الأمن الغذائي في التجارة الزراعية الخليجية والأزمة الاقتصادية العالمية

::cck::858::/cck::
::introtext::

إن التحديات التي تواجه الأمم الحية قد تذهب وتبتعد وبعضها يبقى ويصمد وهو يمثل تحدياً مستمراً، ويشكل تهديداً خطيراً للبقاء والنمو، فالأمن الغذائي في الدول العربية بشكل عام وفي دول مجلس التعاون الخليجي بشكل خاص، كما تؤكد المؤشرات، أصبح تحدياً خطيراً منذ بداية الثمانينات من القرن المنصرم، بل إن هذا النوع من الأمن بات يتحدانا في الصميم وهو ما يدفعنا دائماً إلى التساؤل: ما العمل؟

::/introtext::
::fulltext::

إن التحديات التي تواجه الأمم الحية قد تذهب وتبتعد وبعضها يبقى ويصمد وهو يمثل تحدياً مستمراً، ويشكل تهديداً خطيراً للبقاء والنمو، فالأمن الغذائي في الدول العربية بشكل عام وفي دول مجلس التعاون الخليجي بشكل خاص، كما تؤكد المؤشرات، أصبح تحدياً خطيراً منذ بداية الثمانينات من القرن المنصرم، بل إن هذا النوع من الأمن بات يتحدانا في الصميم وهو ما يدفعنا دائماً إلى التساؤل: ما العمل؟

لا بد من التسليم بأن الإمكانات الزراعية في دول مجلس التعاون الخليجي مجتمعة تكشف عن عجز في الميزان التجاري الزراعي لها سواء أكانت منفردة أم مجتمعة، وهو ما يترتب عليه استمرار لهذا التحدي ومن ثم الاعتماد على الآخرين في سد العجز الغذائي، وقد تفاقم هذا الوضع في ظل الأزمة الاقتصادية والمالية بعد ارتفاع الأسعار العالمية للقمح والذرة وفول الصويا بنسبة (90 في المائة) و(20 في المائة) و(80 في المائة) على التوالي، بالإضافة إلى تدني المخزون العالمي من الحبوب، مع الإشارة إلى أن دول المجلس هي أقل تأثراً من بقية الدول العربية الفقيرة التي تملك القدرة على شراء الغذاء بسهولة مثلما هي حال الاقتصادات الخليجية.

هناك انعكاس للأزمة الاقتصادية العالمية على الأمن الغذائي في دول العجز الغذائي 

لكن هذه المجموعة العربية بدأت تدرك باهتمام مطلق الأمن الغذائي باعتباره موضوعاً يتعلق بالسيادة والأمن الوطني الخليجي، وتبعاً لذلك أخذت تسعى إلى تأمين احتياجاتها من الغذاء وبما يمثله ذلك من استنزاف متزايد للثروة الوطنية في صفة الاحتياطيات من الصرف الأجنبي.

ولا شك في أن هناك انعكاساً للأزمة الاقتصادية العالمية على الأمن الغذائي في دول العجز الغذائي، وتقف العديد من الأسباب لعل أبرزها:

 أولاً: مشكلة البيئة التي نجمت عن ممارسات الدول الصناعية في مجال تغير المناخ، وتبعاً لذلك تفاقمت ظاهرة الاحتباس الحراري (Greene House Effects) وهو ما انعكس سلباً على الأراضي الجافة التي تنمو فيها نصف الحبوب (الحنطة، الشعير، الذرة والأرز) كما هي الحال في مناطق حزام الرياح الموسمية أو التي يميل فيها المطر إلى التقلب ضمن مستوى واطئ (200-600 ملم) سنوياً وهو ما سوف يطلق العنان إلى حصول كارثة غذائية، إلى جانب ذلك السوق العالمية للحبوب التي تسيطر عليها الدول المتقدمة بشكل عام والولايات المتحدة بشكل خاص، ومن ثم إذا حدث أي مستوى من الإخفاق في إنتاجها في أي منطقة تقع ضمن مناطق الإنتاج ستكون لها ردود أفعال عنيفة على أسعار الغذاء في كل أطراف العالم، كما حصل عام 1973. ولعل لغة الأرقام تلعب دوراً إقناعياً أكثر من الحديث المرسل، فطبقاً إلى (The International Grains Council) في عام 2007 بلغ إنتاج القمح نحو (603) ملايين طن متري، في حين بلغ الاستهلاك العالمي نحو (611) مليون طن متري، فالفرق بينهما والبالغ عشرة أطنان كان كافياً لزيادة أسعار القمح عالمياً من (119) دولاراً للطن المتري الواحد عام 2000 إلى (249) دولاراً في أكتوبر عام 2007.

 ثانياً: انخفاض مخزونات القمح التي وصلت إلى أدنى المستويات في بداية القرن الحالي نتيجة للتغير في السياسات الزراعية في كل من الولايات المتحدة واليابان، وهذه الدول لم تعد تشجع مزارعيها على زيادة الإنتاج أو دعم الصادرات بقدر ما تستخدم المضاربات في أسواق السلع الأساسية واستخدام صناديق التحوط للمراهنة على ارتفاع الأسعار نتيجة لزيادة الطلب العالمي على الغذاء.

 ثالثاً: فرضت بعض الدول قيوداً على الصادرات لضمان عدم خسارة أسواقها المحلية بسبب المضاربة، وهو ما سبب شحاً في واردات الدول التي تعاني عجزاً غذائياً.

 رابعاً: الممارسات الاحتكارية التي تقوم بها الولايات المتحدة في مجال تجارة القمح، ويمكن أن نلمس ذلك في تصريح قديم لأحد الخبراء الأمريكيين عندما قال (إن أزمة النفط ستظهر دائماً بمثابة حادث طارئ وبسبب أزمة غذائية وفي تلك الحالة نمتلك في أيدينا كل الأوراق الرابحة). إن هذا التصريح له دلالاته فالغذاء في قبضة الولايات المتحدة التي تنتج نحو 56 مليون طن متري من القمح من مجموع الإنتاج العالمي المشار إليه في عام 2007 وهو ما يمثل نسبة 10 في المائة من الإنتاج العالمي.

وخلاصة ذلك أن النقص في إمدادات السوق العالمية للحبوب سيؤدي إلى احتكار عرض هذه السلع الغذائية الخطيرة ومن ثم سيجعل الدول الخليجية المستوردة الصافية لها تدفع فاتورة عالية للواردات منها.

النقص في إمدادات السوق العالمية للحبوب سيؤدي إلى احتكار عرض هذه السلع الغذائية الخطيرة

وتأسيساً على ذلك فإن مخاطر الأزمة الاقتصادية العالمية ربما تحتاج إلى شيء من التفصيل لإيضاح التحديات المستقبلية للأمن الغذائي في دول مجلس التعاون الخليجي، ويعد مدخل التجارة الزراعية الخليجية مهماً لبيان مؤشرات هذه التجارة. وفي هذا الصدد يشير الجدول التالي إلى هيكل التجارة الزراعية الخليجية في إجمالي التجارة الخارجية لدول مجلس التعاون.

 الأهمية النسبية للتجارة الزراعية الخليجية في إجمالي التجارة الخارجية لعام 2004 

الدولة

البيان

الصادرات الزراعية%

الواردات الزراعية%

الإمارات

0,86

5,44

البحرين

1,54

7,8

السعودية

0،76

15,0

عمان

5،10

17،13

قطر

0،03

2،92

الكويت

0،42

7،63

على المستوى الخليجي

1.45

9،32

 المصدر: التقرير الاقتصادي العربي الموحد – 2006 – ص (285 – 339)

 ولا تقتصر جوانب الضعف على ما ذكر فهناك جوانب ضعف كثيرة تعود في معظمها إلى اتجاهاتها، فهي ضعيفة بينياً وذات تركيز كبير نحو الخارج بالإضافة إلى التباين الكبير في قيم وحدة التصدير والاستيراد من السلع الزراعية وما يترتب عليه من عجز مستمر في ميزان التجارة الزراعية لدول المجلس، إذ تبلغ نسبة الصادرات الزراعية إلى الواردات الزراعية أقل من 10 في المائة في كل من الإمارات، البحرين، السعودية، قطر والكويت وأكثر من ذلك بقليل في سلطنة عُمان، وهي بذلك تعد من أكثر المناطق في العالم اعتماداً على المصادر الخارجية في تأمين الجزء الأكبر من احتياجاتها الزراعية سواء كانت سلعاً غذائية أو مدخلات للإنتاج الزراعي، وبخصوص اتجاهاتها هناك اعتماد كبير على الخارج وبالأخص الدول المتقدمة كمصادر للتموين الرئيسية.

 أبعاد مشكلة الأمن الغذائي الخليجي

إن البعد الزمني له أهمية بالغة في قياس ضخامة حجم مشكلة الأمن الغذائي في دول المجلس، فمثلما أن وضع هذا الأمن غير مؤمن في الوقت الحاضر، فإن الأمر على المستوى البعيد هو الآخر يحمل مخاطر عديدة لا يمكن السيطرة عليها بسبب الارتفاع الحاد في أسعار السلع الأساسية (الحنطة، الشعير والأرز)  وعدم الاستقرار في سعر صرف الدولار وتصاعد التضخم العالمي والمحلي ونلمس حجم هذا التحدي على المستويين:

 المستوى القصير:

قد تكون دول مجلس التعاون قادرة على تسديد فاتورة استيراداتها من المواد الغذائية، وتشير سلسلة زمنية مختارة للمدة (1997-2004) إلى أن هناك عجزاً غذائياً بلغ كمتوسط أكثر من (200) دولار لكل مواطن خليجي، ويعزز ذلك نسبة الواردات الغذائية لكل مواطن إلى نصيبه من الناتج المحلي الإجمالي لعام 2004 وهو ما يعبر عن القدرة التمويلية للواردات الزراعية الغذائية، فقد سجلت هذه النسبة نحو (0,74 في المائة) قطر، (2,4 في المائة) الكويت، (2,15 في المائة) الإمارات و(3,11 في المائة) البحرين و(2,29 في المائة) لكل من السعودية وعُمان.

المستوى البعيد:

يعطي تحليل السلسلة الزمنية للإنتاج والطلب على الغذاء نسبة أعلى للأولى على الثانية مما يؤدي إلى عجز مستمر في الغذاء على مستوى دول المجلس، حيث تعكس البيانات عن الإنتاج تخلفه الشديد ومن ثم عجزه عن مواجهة الطلب المحلي على الغذاء. فعلى سبيل المثال عربياً لم تتجاوز معدلات نمو الإنتاج الزراعي 2 في المائة خلال السبعينات من القرن المنصرم، بينما كان الطلب يتزايد سنوياً بأكثر من 6,4 في المائة لنفس المدة، وفي الثمانينات كانت المعدلات نحو 1,8 في المائة و6 في المائة، وخلال المدة (1991- 2005) كانت المعدلات نحو 2,3 في المائة و7,2 في المائة على التوالي، وبالتأكيد أن السنوات التالية ليست أفضل بل هي في المنحى المشار إليه في ضوء زيادة معدلات النمو السكاني في دول مجلس التعاون البالغ كمتوسط أكثر من 5,3  في المائة.

 ما العمل؟

لا نريد في هذا المقال المتواضع سوى التذكير بخطورة وضع الأمن الغذائي الخليجي، وضرورة العمل على ديمومة آليات العمل الخليجي المشترك في هذا المجال، وفي مقدمة ذلك زيادة الإنتاج وتحقيق الأمن الغذائي من خلال معالجة القصور في معدلات الاستثمار الزراعي، وأولى هذه الخطوات الرائدة والناجحة التي بدأ البعض من دول المجلس بتنفيذها هي الاستثمارات الخليجية في الدول العربية الزراعية مثل السودان أو في الدول الأجنبية (أستراليا والهند وفيتنام) ودول أخرى، وهذا النوع من الاستثمار أفضل بكثير من الاستثمارات في الأسهم والسندات في القطاعات الخدمية أو في قطاع الإنشاءات والعقارات، التي تعرضت بسبب الأزمة المالية العالمية إلى خسائر باهظة يقدرها البعض بما بين (500-600) مليار دولار، ومن ثم انفجار أزمة ديون دبي العالمية وهي خسائر سوف نندم عليها في قادم الأيام. والخطوة اللاحقة العمل على إنشاء خزين استراتيجي (خليجي –خليجي) و(خليجي – عربي) من الغذاء لتحقيق غايتين: الأولى تقليل درجة تركز السلع الغذائية المستوردة من مصادر التموين ذات القوة التساومية الكبيرة مثل دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. والثانية تجنب المزاحمة عند الشراء في السوق الغذائية العالمية من دول تمتلك قوة مؤثرة أكبر من الدول الخليجية والعربية. وأخيراً التذكير بأن هيمنة النفط على الصادرات الخليجية تعطيها أهمية استراتيجية تنبع من الدور الذي يلعبه النفط كمصدر للطاقة المطلوبة للصناعة المعاصرة وعلى الأقل في المدى القصير لا يضاهي النفط أي مصدر آخر من الطاقة في ناحية تكاليف الإنتاج، لكن تبقى الحقيقة الدائمة القول إن الموارد المالية المتأتية من تصدير النفط والغاز ليست دخلاً بالمعنى الاقتصادي، بل هي تحويل لثروة في باطن الأرض إلى ثروة مالية ومن ثم هي ثروة قابلة للنفاذ ما لم تستغل في تغير ظروف الإنتاج للقطاعات الصناعية والزراعية المترابطة.

 

::/fulltext::

plant-204
Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::858::/cck::
::introtext::

إن التحديات التي تواجه الأمم الحية قد تذهب وتبتعد وبعضها يبقى ويصمد وهو يمثل تحدياً مستمراً، ويشكل تهديداً خطيراً للبقاء والنمو، فالأمن الغذائي في الدول العربية بشكل عام وفي دول مجلس التعاون الخليجي بشكل خاص، كما تؤكد المؤشرات، أصبح تحدياً خطيراً منذ بداية الثمانينات من القرن المنصرم، بل إن هذا النوع من الأمن بات يتحدانا في الصميم وهو ما يدفعنا دائماً إلى التساؤل: ما العمل؟

::/introtext::
::fulltext::

إن التحديات التي تواجه الأمم الحية قد تذهب وتبتعد وبعضها يبقى ويصمد وهو يمثل تحدياً مستمراً، ويشكل تهديداً خطيراً للبقاء والنمو، فالأمن الغذائي في الدول العربية بشكل عام وفي دول مجلس التعاون الخليجي بشكل خاص، كما تؤكد المؤشرات، أصبح تحدياً خطيراً منذ بداية الثمانينات من القرن المنصرم، بل إن هذا النوع من الأمن بات يتحدانا في الصميم وهو ما يدفعنا دائماً إلى التساؤل: ما العمل؟

لا بد من التسليم بأن الإمكانات الزراعية في دول مجلس التعاون الخليجي مجتمعة تكشف عن عجز في الميزان التجاري الزراعي لها سواء أكانت منفردة أم مجتمعة، وهو ما يترتب عليه استمرار لهذا التحدي ومن ثم الاعتماد على الآخرين في سد العجز الغذائي، وقد تفاقم هذا الوضع في ظل الأزمة الاقتصادية والمالية بعد ارتفاع الأسعار العالمية للقمح والذرة وفول الصويا بنسبة (90 في المائة) و(20 في المائة) و(80 في المائة) على التوالي، بالإضافة إلى تدني المخزون العالمي من الحبوب، مع الإشارة إلى أن دول المجلس هي أقل تأثراً من بقية الدول العربية الفقيرة التي تملك القدرة على شراء الغذاء بسهولة مثلما هي حال الاقتصادات الخليجية.

هناك انعكاس للأزمة الاقتصادية العالمية على الأمن الغذائي في دول العجز الغذائي 

لكن هذه المجموعة العربية بدأت تدرك باهتمام مطلق الأمن الغذائي باعتباره موضوعاً يتعلق بالسيادة والأمن الوطني الخليجي، وتبعاً لذلك أخذت تسعى إلى تأمين احتياجاتها من الغذاء وبما يمثله ذلك من استنزاف متزايد للثروة الوطنية في صفة الاحتياطيات من الصرف الأجنبي.

ولا شك في أن هناك انعكاساً للأزمة الاقتصادية العالمية على الأمن الغذائي في دول العجز الغذائي، وتقف العديد من الأسباب لعل أبرزها:

 أولاً: مشكلة البيئة التي نجمت عن ممارسات الدول الصناعية في مجال تغير المناخ، وتبعاً لذلك تفاقمت ظاهرة الاحتباس الحراري (Greene House Effects) وهو ما انعكس سلباً على الأراضي الجافة التي تنمو فيها نصف الحبوب (الحنطة، الشعير، الذرة والأرز) كما هي الحال في مناطق حزام الرياح الموسمية أو التي يميل فيها المطر إلى التقلب ضمن مستوى واطئ (200-600 ملم) سنوياً وهو ما سوف يطلق العنان إلى حصول كارثة غذائية، إلى جانب ذلك السوق العالمية للحبوب التي تسيطر عليها الدول المتقدمة بشكل عام والولايات المتحدة بشكل خاص، ومن ثم إذا حدث أي مستوى من الإخفاق في إنتاجها في أي منطقة تقع ضمن مناطق الإنتاج ستكون لها ردود أفعال عنيفة على أسعار الغذاء في كل أطراف العالم، كما حصل عام 1973. ولعل لغة الأرقام تلعب دوراً إقناعياً أكثر من الحديث المرسل، فطبقاً إلى (The International Grains Council) في عام 2007 بلغ إنتاج القمح نحو (603) ملايين طن متري، في حين بلغ الاستهلاك العالمي نحو (611) مليون طن متري، فالفرق بينهما والبالغ عشرة أطنان كان كافياً لزيادة أسعار القمح عالمياً من (119) دولاراً للطن المتري الواحد عام 2000 إلى (249) دولاراً في أكتوبر عام 2007.

 ثانياً: انخفاض مخزونات القمح التي وصلت إلى أدنى المستويات في بداية القرن الحالي نتيجة للتغير في السياسات الزراعية في كل من الولايات المتحدة واليابان، وهذه الدول لم تعد تشجع مزارعيها على زيادة الإنتاج أو دعم الصادرات بقدر ما تستخدم المضاربات في أسواق السلع الأساسية واستخدام صناديق التحوط للمراهنة على ارتفاع الأسعار نتيجة لزيادة الطلب العالمي على الغذاء.

 ثالثاً: فرضت بعض الدول قيوداً على الصادرات لضمان عدم خسارة أسواقها المحلية بسبب المضاربة، وهو ما سبب شحاً في واردات الدول التي تعاني عجزاً غذائياً.

 رابعاً: الممارسات الاحتكارية التي تقوم بها الولايات المتحدة في مجال تجارة القمح، ويمكن أن نلمس ذلك في تصريح قديم لأحد الخبراء الأمريكيين عندما قال (إن أزمة النفط ستظهر دائماً بمثابة حادث طارئ وبسبب أزمة غذائية وفي تلك الحالة نمتلك في أيدينا كل الأوراق الرابحة). إن هذا التصريح له دلالاته فالغذاء في قبضة الولايات المتحدة التي تنتج نحو 56 مليون طن متري من القمح من مجموع الإنتاج العالمي المشار إليه في عام 2007 وهو ما يمثل نسبة 10 في المائة من الإنتاج العالمي.

وخلاصة ذلك أن النقص في إمدادات السوق العالمية للحبوب سيؤدي إلى احتكار عرض هذه السلع الغذائية الخطيرة ومن ثم سيجعل الدول الخليجية المستوردة الصافية لها تدفع فاتورة عالية للواردات منها.

النقص في إمدادات السوق العالمية للحبوب سيؤدي إلى احتكار عرض هذه السلع الغذائية الخطيرة

وتأسيساً على ذلك فإن مخاطر الأزمة الاقتصادية العالمية ربما تحتاج إلى شيء من التفصيل لإيضاح التحديات المستقبلية للأمن الغذائي في دول مجلس التعاون الخليجي، ويعد مدخل التجارة الزراعية الخليجية مهماً لبيان مؤشرات هذه التجارة. وفي هذا الصدد يشير الجدول التالي إلى هيكل التجارة الزراعية الخليجية في إجمالي التجارة الخارجية لدول مجلس التعاون.

 الأهمية النسبية للتجارة الزراعية الخليجية في إجمالي التجارة الخارجية لعام 2004 

الدولة

البيان

الصادرات الزراعية%

الواردات الزراعية%

الإمارات

0,86

5,44

البحرين

1,54

7,8

السعودية

0،76

15,0

عمان

5،10

17،13

قطر

0،03

2،92

الكويت

0،42

7،63

على المستوى الخليجي

1.45

9،32

 المصدر: التقرير الاقتصادي العربي الموحد – 2006 – ص (285 – 339)

 ولا تقتصر جوانب الضعف على ما ذكر فهناك جوانب ضعف كثيرة تعود في معظمها إلى اتجاهاتها، فهي ضعيفة بينياً وذات تركيز كبير نحو الخارج بالإضافة إلى التباين الكبير في قيم وحدة التصدير والاستيراد من السلع الزراعية وما يترتب عليه من عجز مستمر في ميزان التجارة الزراعية لدول المجلس، إذ تبلغ نسبة الصادرات الزراعية إلى الواردات الزراعية أقل من 10 في المائة في كل من الإمارات، البحرين، السعودية، قطر والكويت وأكثر من ذلك بقليل في سلطنة عُمان، وهي بذلك تعد من أكثر المناطق في العالم اعتماداً على المصادر الخارجية في تأمين الجزء الأكبر من احتياجاتها الزراعية سواء كانت سلعاً غذائية أو مدخلات للإنتاج الزراعي، وبخصوص اتجاهاتها هناك اعتماد كبير على الخارج وبالأخص الدول المتقدمة كمصادر للتموين الرئيسية.

 أبعاد مشكلة الأمن الغذائي الخليجي

إن البعد الزمني له أهمية بالغة في قياس ضخامة حجم مشكلة الأمن الغذائي في دول المجلس، فمثلما أن وضع هذا الأمن غير مؤمن في الوقت الحاضر، فإن الأمر على المستوى البعيد هو الآخر يحمل مخاطر عديدة لا يمكن السيطرة عليها بسبب الارتفاع الحاد في أسعار السلع الأساسية (الحنطة، الشعير والأرز)  وعدم الاستقرار في سعر صرف الدولار وتصاعد التضخم العالمي والمحلي ونلمس حجم هذا التحدي على المستويين:

 المستوى القصير:

قد تكون دول مجلس التعاون قادرة على تسديد فاتورة استيراداتها من المواد الغذائية، وتشير سلسلة زمنية مختارة للمدة (1997-2004) إلى أن هناك عجزاً غذائياً بلغ كمتوسط أكثر من (200) دولار لكل مواطن خليجي، ويعزز ذلك نسبة الواردات الغذائية لكل مواطن إلى نصيبه من الناتج المحلي الإجمالي لعام 2004 وهو ما يعبر عن القدرة التمويلية للواردات الزراعية الغذائية، فقد سجلت هذه النسبة نحو (0,74 في المائة) قطر، (2,4 في المائة) الكويت، (2,15 في المائة) الإمارات و(3,11 في المائة) البحرين و(2,29 في المائة) لكل من السعودية وعُمان.

المستوى البعيد:

يعطي تحليل السلسلة الزمنية للإنتاج والطلب على الغذاء نسبة أعلى للأولى على الثانية مما يؤدي إلى عجز مستمر في الغذاء على مستوى دول المجلس، حيث تعكس البيانات عن الإنتاج تخلفه الشديد ومن ثم عجزه عن مواجهة الطلب المحلي على الغذاء. فعلى سبيل المثال عربياً لم تتجاوز معدلات نمو الإنتاج الزراعي 2 في المائة خلال السبعينات من القرن المنصرم، بينما كان الطلب يتزايد سنوياً بأكثر من 6,4 في المائة لنفس المدة، وفي الثمانينات كانت المعدلات نحو 1,8 في المائة و6 في المائة، وخلال المدة (1991- 2005) كانت المعدلات نحو 2,3 في المائة و7,2 في المائة على التوالي، وبالتأكيد أن السنوات التالية ليست أفضل بل هي في المنحى المشار إليه في ضوء زيادة معدلات النمو السكاني في دول مجلس التعاون البالغ كمتوسط أكثر من 5,3  في المائة.

 ما العمل؟

لا نريد في هذا المقال المتواضع سوى التذكير بخطورة وضع الأمن الغذائي الخليجي، وضرورة العمل على ديمومة آليات العمل الخليجي المشترك في هذا المجال، وفي مقدمة ذلك زيادة الإنتاج وتحقيق الأمن الغذائي من خلال معالجة القصور في معدلات الاستثمار الزراعي، وأولى هذه الخطوات الرائدة والناجحة التي بدأ البعض من دول المجلس بتنفيذها هي الاستثمارات الخليجية في الدول العربية الزراعية مثل السودان أو في الدول الأجنبية (أستراليا والهند وفيتنام) ودول أخرى، وهذا النوع من الاستثمار أفضل بكثير من الاستثمارات في الأسهم والسندات في القطاعات الخدمية أو في قطاع الإنشاءات والعقارات، التي تعرضت بسبب الأزمة المالية العالمية إلى خسائر باهظة يقدرها البعض بما بين (500-600) مليار دولار، ومن ثم انفجار أزمة ديون دبي العالمية وهي خسائر سوف نندم عليها في قادم الأيام. والخطوة اللاحقة العمل على إنشاء خزين استراتيجي (خليجي –خليجي) و(خليجي – عربي) من الغذاء لتحقيق غايتين: الأولى تقليل درجة تركز السلع الغذائية المستوردة من مصادر التموين ذات القوة التساومية الكبيرة مثل دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. والثانية تجنب المزاحمة عند الشراء في السوق الغذائية العالمية من دول تمتلك قوة مؤثرة أكبر من الدول الخليجية والعربية. وأخيراً التذكير بأن هيمنة النفط على الصادرات الخليجية تعطيها أهمية استراتيجية تنبع من الدور الذي يلعبه النفط كمصدر للطاقة المطلوبة للصناعة المعاصرة وعلى الأقل في المدى القصير لا يضاهي النفط أي مصدر آخر من الطاقة في ناحية تكاليف الإنتاج، لكن تبقى الحقيقة الدائمة القول إن الموارد المالية المتأتية من تصدير النفط والغاز ليست دخلاً بالمعنى الاقتصادي، بل هي تحويل لثروة في باطن الأرض إلى ثروة مالية ومن ثم هي ثروة قابلة للنفاذ ما لم تستغل في تغير ظروف الإنتاج للقطاعات الصناعية والزراعية المترابطة.

 

::/fulltext::
::cck::858::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *