اليابان.. العودة إلى الانحياز الاستراتيجي (تغييرات متناغمة)

::cck::872::/cck::
::introtext::

بدأ صناع السياسة اليابانية، بدأب وعن قصد وبإشارات لا تقبل الالتباس، باتخاذ خطوات رئيسية جديدة ضمن إعادة تقييم مستمرة لاستراتيجية بلادهم من شأنها أن تؤدي بلا مراء إلى تحول اليابان إلى قوة (طبيعية). وقد أقدمت طوكيو وواشنطن في التاسع والعشرين من أكتوبر الماضي، على تغييرات في ثوابت تعاونهما الأمني طويل المدى، تتضمن تحولات مهمة في الأدوار والمهمات والقدرات، وتمهد لاتباع خيارات سوف تتجلى خلال الأعوام الستة المقبلة. وقد كشف الحزب الليبرالي الديمقراطي الحاكم في اليابان، للمرة الأولى، عن وثيقة طال انتظارها خاصة بالتعديلات الدستورية، تقترح تغييرات في السياسات الوطنية التي رسمت من جانب قوات الاحتلال الأمريكية أواخر عام 1946. 

::/introtext::
::fulltext::

نُشر هذا المقال أصلاً باللغة الإنجليزية في (تعليقات استراتيجية)المجلد الحادي عشر، العدد التاسع، نوفمبر 2005، وقام مركز الخليج للأبحاث بترجمته ونشره باللغة العربية في العدد الثامن من سلسلة ترجمات خليجية، أغسطس 2006، وذلك بناءً على اتفاق مع المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية.

 بدأ صناع السياسة اليابانية، بدأب وعن قصد وبإشارات لا تقبل الالتباس، باتخاذ خطوات رئيسية جديدة ضمن إعادة تقييم مستمرة لاستراتيجية بلادهم من شأنها أن تؤدي بلا مراء إلى تحول اليابان إلى قوة (طبيعية). وقد أقدمت طوكيو وواشنطن في التاسع والعشرين من أكتوبر الماضي، على تغييرات في ثوابت تعاونهما الأمني طويل المدى، تتضمن تحولات مهمة في الأدوار والمهمات والقدرات، وتمهد لاتباع خيارات سوف تتجلى خلال الأعوام الستة المقبلة. وقد كشف الحزب الليبرالي الديمقراطي الحاكم في اليابان، للمرة الأولى، عن وثيقة طال انتظارها خاصة بالتعديلات الدستورية، تقترح تغييرات في السياسات الوطنية التي رسمت من جانب قوات الاحتلال الأمريكية أواخر عام 1946.

ويمكن أن تكون هذه التعديلات الدستورية أكثر تناسقاً من (قواعد الطريق)، بالنسبة للتحالف. وتذهب وثيقة الحزب الليبرالي الديمقراطي إلى الكشف عن خيارات أبعد في الاستراتيجية الأمنية المستقبلية اليابانية، كما يحددها اليابانيون أنفسهم، بدلاً من الخيارات المحددة من جانب الحليف الأمريكي. وعلى الرغم من أن هذه العملية لا تزال في مراحلها الابتدائية، فإنها سوف تعيد بلا شك، صياغة الأدوار والمسؤوليات السياسية العسكرية اليابانية، وستكون لها آثار أساسية على التحالف الأمريكي-الياباني، وعلى علاقات طوكيو مع الدول المجاورة، التي ينظر بعضها إلى نشوء (يابان طبيعية) بشيء من القلق، وبمظاهر من العدائية الصريحة.

النقاش الداخلي

تمثل الاستعدادات لتقديم مشروع للدستور، التي رعاها رئيس الوزراء السابق يوشيرو موري، حصيلة لنقاش ممتد على مدى عقد ونصف العقد، بشأن التوجهات الأمنية اليابانية في مرحلة ما بعد الحرب الباردة. ويذكر أن اليابان اتبعت (دبلوماسية دفتر الشيكات)، قبل حرب الخليج سنة 1991، وكانت تقدم المال بدلاً من الدعم العملي للجهود العسكرية، وكان الزعماء اليابانيون يتشبثون بالأغراض الاستراتيجية والإطار القانوني للتحالف الياباني-الأمريكي. وقد أظهرت اليابان بداية عدم قدرتها على القيام بدور مختلف في عالم ما بعد الحرب الباردة. وكان كبار المسؤولين اليابانيين يتحدثون باستمرار عن الوضعية غير المتناسقة إلى حد بعيد لصفقة التحالف مع واشنطن، واستمرار القيود على دور القوات اليابانية المسلحة، خارج نطاق الدفاع عن الجزر والمياه الإقليمية، والأجواء اليابانية. وقد أكدت عمليات إعادة النظر في الاستراتيجية الأمريكية-اليابانية المشتركة، التي تمت منتصف وأواخر التسعينات من القرن الماضي، الدور المركزي لليابان في استراتيجيات التحالفات الإقليمية الأمريكية، لكن المسؤولين الأمريكيين كانوا يحاولون باستمرار توسيع آفاق التعاون الأمني. وقد سعت إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش تحديداً، إلى تعزيز التحالف الأمريكي-الياباني، متوقعة تحرك طوكيو بحيث تقترب أكثر من وضع القوة (الطبيعية).

ويذكر أن واشنطن دأبت خلال الأعوام القليلة الماضية على توطيد العلاقة مع جونيشيرو كويزومي رئيس الوزراء الياباني الحالي، الذي يعتبر عنصراً مهماً في عملية التغيير الداخلي. كما أن مراجعة للأولويات الاستراتيجية اليابانية شاركت فيها مجموعة استشارية رفيعة المستوى، وأجريت بتوجيهات من كويزومي نفسه، ونشرت نتائجها في أكتوبر سنة 2004، أكدت الحاجة إلى وجود (قوة دفاع مرنة متعددة الإمكانات والمهام). وأشارت دراسة هذه المجموعة إلى تصاعد القلق من ازدياد القوة العسكرية للصين، ومن الصواريخ البالستية والأسلحة النووية الكورية الشمالية، والتهديدات التي نشأت بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، بالإضافة إلى الأخطار الناتجة عن انتشار أسلحة الدمار الشامل.

ومن الصعب أن تكون مقاربة التحديات التي تثيرها هذه التطورات، وتلك التي يتحدث عنها كبار المسؤولين الأمريكيين، مجرد مصادفة.

ويمكن القول أساساً، إن إعادة تقييم الاستراتيجية الأمنية لليابان تعكس حقيقة انتقال مركز الجذب في سياستها الداخلية. ويذكر أيضاً، أن قادة اليسار السياسي الياباني، الذي يزداد تهميشاً، أصبحوا أقل التباساً في فهم تصاعد دور القوة الرئيسية والمهيمنة حالياً في العالم.

وعلى الرغم من أن قادة يابانيين، مثل كويزومي لا يزالون يدركون تماماً طبيعة العلاقة الأمنية بين الولايات المتحدة الأمريكية واليابان، فإن رابطة التحالف هذه تعتبر في نظرهم وسيلة نحو حضور ياباني أضخم. وهناك اهتمام خاص باحتمال إدخال تعديلات على المادة التاسعة من الدستور الياباني الذي أعدته الولايات المتحدة، والذي يشير إلى أن اليابان تنبذ استخدام أسلوب التهديد أو استخدام القوة العسكرية لحل النزاعات الدولية، وتغيب عنه الإشارة إلى الحق في الدفاع الذاتي الشامل. وبينما تشرذمت هذه المسائل على مدى العقود الماضية، فقد تبدل اتجاه الحراك السياسي خلال الأعوام الأخيرة فقط نحو تعديل الدستور. وتشكل الإجراءات التشريعية التي أتاحت لليابانيين نشر وجود عسكري لهم في المحيط الهندي بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، وما تبعها من إرسال قوات حفظ سلام يابانية إلى العراق، خطوات مرحلية في طريق تحقيق تغييرات أكبر. وقد أصبح المعنيّ في هذا المسار أكثر سهولة، بعد الفوز الساحق لكويزومي في انتخابات الحادي عشر من سبتمبر عام 2005، وتأييد التغييرات من جانب الحزب الديمقراطي الياباني، الذي يعتبر أكبر أحزاب المعارضة. غير أن استمرار معارضة (حزب كوميتو الجديد)، شريك كويزومي في الائتلاف الحكومي، يشير إلى أن إقرار التعديلات الممكنة قد يحتاج إلى بعض الأعوام.

ويتحدث مشروع الدستور للمرة الأولى عن الإبقاء على (قوات عسكرية لأغراض الدفاع عن النفس)، ويشير إلى رئيس الوزراء بصفته (القائد الأعلى). ويسعى هذا الدستور أيضاً إلى الارتقاء بدور وكالة الدفاع اليابانية، لتصبح مكانتها في مجلس الوزراء مكافئة للوزارات الأخرى. وعلى الرغم من غياب (حق الدفاع الذاتي) عن مشروع الدستور الحديث، فإن واضعي نصوصه يؤكدون أن مثل هذا الحق سوف يحظى بإقرار صريح عبر تشريع منفصل، بحيث يتيح دوراً يابانياً أكبر، على الصعيد الأمني الدولي، بينما يشير إلى موضوع نشر قوات يابانية داخل نطاق الأراضي الوطنية.

لكن الحكاية التي سادت طويلاً بأن (قوات الدفاع اليابانية)، لا تعني وجود جيش رسمي، تبدو بمرور الوقت أكثر عرضة للشكوك في صحتها، في ظل نية طوكيو تحديد دور أمني متكافئ، ولو لخدمة الهدف الأساسي وهو الدفاع عن اليابان، والمشاركة في عمليات حفظ السلام متعددة الجنسيات، وفي مناطق محددة ذات صلة بالتعاون الأمني مع الولايات المتحدة الأمريكية، وخاصة في مجال الصواريخ البالستية، والجهود المتصاعدة لتحريم أنشطة أسلحة الدمار الشامل، تحت مظلة (مبادرة الانتشار الأمني).                                                                                                    

نحو صفقة تحالف جديدة

تبدي الولايات المتحدة الأمريكية اهتماماً كبيراً، بصفتها شريكاً غير مباشر، بهذه النيات الداخلية اليابانية. وتدرك طوكيو أنها تعتبر بمثابة خيار الشراكة الأمنية للولايات المتحدة في شرق آسيا، عبر وجود قوات بحرية وجوية أمريكية فيها، ونحو 50 ألف جندي أمريكي منتشرين في قواعد وتسهيلات داخل اليابان. ويضاف إلى ذلك أن إقامة قواعد وتسهيلات متكاملة، وتعزيز التفاعل مع القوات المحلية يكتسبان أهمية متنامية، في ضوء ازدياد اهتمام إدارة الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش بتدعيم وجود القوة العسكرية الأمريكية في مواقع بعيدة عن الولايات المتحدة لاستخدامها بصورة فورية عند الحاجة. وإذا لم تحصل الولايات المتحدة على تسهيلات أوسع ومراكز تموين وإسناد في الموانئ والمطارات اليابانية، فإن قدرتها على عرض قوتها في مناطق غرب المحيط الهادي سوف تضعف كثيراً جداً.

وبادرت واشنطن وطوكيو أواخر العام 2002 إلى إجراء مشاورات في ما بينهما بشأن مستقبل تحالفهما، تضمنت على غير العادة طيفاً واسعاً من القضايا، وذلك كجزء من عملية إعادة نظر أضخم في الاستراتيجيات الدفاعية الإقليمية الأمريكية. إلا أن إعادة النظر في التحالف الأمريكي-الياباني واجهت في أي حال عراقيل ومشاكسات قوية لها صلة إلى حد كبير بحساسيات السكان المحليين اليابانيين، والمشاحنات المتواترة بين المدنيين وأفراد القوات الأمريكية، وقضايا تخريب البيئة المرتبطة بالعمليات العسكرية الأمريكية. وتجلت هذه الخلافات بوضوح في جزيرة أوكيناوا، حيث يوجد نحو نصف القوات العسكرية الأمريكية المتمركزة في اليابان، والتي طالما سعى سكانها المحليون إلى نقل التسهيلات الأمريكية بعيداً عن الأماكن ذات الكثافة السكانية المرتفعة.

وقد فشلت على مدى يقارب قرناً من الزمن جهود التوصل إلى اتفاق لتغيير موقع قاعدة (فوتينما) الجوية التابعة لقوات مشاة البحرية الأمريكية (المارينز)، وفشل الجانبان في ردم هوة الخلاف بينهما للاتفاق على موقع جديد لهذه القاعدة. وقد بدأت الجهود الخاصة بعملية الانتقال بعد تعرض تلميذات يابانيات للاغتصاب من جانب جنود أمريكيين. وقد عبر السياسيون الأمريكيون، بصراحة أحياناً، عن شعورهم بالحيرة والإحباط، بسبب الوتيرة الفاترة للمفاوضات. وقد بدا أن المفاوضات كانت قد وصلت إلى ذروتها أواخر أكتوبر 2005، عندما أعلن ريتشارد لوليس نائب وكيل وزارة الخارجية الأمريكية للشؤون السياسية في مناطق شرقي آسيا والباسيفيك عن الاستياء الشديد بسبب الضعف الذي يلحق بالتحالف بين الدولتين (بسبب ذلك الحوار الذي لا نهاية له، حول قضايا هامشية وضيقة). وأكدت واشنطن شعورها بالإحباط، عبر إحجام دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأمريكي السابق، عن زيارة اليابان خلال جولته الآسيوية في أكتوبر 2005، والتي حملته إلى كوريا الجنوبية والصين ومنغوليا.

وقد كُسر هذا المأزق على نحو مفاجئ، في خضم هذه التوترات، إذ أعلنت قيادة الأسطول البحري الأمريكي في السابع والعشرين من أكتوبر عن التوصل إلى اتفاق مع اليابان بشأن انتشار حاملة الطائرات (نيميتز كلاس) عام 2008، في يوكوسوكا. ويعني هذا الاتفاق سماح اليابان بوجود حاملة طائرات تعمل بالطاقة النووية في مياهها، وذلك بعد تقاعد حاملة الطائرات (يو.إس.إس. كيتي هوك)، وهي إحدى حاملتي طائرات تعملان بالطاقة التقليدية، وما زالتا في الخدمة العملية. وأجرى بعد يومين من ذلك الإعلان، وزيرا الخارجية والدفاع في كلٍّ من الدولتين جولة أخرى من مفاوضات (اثنان زائد اثنان)، في العاصمة الأمريكية واشنطن.

وخلافاً للبيان المشترك الذي صدر عن اللقاء السابق بينهما في التاسع عشر من فبراير 2005، فقد حددت الوثيقة التي أعدتها في التاسع والعشرين من أكتوبر اللجنة الاستشارية الأمنية، البنود التي تحكم الأدوار الثنائية، والمهمات والإمكانات، وتضمنت خمس عشرة ساحة منفصلة للتعاون الدفاعي، وسبع خطوات لتعزيز السياسات وتنسيق العمليات الحربية. وتشمل هذه الخطوات دعم التخطيط الثنائي في حالات الطوارئ (متضمنة تعزيز استخدام القوات الأمريكية تسهيلات الموانئ والمطارات اليابانية)، وزيادة المشاركة في المعلومات والتعاون الاستخباري، وتقوية قدرات القيام بالعمليات المشتركة، وزيادة التنسيق في مجال أنشطة دفاعات الصواريخ البالستية.

وحدد البيان المشترك أيضاً أسس اتفاق تمهيدي حول اقتراحات أمريكية ظلت معلقة لفترة طويلة، وتعنى بزيادة كبيرة في التنسيق الميداني العسكري بين الدولتين في عدة مرافق وتسهيلات يابانية. وسوف يشمل ذلك الاتفاق وجود أنشطة مشتركة في قاعدة يوكوتا الجوية (بما في ذلك التشارك في موقع التحكم والقيادة الجوية)، كما يشمل تعزيز ترتيبات القيادة والتحكم للقوات الأمريكية في معسكر (زاما) ونشر نظام (إكس باند) الراداري الأمريكي الخاص بالدفاعات ضد الصواريخ.

وعدا تصاعد موقع طوكيو بصفتها الحليف المحوري الإقليمي للولايات المتحدة الأمريكية، فإن ثمار هذه التطورات تتعلق بإعادة النظر في وجود القوات والتسهيلات الأمريكية العسكرية في أوكيناوا، فهي تتضمن نقل موقع قيادة القوة الأمريكية الثالثة للعمليات الطارئة إلى جزيرة غوام، وخفض عدد قوات مشاة البحرية الأمريكية في الجزيرة من ثمانية عشر ألف عسكري إلى أحد عشر ألفاً.

وقد عملت الولايات المتحدة من أجل التوصل إلى تسوية بشأن مستقبل موقع المحطة الجوية لمشاة البحرية بهدف التوافق مع المخاوف المحلية اليابانية، الخاصة بسلامة البيئة والتخريب الذي تتعرض له، لكن موضوع تقديم تنازلات أخرى بشأن المرافق الجوية الأمريكية لا يزال قيد الدرس والمراجعة. ووافقت طوكيو كذلك على نقل الموقع الخاص بحاملات الطائرات من أتسوغي إلى إيواكوني، حيث يتوقع أن يكون المكان الجديد أقل إزعاجاً للسكان المدنيين.

وقد تكون اعتبارات استراتيجية أكبر، هي التي أملت التوصل إلى حلول لهذه القضايا الخلافية الشائكة، علماً أن بعضها لا يزال قيد البحث، وهو ما يمكن أن يعوق أو يؤخر التوصل إلى اتفاق نهائي.

ومعلوم أن الدولتين تواجهان متطلبات أمنية واضحة، ومنها تعزيز حرية الوصول الإقليمي، وتمكين الولايات المتحدة من القيام بالعمليات التي تحتاج إليها، والحفاظ على أهمية بقاء العلاقات الوطيدة مع الولايات المتحدة بالنسبة لليابان، حتى في ظل استمرار اهتمام طوكيو بزيادة قدراتها ومسؤولياتها الخاصة، لكن الاحتياجات والمتطلبات المحلية لا تزال تلعب دوراً رئيسياً استثنائياً في الحسابات اليابانية.

الطريق المستقبلي

تبقى اليابان والولايات المتحدة شريكتين في تحالف وطيد جداً، وتجد كل منهما نفسها مرتبطة بالأخرى، كما لم تكونا في أي وقت مضى. وتقوم كل من طوكيو وواشنطن بدور المنعش والمعزز للاحتياجات الاستراتيجية والميدانية، إحداهما للأخرى. لكن هذه الترتيبات والتفاهمات تسبب في ما يبدو نفوراً متزايداً من جانب آخرين في المنطقة، وخاصة من الصين وكوريا الجنوبية.

وقد شهدت العلاقات بين بكين وطوكيو، وبين سيؤول وطوكيو، تدهوراً حاداً خلال العام الماضي. وترى كل من الجارتين أن اليابان (في ظل غطاء الحماية السياسية التي توفرها علاقات وطيدة لم يسبق لها مثيل مع الولايات المتحدة) تسعى إلى الاضطلاع بدور سياسي وعسكري غير مشروع. وتتضمن المخاوف الصينية التركيز الجاري حالياً بشكل محدد على زيادة القدرات العسكرية الميدانية اليابانية، وعلى التحالف الأمريكي-الياباني، وهو ما تفصح عنه المشاورات والاتصالات الحديثة بينهما. وترى بكين أن هذا التحالف الذي سبق أن تجنب موضوع الحاجة إلى تحديث الدفاعات اليابانية، ورسم سياسة أمنية يابانية أكثر طموحاً، أصبح الآن يعتبر هذه القضايا محور اهتمامه تحديداً. وتعتبر الصين أيضاً أن الإعلان الصريح لأول مرة من جانب طوكيو وواشنطن خلال مباحثات (اثنان زائد اثنان) في فبراير 2005، عن تشجيع التوصل إلى (حل سلمي للقضايا المتعلقة بمضيق تايوان من خلال الحوار)، يوضح أن تغيير الدور الاستراتيجي لطوكيو في المنطقة أصبح هدفاً استراتيجياً مشتركاً للولايات المتحدة الأمريكية واليابان.

إن اليابان تتحرك باتفاق واضح في الآراء مع واشنطن، نحو انتزاع دور أمني يصطبغ بازدياد وفق طموحاتها وأهدافها. إلا أن عدم وجود إطار أمني إقليمي مشترك، تقبل به طوكيو وجيرانها، ينذر بإمكان تصاعد صراعات القوة التي يمكن أن تتسبب في اضطراب شرق آسيا كله. 

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::872::/cck::
::introtext::

بدأ صناع السياسة اليابانية، بدأب وعن قصد وبإشارات لا تقبل الالتباس، باتخاذ خطوات رئيسية جديدة ضمن إعادة تقييم مستمرة لاستراتيجية بلادهم من شأنها أن تؤدي بلا مراء إلى تحول اليابان إلى قوة (طبيعية). وقد أقدمت طوكيو وواشنطن في التاسع والعشرين من أكتوبر الماضي، على تغييرات في ثوابت تعاونهما الأمني طويل المدى، تتضمن تحولات مهمة في الأدوار والمهمات والقدرات، وتمهد لاتباع خيارات سوف تتجلى خلال الأعوام الستة المقبلة. وقد كشف الحزب الليبرالي الديمقراطي الحاكم في اليابان، للمرة الأولى، عن وثيقة طال انتظارها خاصة بالتعديلات الدستورية، تقترح تغييرات في السياسات الوطنية التي رسمت من جانب قوات الاحتلال الأمريكية أواخر عام 1946. 

::/introtext::
::fulltext::

نُشر هذا المقال أصلاً باللغة الإنجليزية في (تعليقات استراتيجية)المجلد الحادي عشر، العدد التاسع، نوفمبر 2005، وقام مركز الخليج للأبحاث بترجمته ونشره باللغة العربية في العدد الثامن من سلسلة ترجمات خليجية، أغسطس 2006، وذلك بناءً على اتفاق مع المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية.

 بدأ صناع السياسة اليابانية، بدأب وعن قصد وبإشارات لا تقبل الالتباس، باتخاذ خطوات رئيسية جديدة ضمن إعادة تقييم مستمرة لاستراتيجية بلادهم من شأنها أن تؤدي بلا مراء إلى تحول اليابان إلى قوة (طبيعية). وقد أقدمت طوكيو وواشنطن في التاسع والعشرين من أكتوبر الماضي، على تغييرات في ثوابت تعاونهما الأمني طويل المدى، تتضمن تحولات مهمة في الأدوار والمهمات والقدرات، وتمهد لاتباع خيارات سوف تتجلى خلال الأعوام الستة المقبلة. وقد كشف الحزب الليبرالي الديمقراطي الحاكم في اليابان، للمرة الأولى، عن وثيقة طال انتظارها خاصة بالتعديلات الدستورية، تقترح تغييرات في السياسات الوطنية التي رسمت من جانب قوات الاحتلال الأمريكية أواخر عام 1946.

ويمكن أن تكون هذه التعديلات الدستورية أكثر تناسقاً من (قواعد الطريق)، بالنسبة للتحالف. وتذهب وثيقة الحزب الليبرالي الديمقراطي إلى الكشف عن خيارات أبعد في الاستراتيجية الأمنية المستقبلية اليابانية، كما يحددها اليابانيون أنفسهم، بدلاً من الخيارات المحددة من جانب الحليف الأمريكي. وعلى الرغم من أن هذه العملية لا تزال في مراحلها الابتدائية، فإنها سوف تعيد بلا شك، صياغة الأدوار والمسؤوليات السياسية العسكرية اليابانية، وستكون لها آثار أساسية على التحالف الأمريكي-الياباني، وعلى علاقات طوكيو مع الدول المجاورة، التي ينظر بعضها إلى نشوء (يابان طبيعية) بشيء من القلق، وبمظاهر من العدائية الصريحة.

النقاش الداخلي

تمثل الاستعدادات لتقديم مشروع للدستور، التي رعاها رئيس الوزراء السابق يوشيرو موري، حصيلة لنقاش ممتد على مدى عقد ونصف العقد، بشأن التوجهات الأمنية اليابانية في مرحلة ما بعد الحرب الباردة. ويذكر أن اليابان اتبعت (دبلوماسية دفتر الشيكات)، قبل حرب الخليج سنة 1991، وكانت تقدم المال بدلاً من الدعم العملي للجهود العسكرية، وكان الزعماء اليابانيون يتشبثون بالأغراض الاستراتيجية والإطار القانوني للتحالف الياباني-الأمريكي. وقد أظهرت اليابان بداية عدم قدرتها على القيام بدور مختلف في عالم ما بعد الحرب الباردة. وكان كبار المسؤولين اليابانيين يتحدثون باستمرار عن الوضعية غير المتناسقة إلى حد بعيد لصفقة التحالف مع واشنطن، واستمرار القيود على دور القوات اليابانية المسلحة، خارج نطاق الدفاع عن الجزر والمياه الإقليمية، والأجواء اليابانية. وقد أكدت عمليات إعادة النظر في الاستراتيجية الأمريكية-اليابانية المشتركة، التي تمت منتصف وأواخر التسعينات من القرن الماضي، الدور المركزي لليابان في استراتيجيات التحالفات الإقليمية الأمريكية، لكن المسؤولين الأمريكيين كانوا يحاولون باستمرار توسيع آفاق التعاون الأمني. وقد سعت إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش تحديداً، إلى تعزيز التحالف الأمريكي-الياباني، متوقعة تحرك طوكيو بحيث تقترب أكثر من وضع القوة (الطبيعية).

ويذكر أن واشنطن دأبت خلال الأعوام القليلة الماضية على توطيد العلاقة مع جونيشيرو كويزومي رئيس الوزراء الياباني الحالي، الذي يعتبر عنصراً مهماً في عملية التغيير الداخلي. كما أن مراجعة للأولويات الاستراتيجية اليابانية شاركت فيها مجموعة استشارية رفيعة المستوى، وأجريت بتوجيهات من كويزومي نفسه، ونشرت نتائجها في أكتوبر سنة 2004، أكدت الحاجة إلى وجود (قوة دفاع مرنة متعددة الإمكانات والمهام). وأشارت دراسة هذه المجموعة إلى تصاعد القلق من ازدياد القوة العسكرية للصين، ومن الصواريخ البالستية والأسلحة النووية الكورية الشمالية، والتهديدات التي نشأت بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، بالإضافة إلى الأخطار الناتجة عن انتشار أسلحة الدمار الشامل.

ومن الصعب أن تكون مقاربة التحديات التي تثيرها هذه التطورات، وتلك التي يتحدث عنها كبار المسؤولين الأمريكيين، مجرد مصادفة.

ويمكن القول أساساً، إن إعادة تقييم الاستراتيجية الأمنية لليابان تعكس حقيقة انتقال مركز الجذب في سياستها الداخلية. ويذكر أيضاً، أن قادة اليسار السياسي الياباني، الذي يزداد تهميشاً، أصبحوا أقل التباساً في فهم تصاعد دور القوة الرئيسية والمهيمنة حالياً في العالم.

وعلى الرغم من أن قادة يابانيين، مثل كويزومي لا يزالون يدركون تماماً طبيعة العلاقة الأمنية بين الولايات المتحدة الأمريكية واليابان، فإن رابطة التحالف هذه تعتبر في نظرهم وسيلة نحو حضور ياباني أضخم. وهناك اهتمام خاص باحتمال إدخال تعديلات على المادة التاسعة من الدستور الياباني الذي أعدته الولايات المتحدة، والذي يشير إلى أن اليابان تنبذ استخدام أسلوب التهديد أو استخدام القوة العسكرية لحل النزاعات الدولية، وتغيب عنه الإشارة إلى الحق في الدفاع الذاتي الشامل. وبينما تشرذمت هذه المسائل على مدى العقود الماضية، فقد تبدل اتجاه الحراك السياسي خلال الأعوام الأخيرة فقط نحو تعديل الدستور. وتشكل الإجراءات التشريعية التي أتاحت لليابانيين نشر وجود عسكري لهم في المحيط الهندي بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، وما تبعها من إرسال قوات حفظ سلام يابانية إلى العراق، خطوات مرحلية في طريق تحقيق تغييرات أكبر. وقد أصبح المعنيّ في هذا المسار أكثر سهولة، بعد الفوز الساحق لكويزومي في انتخابات الحادي عشر من سبتمبر عام 2005، وتأييد التغييرات من جانب الحزب الديمقراطي الياباني، الذي يعتبر أكبر أحزاب المعارضة. غير أن استمرار معارضة (حزب كوميتو الجديد)، شريك كويزومي في الائتلاف الحكومي، يشير إلى أن إقرار التعديلات الممكنة قد يحتاج إلى بعض الأعوام.

ويتحدث مشروع الدستور للمرة الأولى عن الإبقاء على (قوات عسكرية لأغراض الدفاع عن النفس)، ويشير إلى رئيس الوزراء بصفته (القائد الأعلى). ويسعى هذا الدستور أيضاً إلى الارتقاء بدور وكالة الدفاع اليابانية، لتصبح مكانتها في مجلس الوزراء مكافئة للوزارات الأخرى. وعلى الرغم من غياب (حق الدفاع الذاتي) عن مشروع الدستور الحديث، فإن واضعي نصوصه يؤكدون أن مثل هذا الحق سوف يحظى بإقرار صريح عبر تشريع منفصل، بحيث يتيح دوراً يابانياً أكبر، على الصعيد الأمني الدولي، بينما يشير إلى موضوع نشر قوات يابانية داخل نطاق الأراضي الوطنية.

لكن الحكاية التي سادت طويلاً بأن (قوات الدفاع اليابانية)، لا تعني وجود جيش رسمي، تبدو بمرور الوقت أكثر عرضة للشكوك في صحتها، في ظل نية طوكيو تحديد دور أمني متكافئ، ولو لخدمة الهدف الأساسي وهو الدفاع عن اليابان، والمشاركة في عمليات حفظ السلام متعددة الجنسيات، وفي مناطق محددة ذات صلة بالتعاون الأمني مع الولايات المتحدة الأمريكية، وخاصة في مجال الصواريخ البالستية، والجهود المتصاعدة لتحريم أنشطة أسلحة الدمار الشامل، تحت مظلة (مبادرة الانتشار الأمني).                                                                                                    

نحو صفقة تحالف جديدة

تبدي الولايات المتحدة الأمريكية اهتماماً كبيراً، بصفتها شريكاً غير مباشر، بهذه النيات الداخلية اليابانية. وتدرك طوكيو أنها تعتبر بمثابة خيار الشراكة الأمنية للولايات المتحدة في شرق آسيا، عبر وجود قوات بحرية وجوية أمريكية فيها، ونحو 50 ألف جندي أمريكي منتشرين في قواعد وتسهيلات داخل اليابان. ويضاف إلى ذلك أن إقامة قواعد وتسهيلات متكاملة، وتعزيز التفاعل مع القوات المحلية يكتسبان أهمية متنامية، في ضوء ازدياد اهتمام إدارة الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش بتدعيم وجود القوة العسكرية الأمريكية في مواقع بعيدة عن الولايات المتحدة لاستخدامها بصورة فورية عند الحاجة. وإذا لم تحصل الولايات المتحدة على تسهيلات أوسع ومراكز تموين وإسناد في الموانئ والمطارات اليابانية، فإن قدرتها على عرض قوتها في مناطق غرب المحيط الهادي سوف تضعف كثيراً جداً.

وبادرت واشنطن وطوكيو أواخر العام 2002 إلى إجراء مشاورات في ما بينهما بشأن مستقبل تحالفهما، تضمنت على غير العادة طيفاً واسعاً من القضايا، وذلك كجزء من عملية إعادة نظر أضخم في الاستراتيجيات الدفاعية الإقليمية الأمريكية. إلا أن إعادة النظر في التحالف الأمريكي-الياباني واجهت في أي حال عراقيل ومشاكسات قوية لها صلة إلى حد كبير بحساسيات السكان المحليين اليابانيين، والمشاحنات المتواترة بين المدنيين وأفراد القوات الأمريكية، وقضايا تخريب البيئة المرتبطة بالعمليات العسكرية الأمريكية. وتجلت هذه الخلافات بوضوح في جزيرة أوكيناوا، حيث يوجد نحو نصف القوات العسكرية الأمريكية المتمركزة في اليابان، والتي طالما سعى سكانها المحليون إلى نقل التسهيلات الأمريكية بعيداً عن الأماكن ذات الكثافة السكانية المرتفعة.

وقد فشلت على مدى يقارب قرناً من الزمن جهود التوصل إلى اتفاق لتغيير موقع قاعدة (فوتينما) الجوية التابعة لقوات مشاة البحرية الأمريكية (المارينز)، وفشل الجانبان في ردم هوة الخلاف بينهما للاتفاق على موقع جديد لهذه القاعدة. وقد بدأت الجهود الخاصة بعملية الانتقال بعد تعرض تلميذات يابانيات للاغتصاب من جانب جنود أمريكيين. وقد عبر السياسيون الأمريكيون، بصراحة أحياناً، عن شعورهم بالحيرة والإحباط، بسبب الوتيرة الفاترة للمفاوضات. وقد بدا أن المفاوضات كانت قد وصلت إلى ذروتها أواخر أكتوبر 2005، عندما أعلن ريتشارد لوليس نائب وكيل وزارة الخارجية الأمريكية للشؤون السياسية في مناطق شرقي آسيا والباسيفيك عن الاستياء الشديد بسبب الضعف الذي يلحق بالتحالف بين الدولتين (بسبب ذلك الحوار الذي لا نهاية له، حول قضايا هامشية وضيقة). وأكدت واشنطن شعورها بالإحباط، عبر إحجام دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأمريكي السابق، عن زيارة اليابان خلال جولته الآسيوية في أكتوبر 2005، والتي حملته إلى كوريا الجنوبية والصين ومنغوليا.

وقد كُسر هذا المأزق على نحو مفاجئ، في خضم هذه التوترات، إذ أعلنت قيادة الأسطول البحري الأمريكي في السابع والعشرين من أكتوبر عن التوصل إلى اتفاق مع اليابان بشأن انتشار حاملة الطائرات (نيميتز كلاس) عام 2008، في يوكوسوكا. ويعني هذا الاتفاق سماح اليابان بوجود حاملة طائرات تعمل بالطاقة النووية في مياهها، وذلك بعد تقاعد حاملة الطائرات (يو.إس.إس. كيتي هوك)، وهي إحدى حاملتي طائرات تعملان بالطاقة التقليدية، وما زالتا في الخدمة العملية. وأجرى بعد يومين من ذلك الإعلان، وزيرا الخارجية والدفاع في كلٍّ من الدولتين جولة أخرى من مفاوضات (اثنان زائد اثنان)، في العاصمة الأمريكية واشنطن.

وخلافاً للبيان المشترك الذي صدر عن اللقاء السابق بينهما في التاسع عشر من فبراير 2005، فقد حددت الوثيقة التي أعدتها في التاسع والعشرين من أكتوبر اللجنة الاستشارية الأمنية، البنود التي تحكم الأدوار الثنائية، والمهمات والإمكانات، وتضمنت خمس عشرة ساحة منفصلة للتعاون الدفاعي، وسبع خطوات لتعزيز السياسات وتنسيق العمليات الحربية. وتشمل هذه الخطوات دعم التخطيط الثنائي في حالات الطوارئ (متضمنة تعزيز استخدام القوات الأمريكية تسهيلات الموانئ والمطارات اليابانية)، وزيادة المشاركة في المعلومات والتعاون الاستخباري، وتقوية قدرات القيام بالعمليات المشتركة، وزيادة التنسيق في مجال أنشطة دفاعات الصواريخ البالستية.

وحدد البيان المشترك أيضاً أسس اتفاق تمهيدي حول اقتراحات أمريكية ظلت معلقة لفترة طويلة، وتعنى بزيادة كبيرة في التنسيق الميداني العسكري بين الدولتين في عدة مرافق وتسهيلات يابانية. وسوف يشمل ذلك الاتفاق وجود أنشطة مشتركة في قاعدة يوكوتا الجوية (بما في ذلك التشارك في موقع التحكم والقيادة الجوية)، كما يشمل تعزيز ترتيبات القيادة والتحكم للقوات الأمريكية في معسكر (زاما) ونشر نظام (إكس باند) الراداري الأمريكي الخاص بالدفاعات ضد الصواريخ.

وعدا تصاعد موقع طوكيو بصفتها الحليف المحوري الإقليمي للولايات المتحدة الأمريكية، فإن ثمار هذه التطورات تتعلق بإعادة النظر في وجود القوات والتسهيلات الأمريكية العسكرية في أوكيناوا، فهي تتضمن نقل موقع قيادة القوة الأمريكية الثالثة للعمليات الطارئة إلى جزيرة غوام، وخفض عدد قوات مشاة البحرية الأمريكية في الجزيرة من ثمانية عشر ألف عسكري إلى أحد عشر ألفاً.

وقد عملت الولايات المتحدة من أجل التوصل إلى تسوية بشأن مستقبل موقع المحطة الجوية لمشاة البحرية بهدف التوافق مع المخاوف المحلية اليابانية، الخاصة بسلامة البيئة والتخريب الذي تتعرض له، لكن موضوع تقديم تنازلات أخرى بشأن المرافق الجوية الأمريكية لا يزال قيد الدرس والمراجعة. ووافقت طوكيو كذلك على نقل الموقع الخاص بحاملات الطائرات من أتسوغي إلى إيواكوني، حيث يتوقع أن يكون المكان الجديد أقل إزعاجاً للسكان المدنيين.

وقد تكون اعتبارات استراتيجية أكبر، هي التي أملت التوصل إلى حلول لهذه القضايا الخلافية الشائكة، علماً أن بعضها لا يزال قيد البحث، وهو ما يمكن أن يعوق أو يؤخر التوصل إلى اتفاق نهائي.

ومعلوم أن الدولتين تواجهان متطلبات أمنية واضحة، ومنها تعزيز حرية الوصول الإقليمي، وتمكين الولايات المتحدة من القيام بالعمليات التي تحتاج إليها، والحفاظ على أهمية بقاء العلاقات الوطيدة مع الولايات المتحدة بالنسبة لليابان، حتى في ظل استمرار اهتمام طوكيو بزيادة قدراتها ومسؤولياتها الخاصة، لكن الاحتياجات والمتطلبات المحلية لا تزال تلعب دوراً رئيسياً استثنائياً في الحسابات اليابانية.

الطريق المستقبلي

تبقى اليابان والولايات المتحدة شريكتين في تحالف وطيد جداً، وتجد كل منهما نفسها مرتبطة بالأخرى، كما لم تكونا في أي وقت مضى. وتقوم كل من طوكيو وواشنطن بدور المنعش والمعزز للاحتياجات الاستراتيجية والميدانية، إحداهما للأخرى. لكن هذه الترتيبات والتفاهمات تسبب في ما يبدو نفوراً متزايداً من جانب آخرين في المنطقة، وخاصة من الصين وكوريا الجنوبية.

وقد شهدت العلاقات بين بكين وطوكيو، وبين سيؤول وطوكيو، تدهوراً حاداً خلال العام الماضي. وترى كل من الجارتين أن اليابان (في ظل غطاء الحماية السياسية التي توفرها علاقات وطيدة لم يسبق لها مثيل مع الولايات المتحدة) تسعى إلى الاضطلاع بدور سياسي وعسكري غير مشروع. وتتضمن المخاوف الصينية التركيز الجاري حالياً بشكل محدد على زيادة القدرات العسكرية الميدانية اليابانية، وعلى التحالف الأمريكي-الياباني، وهو ما تفصح عنه المشاورات والاتصالات الحديثة بينهما. وترى بكين أن هذا التحالف الذي سبق أن تجنب موضوع الحاجة إلى تحديث الدفاعات اليابانية، ورسم سياسة أمنية يابانية أكثر طموحاً، أصبح الآن يعتبر هذه القضايا محور اهتمامه تحديداً. وتعتبر الصين أيضاً أن الإعلان الصريح لأول مرة من جانب طوكيو وواشنطن خلال مباحثات (اثنان زائد اثنان) في فبراير 2005، عن تشجيع التوصل إلى (حل سلمي للقضايا المتعلقة بمضيق تايوان من خلال الحوار)، يوضح أن تغيير الدور الاستراتيجي لطوكيو في المنطقة أصبح هدفاً استراتيجياً مشتركاً للولايات المتحدة الأمريكية واليابان.

إن اليابان تتحرك باتفاق واضح في الآراء مع واشنطن، نحو انتزاع دور أمني يصطبغ بازدياد وفق طموحاتها وأهدافها. إلا أن عدم وجود إطار أمني إقليمي مشترك، تقبل به طوكيو وجيرانها، ينذر بإمكان تصاعد صراعات القوة التي يمكن أن تتسبب في اضطراب شرق آسيا كله. 

::/fulltext::
::cck::872::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *