الرؤية الاقتصادية المستقبلية للقطاع المصرفي الخليجي
::cck::878::/cck::
::introtext::
لا شك في أن الأزمات المالية ترتبط أساساً بمعدلات النمو، فنجد أن انخفاض معدل النمو للناتج الحقيقي يسبق عادة حدوث الأزمة، وقد لا حظنا أن معدل النمو للناتج الحقيقي اتجه إلى الانخفاض في فترة ما قبل الأزمة وهو مؤشر إلى عدم قوة الاقتصاد، إلا أن التقييم الشامل للمؤشرات الكلية قد يثير بعض التناقض، فإذا كان معدل التضخم منخفضاً وسعر الصرف في حالة استقرار، ولا توجد تقلبات حادة في معدل النمو، فالنتيجة المتوقعة هي عدم احتمال تعرض هذه الاقتصادات لأزمة. إلا أنعام 2009 فرض مجموعة من التحديات على اقتصادات دول مجلس التعاون، شأنها شأن بقية الاقتصادات في العالم، لكن أداءها جاء أفضل بكثير من معظم الدول الأخرى.
::/introtext::
::fulltext::
لا شك في أن الأزمات المالية ترتبط أساساً بمعدلات النمو، فنجد أن انخفاض معدل النمو للناتج الحقيقي يسبق عادة حدوث الأزمة، وقد لا حظنا أن معدل النمو للناتج الحقيقي اتجه إلى الانخفاض في فترة ما قبل الأزمة وهو مؤشر إلى عدم قوة الاقتصاد، إلا أن التقييم الشامل للمؤشرات الكلية قد يثير بعض التناقض، فإذا كان معدل التضخم منخفضاً وسعر الصرف في حالة استقرار، ولا توجد تقلبات حادة في معدل النمو، فالنتيجة المتوقعة هي عدم احتمال تعرض هذه الاقتصادات لأزمة. إلا أنعام 2009 فرض مجموعة من التحديات على اقتصادات دول مجلس التعاون، شأنها شأن بقية الاقتصادات في العالم، لكن أداءها جاء أفضل بكثير من معظم الدول الأخرى.
المنطقة تتجه نحو أداء اقتصادي أكثر استقراراً واستدامة
على الرغم من محدودية الانكشاف المباشر لدول المنطقة إبّان الأزمة المالية العالمية التي اندلعت من الغرب فإن التقارير والبيانات الاقتصادية تظهر أن البنوك الخليجية لم تعان من مشكلات في الملاءة المالية، لكن التطورات اللاحقة عرّضت هذه المصارف لأزمة (سيولة) حيث بدأت تعاني من اضطرابات كبيرة و(شح في السيولة) على الرغم من التدابير التي سارعت حكومات الدول الخليجية إلى اتّخاذها في محاولة لوقف المزيد من التدهور ومعالجة المشكلة.وراحت أزمة (شح السيولة) تتفاقم شيئاً فشيئاً فيما بعد لتتبلور في عاملين رئيسيين:
1- عجز العديد من المشروعات التنموية الكبرى الجارية في المنطقة عن تمويل حاجاتها من القروض المجمّعة الضخمة من البنوك العالمية والمحلية الكبيرة.
2- سحب مبالغ مالية كبيرة من أسواق المال الخليجية من قبل مستثمرين بالإضافة إلى تجاوز القروض للمستويات المتعارف عليها مقارنة بالودائع في بعض البنوك.
ويقدّر حجم خسائر المصارف الخليجية المرتبطة بأزمة الرهون العقارية عالية المخاطر وفقاً لاتحاد المصارف العربية بنحو 2.88 مليار دولار، هذا عدا عن تعرّض عدد من المصارف الخليجية لخسائر خارج هذا الإطار أدّت إلى العديد من الانعكاسات، منها:
1- تخفيض التصنيف الدولي: إذ قامت وكالات التصنيف العالمية الثلاث وهي (ستاندرد آند بورز)، و(موديز)، و(فيتش) بمراجعة تصنيف 27 مصرفاً خليجياً، حيث تم تخفيض تصنيف عدد منها، في حين أن أغلبها حصل على نظرة مستقبلية سالبة بدلاً من مستقرة.
2- العزوف عن تمويل المشاريع: إذ تقلّص عدد المصارف التي تتجه إلى عقد صفقات في ظل المناخ السائد إلى ما بين ثمانية واثني عشر مصرفاً فقط، كما لم يعد ضمان التمويل مهمة سهلة كما كان قبل نحو 18 شهراً من بداية الأزمة، عندما كان هناك عدد أكبر من البنوك يتنافس على توفير التمويل بدرجة تفوق المشاريع الموجودة آنذاك. لكنّ الحال انعكست بعد الأزمة عما كانت عليه في السابق، إذ لا يتعدى عدد البنوك الجاهزة لعقد صفقات في تمويل المشاريع أرقاماً مفردة، وذلك بسبب شح عمليات الإقراض بين البنوك، وتعليق عمليات القروض المشتركة بشكل فعلي.
وتعد دول مجلس التعاون أكثر الدول العربية اقتراضاً من المصارف الدولية، حيث بلغ رصيد قروض هذه المجموعة نحو 222 مليار دولار في نهاية سبتمر 2008 والتي جاء معظم الاقتراض عن قناتين رئيسيتين: الأولى تتعلق بسياسة اقتراض المصارف والمؤسسات المالية العربية من المؤسسات والمصارف الدولية. والقناة الثانية- كما بينها التقرير الاقتصادي العربي الموحد لعام 2009– تتعلق بوجود المصارف الأجنبية في السوق المصرفية وحجم حصتها من السوق المحلية.

وتُظهر البيانات المتاحة للشهرين الأولين من 2009 أن القروض الممنوحة إلى القطاع الخاص في دول الخليج شهدت تباطؤاً ملحوظاً. فبعد نموها بواقع 34 في المائة في 2008، تراجع معدل نمو الائتمان الممنوح إلى القطاع الخاص بشكل حاد ليصل بحلول أغسطس 2009 إلى نحو 1.9 في المائة عن مستواه في نهاية 2008. لكن البيانات الشهرية تشير إلى أن القروض بدأت تشهد بعض التعافي خلال النصف الثاني من 2009. فعلى الرغم من بعض التداعيات الخليجية والخسائر التي تكبدتها والمصاعب التي واجهتها المصارف الخليجية بصورة عامة، مقارنة بوضع مثيلاتها حول العالم، فإنّها ما زالت ضمن (الوضع السليم)، ومن المتوقع أن تسترجع عافيتها كليّاً بل يتحسّن أداؤها اعتماداً على عدد من المؤشرات منها: أسعار النفط والدورة الاقتصادية والملاءة والسيولة.التنبؤ الاقتصادي economic forecasting عملية تقدير للتطور المستقبلي لقيم الظواهر الاقتصادية استناداً إلى الوضع الراهن وإلى العوامل المؤثرة في تطور تلك الظواهر. ويقدم التنبؤ بهذا المعنى تقديرات كمية ونوعية للظواهر والمؤشرات الاقتصادية في لحظة محددة أو لمدد زمنية أطول.ويعتمد التنبؤ الاقتصادي بصورة أساسية على السلاسل الزمنية time series وعلى العلاقات التابعية والروابط التي تربط الظواهر الاقتصادية المختلفة بالعوامل المؤثرة فيها.
ولا يهدف التنبؤ الاقتصادي إلى دراسة وتحليل علاقة الارتباط بين الظاهرة المدروسة والعوامل المؤثرة فيها بقدر ما يهدف إلى معرفة التطور الحاصل في الظاهرة. وتتم عملية التنبؤ بعد إيجاد علاقة الارتباط التي يعبر عنها بعلاقة رياضية أو نموذج رياضي بين علاقة الظاهرة بالعوامل المؤثرة فيها.
ويدرس التنبؤ تطور الظاهرة مع الزمن بوصفه عاملاً يظهر حاصل تأثير جميع العوامل المؤثرة في هذه الظاهرة. فالظواهر تتغير مع الزمن من شهر إلى آخر ومن سنة إلى أخرى، ولا يعد الزمن ذاته عاملاً مؤثراً في تطور الظواهر الاقتصادية بصفته مؤشراً موضوعياً مستقلاً عن فعل الإنسان. إلا أن الزمن ملازم لتطور الظواهر الاقتصادية ومن ثم يمكن الربط بين حالة الظاهرة واللحظة التي تقابل هذه الحالة، أو بين تطورات الظاهرة والمدة الزمنية التي جرت أو ستجري فيها تلك التطورات الناجمة عن عوامل أخرى غير الزمن تؤثر في الظاهرة وتؤدي إلى تغيرها كماً ونوعاً.
التنبؤ الاقتصادي economic forecasting عملية تقدير للتطور المستقبلي لقيم الظواهر الاقتصادية استناداً إلى الوضع الراهن وإلى العوامل المؤثرة في تطور تلك الظواهر. ويقدم التنبؤ بهذا المعنى تقديرات كمية ونوعية للظواهر والمؤشرات الاقتصادية في لحظة محددة أو لمدد زمنية أطول.
ويعتمد التنبؤ الاقتصادي بصورة أساسية على السلاسل الزمنية time series وعلى العلاقات التابعية والروابط التي تربط الظواهر الاقتصادية المختلفة بالعوامل المؤثرة فيها.
ولا يهدف التنبؤ الاقتصادي إلى دراسة وتحليل علاقة الارتباط بين الظاهرة المدروسة والعوامل المؤثرة فيها بقدر ما يهدف إلى معرفة التطور الحاصل في الظاهرة. وتتم عملية التنبؤ بعد إيجاد علاقة الارتباط التي يعبر عنها بعلاقة رياضية أو نموذج رياضي بين علاقة الظاهرة بالعوامل المؤثرة فيها.
ويدرس التنبؤ تطور الظاهرة مع الزمن بوصفه عاملاً يظهر حاصل تأثير جميع العوامل المؤثرة في هذه الظاهرة. فالظواهر تتغير مع الزمن من شهر إلى آخر ومن سنة إلى أخرى، ولا يعد الزمن ذاته عاملاً مؤثراً في تطور الظواهر الاقتصادية بصفته مؤشراً موضوعياً مستقلاً عن فعل الإنسان. إلا أن الزمن ملازم لتطور الظواهر الاقتصادية ومن ثم يمكن الربط بين حالة الظاهرة واللحظة التي تقابل هذه الحالة، أو بين تطورات الظاهرة والمدة الزمنية التي جرت أو ستجري فيها تلك التطورات الناجمة عن عوامل أخرى غير الزمن تؤثر في الظاهرة وتؤدي إلى تغيرها كماً ونوعاً.
تعد دول مجلس التعاون أكثر الدول العربية اقتراضاً من المصارف الدولية
وقد نجحت حكومات دول الخليج في مساندة اقتصاداتها خلال أوقات صعبة عن طريق برامج إنفاق سخية والدعم التام للقطاع المصرفي. والنتيجة أن تداعيات الأزمة المالية العالمية في طريقها إلى الزوال، في حين ستتعافى اقتصادات المنطقة بشكل أسرع من العديد من الدول حول العالم. (التقريرالسنوي لبنك الكويت الوطني) وأبرز ما جاء في التقرير:
* انخفاض كبير في الائتمان من 34 في المائة إلى ما دون 10 في المائة.
* الصناديق السيادية الخليجية تتكبد 400 مليار دولار خسائر.
* تباطؤ نمو القطاع غير النفطي من 5.8 في المائة إلى نحو 2 في المائة.
* انكماش في الإمارات والكويت ونمو كبير في قطر.
* تقلص فوائض الميزانيات من 20 في المائة من الناتج إلى واحد في المائة.
* الإيرادات النفطية الخليجية تتراجع 21 في المائة في 2009.
وخلال الأشهر الثلاثة الماضية، ارتفعت معدلات الانتربنك في الخليج. ففي الإمارات العربية المتحدة ارتفعت معدلات السوق لثلاثة أشهر 230 نقطة أساس في ثلاثة أشهر فقط. وجاء هذا الارتفاع رغم انخفاض معدل (اللايبور) بالدولار. وشهدت أسواق الخليج السائلة الأخرى الاتجاهات ذاتها، واتسع نطاق (اللايبور) فوق المعدل المتوسط. ومن المؤكد أن البيانات تظهر عملية الترابط المعكوسة والقوية بين أسواق الطاقة الدولية والأسواق الائتمانية المحلية خلال الأشهر القليلة الماضية. إلا أن تداعياتها تمثلت بشكل رئيسي في انخفاض أسعار النفط الذي يشكل حوالي 85 في المائة من عوائد المنطقة وتراجع أداء الأسواق المالية. لكن الأساسيات الصلبة وحصافة السياسات الاقتصادية المتبناة أتاحت لدول المنطقة مواجهة الأزمة والخروج منها بخسائر محدودة نسبياً مقارنة بالدول الأخرى حول العالم. وفي الواقع، أتت الأزمة لتؤكد متانة الاقتصادات الخليجية وقدرتها على مواجهة التغيرات المفاجئة والحادة، وذلك بفضل حجم الأصول الضخمة التي راكمتها خلال السنوات السابقة، والسياسات المالية التوسعية التي تبنتها الحكومات الخليجية. والأهم من ذلك، وبخلاف العديد من الدول الأخرى، لم تعان دول الخليج من التداعيات المدمرة للأزمة العالمية كتسريح الموظفين على نطاق واسع أو انهيار مؤسسات مالية كبيرة. لكن من دون شك، أوقفت الأزمة الطفرة النفطية غير المسبوقة التي استمرت لست سنوات، وحدت من زخم الأداء الاقتصادي لدول المنطقة، كما دفعتها إلى إعادة ترتيب الأولويات والسياسات الاقتصادية.
هناك إجماع متزايد على أن المنطقة ستشهد تعافياً قوياً في 2010
واستجابة للأزمة، اتخذت البنوك المركزية والحكومات الخليجية إجراءات فورية مهمة لتحفيز النشاط الاقتصادي ودعم تدفق الائتمان إلى القطاعات المنتجة في الاقتصاد. ففي الجانب النقدي، شملت هذه الإجراءات ضمان الحكومة لودائع البنوك، وخفض أسعار الفائدة ومعدلات الاحتياطي الإلزامية، ورفع سقف معدل القروض إلى الودائع، وضخ الودائع الحكومية في الجهاز المصرفي، وفي بعض الحالات، المساهمة مباشرة في رأسمال البنوك المحلية ودعم سوق العمل، والحفاظ على استقرار القطاع المالي. ومن دون شك، زادت هذه الإجراءات من متانة البنوك الخليجية وقوتها، وعوضت عن الخروج المفاجئ للسيولة من قبل المستثمرين والبنوك الأجنبية، وساعدت البنوك على استئناف توسعها الائتماني وإن كان بوتيرة أبطأ من السنوات السابقة.
وتمثل هذه الإجراءات تحولاً ملحوظاً في أولويات السياسات النقدية في المنطقة. ففي عام 2008، توجه اهتمام البنوك المركزية الخليجية نحو التصدي للضغوط التضخمية، وسعت إلى مواجهتها عبر الحد من نمو الائتمان وارتفاع مستويات السيولة محلياً. لكن الأزمة العالمية أدت إلى انخفاض أسعار معظم السلع والمواد الخام في 2009، ومنها السلع الغذائية والمواد الإنشائية، مما أدى بدوره إلى تراجع معدل التضخم المستورد، ومكّن البنوك المركزية من الاستجابة إلى الأولويات المستجدة. وقد خلت أنشطة القطاع المصرفي الخليجي من مغامرات غير محسوبة، وكانت ولا تزال، تعمل تحت رقابة صارمة وقوية. وعلى الرغم من تأثره بتدهور البيئة الاستثمارية بالإضافة إلى الصعوبات المالية التي تواجه مجموعة (دبي العالمية) وشركاتها التابعة، لكن بشكل عام لا يتوقع أن يكون لدى البنوك الخليجية انكشاف عام – فلولا الأزمات الاقتصادية لما تنظّر علم الاقتصاد – فالمشكلة ليست بالأزمات بل في كيفيةاحتوائها، فبهذه الكلمات أخص بها وسائل الإعلام الأجنبي التي ضخمت تداعيات ديون دبي العالمية، وقد أكد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي أن ذلك لن يثني دبي عن طموحها التنموي، ولن يزيحها عن موقعها الريادي، ولن يبعدها عن دورها الفاعل في ساحة الاقتصاد العالمي، والتطلع إلى المستقبل برؤية جديدة متفائلة، مؤكداً أن الاقتصاد الإماراتي بدأ يتعافى من آثار هذه الأزمة، وأنه على الرغم من وجود تحديات كبيرة إلا أن هناك فرصاً واعدة، وطاقات مادية وبشرية قادرة على مواجهة هذه التحديات. ويوفر انكشاف مصارف المنطقة المحدود على أدوات مرتبطة برهون الأفراد والحضور القوي للدولة في النظام المصرفي القوة اللازمة.
أما في ما يتعلق بالبنوك الكويتية فقد تراجعت أرباحها للأشهر التسعة الأولى من العام بنحو 63 في المائة على أساس سنوي، بينما شهدت موجوداتها الإجمالية ارتفاعاً طفيفاً بواقع 0,5 في المائة بنهاية سبتمبر مقارنة بـ 17,8 في المائة في الفترة نفسها من عام 2008، ويعكس هذا التباطؤ في نمو الموجودات في 2009 التراجع الحاد في مستوى السيولة في وقت سابق من العام، إلى جانب تباطؤ نمو الائتمان. وفي المقابل حققت البنوك السعودية نمواً بواقع 13,2 في المائة في أرباحها الإجمالية للأشهر التسعة الأولى من العام، بينما انخفضت أرباح البنوك العمانية بنحو 6,9 في المائة خلال الفترة نفسها.
في المقابل، دفع تراجع الطلب الخارجي وتباطؤ نشاط القطاع الخاص محلياً بالحكومات الخليجية، لا سيما في السعودية والإمارات وقطر، إلى لعب دور أكبر في الاقتصاد عبر تبني سياسات مالية توسعية مع التركيز على الإنفاق الاستثماري، وذلك بهدف تحفيز الطلب المحلي ودعم سوق العمل والقدرة الشرائية للمواطنين، وتحسين مستويات الثقة، فقد أعلنت المملكة العربية السعودية عن زيادة بنسبة 16 في المائة في الإنفاق العام في ميزانيتها الحالية مقارنة بالميزانية السابقة، مع زيادة الإنفاق الاستثماري بأكثر من 35 في المائة وتنفيذ مشاريع بقيمة تتخطى 400 مليار دولار خلال السنوات الأربع المقبلة، ورغم تراجع الوضع المالي في دول الخليج هذا العام، فإن عدد وقيمة المشاريع القائمة والمخطط لها ما زالا مرتفعين جداً، إذ تتجاوز القيمة 2,2 تريليون دولار، حصة الإمارات منها 42 في المائة والسعودية 27 في المائة والكويت 12 في المائة. ومن شأن هبوط تكلفة المواد الأولية أن يشجع على تنفيذ هذه المشاريع ويدعمها. وفي النصف الثاني من 2009 بدأت علامات التعافي بالظهور في المنطقة بشكل ملحوظ، لا سيما من حيث ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات تصفها دول الخليج بـ (العادلة)، بالإضافة إلى عودة الثقة نسبياً إلى الأسواق المحلية. وفي الواقع يبدو أن المنطقة تتجه نحو أداء اقتصادي أكثر استقراراً واستدامة، ورغم الغموض، الذي ما زال يكتنف الصورة العامة، فإن هناك إجماعاً متزايداً على أن المنطقة ستشهد تعافياً قوياً في 2010 ولو بوتيرة أبطأ من تلك التي شهدتها في السنوات الأخيرة. ويظهر تغير ثقة المستثمرين بوضوح في تطورات أسعار الأسهم في المنطقة، فبعد تراجعه بواقع 56 في المائة في 2008، واصل مؤشر (مورغان ستانلي) لأسعار الأسهم الخليجية مساره الهبوطي خلال الربع الأول من 2009، قبل أن يرتفع مجدداً خلال الربعين اللاحقين، ويبقى متذبذباً خلال الربع الأخير من العام. وكانت أسعار الأسهم الخليجية قد ارتفعت بواقع 18 في المائة حتى 14 ديسمبر 2009، على الرغم من درجة الغموض المرتفعة المحيطة بالآفاق الاقتصادية ومن التشدد الذي شهده سوق الائتمان خلال العام. وبالنسبة إلى مؤشر أسعار الأسهم، فقد سجلت أسواق البحرين والكويت تراجعاً بواقع 37 في المائة و6 في المائة على التوالي، بينما تراوح ارتفاع مؤشر أسعار الأسهم في بقية الدول الخليجية بين 16 في المائة في قطر و34 في المائة في الإمارات والسعودية، فيما ارتفع في عُمان بنحو 18 في المائة. وتستبعد التقارير أن يتوقف النمو أو ينعكس بالنظر إلى خيارات السياسة التي تتبناها المنطقة. كذلك سيبقى نمو الإنفاق الحكومي قوياً وسيشكل محركاً لنمو السيولة، وقد تستفيد المنطقة مبدئياً من ظروف سوق الائتمان العالمي في حال عاد إلى طبيعته.
وفي النهاية تمتلك المنطقة خياراً للسحب من الاحتياطيات الواسعة التي كونتها في الأعوام الخمسة الماضية تعويضاً عن عدم قدرتها حالياً على الاستفادة من التمويل الخارجي. وقد يكون هذا الأمر إما عبر تمويل الحكومة المباشرة للمشاريع الاستراتيجية التي بدأت بها بناء على توقعات تمويل الأسهم والدين الخاص، أو من خلال إيداع الأموال في القطاع المصرفي ذاته. وتتمتع الكويت وقطر اللتان تتشابهان من حيث حجم أسهم الأصول الكبيرة في الخارج بأنهما قد تسحبانها لدعم السيولة محلياً إما عبر تمويل الإنفاق الحكومي المباشر أو بإضافتها إلى ميزانيات المصارف التجارية العامة.
ويواجه النظام المصرفي والمؤسسات المالية العربية منافسة حادة من المؤسسات المالية الدولية، وبناء على ذلك فإنه يجب بذل المزيد من الجهد نحو تقوية ودعم المؤسسات المالية العربية والخليجية لتواجه تلك التحديات، وهذا يتطلب وجود كيانات مالية عربية كبيرة وقوية لتواجه المنافسة محلياً وتتوجه للتنافس خارجياً، وستكون المنافسة الخارجية هي المحرك لرفع الكفاءة وتحسين الأداء، وقد بدأت بعض البنوك بالاندماج مع بعضها مثلما حدث في السعودية والإمارات والبحرين، وكنتيجة لعمليات الاندماج يتوقع انخفاض تكاليف المنافسة بين البنوك المندمجة وتوسع نشاطها ليغطي مساحة البنكين معاً.وأخيراً فإن تطبيق معايير الحيطة المالية ما هو إلا أداة مفيدة، ويمكن أن تكون تلك المؤشرات المستخدمة كأساس لبناء نظام للإنذار المبكر للأزمات المالية مع ضرورة وضع قاعدة للبيانات الخاصة بهذه المؤشرات يتم التوسع فيها وتطويرها تدريجياً بحيث يمكن تقديم تقارير دورية عن حالة الاقتصاد والجهاز المصرفي لمواجهة احتمالات حدوث الأزمات قبل وقوعها. والنتيجة أن تداعيات الأزمة المالية العالمية في طريقها إلى الزوال، في حين ستتعافى اقتصادات المنطقة بشكل أسرع من العديد من الدول حول العالم.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::878::/cck::
::introtext::
لا شك في أن الأزمات المالية ترتبط أساساً بمعدلات النمو، فنجد أن انخفاض معدل النمو للناتج الحقيقي يسبق عادة حدوث الأزمة، وقد لا حظنا أن معدل النمو للناتج الحقيقي اتجه إلى الانخفاض في فترة ما قبل الأزمة وهو مؤشر إلى عدم قوة الاقتصاد، إلا أن التقييم الشامل للمؤشرات الكلية قد يثير بعض التناقض، فإذا كان معدل التضخم منخفضاً وسعر الصرف في حالة استقرار، ولا توجد تقلبات حادة في معدل النمو، فالنتيجة المتوقعة هي عدم احتمال تعرض هذه الاقتصادات لأزمة. إلا أنعام 2009 فرض مجموعة من التحديات على اقتصادات دول مجلس التعاون، شأنها شأن بقية الاقتصادات في العالم، لكن أداءها جاء أفضل بكثير من معظم الدول الأخرى.
::/introtext::
::fulltext::
لا شك في أن الأزمات المالية ترتبط أساساً بمعدلات النمو، فنجد أن انخفاض معدل النمو للناتج الحقيقي يسبق عادة حدوث الأزمة، وقد لا حظنا أن معدل النمو للناتج الحقيقي اتجه إلى الانخفاض في فترة ما قبل الأزمة وهو مؤشر إلى عدم قوة الاقتصاد، إلا أن التقييم الشامل للمؤشرات الكلية قد يثير بعض التناقض، فإذا كان معدل التضخم منخفضاً وسعر الصرف في حالة استقرار، ولا توجد تقلبات حادة في معدل النمو، فالنتيجة المتوقعة هي عدم احتمال تعرض هذه الاقتصادات لأزمة. إلا أنعام 2009 فرض مجموعة من التحديات على اقتصادات دول مجلس التعاون، شأنها شأن بقية الاقتصادات في العالم، لكن أداءها جاء أفضل بكثير من معظم الدول الأخرى.
المنطقة تتجه نحو أداء اقتصادي أكثر استقراراً واستدامة
على الرغم من محدودية الانكشاف المباشر لدول المنطقة إبّان الأزمة المالية العالمية التي اندلعت من الغرب فإن التقارير والبيانات الاقتصادية تظهر أن البنوك الخليجية لم تعان من مشكلات في الملاءة المالية، لكن التطورات اللاحقة عرّضت هذه المصارف لأزمة (سيولة) حيث بدأت تعاني من اضطرابات كبيرة و(شح في السيولة) على الرغم من التدابير التي سارعت حكومات الدول الخليجية إلى اتّخاذها في محاولة لوقف المزيد من التدهور ومعالجة المشكلة.وراحت أزمة (شح السيولة) تتفاقم شيئاً فشيئاً فيما بعد لتتبلور في عاملين رئيسيين:
1- عجز العديد من المشروعات التنموية الكبرى الجارية في المنطقة عن تمويل حاجاتها من القروض المجمّعة الضخمة من البنوك العالمية والمحلية الكبيرة.
2- سحب مبالغ مالية كبيرة من أسواق المال الخليجية من قبل مستثمرين بالإضافة إلى تجاوز القروض للمستويات المتعارف عليها مقارنة بالودائع في بعض البنوك.
ويقدّر حجم خسائر المصارف الخليجية المرتبطة بأزمة الرهون العقارية عالية المخاطر وفقاً لاتحاد المصارف العربية بنحو 2.88 مليار دولار، هذا عدا عن تعرّض عدد من المصارف الخليجية لخسائر خارج هذا الإطار أدّت إلى العديد من الانعكاسات، منها:
1- تخفيض التصنيف الدولي: إذ قامت وكالات التصنيف العالمية الثلاث وهي (ستاندرد آند بورز)، و(موديز)، و(فيتش) بمراجعة تصنيف 27 مصرفاً خليجياً، حيث تم تخفيض تصنيف عدد منها، في حين أن أغلبها حصل على نظرة مستقبلية سالبة بدلاً من مستقرة.
2- العزوف عن تمويل المشاريع: إذ تقلّص عدد المصارف التي تتجه إلى عقد صفقات في ظل المناخ السائد إلى ما بين ثمانية واثني عشر مصرفاً فقط، كما لم يعد ضمان التمويل مهمة سهلة كما كان قبل نحو 18 شهراً من بداية الأزمة، عندما كان هناك عدد أكبر من البنوك يتنافس على توفير التمويل بدرجة تفوق المشاريع الموجودة آنذاك. لكنّ الحال انعكست بعد الأزمة عما كانت عليه في السابق، إذ لا يتعدى عدد البنوك الجاهزة لعقد صفقات في تمويل المشاريع أرقاماً مفردة، وذلك بسبب شح عمليات الإقراض بين البنوك، وتعليق عمليات القروض المشتركة بشكل فعلي.
وتعد دول مجلس التعاون أكثر الدول العربية اقتراضاً من المصارف الدولية، حيث بلغ رصيد قروض هذه المجموعة نحو 222 مليار دولار في نهاية سبتمر 2008 والتي جاء معظم الاقتراض عن قناتين رئيسيتين: الأولى تتعلق بسياسة اقتراض المصارف والمؤسسات المالية العربية من المؤسسات والمصارف الدولية. والقناة الثانية- كما بينها التقرير الاقتصادي العربي الموحد لعام 2009– تتعلق بوجود المصارف الأجنبية في السوق المصرفية وحجم حصتها من السوق المحلية.

وتُظهر البيانات المتاحة للشهرين الأولين من 2009 أن القروض الممنوحة إلى القطاع الخاص في دول الخليج شهدت تباطؤاً ملحوظاً. فبعد نموها بواقع 34 في المائة في 2008، تراجع معدل نمو الائتمان الممنوح إلى القطاع الخاص بشكل حاد ليصل بحلول أغسطس 2009 إلى نحو 1.9 في المائة عن مستواه في نهاية 2008. لكن البيانات الشهرية تشير إلى أن القروض بدأت تشهد بعض التعافي خلال النصف الثاني من 2009. فعلى الرغم من بعض التداعيات الخليجية والخسائر التي تكبدتها والمصاعب التي واجهتها المصارف الخليجية بصورة عامة، مقارنة بوضع مثيلاتها حول العالم، فإنّها ما زالت ضمن (الوضع السليم)، ومن المتوقع أن تسترجع عافيتها كليّاً بل يتحسّن أداؤها اعتماداً على عدد من المؤشرات منها: أسعار النفط والدورة الاقتصادية والملاءة والسيولة.التنبؤ الاقتصادي economic forecasting عملية تقدير للتطور المستقبلي لقيم الظواهر الاقتصادية استناداً إلى الوضع الراهن وإلى العوامل المؤثرة في تطور تلك الظواهر. ويقدم التنبؤ بهذا المعنى تقديرات كمية ونوعية للظواهر والمؤشرات الاقتصادية في لحظة محددة أو لمدد زمنية أطول.ويعتمد التنبؤ الاقتصادي بصورة أساسية على السلاسل الزمنية time series وعلى العلاقات التابعية والروابط التي تربط الظواهر الاقتصادية المختلفة بالعوامل المؤثرة فيها.
ولا يهدف التنبؤ الاقتصادي إلى دراسة وتحليل علاقة الارتباط بين الظاهرة المدروسة والعوامل المؤثرة فيها بقدر ما يهدف إلى معرفة التطور الحاصل في الظاهرة. وتتم عملية التنبؤ بعد إيجاد علاقة الارتباط التي يعبر عنها بعلاقة رياضية أو نموذج رياضي بين علاقة الظاهرة بالعوامل المؤثرة فيها.
ويدرس التنبؤ تطور الظاهرة مع الزمن بوصفه عاملاً يظهر حاصل تأثير جميع العوامل المؤثرة في هذه الظاهرة. فالظواهر تتغير مع الزمن من شهر إلى آخر ومن سنة إلى أخرى، ولا يعد الزمن ذاته عاملاً مؤثراً في تطور الظواهر الاقتصادية بصفته مؤشراً موضوعياً مستقلاً عن فعل الإنسان. إلا أن الزمن ملازم لتطور الظواهر الاقتصادية ومن ثم يمكن الربط بين حالة الظاهرة واللحظة التي تقابل هذه الحالة، أو بين تطورات الظاهرة والمدة الزمنية التي جرت أو ستجري فيها تلك التطورات الناجمة عن عوامل أخرى غير الزمن تؤثر في الظاهرة وتؤدي إلى تغيرها كماً ونوعاً.
التنبؤ الاقتصادي economic forecasting عملية تقدير للتطور المستقبلي لقيم الظواهر الاقتصادية استناداً إلى الوضع الراهن وإلى العوامل المؤثرة في تطور تلك الظواهر. ويقدم التنبؤ بهذا المعنى تقديرات كمية ونوعية للظواهر والمؤشرات الاقتصادية في لحظة محددة أو لمدد زمنية أطول.
ويعتمد التنبؤ الاقتصادي بصورة أساسية على السلاسل الزمنية time series وعلى العلاقات التابعية والروابط التي تربط الظواهر الاقتصادية المختلفة بالعوامل المؤثرة فيها.
ولا يهدف التنبؤ الاقتصادي إلى دراسة وتحليل علاقة الارتباط بين الظاهرة المدروسة والعوامل المؤثرة فيها بقدر ما يهدف إلى معرفة التطور الحاصل في الظاهرة. وتتم عملية التنبؤ بعد إيجاد علاقة الارتباط التي يعبر عنها بعلاقة رياضية أو نموذج رياضي بين علاقة الظاهرة بالعوامل المؤثرة فيها.
ويدرس التنبؤ تطور الظاهرة مع الزمن بوصفه عاملاً يظهر حاصل تأثير جميع العوامل المؤثرة في هذه الظاهرة. فالظواهر تتغير مع الزمن من شهر إلى آخر ومن سنة إلى أخرى، ولا يعد الزمن ذاته عاملاً مؤثراً في تطور الظواهر الاقتصادية بصفته مؤشراً موضوعياً مستقلاً عن فعل الإنسان. إلا أن الزمن ملازم لتطور الظواهر الاقتصادية ومن ثم يمكن الربط بين حالة الظاهرة واللحظة التي تقابل هذه الحالة، أو بين تطورات الظاهرة والمدة الزمنية التي جرت أو ستجري فيها تلك التطورات الناجمة عن عوامل أخرى غير الزمن تؤثر في الظاهرة وتؤدي إلى تغيرها كماً ونوعاً.
تعد دول مجلس التعاون أكثر الدول العربية اقتراضاً من المصارف الدولية
وقد نجحت حكومات دول الخليج في مساندة اقتصاداتها خلال أوقات صعبة عن طريق برامج إنفاق سخية والدعم التام للقطاع المصرفي. والنتيجة أن تداعيات الأزمة المالية العالمية في طريقها إلى الزوال، في حين ستتعافى اقتصادات المنطقة بشكل أسرع من العديد من الدول حول العالم. (التقريرالسنوي لبنك الكويت الوطني) وأبرز ما جاء في التقرير:
* انخفاض كبير في الائتمان من 34 في المائة إلى ما دون 10 في المائة.
* الصناديق السيادية الخليجية تتكبد 400 مليار دولار خسائر.
* تباطؤ نمو القطاع غير النفطي من 5.8 في المائة إلى نحو 2 في المائة.
* انكماش في الإمارات والكويت ونمو كبير في قطر.
* تقلص فوائض الميزانيات من 20 في المائة من الناتج إلى واحد في المائة.
* الإيرادات النفطية الخليجية تتراجع 21 في المائة في 2009.
وخلال الأشهر الثلاثة الماضية، ارتفعت معدلات الانتربنك في الخليج. ففي الإمارات العربية المتحدة ارتفعت معدلات السوق لثلاثة أشهر 230 نقطة أساس في ثلاثة أشهر فقط. وجاء هذا الارتفاع رغم انخفاض معدل (اللايبور) بالدولار. وشهدت أسواق الخليج السائلة الأخرى الاتجاهات ذاتها، واتسع نطاق (اللايبور) فوق المعدل المتوسط. ومن المؤكد أن البيانات تظهر عملية الترابط المعكوسة والقوية بين أسواق الطاقة الدولية والأسواق الائتمانية المحلية خلال الأشهر القليلة الماضية. إلا أن تداعياتها تمثلت بشكل رئيسي في انخفاض أسعار النفط الذي يشكل حوالي 85 في المائة من عوائد المنطقة وتراجع أداء الأسواق المالية. لكن الأساسيات الصلبة وحصافة السياسات الاقتصادية المتبناة أتاحت لدول المنطقة مواجهة الأزمة والخروج منها بخسائر محدودة نسبياً مقارنة بالدول الأخرى حول العالم. وفي الواقع، أتت الأزمة لتؤكد متانة الاقتصادات الخليجية وقدرتها على مواجهة التغيرات المفاجئة والحادة، وذلك بفضل حجم الأصول الضخمة التي راكمتها خلال السنوات السابقة، والسياسات المالية التوسعية التي تبنتها الحكومات الخليجية. والأهم من ذلك، وبخلاف العديد من الدول الأخرى، لم تعان دول الخليج من التداعيات المدمرة للأزمة العالمية كتسريح الموظفين على نطاق واسع أو انهيار مؤسسات مالية كبيرة. لكن من دون شك، أوقفت الأزمة الطفرة النفطية غير المسبوقة التي استمرت لست سنوات، وحدت من زخم الأداء الاقتصادي لدول المنطقة، كما دفعتها إلى إعادة ترتيب الأولويات والسياسات الاقتصادية.
هناك إجماع متزايد على أن المنطقة ستشهد تعافياً قوياً في 2010
واستجابة للأزمة، اتخذت البنوك المركزية والحكومات الخليجية إجراءات فورية مهمة لتحفيز النشاط الاقتصادي ودعم تدفق الائتمان إلى القطاعات المنتجة في الاقتصاد. ففي الجانب النقدي، شملت هذه الإجراءات ضمان الحكومة لودائع البنوك، وخفض أسعار الفائدة ومعدلات الاحتياطي الإلزامية، ورفع سقف معدل القروض إلى الودائع، وضخ الودائع الحكومية في الجهاز المصرفي، وفي بعض الحالات، المساهمة مباشرة في رأسمال البنوك المحلية ودعم سوق العمل، والحفاظ على استقرار القطاع المالي. ومن دون شك، زادت هذه الإجراءات من متانة البنوك الخليجية وقوتها، وعوضت عن الخروج المفاجئ للسيولة من قبل المستثمرين والبنوك الأجنبية، وساعدت البنوك على استئناف توسعها الائتماني وإن كان بوتيرة أبطأ من السنوات السابقة.
وتمثل هذه الإجراءات تحولاً ملحوظاً في أولويات السياسات النقدية في المنطقة. ففي عام 2008، توجه اهتمام البنوك المركزية الخليجية نحو التصدي للضغوط التضخمية، وسعت إلى مواجهتها عبر الحد من نمو الائتمان وارتفاع مستويات السيولة محلياً. لكن الأزمة العالمية أدت إلى انخفاض أسعار معظم السلع والمواد الخام في 2009، ومنها السلع الغذائية والمواد الإنشائية، مما أدى بدوره إلى تراجع معدل التضخم المستورد، ومكّن البنوك المركزية من الاستجابة إلى الأولويات المستجدة. وقد خلت أنشطة القطاع المصرفي الخليجي من مغامرات غير محسوبة، وكانت ولا تزال، تعمل تحت رقابة صارمة وقوية. وعلى الرغم من تأثره بتدهور البيئة الاستثمارية بالإضافة إلى الصعوبات المالية التي تواجه مجموعة (دبي العالمية) وشركاتها التابعة، لكن بشكل عام لا يتوقع أن يكون لدى البنوك الخليجية انكشاف عام – فلولا الأزمات الاقتصادية لما تنظّر علم الاقتصاد – فالمشكلة ليست بالأزمات بل في كيفيةاحتوائها، فبهذه الكلمات أخص بها وسائل الإعلام الأجنبي التي ضخمت تداعيات ديون دبي العالمية، وقد أكد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي أن ذلك لن يثني دبي عن طموحها التنموي، ولن يزيحها عن موقعها الريادي، ولن يبعدها عن دورها الفاعل في ساحة الاقتصاد العالمي، والتطلع إلى المستقبل برؤية جديدة متفائلة، مؤكداً أن الاقتصاد الإماراتي بدأ يتعافى من آثار هذه الأزمة، وأنه على الرغم من وجود تحديات كبيرة إلا أن هناك فرصاً واعدة، وطاقات مادية وبشرية قادرة على مواجهة هذه التحديات. ويوفر انكشاف مصارف المنطقة المحدود على أدوات مرتبطة برهون الأفراد والحضور القوي للدولة في النظام المصرفي القوة اللازمة.
أما في ما يتعلق بالبنوك الكويتية فقد تراجعت أرباحها للأشهر التسعة الأولى من العام بنحو 63 في المائة على أساس سنوي، بينما شهدت موجوداتها الإجمالية ارتفاعاً طفيفاً بواقع 0,5 في المائة بنهاية سبتمبر مقارنة بـ 17,8 في المائة في الفترة نفسها من عام 2008، ويعكس هذا التباطؤ في نمو الموجودات في 2009 التراجع الحاد في مستوى السيولة في وقت سابق من العام، إلى جانب تباطؤ نمو الائتمان. وفي المقابل حققت البنوك السعودية نمواً بواقع 13,2 في المائة في أرباحها الإجمالية للأشهر التسعة الأولى من العام، بينما انخفضت أرباح البنوك العمانية بنحو 6,9 في المائة خلال الفترة نفسها.
في المقابل، دفع تراجع الطلب الخارجي وتباطؤ نشاط القطاع الخاص محلياً بالحكومات الخليجية، لا سيما في السعودية والإمارات وقطر، إلى لعب دور أكبر في الاقتصاد عبر تبني سياسات مالية توسعية مع التركيز على الإنفاق الاستثماري، وذلك بهدف تحفيز الطلب المحلي ودعم سوق العمل والقدرة الشرائية للمواطنين، وتحسين مستويات الثقة، فقد أعلنت المملكة العربية السعودية عن زيادة بنسبة 16 في المائة في الإنفاق العام في ميزانيتها الحالية مقارنة بالميزانية السابقة، مع زيادة الإنفاق الاستثماري بأكثر من 35 في المائة وتنفيذ مشاريع بقيمة تتخطى 400 مليار دولار خلال السنوات الأربع المقبلة، ورغم تراجع الوضع المالي في دول الخليج هذا العام، فإن عدد وقيمة المشاريع القائمة والمخطط لها ما زالا مرتفعين جداً، إذ تتجاوز القيمة 2,2 تريليون دولار، حصة الإمارات منها 42 في المائة والسعودية 27 في المائة والكويت 12 في المائة. ومن شأن هبوط تكلفة المواد الأولية أن يشجع على تنفيذ هذه المشاريع ويدعمها. وفي النصف الثاني من 2009 بدأت علامات التعافي بالظهور في المنطقة بشكل ملحوظ، لا سيما من حيث ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات تصفها دول الخليج بـ (العادلة)، بالإضافة إلى عودة الثقة نسبياً إلى الأسواق المحلية. وفي الواقع يبدو أن المنطقة تتجه نحو أداء اقتصادي أكثر استقراراً واستدامة، ورغم الغموض، الذي ما زال يكتنف الصورة العامة، فإن هناك إجماعاً متزايداً على أن المنطقة ستشهد تعافياً قوياً في 2010 ولو بوتيرة أبطأ من تلك التي شهدتها في السنوات الأخيرة. ويظهر تغير ثقة المستثمرين بوضوح في تطورات أسعار الأسهم في المنطقة، فبعد تراجعه بواقع 56 في المائة في 2008، واصل مؤشر (مورغان ستانلي) لأسعار الأسهم الخليجية مساره الهبوطي خلال الربع الأول من 2009، قبل أن يرتفع مجدداً خلال الربعين اللاحقين، ويبقى متذبذباً خلال الربع الأخير من العام. وكانت أسعار الأسهم الخليجية قد ارتفعت بواقع 18 في المائة حتى 14 ديسمبر 2009، على الرغم من درجة الغموض المرتفعة المحيطة بالآفاق الاقتصادية ومن التشدد الذي شهده سوق الائتمان خلال العام. وبالنسبة إلى مؤشر أسعار الأسهم، فقد سجلت أسواق البحرين والكويت تراجعاً بواقع 37 في المائة و6 في المائة على التوالي، بينما تراوح ارتفاع مؤشر أسعار الأسهم في بقية الدول الخليجية بين 16 في المائة في قطر و34 في المائة في الإمارات والسعودية، فيما ارتفع في عُمان بنحو 18 في المائة. وتستبعد التقارير أن يتوقف النمو أو ينعكس بالنظر إلى خيارات السياسة التي تتبناها المنطقة. كذلك سيبقى نمو الإنفاق الحكومي قوياً وسيشكل محركاً لنمو السيولة، وقد تستفيد المنطقة مبدئياً من ظروف سوق الائتمان العالمي في حال عاد إلى طبيعته.
وفي النهاية تمتلك المنطقة خياراً للسحب من الاحتياطيات الواسعة التي كونتها في الأعوام الخمسة الماضية تعويضاً عن عدم قدرتها حالياً على الاستفادة من التمويل الخارجي. وقد يكون هذا الأمر إما عبر تمويل الحكومة المباشرة للمشاريع الاستراتيجية التي بدأت بها بناء على توقعات تمويل الأسهم والدين الخاص، أو من خلال إيداع الأموال في القطاع المصرفي ذاته. وتتمتع الكويت وقطر اللتان تتشابهان من حيث حجم أسهم الأصول الكبيرة في الخارج بأنهما قد تسحبانها لدعم السيولة محلياً إما عبر تمويل الإنفاق الحكومي المباشر أو بإضافتها إلى ميزانيات المصارف التجارية العامة.
ويواجه النظام المصرفي والمؤسسات المالية العربية منافسة حادة من المؤسسات المالية الدولية، وبناء على ذلك فإنه يجب بذل المزيد من الجهد نحو تقوية ودعم المؤسسات المالية العربية والخليجية لتواجه تلك التحديات، وهذا يتطلب وجود كيانات مالية عربية كبيرة وقوية لتواجه المنافسة محلياً وتتوجه للتنافس خارجياً، وستكون المنافسة الخارجية هي المحرك لرفع الكفاءة وتحسين الأداء، وقد بدأت بعض البنوك بالاندماج مع بعضها مثلما حدث في السعودية والإمارات والبحرين، وكنتيجة لعمليات الاندماج يتوقع انخفاض تكاليف المنافسة بين البنوك المندمجة وتوسع نشاطها ليغطي مساحة البنكين معاً.وأخيراً فإن تطبيق معايير الحيطة المالية ما هو إلا أداة مفيدة، ويمكن أن تكون تلك المؤشرات المستخدمة كأساس لبناء نظام للإنذار المبكر للأزمات المالية مع ضرورة وضع قاعدة للبيانات الخاصة بهذه المؤشرات يتم التوسع فيها وتطويرها تدريجياً بحيث يمكن تقديم تقارير دورية عن حالة الاقتصاد والجهاز المصرفي لمواجهة احتمالات حدوث الأزمات قبل وقوعها. والنتيجة أن تداعيات الأزمة المالية العالمية في طريقها إلى الزوال، في حين ستتعافى اقتصادات المنطقة بشكل أسرع من العديد من الدول حول العالم.
::/fulltext::
::cck::878::/cck::
