تحولات في قاطرة الاقتصاد العالمي

::cck::850::/cck::
::introtext::

نميل إلى الاعتقاد بأن العقد الأول من القرن الحادي والعشرين سيدخل التاريخ على أنه نقطة تحول في التاريخ الاقتصادي. ففي أعقاب الحرب العالمية الثانية سيطرت الولايات المتحدة الأمريكية على الاقتصاد العالمي إلى حد لم يسبق له مثيل، ويعود الفضل في ذلك إلى النمو الصناعي الاستثنائي خلال الحرب في وقت دُمرت فيه الآلة الصناعية الأوروبية بما في ذلك السوفييتية واليابانية. 

::/introtext::
::fulltext::

نميل إلى الاعتقاد بأن العقد الأول من القرن الحادي والعشرين سيدخل التاريخ على أنه نقطة تحول في التاريخ الاقتصادي. ففي أعقاب الحرب العالمية الثانية سيطرت الولايات المتحدة الأمريكية على الاقتصاد العالمي إلى حد لم يسبق له مثيل، ويعود الفضل في ذلك إلى النمو الصناعي الاستثنائي خلال الحرب في وقت دُمرت فيه الآلة الصناعية الأوروبية بما في ذلك السوفييتية واليابانية. ومنذ ذلك الوقت بدأت عملية نمو عالمية اتسمت بدرجة عالية من عدم التكافؤ، وشهدت تقدماً ولو محدوداً في عملية توزيع القوة الاقتصادية. فقد نجح العديد من الدول والمناطق في تضييق الفجوة القائمة مع الولايات المتحدة الأمريكية، لكنها لم تتمكن في حقيقة الأمر من اللحاق بها. لكن دولاً عديدة أخرى لم تبقَ بعيدة عن الولايات المتحدة وحسب، بل أخذت الفجوة تتسع بينها وبين العملاق الأمريكي.

في بداية الأمر، كانت عملية إعادة الإعمار الهائلة التي أطلقتها خُطة مارشال الشهيرة والتي تمخضت عن تحقيق (معجزات اقتصادية) في العديد من بلدان أوروبا وخصوصاً في ألمانيا وإيطاليا، وتبعت ذلك إنجازات مماثلة في اليابان. إلا أن هذه المرحلة توقفت بشكل مفاجئ عام 1968 في أوروبا وبعد ذلك بعشر سنوات في اليابان. ومنذ ذلك الوقت وأوروبا تحاول جاهدة تحقيق معدلات النمو التي حققتها الولايات المتحدة، لكنها لم تنجح في ذلك، في الوقت الذي عرفت فيه اليابان ما يعرف بـ (العقد الضائع).

وخلال ستينات وسبعينات القرن الماضي، ظهرت على الساحة الدولية مجموعة أخرى من الدول عرفت باسم (النمور الآسيوية) وهي كوريا الجنوبية وتايوان وهونغ كونغ وسنغافورة. وعلى الرغم من معدلات النمو المرتفعة التي حققتها هذه الدول، إلا أنها تبقى دولاً صغيرة على الساحة الدولية. فعندما تُقيَّم هذه الدول استناداً إلى النتائج التي حققتها في سبعينات وثمانينات القرن الماضي، يبدو واضحاً أن مسيرة (التخرج) أو الانتقال لهذه الدول الناشئة من حالة الدول (النامية) إلى حالة الدول (المتقدمة) كانت بطيئة بشكل مخيب للآمال، وتركت انطباعاً بأن الفجوة بين الأمم الغنية والفقيرة قد تدوم إلى الأبد.

وظهرت كذلك بدايات انتهت بخيبة الأمل. فلقد بدا في وقت ما أن المكسيك قفزت إلى المسار السريع ثم جاءت البرازيل والأرجنتين وتشيلي، إلا أن كل هذه المحاولات تلاشت، ولم تحقق النتائج الاستثنائية المتوقعة. وفي آسيا حققت ماليزيا وإندونيسيا نتائج نمو إيجابية، لكن نجم هذه الدول أفل إلى حد كبير في نهاية تسعينات القرن الماضي.

وفي مقابل هذه المجموعة من الدول، أفاق مارد حقيقي خلال الخمس والعشرين سنة الماضية، فمعدلات النمو الهائلة التي حققتها الصين تعتبر بمثابة ثورة حقيقية، ويعزى ذلك بشكل رئيسي إلى تعداد الصين، فالشعب الصيني يشكل 20 في المائة من إجمالي سكان العالم. أما الهند التي تسير على خطى الصين فتمثل 17 في المائة من سكان العالم. إن العامل المهم والمحدد الأهم في تحقيق (المعجزات الاقتصادية) يكمن في تحقيق الانتقال بالشعب من ممارسة أعمال قليلة العائد في المناطق الريفية إلى بيئة عالية العائد في المناطق الحضرية. فالبعد الديموغرافي يعتبر مقياساً حقيقياً لقوة وزخم واستمرارية مرحلة النمو السريع. فالنمو السريع قد يستمر ما دام هناك مخزون من القوى العاملة التي لم يتم استغلال كامل طاقتها الإنتاجية. وفي كل من الصين والهند فإن هذا المخزون لا يزال متوافراً وبكثرة، وبالتالي فإن نهاية هذه المعجزة لن تأتي قبل عقود من الآن.

إن صحوة العمالة من غفوتها تعتبر أيضاً عاملاً حيوياً في تنشيط وتحفيز النمو في عدد من الدول المتوسطة الحجم في المنطقة نفسها. صحيح أن هذه العمالقة تشكل منافساً لا يمكن مجاراته، ولديها القدرة كذلك على سحق الدول الأخرى المحيطة بها، إلا أن عملية نمو هذه الدول العملاقة محكومة بعدم التوازن، الأمر الذي يفتح فرصاً عديدة أمام الدول الأخرى المحيطة بها لإيجاد منافذ للمنافسة وطرق للاستفادة من نجاح الجار الأكبر.

إن الاقتصاد العالمي الذي تتحرك فيه دول مجموعة (بريك) (BRICS) والتي تضم البرازيل وروسيا والهند والصين، نجح إلى حد كبير في تضييق الفجوة بين تلك الدول وبين الدول الصناعية، وبالتالي فإن هذا نوع مغاير من الاقتصاد العالمي، علماً أن البرازيل وروسيا أقل عدداً من حيث السكان مقارنة بالصين أو الهند، ولم تنجحا في تسريع عملية النمو بدرجة كافية. وفي الوقت الذي تجد فيه الولايات المتحدة الأمريكية نفسها مجبرة على تبني سياسات مالية صارمة للحد من العجز المطرد في قطاعها العام، وأيضاً في الوقت الذي يحاول فيه الأمريكيون (عصر) نفقاتهم وتوفير المزيد من الأموال بالتخلي عن عادة الإنفاق المفرط، فإن الاقتصاد الأمريكي يتصرف بشكل أقرب من النموذجيْن الأوروبي والياباني خلال العقدين الماضيين، الأمر الذي يسمح بتضييق الفجوة بين معدلات دخل الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، لكن الصعوبة الشديدة التي تواجه قطار الاقتصاد العالمي تكمن في محاولته تغيير القاطرة في الوقت الذي لا يزال فيه القطار في وضعية الحركة.

صحيح أن السياسات التي اعتُمِدت ونُفِّذت لمواجهة الأزمة المالية العالمية حققت نجاحاً ملموساً، ولا سيما بعد أن نجح العديد من الدول في تجنب أسوأ مخاوف الركود الاقتصادي، إلا أن القطار خفف من سرعته لكنه لم يتوقف. ونتيجة لذلك فإنه لا يسعنا إلا أن نتوقع الهيكلية ذاتها التي فرضت نفسها في الماضي وتبقى الولايات المتحدة قاطرة الاقتصاد العالمي، إلا أن هذه الهيكلية تفتقر للاستقرار، فعلى الصين والاقتصادات الناشئة الأخرى أن تشارك في قيادة القاطرة التي تجر وتوجه الاقتصاد العالمي. فهل سيكون قطار الاقتصاد العالمي قادراً على تغيير هيكليته من دون أن يتوقف؟ وهل لدى الصين الرغبة والقدرة لتلعب دور قاطرة الاقتصاد العالمي؟ هذا هو السؤال الجوهري الذي قد نحصل على الإجابة عنه خلال العقد المقبل.

إن سماء المجتمع الدولي ملبدة بغيوم الشك. ونحن اليوم أبعد ما نكون عن إصدار الأحكام اليقينية، فقضايا الحرية السياسية والديمقراطية التي تتفاعل في الصين لا بُدّ أن تنفجر في وقت ما، كما أن تبعات ذلك الانفجار لا بد أن تترك آثارها في كافة أنحاء العالم.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::850::/cck::
::introtext::

نميل إلى الاعتقاد بأن العقد الأول من القرن الحادي والعشرين سيدخل التاريخ على أنه نقطة تحول في التاريخ الاقتصادي. ففي أعقاب الحرب العالمية الثانية سيطرت الولايات المتحدة الأمريكية على الاقتصاد العالمي إلى حد لم يسبق له مثيل، ويعود الفضل في ذلك إلى النمو الصناعي الاستثنائي خلال الحرب في وقت دُمرت فيه الآلة الصناعية الأوروبية بما في ذلك السوفييتية واليابانية. 

::/introtext::
::fulltext::

نميل إلى الاعتقاد بأن العقد الأول من القرن الحادي والعشرين سيدخل التاريخ على أنه نقطة تحول في التاريخ الاقتصادي. ففي أعقاب الحرب العالمية الثانية سيطرت الولايات المتحدة الأمريكية على الاقتصاد العالمي إلى حد لم يسبق له مثيل، ويعود الفضل في ذلك إلى النمو الصناعي الاستثنائي خلال الحرب في وقت دُمرت فيه الآلة الصناعية الأوروبية بما في ذلك السوفييتية واليابانية. ومنذ ذلك الوقت بدأت عملية نمو عالمية اتسمت بدرجة عالية من عدم التكافؤ، وشهدت تقدماً ولو محدوداً في عملية توزيع القوة الاقتصادية. فقد نجح العديد من الدول والمناطق في تضييق الفجوة القائمة مع الولايات المتحدة الأمريكية، لكنها لم تتمكن في حقيقة الأمر من اللحاق بها. لكن دولاً عديدة أخرى لم تبقَ بعيدة عن الولايات المتحدة وحسب، بل أخذت الفجوة تتسع بينها وبين العملاق الأمريكي.

في بداية الأمر، كانت عملية إعادة الإعمار الهائلة التي أطلقتها خُطة مارشال الشهيرة والتي تمخضت عن تحقيق (معجزات اقتصادية) في العديد من بلدان أوروبا وخصوصاً في ألمانيا وإيطاليا، وتبعت ذلك إنجازات مماثلة في اليابان. إلا أن هذه المرحلة توقفت بشكل مفاجئ عام 1968 في أوروبا وبعد ذلك بعشر سنوات في اليابان. ومنذ ذلك الوقت وأوروبا تحاول جاهدة تحقيق معدلات النمو التي حققتها الولايات المتحدة، لكنها لم تنجح في ذلك، في الوقت الذي عرفت فيه اليابان ما يعرف بـ (العقد الضائع).

وخلال ستينات وسبعينات القرن الماضي، ظهرت على الساحة الدولية مجموعة أخرى من الدول عرفت باسم (النمور الآسيوية) وهي كوريا الجنوبية وتايوان وهونغ كونغ وسنغافورة. وعلى الرغم من معدلات النمو المرتفعة التي حققتها هذه الدول، إلا أنها تبقى دولاً صغيرة على الساحة الدولية. فعندما تُقيَّم هذه الدول استناداً إلى النتائج التي حققتها في سبعينات وثمانينات القرن الماضي، يبدو واضحاً أن مسيرة (التخرج) أو الانتقال لهذه الدول الناشئة من حالة الدول (النامية) إلى حالة الدول (المتقدمة) كانت بطيئة بشكل مخيب للآمال، وتركت انطباعاً بأن الفجوة بين الأمم الغنية والفقيرة قد تدوم إلى الأبد.

وظهرت كذلك بدايات انتهت بخيبة الأمل. فلقد بدا في وقت ما أن المكسيك قفزت إلى المسار السريع ثم جاءت البرازيل والأرجنتين وتشيلي، إلا أن كل هذه المحاولات تلاشت، ولم تحقق النتائج الاستثنائية المتوقعة. وفي آسيا حققت ماليزيا وإندونيسيا نتائج نمو إيجابية، لكن نجم هذه الدول أفل إلى حد كبير في نهاية تسعينات القرن الماضي.

وفي مقابل هذه المجموعة من الدول، أفاق مارد حقيقي خلال الخمس والعشرين سنة الماضية، فمعدلات النمو الهائلة التي حققتها الصين تعتبر بمثابة ثورة حقيقية، ويعزى ذلك بشكل رئيسي إلى تعداد الصين، فالشعب الصيني يشكل 20 في المائة من إجمالي سكان العالم. أما الهند التي تسير على خطى الصين فتمثل 17 في المائة من سكان العالم. إن العامل المهم والمحدد الأهم في تحقيق (المعجزات الاقتصادية) يكمن في تحقيق الانتقال بالشعب من ممارسة أعمال قليلة العائد في المناطق الريفية إلى بيئة عالية العائد في المناطق الحضرية. فالبعد الديموغرافي يعتبر مقياساً حقيقياً لقوة وزخم واستمرارية مرحلة النمو السريع. فالنمو السريع قد يستمر ما دام هناك مخزون من القوى العاملة التي لم يتم استغلال كامل طاقتها الإنتاجية. وفي كل من الصين والهند فإن هذا المخزون لا يزال متوافراً وبكثرة، وبالتالي فإن نهاية هذه المعجزة لن تأتي قبل عقود من الآن.

إن صحوة العمالة من غفوتها تعتبر أيضاً عاملاً حيوياً في تنشيط وتحفيز النمو في عدد من الدول المتوسطة الحجم في المنطقة نفسها. صحيح أن هذه العمالقة تشكل منافساً لا يمكن مجاراته، ولديها القدرة كذلك على سحق الدول الأخرى المحيطة بها، إلا أن عملية نمو هذه الدول العملاقة محكومة بعدم التوازن، الأمر الذي يفتح فرصاً عديدة أمام الدول الأخرى المحيطة بها لإيجاد منافذ للمنافسة وطرق للاستفادة من نجاح الجار الأكبر.

إن الاقتصاد العالمي الذي تتحرك فيه دول مجموعة (بريك) (BRICS) والتي تضم البرازيل وروسيا والهند والصين، نجح إلى حد كبير في تضييق الفجوة بين تلك الدول وبين الدول الصناعية، وبالتالي فإن هذا نوع مغاير من الاقتصاد العالمي، علماً أن البرازيل وروسيا أقل عدداً من حيث السكان مقارنة بالصين أو الهند، ولم تنجحا في تسريع عملية النمو بدرجة كافية. وفي الوقت الذي تجد فيه الولايات المتحدة الأمريكية نفسها مجبرة على تبني سياسات مالية صارمة للحد من العجز المطرد في قطاعها العام، وأيضاً في الوقت الذي يحاول فيه الأمريكيون (عصر) نفقاتهم وتوفير المزيد من الأموال بالتخلي عن عادة الإنفاق المفرط، فإن الاقتصاد الأمريكي يتصرف بشكل أقرب من النموذجيْن الأوروبي والياباني خلال العقدين الماضيين، الأمر الذي يسمح بتضييق الفجوة بين معدلات دخل الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، لكن الصعوبة الشديدة التي تواجه قطار الاقتصاد العالمي تكمن في محاولته تغيير القاطرة في الوقت الذي لا يزال فيه القطار في وضعية الحركة.

صحيح أن السياسات التي اعتُمِدت ونُفِّذت لمواجهة الأزمة المالية العالمية حققت نجاحاً ملموساً، ولا سيما بعد أن نجح العديد من الدول في تجنب أسوأ مخاوف الركود الاقتصادي، إلا أن القطار خفف من سرعته لكنه لم يتوقف. ونتيجة لذلك فإنه لا يسعنا إلا أن نتوقع الهيكلية ذاتها التي فرضت نفسها في الماضي وتبقى الولايات المتحدة قاطرة الاقتصاد العالمي، إلا أن هذه الهيكلية تفتقر للاستقرار، فعلى الصين والاقتصادات الناشئة الأخرى أن تشارك في قيادة القاطرة التي تجر وتوجه الاقتصاد العالمي. فهل سيكون قطار الاقتصاد العالمي قادراً على تغيير هيكليته من دون أن يتوقف؟ وهل لدى الصين الرغبة والقدرة لتلعب دور قاطرة الاقتصاد العالمي؟ هذا هو السؤال الجوهري الذي قد نحصل على الإجابة عنه خلال العقد المقبل.

إن سماء المجتمع الدولي ملبدة بغيوم الشك. ونحن اليوم أبعد ما نكون عن إصدار الأحكام اليقينية، فقضايا الحرية السياسية والديمقراطية التي تتفاعل في الصين لا بُدّ أن تنفجر في وقت ما، كما أن تبعات ذلك الانفجار لا بد أن تترك آثارها في كافة أنحاء العالم.

::/fulltext::
::cck::850::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *