
وهناك أفكار محددة تشمل إعادة بدء مشروع الدراسات الخليجية/الدراسات الأوروبية الذي كان على وشك التنفيذ في نهاية التسعينات من القرن الماضي وتندرج دول مجلس التعاون الخليجي فيه ضمن الأطر المتعاقبة للمديرية العامة للأبحاث التابعة للمفوضية الأوروبية. ولتفادي إمكانية أن يصبح هذا الأمر قضية تمويلية، يمكن إنشاء صندوق مخصص لتلقي المساهمات المالية من الاتحاد الأوروبي ودول مجلس التعاون الخليجي، وكذلك من مصادر من القطاع الخاص. وأخيراً، يجب أن تكون هناك إمكانية لتشكيل مجموعة عمل تقدم تقريراً مفصلاً عن التقدم المحرز في إطار زمني محدد.
وعلى القدر نفسه من الأهمية، هناك مجال الثقافة والدبلوماسية العامة التي ستكون بمثابة أساس متين لتحسين مستوى التفاهم وتبادل وجهات النظر بين الناس من كلا الجانبين. وكما ذكرنا سابقاً، يجب العمل على تطبيق مزيد من الخطط الملموسة في مجال تبادل الطلاب والأكاديميين، خصوصاً أن مستوى الاتصال المباشر في هذا المجال ضعيف حالياً. فخلال ورشة العمل التي تم تنظيمها في جامعة لوند، على سبيل المثال، أكدت وزيرة التجارة السويدية إيوا بيورلينغ بوضوح على رغبة السويد في مثل هذا التبادل من أجل القضاء على ما وصفته بصراع الجهل الذي لا يزال قائماً. وهناك أيضاً مسألة تعزيز نظرة شعوب المنطقة إلى الاتحاد الأوروبي وذلك لزيادة فاعلية العلاقة معه، والتشديد على الحجة القائلة بأن استمرار العلاقات الثنائية بين الجانبين أمر ضروري، لكنه غير كاف في نهاية المطاف. وهناك مسألة أخرى تتعلق بتحرير أنظمة تأشيرات دخول دول الاتحاد الأوروبي، وهي مسألة ظلت تثير كثيراً من القلق بين دول مجلس التعاون الخليجي، ولهذا ينبغي البحث فيها في الاجتماعات المشتركة بين الجانبين. ويمكن القول، في الوقت ذاته، إن مشاركة المجتمع المدني بين الجانبين تشهد نمواً مطرداً، كما يتضح من مشروع الجسر الذي يجمع بين عدة مؤسسات من كلتا المنطقتين. ولا شك في أن هذا أمر يمكن البناء عليه لمعرفة مدى إمكانية وجود مزيد من التعاون بين الجانبين وفائدته.
وبعيداً عن الجوانب الاقتصادية والاجتماعية، فإن المناخ السياسي الحالي في كلتا المنطقتين وحول العالم، يتطلب وجود التزام قوي بتعزيز العلاقات بين الاتحاد الأوروبي ودول مجلس التعاون الخليجي. فما زال الأمن في منطقة الخليج متقلباً إلى حد كبير، وما أدى إلى تفاقم الوضع في المنطقة هو حالة عدم الاستقرار التي يشهدها الداخل الإيراني في أعقاب الإعلان عن نتائج الانتخابات الرئاسية المثيرة للجدل، والتي كان من نتيجتها بروز توجهين مضادين حول مستقبل الجمهورية الإسلامية في إيران. بالإضافة إلى ذلك، هناك مجالات حساسة كالإرهاب وعدم الانتشار النووي، والاستقرار في اليمن، والقرصنة في خليج عدن، والوضع في أفغانستان/ باكستان، وهي أمور تندرج في سلم أولويات أجندة كل من أوروبا ودول مجلس التعاون الخليجي. وفي ما يخص كل هذه المسائل، يجب أن يكون هناك حوار وثيق بين الجانبين وذلك للتركيز على اعتماد نهج موحد. وفي هذا السياق، من المهم جداً ألا يُنظر إلى أوروبا على أنها ستقوم بدور بديل عن الدور المركزي الذي لا تزال تطلع به الولايات المتحدة في المنطقة. فإذا اعتقدت دول مجلس التعاون الخليجي أنه يمكن لأوروبا أن تحل محل الولايات المتحدة باعتبارها القوة الخارجية الرئيسية في منطقة الخليج، فإنها ستكون قد أساءت بالكامل فهم القدرات الأوروبية الحالية فضلاً عن نواياها. ولا شك في أن البديل عن ذلك، هو الاعتراف بدور أوروبا باعتباره دوراً مكملاً في المنطقة يوفر قنوات دبلوماسية إضافية يجب استغلالها على نحو أفضل.
وبالنظر لمختلف التحديات التي يواجهها الأمن الإقليمي في منطقة الخليج، فمن المرجح أن تشهد فترة الرئاسة السويدية للاتحاد الأوروبي موجة من النشاط الدبلوماسي، خصوصاً في ضوء حقيقة أن الإدارة الأمريكية في عهد الرئيس باراك أوباما مستعدة للتعاون على نحو أفضل مع كل من حلفائها الأوروبيين وشركائها الخليجيين للمضي قدماً باتجاه اتخاذ مواقف مشتركة. ولا شك في أن هذا الأمر بالغ الأهمية لا سيما أن دول مجلس التعاون الخليجي والاتحاد الأوروبي تشترك في وجهات النظر نفسها بشأن كافة القضايا الإقليمية الرئيسية المعلقة – سواء كانت تتعلق بالبرنامج النووي الإيراني أو الاستقرار في كل من العراق وأفغانستان، أو ضرورة العمل على منع تفكك اليمن خشية انهياره كدولة. إلا أنه لا تزال هناك ضرورة ملحة كي يعزز مجلس التعاون الخليجي والاتحاد الأوروبي أواصر التعاون بينهما على نحو أفضل، من أجل وضع أجندة مشتركة، وأيضاً من أجل نقل تلك الرسالة إلى كل من الشركاء والخصوم على حد سواء. ولا شك في أن آثار الإخفاق في المضي قدماً نحو شكل من أشكال القرار المشترك ستظل حاضرة طيلة السنوات القليلة المقبلة وستدفع ثمنها كافة الأطراف المعنية. وهذا يشمل بالطبع تحديد أولويات القضايا التي ينبغي التعامل معها قبل أن تظهر عواقبها الوخيمة.
هذا التعاون هو بيت القصيد تحديداً بالنسبة لنشر الأسلحة النووية في منطقة الخليج، لا سيما أنها قد تشهد عدداً من المفاجآت غير السارة التي يصعب التكهن بنتائجها ما دامت قضية البرنامج النووي الإيراني لم تُحل بشكل مرضٍ للجميع. ومن الواضح تماماً أن المصداقية الدولية وليست مصداقية الاتحاد الأوروبي فحسب، باتتا على المحك ما دامت إيران متعنتة في موقفها الرافض للعمل بشفافية كاملة في ما يخص برنامجها النووي. فسياسة الجزرة والعصا التي يجري الحديث عنها حالياً باعتبارها تشكل جوهر الإطار الحالي للتعامل مع إيران، لم تسفر حتى الآن عن أي تقدم يذكر، وباتت بالتالي غير مقبولة. كما أن عملية العزل والاحتواء الكامل هي عملية غير مجدية أيضاً لأنها تترك إيران دون أي مصلحة في استمرار الوضع الراهن، وتدفعها إلى إعطاء الأولوية للتفكير بالاكتفاء الذاتي. ولا بد من الاستنتاج هنا أن فرص الحلحلة باتت بشكل عام محدودة وربما تزول بسرعة.
هناك أخيراً، قضية أمن الخليج، وماهية سياسة الخطوة خطوة التي يمكن التفكير بها للانتقال من حالة الخلافات الإقليمية الراهنة إلى حالة من الاستشراف بالمستقبل تقوم على البناء على الأهداف المتفق عليها بين جميع الأطراف. وقد تم وضع مقترحات عدة بشأن هيكليات أمنية خليجية مختلفة، إلا أنها لم تؤد إلى نتائج ملموسة. ونظراً لكون الرئاسة السويدية للاتحاد الأوروبي تمتلك خبرة طويلة في حل النزاعات الإقليمية ودعم الجهود الدبلوماسية، فلا شك في أن بإمكانها أن تساعد مجدداً على توفير مثل هذه النقاشات والحوارات مع إعطائها زخماً جديداً. وبشكل عام، يجب أن تكون هناك أيضاً محاولة للتفكير على نطاق أوسع بشأن الخطوط العريضة لمستقبل نظام أمني خليجي يمكن تطبيقه بمشاركة كافة الدول المطلة على الخليج.
وبالرجوع إلى قائمة القضايا والمسائل التي تم التطرق إليها سابقاً، نورد فيما يلي جملة من التوصيات على أمل أن يتم النظر فيها من قبل الرئاسة السويدية الحالية للاتحاد الأوروبي أو الرئاسة التي ستخلفها:
* إبرام اتفاقية التجارة الحرة لإزالة الحواجز والعقبات: يجب أن يكون عمق الحوار القائم متوافقاً مع الالتزامات التي تم التعهد بتنفيذها. فهناك إرادة سياسية قوية لدى الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي للدفع قدماً بمسيرة التعاون بينهما، رغم أن العلاقات بينهما لم تصل بعد إلى مداها الكامل، وهو ما يجسده الإخفاق في إبرام اتفاقية التجارة الحرة التي طال انتظارها. وفي هذا السياق، من الضروري أن يتم العمل على تحريك الوضع الحالي للعلاقات من إطار السياسة إلى إطار السياسات الفعلية التي يمكن تنفيذها بفاعلية من قبل الجانبين. ولا شك في أن التوصل إلى اتفاقية للتجارة الحرة أمر حاسم في هذا الصدد، لأنه سيؤدي إلى إطلاق الموارد وتركيز الطاقات وتعزيز العلاقات السياسية إلى مستوى جديد من المشاركة.
* وضع خطوط عريضة لأجندة مترقبة: تأتي الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي عادة بجدول زمني للأنشطة التي تريد القيام بها خلال فترة ولايتها التي تمتد إلى ستة أشهر. وطالما تكون هناك بطبيعة الحال قضايا عدة تخص أوروبا نفسها، وتتطلب اهتماماً فورياً – كالتوصل الى معاهدة لشبونة في الوقت الراهن، على سبيل المثال – فيجب أن تكون هناك أيضاً أجندة واضحة وموجزة تخص قضايا العلاقات الخارجية. وإذا كانت الرئاسة السويدية تسعى إلى توثيق العلاقات مع دول مجلس التعاون الخليجي، فإنه ينبغي عليها أن تضع قائمة بأولوياتها الرئيسية التي تتعلق بعلاقاتها مع تلك الدول، وأن تعلن موقفها من القضايا الرئيسية التي تتعين عليها معالجتها.
* المشاركة في المناقشات الخاصة بالقضايا الإقليمية: يشكل تطور الأحداث في أفغانستان/ باكستان والعراق وإيران واليمن عاملاً رئيسياً بالنسبة لمستقبل أمن الخليج. ونظراً لكون هذه الدول تشكل جواراً مباشراً لدول مجلس التعاون الخليجي، ولسعي هذه الأخيرة إلى الحفاظ على مصالحها الوطنية التي باتت عرضة للتهديد، تظل هناك حقيقة مفادها أن دول مجلس التعاون الخليجي تمتلك قدرات محدودة لا تمكّنها من التأثير كثيراً في التطورات الحاصلة على أرض الواقع، وتنفيذ بعض ما تتوخاه من بنود على أجندتها. ورغم قيام الجانبين بطرح عدد من المبادرات، إلا أن تبادل وجهات النظر بينهما لم يكن بتلك الفاعلية. ومع ذلك، ستظل مواقف ومصالح الجانبين خارج المناقشات الأوسع نطاقاً ما لم يتم اعتماد نهج مشترك بينهما. وفي إطار مجموعات العمل المقترحة أدناه، ستكون هناك إمكانية لتحسين تبادل الخبرات وتسليط الضوء على النهج المشترك. فعلى سبيل المثال، ربما يمكّن هذا التبادل دول مجلس التعاون الخليجي من نقل خبرتها في العمل مع إيران، وتحديد ماذا سيكون عليه البديل في حال فشل الجهود الدبلوماسية النووية الحالية. ومن شأنه أيضاً أن يسمح لدول مجلس التعاون الخليجي بأن تعلن عن مفهومها الشامل لأمن منطقة الخليج.
* تشكيل مجموعات عمل مشتركة: في سياق ما ورد أعلاه، ينبغي أن يقوم الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي بإنشاء مجموعات عمل لوضع أجندة مشتركة، وتنسيق السياسات والبحث عن نهج يمكن أن يكون له أثر بناء على أرض الواقع. ونظراً لاتساع طيف القضايا التي يمكن أن تشكل أساساً لعلاقة أوروبية – خليجية بناءة، فإنه ينبغي تشكيل مجموعات عمل رسمية في المجالات الرئيسية التي تشمل السياسات الاقتصادية والطاقة وقضايا البيئة والأمن الإقليمي، وكذلك التعاون في مجال التربية والتعليم. ويمكن لمجموعات عمل من هذا القبيل أن تجمع بين كبار المسؤولين من كلا الجانبين، فضلاً عن الخبراء لإضفاء الطابع الرسمي على المناقشات الدائرة بينهما ووضع خطط عمل ذات صلة. ولا شك في أن أمراً كهذا من شأنه أن يكون نهجاً أكثر تنظيماً يمكنه أن يحل محل النهج الخاص الذي يحكم جوانب العلاقات في الوقت الراهن.
وفي الختام، لا بد من الإشارة إلى أن هناك ضرورة قصوى للتركيز على القضايا الأكثر إلحاحاً لوضع نهج موحد وصوْغ سياسات مشتركة، إنما من دون أن يغيب عن بال الجانبين ضرورة وجود ركائز قوية لاستمرارية المشاركة واستدامتها. وأخيراً، شدّد مؤتمر (لوند) على حقيقة أن هناك الكثير من التوصيات الرامية إلى الدفع قدماً بمسيرة العلاقات بين الاتحاد الأوروبي ودول مجلس التعاون الخليجي.
::/fulltext::
::cck::875::/cck::
