العلاقات الخليجية – الصينية: مجالات وآليات التعاون

::cck::869::/cck::
::introtext::

تحكم العلاقات الخليجية – الصينية مصالح مشتركة عديدة، يأتي في مقدمتها الاقتصاد. فالعلاقات الاقتصادية الخليجية – الصينية علاقات تبادلية وثيقة. وتعد منطقة الخليج العربي مصدر الشريان الحيوي للعالم لتصدير الطاقة (النفط والغاز)، كما تعد الصين ثاني أكبر مستهلك للنفط في العالم بعد الولايات المتحدة الأمريكية. 

::/introtext::
::fulltext::

تحكم العلاقات الخليجية – الصينية مصالح مشتركة عديدة، يأتي في مقدمتها الاقتصاد. فالعلاقات الاقتصادية الخليجية – الصينية علاقات تبادلية وثيقة. وتعد منطقة الخليج العربي مصدر الشريان الحيوي للعالم لتصدير الطاقة (النفط والغاز)، كما تعد الصين ثاني أكبر مستهلك للنفط في العالم بعد الولايات المتحدة الأمريكية.

تعتبر السوق الصينية أكبر سوق استهلاكي في العالم وما يوفره ذلك من فرص ضخمة أمام الصادرات الخليجية من النفط والبتروكيماويات والأسمدة والألمنيوم. لذلك يدرك كل طرف حاجته إلى الطرف الآخر، والذي سوف يُتوّج في توقيع اتفاقية للتجارة الحرة بين الجانبين، كما أن هناك عاملاً مهماً يجمع الطرفين وهو الميراث الإيجابي للعلاقات الصينية – الخليجية والعربية بصورة عامة، فليست هناك (عقدة مُستَعمِر ومُستَعمَر)، بمعنى أنه لم يكن للصين أي مطامع استعمارية في منطقة الخليج ولم يبرز أي خلاف مباشر أو غير مباشر بين الطرفين حول القضايا المشتركة. كما أن هناك موقف الطرفين من القضايا التي تهم الطرف الآخر، فالدول الخليجية تدعم قضية الوحدة الصينية، وعلى الجانب الصيني يبرز دعم الصين للقضايا العربية التي تهم منطقة الخليج ومنها دعم القضية الفلسطينية. يضاف إلى ذلك السياسة الصينية القائمة على عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، وسياسة الانفتاح الاقتصادي المتزن. فقد شهدت العلاقات الخليجية – الصينية بعد مطلع التسعينات من القرن الماضي نمواً متزايداً، خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 وما أعقبها من تطورات، أضف إلى ذلك الأزمة المالية العالمية، وانطلاق المارد الصيني، بعد ما كانت العلاقات الخليجية قبل التسعينات من القرن الماضي حكراً على الغرب، وليس معنى ذلك أبداً انقطاع علاقاتها بالغرب، لكنها أخذت تنحو منحى فيه شيء من التوازن في العلاقات.

تعتبر الصين منذ عام 2003 المستهلك الثاني للنفط في العالم بعد الولايات المتحدة 

ومع أن الفترة الزمنية في العلاقات الخليجية – الصينية قصيرة نسبياً مقارنة بعلاقاتها مع الغرب والولايات المتحدة، إلا أنها تشهد وسوف تشهد مزيداً من الروابط التجارية والاستثمارية والتعليمية والثقافية، ومستقبلاً العلاقات السياسية، ويعود ذلك (العلاقات السياسية) في واقع الأمر إلى السياسة الصينية التي تنأى بنفسها، في الوقت الحالي، عن الانخراط بالشؤون الدولية، لكن مما لا شك فيه، ستنخرط الصين بالشأن الدولي بصورة أكبر، عاجلاً أم آجلاً، بحكم وزنها ومصالحها. فالنظام الدولي يتجه نحو نظام متعدد الأقطاب، الصين قطب مهم فيه.

وعلى الرغم من كل ذلك، لابد من وضع آليات مشتركة بين دول مجلس التعاون الخليجي والصين، ووضع القوانين والضوابط وتنفيذها لا أن تبقى حبراً على ورق، والسير على خطين متوازيين – حكومي وغير حكومي لتعزيز هذه العلاقات لما فيه مصلحة الطرفين.

أهمية الصين

تحظى الصين؛ (المارد الراقد في الشرق) كما وصفها نابليون بونابرت ، والذي (استيقظ الآن) على حد تعبير الرئيس الأمريكي السابق ريتشارد نيكسون ، بأهمية كبيرة من وجهة نظر دول مجلس التعاون الخليجي، فالصين من الدول الكبرى المرشحة لأن تكون أحد أقطاب النظام الدولي في المدى المنظور لما تتمتع به من قدرة وإمكانات، فهي الدولة الأكثر سكاناً في العالم، إذ يبلغ عدد سكانها بحسب إحصائيات عام 2009 نحو 1،334 مليار نسمة، (أي ما نسبته حوالي 19،56 في المائة من سكان العالم)، كما تسيطر على أكبر رقعة جغرافية في العالم، وتملك ثالث أضخم ترسانة نووية في العالم، وتتمتع بأعلى نمو اقتصادي في العالم، فخلال النصف الأول من التسعينات زاد الناتج المحلي للصين بمعدل 10 في المائة سنوياً، وهو توسع أدى إلى رواج توقعات بأن الصين ستتخطى الولايات المتحدة كأكبر قوة اقتصادية في العالم في نقطة ما في مطلع القرن الحادي والعشرين.

الصين من الدول الكبرى المرشحة لأن تكون أحد أقطاب النظام الدولي في المدى المنظور

وتؤكد المؤشرات الإحصائية المتاحة من مصادر مختلفة مدى تنامي القوة الاقتصادية للعملاق الصيني، حيث ارتفعت نسبة الناتج المحلي الإجمالي الصيني في الاقتصاد العالمي من واحد في المائة في عام 1978 إلى أكثر من 5 في المائة في عام 2007، وارتفعت نسبة التجارة الدولية الصينية في تجارة العالم من أقل من واحد في المائة في عام 1978 إلى حوالي 8 في المائة في عام 2007. وهي من الدول الخمس التي تتمتع بحق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن.

أهمية دول مجلس التعاون الخليجي

دول مجلس التعاون الخليجي الست (السعودية والإمارات والكويت وسلطنة عُمان وقطر والبحرين)، تستحوذ وحدها على أكثر من 40 في المائة من احتياطي النفط العالمي (معظمه يتركز في السعودية والإمارات والكويت، بينما يتركز الغاز في قطر).
وتتميز دول مجلس التعاون الخليجي باتساع مساحتها التي تبلغ (2673) ألف كيلومتر مربع، تغطي المملكة العربية السعودية ما نسبته (87،4 في المائة)، وقلة عدد السكان، حيث يبلغ مجموع الدول الست، وفق إحصائيات عام 2007 (36،2) مليون نسمة، بمن فيهم الوافدون الذين تبلغ نسبتهم حوالي 60 في المائة، بينما يبلغ الناتج المحلي (823) مليار دولار، ويبلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي (22،8) ألف دولار. كما تتمتع بفائض مالي كبير. على سبيل المثال بلغ إجمالي دخل النفط للأقطار الستة ما بين عام 2002-2008 حوالي (2500) مليار دولار.
يذكر أنه في السنوات الأخيرة، شهدت الصداقة بين بكين وأعضاء مجلس التعاون الخليجي تنمية شاملة، وارتفع حجم التجارة البينية بين الصين ودول المجلس ليصبح المجلس ثامن أكبر شريك تجاري للصين. كما قامت دول مجلس التعاون الخليجي مؤخراً ممثلة في اتحاد غرفها التجارية بإنشاء مركز للتجارة الخليجية في بكين.

ووفقاً للإحصائيات الرسمية فإن حجم التجارة الثنائية بين مجلس التعاون الخليجي والصين وصل عام 2007 إلى 58 مليار دولار، وبلغت قيمة الواردات السلعية لدول المجلس من الصين 30.3 مليار دولار، فيما وصلت قيمة الصادرات الخليجية إلى الصين 27.7 مليار دولار، مسجلاً معدل نمو بلغ 30 في المائة خلال العامين الماضيين، كما أن الشركات الصينية نشطة في مشاريع البنية الأساسية في دول المجلس، وفي العام الماضي تجاوزت الواردات النفطية الصينية من دول المجلس 40 مليون طن. ففي ظل النمو السريع لاقتصاد الجانبين وزيادة الاستثمارات المتبادلة، تم إنشاء عدد كبير من الشركات المشتركة الصينية-الخليجية، بالإضافة إلى ذلك، شهد تبادل الأفراد ازدهاراً غير مسبوق، إذ بلغ عدد الرحلات الجوية للركاب بين الصين ودول المجلس أكثر من 70 رحلة أسبوعياً.

العلاقات الخليجية -الصينية: آفاق المستقبل

لكي نستشرف آفاق المستقبل في العلاقات بين دول مجلس التعاون الخليجي والصين، لا بد لنا من طرح السؤال التالي، ما هي المصالح المشتركة التي تدفع الطرفين، الخليجي والصيني للسعي إلى تطوير وتعزيز العلاقات بينهما؟ وما هي التحديات والعقبات التي قد تقف حائلاً دون تحقيق ذلك الهدف؟
إن الصين ودول الخليج العربية لديهما منافع متبادلة ومصالح مشتركة، فدول الخليج العربية تستطيع أن توفر عنصرين أساسيين في استراتيجية الصين الاقتصادية هما النفط والأسواق التجارية. وكما ذكرنا، تعتبر الصين ومنذ عام 2003 المستهلك الثاني للنفط في العالم بعد الولايات المتحدة. كما تعتبر دول الخليج العربية ثامن أكبر شريك تجاري للصين في العالم وتاسع أكبر سوق تصدير للصين.
أما الصين فباستطاعتها، وهي عضو دائم في مجلس الأمن، تقديم دعم سياسي ودولي لدول الخليج، وأن تكون وسيطاً محايداً في النزاعات بين الدول، حيث إن أهم ما يميز السياسة الصينية هو عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وهي السياسة التي تدعو إليها دول الخليج، بل تشكو من ممارسات بعض القوى الكبرى لتدخلها في الشؤون الداخلية للدول الأخرى وانحيازها في كثير من الأحيان إلى جانب المعتدي.

إن باستطاعة الصين تقديم دعم تكنولوجي وصناعي للدول الخليجية التي تمتلك رؤوس أموال قادرة على تحويل اقتصاداتها عبرها إلى اقتصادات صناعية شرط تجاوز بعض العوائق المتعلقة بالأمر، ومنها تسهيل الإجراءات والشروط المعيقة لذلك. كما تستطيع الصين وعبر أسواقها وقطاعاتها الاقتصادية أن تكون ملجأ ممتازاً لرؤوس الأموال والاستثمارات وخاصة إثر الفوائض المالية المحققة نتيجة لارتفاع أسعار النفط، وهو الأمر الذي سيؤمن أرباحاً كبيرة إذا ما تمّ استثمار هذه الفوائض الخليجية في اقتصاد نام ونشيط كاقتصاد الصين.
وتستطيع الصين أيضاً وعبر بناء علاقات استراتيجية معها كسر التحالف الأحادي مع أمريكا، وتحقيق توازن سياسي وعسكري واقتصادي، وأن توفر لدول الخليج خيارات أكبر وسياسات أرصن. كما تستطيع الصين تحقيق توازن في الصراع العربي – الإسرائيلي بعد الدعم اللا محدود الأمريكي لإسرائيل. ومن إيجابية التحالف الخليجي مع الصين أن للصين علاقات طيبة وجيدة مع العديد من الدول العربية، وهو على عكس ما كان قائماً إبان الحرب الباردة من انقسام الدول العربية بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة.

ويمكن أن تتولى الصين مهمة إقناع إيران في التوصل إلى حل أزمة ملفها النووي مع الدول الست، هذه الأزمة التي تشكل، إن تفاقمت مصدر تهديد لأمن واستقرار المنطقة. كما يمكن أن تلعب دور الوسيط بين دول الخليج العربية وإيران في بعض القضايا الخلافية كمسألة الجزر الإماراتية الثلاث (أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى). وكذلك الأمر، في موضوع الصراع العربي-الإسرائيلي، وذلك لعلاقة الصين مع كل من إيران وإسرائيل.

التحديات والعقبات في وجه علاقات خليجية – صينية متينة:

1- عدم وجود سياسة خارجية موحدة لدى دول المجلس، رغم العوامل المشتركة العديدة، وبالتالي قد تختلف القوانين والإجراءات في تعاملها مع أطراف خارجية.
2- القوانين والإجراءات البيروقراطية الحالية المطبقة في التعامل بين الجانبين، الخليجي والصيني كانسياب البضائع والأفراد، تحدّ من سرعة تطوير هذه العلاقات.
3- قلة عدد الباحثين والمهتمين بالشأن الصيني في دول الخليج العربية نسبة إلى عدد واهتمامات زملائهم في اختصاصات لدى الصين، وقلة انتشار معاهد تعليم اللغات الصينية، بينما نرى اهتمام الصينيين باللغة العربية أكبر.
4- على الرغم من الاهتمام الحالي بالتعاون الثقافي والإعلامي بين الجانبين، إلا أنه لا يزال ضعيفاً ولا يرقى إلى مستوى العلاقات والمصالح الاقتصادية بين الطرفين.
5- تردد الصين في الوقت الحالي في إنشاء علاقات استراتيجية على شكل تحالفات نظراً لضعف الجانب السياسي لديها مقارنة بالجانب الاقتصادي وخوفاً من أن يحدث تحركها هذا ردة فعل سلبية لدى الولايات المتحدة فتدخل معها في دائرة صراع قبل أن تتهيأ لهذا الوضع.

المجالات والآليات المطلوبة لتعزيز التعاون بين دول الخليج والصين
لتعزيز التعاون بين دول مجلس التعاون الخليجي والصين في كافة المجالات، لا بد من التركيز على ما يلي:

1- ضرورة الإسراع بإطلاق آلية الحوار الاستراتيجي بين الصين ومجلس التعاون الخليجي، وتنشيط الدبلوماسية الرسمية من خلال الاتصال المستمر بين وزارات الخارجية والسفارات المقيمة لتبادل الأفكار وتنسيق المواقف في المحافل الدولية والإقليمية.
2- التعاون في مجال محاربة الإرهاب والقرصنة من خلال تشكيل دوريات مشتركة وتبادل المعلومات.
3- تنشيط الدبلوماسية العامة من خلال المؤسسات غير الرسمية ورجال الفكر والأعمال والإعلام، بما يعزز الدعم الشعبي بين الجانبين.
4- ضرورة مواصلة استكمال آليات التعاون، حيث إن إقامة منطقة التجارة الحرة بين الصين والمجلس أمر يتفق مع المصلحة الأساسية وبعيدة المدى للجانبين ويكتسب أهمية كبيرة في تعميق التعاون المتبادل وتحقيق التنمية المشتركة للجانبين. لذلك ينبغي الإسراع في التوقيع على اتفاقية إقامة منطقة التجارة الحرة وتنفيذها.
5- ضرورة تعزيز التعاون الاستثماري والمالي وتشجيع شركات كل من الجانبين على الاستثمار والمشاركة في تطوير البنية التحتية في الجانب الآخر، وإقامة المشاريع المشتركة.
6- تسهيل إجراءات تنقل الأفراد والبضائع، وذلك من خلال سن القوانين والتشريعات المساعدة على حركة الدخول البري والبحري والجوي.
7- تشجيع حركة السياحة من خلال تنشيط المكاتب السياحية والإعلام السياحي.
8- تطوير العلاقات بين المؤسسات الرسمية الاقتصادية والتعليمية والتقنية والثقافية والإعلامية، الخليجية والصينية.
9- القيام بدراسات مشتركة، وعقد ندوات ومؤتمرات تتناول كافة المجالات الاقتصادية والعلمية والسياسية والاجتماعية والإعلامية وغيرها.
10- تبادل البعثات العلمية.
11- إنشاء مراكز لتعلم اللغتين العربية والصينية.
12- تشجيع حركة الترجمة والنشر باللغتين العربية والصينية.

وختاماً نقول إن آفاق قيام علاقات وروابط أفضل بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي ليست مقتصرة على مجالات محددة، وذلك في ضوء العوامل والمصالح المشتركة بين الجانبين، ورغبة كلا الجانبين في تطوير هذه العلاقات. ومع أن الفترة الزمنية في العلاقات الخليجية- الصينية قصيرة نسبياً مقارنة بعلاقاتها مع الغرب والولايات المتحدة، إلا أنها تشهد وسوف تشهد مزيداً من الروابط التجارية والاستثمارية والتعليمية والثقافية، ومستقبلاً العلاقات السياسية والأمنية.
وعلى الرغم من كل ذلك، لا بد من وضع آليات مشتركة بين دول مجلس التعاون الخليجي والصين، وأيضاً وضع القوانين والضوابط وتنفيذها، والسير على خطين متوازيين – حكومي وغير حكومي – لتعزيز هذه العلاقات لما فيه مصلحة الطرفين.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::869::/cck::
::introtext::

تحكم العلاقات الخليجية – الصينية مصالح مشتركة عديدة، يأتي في مقدمتها الاقتصاد. فالعلاقات الاقتصادية الخليجية – الصينية علاقات تبادلية وثيقة. وتعد منطقة الخليج العربي مصدر الشريان الحيوي للعالم لتصدير الطاقة (النفط والغاز)، كما تعد الصين ثاني أكبر مستهلك للنفط في العالم بعد الولايات المتحدة الأمريكية. 

::/introtext::
::fulltext::

تحكم العلاقات الخليجية – الصينية مصالح مشتركة عديدة، يأتي في مقدمتها الاقتصاد. فالعلاقات الاقتصادية الخليجية – الصينية علاقات تبادلية وثيقة. وتعد منطقة الخليج العربي مصدر الشريان الحيوي للعالم لتصدير الطاقة (النفط والغاز)، كما تعد الصين ثاني أكبر مستهلك للنفط في العالم بعد الولايات المتحدة الأمريكية.

تعتبر السوق الصينية أكبر سوق استهلاكي في العالم وما يوفره ذلك من فرص ضخمة أمام الصادرات الخليجية من النفط والبتروكيماويات والأسمدة والألمنيوم. لذلك يدرك كل طرف حاجته إلى الطرف الآخر، والذي سوف يُتوّج في توقيع اتفاقية للتجارة الحرة بين الجانبين، كما أن هناك عاملاً مهماً يجمع الطرفين وهو الميراث الإيجابي للعلاقات الصينية – الخليجية والعربية بصورة عامة، فليست هناك (عقدة مُستَعمِر ومُستَعمَر)، بمعنى أنه لم يكن للصين أي مطامع استعمارية في منطقة الخليج ولم يبرز أي خلاف مباشر أو غير مباشر بين الطرفين حول القضايا المشتركة. كما أن هناك موقف الطرفين من القضايا التي تهم الطرف الآخر، فالدول الخليجية تدعم قضية الوحدة الصينية، وعلى الجانب الصيني يبرز دعم الصين للقضايا العربية التي تهم منطقة الخليج ومنها دعم القضية الفلسطينية. يضاف إلى ذلك السياسة الصينية القائمة على عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، وسياسة الانفتاح الاقتصادي المتزن. فقد شهدت العلاقات الخليجية – الصينية بعد مطلع التسعينات من القرن الماضي نمواً متزايداً، خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 وما أعقبها من تطورات، أضف إلى ذلك الأزمة المالية العالمية، وانطلاق المارد الصيني، بعد ما كانت العلاقات الخليجية قبل التسعينات من القرن الماضي حكراً على الغرب، وليس معنى ذلك أبداً انقطاع علاقاتها بالغرب، لكنها أخذت تنحو منحى فيه شيء من التوازن في العلاقات.

تعتبر الصين منذ عام 2003 المستهلك الثاني للنفط في العالم بعد الولايات المتحدة 

ومع أن الفترة الزمنية في العلاقات الخليجية – الصينية قصيرة نسبياً مقارنة بعلاقاتها مع الغرب والولايات المتحدة، إلا أنها تشهد وسوف تشهد مزيداً من الروابط التجارية والاستثمارية والتعليمية والثقافية، ومستقبلاً العلاقات السياسية، ويعود ذلك (العلاقات السياسية) في واقع الأمر إلى السياسة الصينية التي تنأى بنفسها، في الوقت الحالي، عن الانخراط بالشؤون الدولية، لكن مما لا شك فيه، ستنخرط الصين بالشأن الدولي بصورة أكبر، عاجلاً أم آجلاً، بحكم وزنها ومصالحها. فالنظام الدولي يتجه نحو نظام متعدد الأقطاب، الصين قطب مهم فيه.

وعلى الرغم من كل ذلك، لابد من وضع آليات مشتركة بين دول مجلس التعاون الخليجي والصين، ووضع القوانين والضوابط وتنفيذها لا أن تبقى حبراً على ورق، والسير على خطين متوازيين – حكومي وغير حكومي لتعزيز هذه العلاقات لما فيه مصلحة الطرفين.

أهمية الصين

تحظى الصين؛ (المارد الراقد في الشرق) كما وصفها نابليون بونابرت ، والذي (استيقظ الآن) على حد تعبير الرئيس الأمريكي السابق ريتشارد نيكسون ، بأهمية كبيرة من وجهة نظر دول مجلس التعاون الخليجي، فالصين من الدول الكبرى المرشحة لأن تكون أحد أقطاب النظام الدولي في المدى المنظور لما تتمتع به من قدرة وإمكانات، فهي الدولة الأكثر سكاناً في العالم، إذ يبلغ عدد سكانها بحسب إحصائيات عام 2009 نحو 1،334 مليار نسمة، (أي ما نسبته حوالي 19،56 في المائة من سكان العالم)، كما تسيطر على أكبر رقعة جغرافية في العالم، وتملك ثالث أضخم ترسانة نووية في العالم، وتتمتع بأعلى نمو اقتصادي في العالم، فخلال النصف الأول من التسعينات زاد الناتج المحلي للصين بمعدل 10 في المائة سنوياً، وهو توسع أدى إلى رواج توقعات بأن الصين ستتخطى الولايات المتحدة كأكبر قوة اقتصادية في العالم في نقطة ما في مطلع القرن الحادي والعشرين.

الصين من الدول الكبرى المرشحة لأن تكون أحد أقطاب النظام الدولي في المدى المنظور

وتؤكد المؤشرات الإحصائية المتاحة من مصادر مختلفة مدى تنامي القوة الاقتصادية للعملاق الصيني، حيث ارتفعت نسبة الناتج المحلي الإجمالي الصيني في الاقتصاد العالمي من واحد في المائة في عام 1978 إلى أكثر من 5 في المائة في عام 2007، وارتفعت نسبة التجارة الدولية الصينية في تجارة العالم من أقل من واحد في المائة في عام 1978 إلى حوالي 8 في المائة في عام 2007. وهي من الدول الخمس التي تتمتع بحق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن.

أهمية دول مجلس التعاون الخليجي

دول مجلس التعاون الخليجي الست (السعودية والإمارات والكويت وسلطنة عُمان وقطر والبحرين)، تستحوذ وحدها على أكثر من 40 في المائة من احتياطي النفط العالمي (معظمه يتركز في السعودية والإمارات والكويت، بينما يتركز الغاز في قطر).
وتتميز دول مجلس التعاون الخليجي باتساع مساحتها التي تبلغ (2673) ألف كيلومتر مربع، تغطي المملكة العربية السعودية ما نسبته (87،4 في المائة)، وقلة عدد السكان، حيث يبلغ مجموع الدول الست، وفق إحصائيات عام 2007 (36،2) مليون نسمة، بمن فيهم الوافدون الذين تبلغ نسبتهم حوالي 60 في المائة، بينما يبلغ الناتج المحلي (823) مليار دولار، ويبلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي (22،8) ألف دولار. كما تتمتع بفائض مالي كبير. على سبيل المثال بلغ إجمالي دخل النفط للأقطار الستة ما بين عام 2002-2008 حوالي (2500) مليار دولار.
يذكر أنه في السنوات الأخيرة، شهدت الصداقة بين بكين وأعضاء مجلس التعاون الخليجي تنمية شاملة، وارتفع حجم التجارة البينية بين الصين ودول المجلس ليصبح المجلس ثامن أكبر شريك تجاري للصين. كما قامت دول مجلس التعاون الخليجي مؤخراً ممثلة في اتحاد غرفها التجارية بإنشاء مركز للتجارة الخليجية في بكين.

ووفقاً للإحصائيات الرسمية فإن حجم التجارة الثنائية بين مجلس التعاون الخليجي والصين وصل عام 2007 إلى 58 مليار دولار، وبلغت قيمة الواردات السلعية لدول المجلس من الصين 30.3 مليار دولار، فيما وصلت قيمة الصادرات الخليجية إلى الصين 27.7 مليار دولار، مسجلاً معدل نمو بلغ 30 في المائة خلال العامين الماضيين، كما أن الشركات الصينية نشطة في مشاريع البنية الأساسية في دول المجلس، وفي العام الماضي تجاوزت الواردات النفطية الصينية من دول المجلس 40 مليون طن. ففي ظل النمو السريع لاقتصاد الجانبين وزيادة الاستثمارات المتبادلة، تم إنشاء عدد كبير من الشركات المشتركة الصينية-الخليجية، بالإضافة إلى ذلك، شهد تبادل الأفراد ازدهاراً غير مسبوق، إذ بلغ عدد الرحلات الجوية للركاب بين الصين ودول المجلس أكثر من 70 رحلة أسبوعياً.

العلاقات الخليجية -الصينية: آفاق المستقبل

لكي نستشرف آفاق المستقبل في العلاقات بين دول مجلس التعاون الخليجي والصين، لا بد لنا من طرح السؤال التالي، ما هي المصالح المشتركة التي تدفع الطرفين، الخليجي والصيني للسعي إلى تطوير وتعزيز العلاقات بينهما؟ وما هي التحديات والعقبات التي قد تقف حائلاً دون تحقيق ذلك الهدف؟
إن الصين ودول الخليج العربية لديهما منافع متبادلة ومصالح مشتركة، فدول الخليج العربية تستطيع أن توفر عنصرين أساسيين في استراتيجية الصين الاقتصادية هما النفط والأسواق التجارية. وكما ذكرنا، تعتبر الصين ومنذ عام 2003 المستهلك الثاني للنفط في العالم بعد الولايات المتحدة. كما تعتبر دول الخليج العربية ثامن أكبر شريك تجاري للصين في العالم وتاسع أكبر سوق تصدير للصين.
أما الصين فباستطاعتها، وهي عضو دائم في مجلس الأمن، تقديم دعم سياسي ودولي لدول الخليج، وأن تكون وسيطاً محايداً في النزاعات بين الدول، حيث إن أهم ما يميز السياسة الصينية هو عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وهي السياسة التي تدعو إليها دول الخليج، بل تشكو من ممارسات بعض القوى الكبرى لتدخلها في الشؤون الداخلية للدول الأخرى وانحيازها في كثير من الأحيان إلى جانب المعتدي.

إن باستطاعة الصين تقديم دعم تكنولوجي وصناعي للدول الخليجية التي تمتلك رؤوس أموال قادرة على تحويل اقتصاداتها عبرها إلى اقتصادات صناعية شرط تجاوز بعض العوائق المتعلقة بالأمر، ومنها تسهيل الإجراءات والشروط المعيقة لذلك. كما تستطيع الصين وعبر أسواقها وقطاعاتها الاقتصادية أن تكون ملجأ ممتازاً لرؤوس الأموال والاستثمارات وخاصة إثر الفوائض المالية المحققة نتيجة لارتفاع أسعار النفط، وهو الأمر الذي سيؤمن أرباحاً كبيرة إذا ما تمّ استثمار هذه الفوائض الخليجية في اقتصاد نام ونشيط كاقتصاد الصين.
وتستطيع الصين أيضاً وعبر بناء علاقات استراتيجية معها كسر التحالف الأحادي مع أمريكا، وتحقيق توازن سياسي وعسكري واقتصادي، وأن توفر لدول الخليج خيارات أكبر وسياسات أرصن. كما تستطيع الصين تحقيق توازن في الصراع العربي – الإسرائيلي بعد الدعم اللا محدود الأمريكي لإسرائيل. ومن إيجابية التحالف الخليجي مع الصين أن للصين علاقات طيبة وجيدة مع العديد من الدول العربية، وهو على عكس ما كان قائماً إبان الحرب الباردة من انقسام الدول العربية بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة.

ويمكن أن تتولى الصين مهمة إقناع إيران في التوصل إلى حل أزمة ملفها النووي مع الدول الست، هذه الأزمة التي تشكل، إن تفاقمت مصدر تهديد لأمن واستقرار المنطقة. كما يمكن أن تلعب دور الوسيط بين دول الخليج العربية وإيران في بعض القضايا الخلافية كمسألة الجزر الإماراتية الثلاث (أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى). وكذلك الأمر، في موضوع الصراع العربي-الإسرائيلي، وذلك لعلاقة الصين مع كل من إيران وإسرائيل.

التحديات والعقبات في وجه علاقات خليجية – صينية متينة:

1- عدم وجود سياسة خارجية موحدة لدى دول المجلس، رغم العوامل المشتركة العديدة، وبالتالي قد تختلف القوانين والإجراءات في تعاملها مع أطراف خارجية.
2- القوانين والإجراءات البيروقراطية الحالية المطبقة في التعامل بين الجانبين، الخليجي والصيني كانسياب البضائع والأفراد، تحدّ من سرعة تطوير هذه العلاقات.
3- قلة عدد الباحثين والمهتمين بالشأن الصيني في دول الخليج العربية نسبة إلى عدد واهتمامات زملائهم في اختصاصات لدى الصين، وقلة انتشار معاهد تعليم اللغات الصينية، بينما نرى اهتمام الصينيين باللغة العربية أكبر.
4- على الرغم من الاهتمام الحالي بالتعاون الثقافي والإعلامي بين الجانبين، إلا أنه لا يزال ضعيفاً ولا يرقى إلى مستوى العلاقات والمصالح الاقتصادية بين الطرفين.
5- تردد الصين في الوقت الحالي في إنشاء علاقات استراتيجية على شكل تحالفات نظراً لضعف الجانب السياسي لديها مقارنة بالجانب الاقتصادي وخوفاً من أن يحدث تحركها هذا ردة فعل سلبية لدى الولايات المتحدة فتدخل معها في دائرة صراع قبل أن تتهيأ لهذا الوضع.

المجالات والآليات المطلوبة لتعزيز التعاون بين دول الخليج والصين
لتعزيز التعاون بين دول مجلس التعاون الخليجي والصين في كافة المجالات، لا بد من التركيز على ما يلي:

1- ضرورة الإسراع بإطلاق آلية الحوار الاستراتيجي بين الصين ومجلس التعاون الخليجي، وتنشيط الدبلوماسية الرسمية من خلال الاتصال المستمر بين وزارات الخارجية والسفارات المقيمة لتبادل الأفكار وتنسيق المواقف في المحافل الدولية والإقليمية.
2- التعاون في مجال محاربة الإرهاب والقرصنة من خلال تشكيل دوريات مشتركة وتبادل المعلومات.
3- تنشيط الدبلوماسية العامة من خلال المؤسسات غير الرسمية ورجال الفكر والأعمال والإعلام، بما يعزز الدعم الشعبي بين الجانبين.
4- ضرورة مواصلة استكمال آليات التعاون، حيث إن إقامة منطقة التجارة الحرة بين الصين والمجلس أمر يتفق مع المصلحة الأساسية وبعيدة المدى للجانبين ويكتسب أهمية كبيرة في تعميق التعاون المتبادل وتحقيق التنمية المشتركة للجانبين. لذلك ينبغي الإسراع في التوقيع على اتفاقية إقامة منطقة التجارة الحرة وتنفيذها.
5- ضرورة تعزيز التعاون الاستثماري والمالي وتشجيع شركات كل من الجانبين على الاستثمار والمشاركة في تطوير البنية التحتية في الجانب الآخر، وإقامة المشاريع المشتركة.
6- تسهيل إجراءات تنقل الأفراد والبضائع، وذلك من خلال سن القوانين والتشريعات المساعدة على حركة الدخول البري والبحري والجوي.
7- تشجيع حركة السياحة من خلال تنشيط المكاتب السياحية والإعلام السياحي.
8- تطوير العلاقات بين المؤسسات الرسمية الاقتصادية والتعليمية والتقنية والثقافية والإعلامية، الخليجية والصينية.
9- القيام بدراسات مشتركة، وعقد ندوات ومؤتمرات تتناول كافة المجالات الاقتصادية والعلمية والسياسية والاجتماعية والإعلامية وغيرها.
10- تبادل البعثات العلمية.
11- إنشاء مراكز لتعلم اللغتين العربية والصينية.
12- تشجيع حركة الترجمة والنشر باللغتين العربية والصينية.

وختاماً نقول إن آفاق قيام علاقات وروابط أفضل بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي ليست مقتصرة على مجالات محددة، وذلك في ضوء العوامل والمصالح المشتركة بين الجانبين، ورغبة كلا الجانبين في تطوير هذه العلاقات. ومع أن الفترة الزمنية في العلاقات الخليجية- الصينية قصيرة نسبياً مقارنة بعلاقاتها مع الغرب والولايات المتحدة، إلا أنها تشهد وسوف تشهد مزيداً من الروابط التجارية والاستثمارية والتعليمية والثقافية، ومستقبلاً العلاقات السياسية والأمنية.
وعلى الرغم من كل ذلك، لا بد من وضع آليات مشتركة بين دول مجلس التعاون الخليجي والصين، وأيضاً وضع القوانين والضوابط وتنفيذها، والسير على خطين متوازيين – حكومي وغير حكومي – لتعزيز هذه العلاقات لما فيه مصلحة الطرفين.

::/fulltext::
::cck::869::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *