صعود الدور العالمي للفيل الآسيوي (الهند)
::cck::979::/cck::
::introtext::
توافد خلال الأشهر الماضية عدد من قادة الدول الكبرى إلى الهند، بعضهم يعرض التعاون النووي كما في حالة الولايات المتحدة وفرنسا، وبعضهم الآخر يسعى إلى جذبها للدخول في تكتلات إقليمية كما في حالة روسيا واليابان، والجارة الصين تسعى إلى احتوائها، لكن ما موقف العرب من هذه التطورات والهند تقع على الحدود الشرقية للخليج العربي ولديها عمالة وافدة كبيرة في المنطقة؟
::/introtext::
::fulltext::
توافد خلال الأشهر الماضية عدد من قادة الدول الكبرى إلى الهند، بعضهم يعرض التعاون النووي كما في حالة الولايات المتحدة وفرنسا، وبعضهم الآخر يسعى إلى جذبها للدخول في تكتلات إقليمية كما في حالة روسيا واليابان، والجارة الصين تسعى إلى احتوائها، لكن ما موقف العرب من هذه التطورات والهند تقع على الحدود الشرقية للخليج العربي ولديها عمالة وافدة كبيرة في المنطقة؟
كان يتردد في الدوائر الدبلوماسية البريطانية في القرن التاسع عشر إبان العهد الاستعماري، عندما كانت الهند تعتبر درة التاج البريطاني (أن بريطانيا تقاتل حتى آخر جندي هندي في آسيا)، وبالفعل كان جل الجيوش البريطانية في آسيا من الهنود الذين سخروا لخدمة الإمبراطورية البريطانية التي كانت كما قيل الإمبراطورية التي لا تغيب الشمس عن ممتلكاتها. وكان مكتب الهند في ذلك الوقت يلعب دوراً مهماً في بلورة السياسة الاستعمارية البريطانية في آسيا والخليج العربي حتى الحرب العالمية الأولى، وعندما استقلت الهند عام 1947 وقسمت إلى الهند وباكستان، بقيت تحظى الهند بالاهتمام البريطاني، وأصبحت ضمن دول الكومنويلث، وهي الرابطة التي أسستها بريطانيا من أجل بقاء التواصل مع مستعمراتها، أي خرجت من الباب وأرادت أن يبقى نفوذها من النافذة، وكانت أنديرا غاندي رئيسة وزراء الهند السابقة على علاقات متميزة مع رئيسة الوزراء البريطانية مارغريت تاتشر، ويقال إنها كانت تتحدث معها إسبوعياً مرات عدة بالهاتف لتنسيق المواقف السياسية والتشاور معها؟ وتنشط الاستخبارات البريطانية بشكل قوي مستفيدة من خبرتها التاريخية في الهند وتنسق مع الاستخبارات الهندية، لذا ليس غريباً أن يحاول غوردون براون الحديث مجدداً عن التعاون البريطاني –الهندي في مطاردة الإرهاب، وأن تلعب الهند دوراً في التوازن الإقليمي في آسيا، فمن خلال الكومنويلث والجالية الهندية في بريطانيا والعلاقات الاقتصادية الوثيقة بين البلدين تسعى السياسة البريطانية إلى العودة إلى الدور الهندي التاريخي، لكن بطريقة أخرى في مواجهات الجماعات الإسلامية التي تعتبرها بريطانيا تهدد مصالحها في أفغانستان وباكستان، علماً بأن الهند تواجه الجماعات الإسلامية في كشمير، وفي ظل فشل الناتو في أفغانستان، وعدم الاستقرار في باكستان وضعف القيادة الباكستانية، يتعزز الدور الهندي في نظر بريطانيا.
وإذا كانت بريطانيا تهرع إلى الهند فإن رئيس الوزراء الهندي كان في زيارة له في أواخر 2008 إلى الصين لتعزيز التبادل التجاري بين البلدين وفي محاولة لتجاوز الخلافات حول الحدود، لكن الصين أكثر اهتماماً بالهند في ظل الود الأمريكي والبريطاني، فهي تسعى إلى احتواء الهند من خلال التبادل التجاري والتعاون الإقليمي، وقد تمت دعوة الهند لحضور قمة منظمة شنغهاي في 2007 لجذبها إلى المنظمة التي تضم الصين وروسيا وبعض دول آسيا الوسطى، وقد أخذت منظمة شنغهاي تطور تعاونها من المجال الاقتصادي إلى التعاون في المجال العسكري من خلال المناورات المشتركة للقوات الصينية والروسية مما دفع بعض المراقبين إلى وصف منظمة شنغهاي بالناتو الجديد لمواجهة توسع حلف الناتو باتجاه حدود روسيا؟
وتسعى روسيا إلى تعزيز علاقاتها التاريخية مع الهند، خاصة أن الهند تميزت بعلاقات وطيدة مع الاتحاد السوفييتي السابق خاصة كمستورد للسلاح الروسي، لكن بعد نهاية الحرب الباردة، ومع محاولة روسيا إعادة دورها العالمي وفي مواجهة الهيمنة الأمريكية طرح رئيس وزراء روسيا السابق يوغيني بريماكوف فكرة المثلث الهندي-الصيني-الروسي لمواجهة الولايات المتحدة، أثناء زيارته إلى الهند في ديسمبر 1998، ومنذ أن جاء بوتين للحكم وهو يتبنى سياسة بريماكوف في التعاون الهندي- الروسي في محاولة لمواجهة الهيمنة الأمريكية، علماً بأن الهند تعاقدت في السنوات الثلاث الماضية بعقود لشراء السلاح الروسي تجاوزت أربعة مليارات دولار من روسيا، وقد زار بوتين الهند. ويأتي القلق الروسي والصيني من التقارب الأمريكي – الهندي في ظل ما تردد في بعض الدراسات الصادرة من مراكز الدراسات الاستراتيجية التابعة لوزارة الدفاع الأمريكي حول الفكرة الأمريكية لطرح (الناتو الآسيوي)، ولا شك في أن هذا الطرح يقلق جيران الهند؟ ومما يزيد القلق ما طرحه رئيس الوزراء الياباني السابق آبي في زيارته إلى الهند عام 2007 عندما طرح فكرة تحالف الديمقراطيات، مشيداً بالديمقراطية الهندية، وكان يقصد التحالف بين الهند واليابان والولايات المتحدة وأستراليا، على اعتبار أن هذه الدول تمثل النموذج الديمقراطي، وأن الدول الآسيوية المجاورة لها غير ديمقراطية مثل الصين وكوريا الشمالية. فالطرح الياباني لا يخرج عن التنسيق مع الولايات المتحدة، ورغم أن الهند لم تعلن خيارها في ظل هذا التجاذب الدولي وخطب الود الهندي فإنها تحاول الاستفادة من هذه العلاقات لخدمة مصالحها، علماً بأن النخبة السياسية منقسمة، فالحزب الشيوعي الهندي ينتقد التعاون بين الهند والولايات المتحدة على حساب الصين وروسيا، وقد هدد بالانسحاب من الحكومة الهندية. وهناك نخبة ترى الاستفادة من التعاون مع واشنطن وتسخير هذا التعاون لكسب الدعم الأمريكي للحصول على مقعد دائم في مجلس الأمن الدولي، في ظل المطالبة بإصلاح الأمم المتحدة. وتحظى الصين باهتمام الدول الصناعية البازغة في الجنوب مثل التعاون البرازيلي –الهندي وجنوب إفريقيا، وقد عقدت القمة الثانية لهذه الدول عام 2007 في جنوب إفريقيا على أمل أن تعقد هذا العام في الهند.
الهند ترفض التوقيع على اتفاقية معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية واتفاقية الحظر الشامل للتجارب النووية
وفي ظل هذا التسابق على الهند كانت زيارة الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي إلى نيودلهي، فقد كان ساركوزي في زيارة إلى دول الخليج العربية انتقل بعدها إلى الهند، وكان قبل ذلك قد زار الصين، وقد عرض ساركوزي سواء كان في الخليج العربي أو الهند رغبة بلادة في التعاون في مجال الطاقة النووية، ووقع مع رئيس وزراء الهند مانموهان سينغ اتفاقية التعاون في مجالات البحث والتزويد، حيث إن فرنسا تملك خبرة في هذا المجال، كما أن الهند يزداد طلبها على الطاقة بفعل النمو الاقتصادي المرتفع والذي وصل العام الماضي إلى 9 في المائة، وعبّر رئيس الوزراء الهندي عن أنه يريد أن ينقل العلاقة مع فرنسا من علاقة بيع السلاح، أي الاستيراد من فرنسا إلى مرحلة أكثر تقدماً من التعاون النووي في المجال السلمي. وكانت فرنسا تأتي في المرتبة الثانية في تصدير السلاح إلى الهند بعد روسيا الاتحادية، لكن في السنوات الأخيرة احتلت إسرائيل هذه المرتبة من بيع السلاح والتعاون مع الهند في مجالات التسلح كان آخرها إطلاق قمر صناعي بتعاون إسرائيلي-هندي، تستطيع من خلاله إسرائيل التجسس على إيران الدولة وتهددها في حالة امتلاكها السلاح النووي، وتحرض واشنطن على شن غارة عسكرية على إيران.
ويظهر أن الهند بحاجة إلى معلومات مخابراتية تتعاون فيها مع فرنسا كما هي الحال مع تعاونها مع إسرائيل. وتعتبر الهند من أكبر دول العالم في شراء الأسلحة فهي سوق مهمة، حيث بلغت قيمة شرائها من الأسلحة خلال الخمس سنوات الماضية 30 مليار دولار، وكانت قد ألغت الهند العام الماضي صفقة قدرت قيمتها بـ 600 مليون دولار لشراء طائرة (Eurocopter) التي ادعت أن إلغاءها مرتبط بعملية رشوة، وتسعى الولايات المتحدة لأن يكون لها نصيب من السوق الهندية. وكانت واشنطن قد وقعت اتفاقية تعاون مع الهند في المجال النووي عام 2006، وتحاول الهند عقد صفقة طائرات (ميراج) المقاتلة والتي تقدر قيمتها بحوالي 1,5 مليار يورو وتسعى إسرائيل إلى الحصول على هذه الصفقة، وتزود فرنسا الهند حالياً بخبرة في الإدارة والوقود.
دخلت الهند المجال النووي عام 1974 عندما أجرت أول تجربة نووية لها
لقد دخلت الهند المجال النووي عام 1974 عندما أجرت أول تجربة نووية لها، والمعروف أن الهند ترفض التوقيع على اتفاقية معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية واتفاقية الحظر الشامل للتجارب النووية، وقد صرح ساركوزي في الهند لصحيفة هندوستان (حين تبرم الهند اتفاق الضمانات مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية وتعلن مجموعة المزودين النوويين موقفها نستطيع توقيع اتفاق التعاون)، وكان ساركوزي قد قال (يتمثل أحد الرهانات الأساسية لزيارتي إلى الهند في إنجاح هذا التطور الكبير من أجل تنمية الهند وحماية البيئة، وكانت مجموعة أريفا الفرنسية قد أعلنت أن الهند تعتبر من أكبر ملوثي البيئة في العالم، وأنها بحاجة إلى ما بين 25-30 مفاعلاً نووياً بهدف دعم النمو الاقتصادي، وتجري حالياً مفاوضات بين واشنطن وباريس وكذلك الوكالة الدولية للطاقة الذرية في مجال تعاون الهند النووي، لكن الحكومة الهندية تواجه ضغطاً داخلياً وخاصة من خلال الحزب الشيوعي الهندي الشريك في حكومة المؤتمر الوطني الهندي، فالحزب الشيوعي يحذر من التعاون مع الإمبريالية العالمية كما يقول، ويرفض مراقبة الوكالة الدولية للطاقة الذرية للمشروع النووي الهندي. ولتأكيد التعاون في المجال العسكري الهندي فقد زار برونو كوشير رئيس الأركان الفرنسية الهند في نوفمبر 2008 بدعوة من نظيره الهندي، وكان الأدميرال أليان أودت قد زار الهند أيضاً بدعوة من نظيره رئيس هيئة الأركان البحرية الهندية، وتسعى شركات الدفاع الفرنسية إلى دخول السوق الهندية من أجل التعاون العسكري والنووي باعتبارها سوقاً تقدر قيمتها بحوالي 100 مليار دولار.
وقد عبر وزير الخارجية الفرنسي برنارد كوشنير عن أهمية العلاقة مع الهند بقوله (نعم الصين مهمة، لكن الهند بشكل طبيعي أقرب إلى القلب، الهند أكبر ديمقراطية في العالم وأننا نفكر معاً في الاتجاه نفسه؟) وتريد فرنسا بيع الهند الجيل الثالث من طائرة (RAFALE)، وكانت كما ذكرنا قد أطلقت القمر الصناعي (POLARIS) بالتعاون مع إسرائيل، وحيث إن ساركوزي أعلن صراحة أنه حليف لإسرائيل ويتقرب من واشنطن فإننا أمام مثلث أمريكي-فرنسي-إسرائيلي يسعى بكل قوة إلى جذب الهند إلى هذا المثلث بعيداً عن الصين.
ومما يؤكد على أهمية العلاقة الفرنسية-الهندية، فإن فرنسا تولت رئاسة الاتحادي الأوروبي في النصف الثاني من عام 2008 واستضافت باريس أيضاً القمة الهندية-الأوروبية، ويظهر أن الهند بعدد سكانها الذي تجاوز المليار نسمة هي القوة الوحيدة بعدد سكانها التي يمكن أن تواجه القوة الصينية التي تعتبر القوة العظمى المرشحة في القرن الحادي والعشرين، وأكد ساركوزي حينها على تعاون عسكري كبير مع الهند (اتفقنا على تجاوز علاقة البائع والمشتري، وسنركز أكثر على مشاريع مشتركة للبحث والتنمية ونقل التكنولوجيا وفي مجال التعاون العسكري الواسع). ويظهر أن أهمية الهند ازدادت ضمن الحرب على الإرهاب كما تقول واشنطن، وفي ظل الفشل في أفغانستان وعدم الاستقرار السياسي في باكستان تزداد الحاجة للهند كقوة إقليمية كبرى في جنوب آسيا. وكانت اليابان قد طرحت في وقت سابق في عام 2007 منذ زيارة رئيس الوزراء الياباني السابق أبي، فكرة تحالف الديمقراطيات بين أستراليا واليابان والهند والولايات المتحدة ويبقى السؤال ضد من هذا التحالف، هل هناك دولة كبرى غير الصين يمكن مواجهتها؟

إن الهند تحدت الحظر الدولي وكدولة من زعماء عدم الانحياز استطاعت أن تلتحق بالنادي النووي في عام 1974، وقد طورت صواريخها النووية حسب التدرج الطبيعي من صواريخ بالستية قصيرة المدى (SRBM) إلى صواريخ بالستية متوسطة المدى (MRBM) ثم صواريخ بالستية عابرة للقارات (ICBM) وأخيراً صواريخ بالستية محمولة على الغواصات (SLBM)، هذا التحول في القوة العسكرية الهندية يجعلها مقبولة لأن تخطب ودها كل من باريس وواشنطن، وكانت الهند قد أجرت تجاربها على صاروخ (بريشي) المتوسط المدى لمسافة 150 كيلومتراً، كان ذلك عام 1983، ويرمز إلى صاروخ بريشي (SS_150) وعلى صاروخ (بريشي 2) الذي يصل مداه إلى مسافة 250 كيلومتراً (SS-250) وصاروح (بريشي 3) الذي يصل مداه إلى 650 كيلومتراً (SS-350)، كما طورت الهند صاروخاً بالستياً متوسط المدى (Agni) يبلغ مداه 1500 كيلومتر، وكان ذلك في عام 1989، ثم طورت من هذا الصاروخ (Agni2) عام 1997، كما جربت الهند صاروخاً بالستياً (غوري) ومع عام 1998 كانت الهند قد دخلت إلى مجال الصواريخ العابرة للقارات (ICBM)، عندما أطلقت تجربة صاروخ ساغاريكا (SAGARIKA). إن هذه القوة التي تملكها الهند وتقوم بتطويرها تجعل منها دولة مناسبة لتوازن القوى الدولي، بما تملكه من قوة نووية وما طورته من صواريخ بالستية قصيرة ومتوسطة وبعيدة المدى.
القوة التي تملكها الهند وتقوم بتطويرها تجعل منها دولة مناسبة لتوازن القوى الدولي
وتحاول الهند أن تطور أسطولها في المحيط الهندي وكانت قد شكلت منتدى المحيط الهندي لتعزيز نفوذها الاقتصادي مع الدول المطلة على المحيط الهندي، وأخذت توسع أنشطتها إلى داخل القارة الإفريقية، خاصة إذا علمنا أن الهند لها أقلية في دول شرق إفريقيا عندما كانت بريطانيا تحكم الهند وبعض المستعمرات في شرق إفريقيا. وإذا أخذنا البعد التاريخي في العلاقات بين بريطانيا والهند، فقد كانت معظم الجيوش البريطانية في آسيا تعتمد على الهنود الذين يتم تجنيدهم للقتال مع بريطانيا، وكان بعض الساسة البريطانيين يرددون المثل (ستقاتل بريطانيا في آسيا حتى آخر هندي)، كناية عن أهمية الهنود في الدفاع عن الإمبراطورية البريطانية.
إن الهند كقوة اقتصادية تنمو بشكل كبير، ورغم التنوع الهندي العرقي واللغوي فقد استطاعت أن تبني جمهورية ديمقراطية يمكن التعايش فيها، لكنها تعاني من تدني مستوى المعيشة ونسبة الفقر المرتفعة، لكنها جذبت الشركات التقنية بما لديها من أيدي عاملة مدربة في مجال التقنية الإلكترونية.
الصين تسعى إلى احتواء الهند من خلال التبادل التجاري والتعاون الإقليمي
لكن يبقى السؤال هل تدخل الهند في توازن قوى مع فرنسا والولايات المتحدة ضد الصين؟ يبقى الأمر محل تساؤل لأن الهند تحاول أن تستفيد من هذا التقارب الأمريكي-الفرنسي، وفي الوقت نفسه لا تريد أن تزعج الجارة الصين فقد زار رئيس الوزراء الهندي سينغ، بكين في 2008 في سبيل تعزيز التعاون بين نيودلهي وبكين وتجاوز الخلافات الحدودية وتم توقيع بعض الاتفاقيات التجارية وتحاول الهند أن تزيد من تجارتها الخارجية مع الصين، حيث إن الميزان التجاري في صالح الصين. هذا التوجه الهندي نحو الصين هو محاولة لطمأنة بكين التي تنظر بحذر شديد إلى سياسة الولايات المتحدة وفرنسا، رغم أن ساركوزي وقع عدة اتفاقيات مع بكين قدرت بحوالي ثلاثين مليار دولار.
وما يقلق حول الهند هو تعاون إسرائيل التقني في مجالات التجسس، فقد طورت إسرائيل مع الهند طائرات من دون طيار تستفيد منها الهند في التجسس على عناصر الجماعات الإسلامية في كشمير، وأخيراً القمر الصناعي الذي أطلق من مركز ساكش رهوان للفضاء وبالتعاون مع إسرائيل، وتحاول الأخيرة اللعب على ورقة خطر الجماعات الإسلامية خاصة الربط بين جماعات في كشمير مع ما تريد إسرائيل تصويره في فلسطين بأنها مقاومة جماعات إسلامية تصفها بالإرهاب. وكانت الهند قد طورت صاروخ (سوريا) وهو صاروخ عابر للقارات يطلق عليه (SURYA) ويعني الشمس، هذا التطور في الصواريخ العابرة للقارات قد يكون موجهاً نحو الصين في ظل التنافس بينهما.
ويبقى السؤال ما هو الموقف العربي من الهند في ظل السعي الدولي نحو الفيل الآسيوي؟ فالهند بحاجة للطاقة ولها علاقات تجارية مع دول الخليج العربية والعمالة الهندية الوافدة، ويمكن البناء على هذه المصالح في قمة عربية-هندية، لكسب الهند في ظل ما تحاول إسرائيل تسويقه من بناء مثلث هندي-إسرائيلي-أمريكي، وتبقى الاحتمالات مفتوحة على الهند، لكن بحاجة إلى موقف من دولة جارة أخذت تصعد في النظام الدولي بشكل سريع.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::979::/cck::
::introtext::
توافد خلال الأشهر الماضية عدد من قادة الدول الكبرى إلى الهند، بعضهم يعرض التعاون النووي كما في حالة الولايات المتحدة وفرنسا، وبعضهم الآخر يسعى إلى جذبها للدخول في تكتلات إقليمية كما في حالة روسيا واليابان، والجارة الصين تسعى إلى احتوائها، لكن ما موقف العرب من هذه التطورات والهند تقع على الحدود الشرقية للخليج العربي ولديها عمالة وافدة كبيرة في المنطقة؟
::/introtext::
::fulltext::
توافد خلال الأشهر الماضية عدد من قادة الدول الكبرى إلى الهند، بعضهم يعرض التعاون النووي كما في حالة الولايات المتحدة وفرنسا، وبعضهم الآخر يسعى إلى جذبها للدخول في تكتلات إقليمية كما في حالة روسيا واليابان، والجارة الصين تسعى إلى احتوائها، لكن ما موقف العرب من هذه التطورات والهند تقع على الحدود الشرقية للخليج العربي ولديها عمالة وافدة كبيرة في المنطقة؟
كان يتردد في الدوائر الدبلوماسية البريطانية في القرن التاسع عشر إبان العهد الاستعماري، عندما كانت الهند تعتبر درة التاج البريطاني (أن بريطانيا تقاتل حتى آخر جندي هندي في آسيا)، وبالفعل كان جل الجيوش البريطانية في آسيا من الهنود الذين سخروا لخدمة الإمبراطورية البريطانية التي كانت كما قيل الإمبراطورية التي لا تغيب الشمس عن ممتلكاتها. وكان مكتب الهند في ذلك الوقت يلعب دوراً مهماً في بلورة السياسة الاستعمارية البريطانية في آسيا والخليج العربي حتى الحرب العالمية الأولى، وعندما استقلت الهند عام 1947 وقسمت إلى الهند وباكستان، بقيت تحظى الهند بالاهتمام البريطاني، وأصبحت ضمن دول الكومنويلث، وهي الرابطة التي أسستها بريطانيا من أجل بقاء التواصل مع مستعمراتها، أي خرجت من الباب وأرادت أن يبقى نفوذها من النافذة، وكانت أنديرا غاندي رئيسة وزراء الهند السابقة على علاقات متميزة مع رئيسة الوزراء البريطانية مارغريت تاتشر، ويقال إنها كانت تتحدث معها إسبوعياً مرات عدة بالهاتف لتنسيق المواقف السياسية والتشاور معها؟ وتنشط الاستخبارات البريطانية بشكل قوي مستفيدة من خبرتها التاريخية في الهند وتنسق مع الاستخبارات الهندية، لذا ليس غريباً أن يحاول غوردون براون الحديث مجدداً عن التعاون البريطاني –الهندي في مطاردة الإرهاب، وأن تلعب الهند دوراً في التوازن الإقليمي في آسيا، فمن خلال الكومنويلث والجالية الهندية في بريطانيا والعلاقات الاقتصادية الوثيقة بين البلدين تسعى السياسة البريطانية إلى العودة إلى الدور الهندي التاريخي، لكن بطريقة أخرى في مواجهات الجماعات الإسلامية التي تعتبرها بريطانيا تهدد مصالحها في أفغانستان وباكستان، علماً بأن الهند تواجه الجماعات الإسلامية في كشمير، وفي ظل فشل الناتو في أفغانستان، وعدم الاستقرار في باكستان وضعف القيادة الباكستانية، يتعزز الدور الهندي في نظر بريطانيا.
وإذا كانت بريطانيا تهرع إلى الهند فإن رئيس الوزراء الهندي كان في زيارة له في أواخر 2008 إلى الصين لتعزيز التبادل التجاري بين البلدين وفي محاولة لتجاوز الخلافات حول الحدود، لكن الصين أكثر اهتماماً بالهند في ظل الود الأمريكي والبريطاني، فهي تسعى إلى احتواء الهند من خلال التبادل التجاري والتعاون الإقليمي، وقد تمت دعوة الهند لحضور قمة منظمة شنغهاي في 2007 لجذبها إلى المنظمة التي تضم الصين وروسيا وبعض دول آسيا الوسطى، وقد أخذت منظمة شنغهاي تطور تعاونها من المجال الاقتصادي إلى التعاون في المجال العسكري من خلال المناورات المشتركة للقوات الصينية والروسية مما دفع بعض المراقبين إلى وصف منظمة شنغهاي بالناتو الجديد لمواجهة توسع حلف الناتو باتجاه حدود روسيا؟
وتسعى روسيا إلى تعزيز علاقاتها التاريخية مع الهند، خاصة أن الهند تميزت بعلاقات وطيدة مع الاتحاد السوفييتي السابق خاصة كمستورد للسلاح الروسي، لكن بعد نهاية الحرب الباردة، ومع محاولة روسيا إعادة دورها العالمي وفي مواجهة الهيمنة الأمريكية طرح رئيس وزراء روسيا السابق يوغيني بريماكوف فكرة المثلث الهندي-الصيني-الروسي لمواجهة الولايات المتحدة، أثناء زيارته إلى الهند في ديسمبر 1998، ومنذ أن جاء بوتين للحكم وهو يتبنى سياسة بريماكوف في التعاون الهندي- الروسي في محاولة لمواجهة الهيمنة الأمريكية، علماً بأن الهند تعاقدت في السنوات الثلاث الماضية بعقود لشراء السلاح الروسي تجاوزت أربعة مليارات دولار من روسيا، وقد زار بوتين الهند. ويأتي القلق الروسي والصيني من التقارب الأمريكي – الهندي في ظل ما تردد في بعض الدراسات الصادرة من مراكز الدراسات الاستراتيجية التابعة لوزارة الدفاع الأمريكي حول الفكرة الأمريكية لطرح (الناتو الآسيوي)، ولا شك في أن هذا الطرح يقلق جيران الهند؟ ومما يزيد القلق ما طرحه رئيس الوزراء الياباني السابق آبي في زيارته إلى الهند عام 2007 عندما طرح فكرة تحالف الديمقراطيات، مشيداً بالديمقراطية الهندية، وكان يقصد التحالف بين الهند واليابان والولايات المتحدة وأستراليا، على اعتبار أن هذه الدول تمثل النموذج الديمقراطي، وأن الدول الآسيوية المجاورة لها غير ديمقراطية مثل الصين وكوريا الشمالية. فالطرح الياباني لا يخرج عن التنسيق مع الولايات المتحدة، ورغم أن الهند لم تعلن خيارها في ظل هذا التجاذب الدولي وخطب الود الهندي فإنها تحاول الاستفادة من هذه العلاقات لخدمة مصالحها، علماً بأن النخبة السياسية منقسمة، فالحزب الشيوعي الهندي ينتقد التعاون بين الهند والولايات المتحدة على حساب الصين وروسيا، وقد هدد بالانسحاب من الحكومة الهندية. وهناك نخبة ترى الاستفادة من التعاون مع واشنطن وتسخير هذا التعاون لكسب الدعم الأمريكي للحصول على مقعد دائم في مجلس الأمن الدولي، في ظل المطالبة بإصلاح الأمم المتحدة. وتحظى الصين باهتمام الدول الصناعية البازغة في الجنوب مثل التعاون البرازيلي –الهندي وجنوب إفريقيا، وقد عقدت القمة الثانية لهذه الدول عام 2007 في جنوب إفريقيا على أمل أن تعقد هذا العام في الهند.
الهند ترفض التوقيع على اتفاقية معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية واتفاقية الحظر الشامل للتجارب النووية
وفي ظل هذا التسابق على الهند كانت زيارة الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي إلى نيودلهي، فقد كان ساركوزي في زيارة إلى دول الخليج العربية انتقل بعدها إلى الهند، وكان قبل ذلك قد زار الصين، وقد عرض ساركوزي سواء كان في الخليج العربي أو الهند رغبة بلادة في التعاون في مجال الطاقة النووية، ووقع مع رئيس وزراء الهند مانموهان سينغ اتفاقية التعاون في مجالات البحث والتزويد، حيث إن فرنسا تملك خبرة في هذا المجال، كما أن الهند يزداد طلبها على الطاقة بفعل النمو الاقتصادي المرتفع والذي وصل العام الماضي إلى 9 في المائة، وعبّر رئيس الوزراء الهندي عن أنه يريد أن ينقل العلاقة مع فرنسا من علاقة بيع السلاح، أي الاستيراد من فرنسا إلى مرحلة أكثر تقدماً من التعاون النووي في المجال السلمي. وكانت فرنسا تأتي في المرتبة الثانية في تصدير السلاح إلى الهند بعد روسيا الاتحادية، لكن في السنوات الأخيرة احتلت إسرائيل هذه المرتبة من بيع السلاح والتعاون مع الهند في مجالات التسلح كان آخرها إطلاق قمر صناعي بتعاون إسرائيلي-هندي، تستطيع من خلاله إسرائيل التجسس على إيران الدولة وتهددها في حالة امتلاكها السلاح النووي، وتحرض واشنطن على شن غارة عسكرية على إيران.
ويظهر أن الهند بحاجة إلى معلومات مخابراتية تتعاون فيها مع فرنسا كما هي الحال مع تعاونها مع إسرائيل. وتعتبر الهند من أكبر دول العالم في شراء الأسلحة فهي سوق مهمة، حيث بلغت قيمة شرائها من الأسلحة خلال الخمس سنوات الماضية 30 مليار دولار، وكانت قد ألغت الهند العام الماضي صفقة قدرت قيمتها بـ 600 مليون دولار لشراء طائرة (Eurocopter) التي ادعت أن إلغاءها مرتبط بعملية رشوة، وتسعى الولايات المتحدة لأن يكون لها نصيب من السوق الهندية. وكانت واشنطن قد وقعت اتفاقية تعاون مع الهند في المجال النووي عام 2006، وتحاول الهند عقد صفقة طائرات (ميراج) المقاتلة والتي تقدر قيمتها بحوالي 1,5 مليار يورو وتسعى إسرائيل إلى الحصول على هذه الصفقة، وتزود فرنسا الهند حالياً بخبرة في الإدارة والوقود.
دخلت الهند المجال النووي عام 1974 عندما أجرت أول تجربة نووية لها
لقد دخلت الهند المجال النووي عام 1974 عندما أجرت أول تجربة نووية لها، والمعروف أن الهند ترفض التوقيع على اتفاقية معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية واتفاقية الحظر الشامل للتجارب النووية، وقد صرح ساركوزي في الهند لصحيفة هندوستان (حين تبرم الهند اتفاق الضمانات مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية وتعلن مجموعة المزودين النوويين موقفها نستطيع توقيع اتفاق التعاون)، وكان ساركوزي قد قال (يتمثل أحد الرهانات الأساسية لزيارتي إلى الهند في إنجاح هذا التطور الكبير من أجل تنمية الهند وحماية البيئة، وكانت مجموعة أريفا الفرنسية قد أعلنت أن الهند تعتبر من أكبر ملوثي البيئة في العالم، وأنها بحاجة إلى ما بين 25-30 مفاعلاً نووياً بهدف دعم النمو الاقتصادي، وتجري حالياً مفاوضات بين واشنطن وباريس وكذلك الوكالة الدولية للطاقة الذرية في مجال تعاون الهند النووي، لكن الحكومة الهندية تواجه ضغطاً داخلياً وخاصة من خلال الحزب الشيوعي الهندي الشريك في حكومة المؤتمر الوطني الهندي، فالحزب الشيوعي يحذر من التعاون مع الإمبريالية العالمية كما يقول، ويرفض مراقبة الوكالة الدولية للطاقة الذرية للمشروع النووي الهندي. ولتأكيد التعاون في المجال العسكري الهندي فقد زار برونو كوشير رئيس الأركان الفرنسية الهند في نوفمبر 2008 بدعوة من نظيره الهندي، وكان الأدميرال أليان أودت قد زار الهند أيضاً بدعوة من نظيره رئيس هيئة الأركان البحرية الهندية، وتسعى شركات الدفاع الفرنسية إلى دخول السوق الهندية من أجل التعاون العسكري والنووي باعتبارها سوقاً تقدر قيمتها بحوالي 100 مليار دولار.
وقد عبر وزير الخارجية الفرنسي برنارد كوشنير عن أهمية العلاقة مع الهند بقوله (نعم الصين مهمة، لكن الهند بشكل طبيعي أقرب إلى القلب، الهند أكبر ديمقراطية في العالم وأننا نفكر معاً في الاتجاه نفسه؟) وتريد فرنسا بيع الهند الجيل الثالث من طائرة (RAFALE)، وكانت كما ذكرنا قد أطلقت القمر الصناعي (POLARIS) بالتعاون مع إسرائيل، وحيث إن ساركوزي أعلن صراحة أنه حليف لإسرائيل ويتقرب من واشنطن فإننا أمام مثلث أمريكي-فرنسي-إسرائيلي يسعى بكل قوة إلى جذب الهند إلى هذا المثلث بعيداً عن الصين.
ومما يؤكد على أهمية العلاقة الفرنسية-الهندية، فإن فرنسا تولت رئاسة الاتحادي الأوروبي في النصف الثاني من عام 2008 واستضافت باريس أيضاً القمة الهندية-الأوروبية، ويظهر أن الهند بعدد سكانها الذي تجاوز المليار نسمة هي القوة الوحيدة بعدد سكانها التي يمكن أن تواجه القوة الصينية التي تعتبر القوة العظمى المرشحة في القرن الحادي والعشرين، وأكد ساركوزي حينها على تعاون عسكري كبير مع الهند (اتفقنا على تجاوز علاقة البائع والمشتري، وسنركز أكثر على مشاريع مشتركة للبحث والتنمية ونقل التكنولوجيا وفي مجال التعاون العسكري الواسع). ويظهر أن أهمية الهند ازدادت ضمن الحرب على الإرهاب كما تقول واشنطن، وفي ظل الفشل في أفغانستان وعدم الاستقرار السياسي في باكستان تزداد الحاجة للهند كقوة إقليمية كبرى في جنوب آسيا. وكانت اليابان قد طرحت في وقت سابق في عام 2007 منذ زيارة رئيس الوزراء الياباني السابق أبي، فكرة تحالف الديمقراطيات بين أستراليا واليابان والهند والولايات المتحدة ويبقى السؤال ضد من هذا التحالف، هل هناك دولة كبرى غير الصين يمكن مواجهتها؟

إن الهند تحدت الحظر الدولي وكدولة من زعماء عدم الانحياز استطاعت أن تلتحق بالنادي النووي في عام 1974، وقد طورت صواريخها النووية حسب التدرج الطبيعي من صواريخ بالستية قصيرة المدى (SRBM) إلى صواريخ بالستية متوسطة المدى (MRBM) ثم صواريخ بالستية عابرة للقارات (ICBM) وأخيراً صواريخ بالستية محمولة على الغواصات (SLBM)، هذا التحول في القوة العسكرية الهندية يجعلها مقبولة لأن تخطب ودها كل من باريس وواشنطن، وكانت الهند قد أجرت تجاربها على صاروخ (بريشي) المتوسط المدى لمسافة 150 كيلومتراً، كان ذلك عام 1983، ويرمز إلى صاروخ بريشي (SS_150) وعلى صاروخ (بريشي 2) الذي يصل مداه إلى مسافة 250 كيلومتراً (SS-250) وصاروح (بريشي 3) الذي يصل مداه إلى 650 كيلومتراً (SS-350)، كما طورت الهند صاروخاً بالستياً متوسط المدى (Agni) يبلغ مداه 1500 كيلومتر، وكان ذلك في عام 1989، ثم طورت من هذا الصاروخ (Agni2) عام 1997، كما جربت الهند صاروخاً بالستياً (غوري) ومع عام 1998 كانت الهند قد دخلت إلى مجال الصواريخ العابرة للقارات (ICBM)، عندما أطلقت تجربة صاروخ ساغاريكا (SAGARIKA). إن هذه القوة التي تملكها الهند وتقوم بتطويرها تجعل منها دولة مناسبة لتوازن القوى الدولي، بما تملكه من قوة نووية وما طورته من صواريخ بالستية قصيرة ومتوسطة وبعيدة المدى.
القوة التي تملكها الهند وتقوم بتطويرها تجعل منها دولة مناسبة لتوازن القوى الدولي
وتحاول الهند أن تطور أسطولها في المحيط الهندي وكانت قد شكلت منتدى المحيط الهندي لتعزيز نفوذها الاقتصادي مع الدول المطلة على المحيط الهندي، وأخذت توسع أنشطتها إلى داخل القارة الإفريقية، خاصة إذا علمنا أن الهند لها أقلية في دول شرق إفريقيا عندما كانت بريطانيا تحكم الهند وبعض المستعمرات في شرق إفريقيا. وإذا أخذنا البعد التاريخي في العلاقات بين بريطانيا والهند، فقد كانت معظم الجيوش البريطانية في آسيا تعتمد على الهنود الذين يتم تجنيدهم للقتال مع بريطانيا، وكان بعض الساسة البريطانيين يرددون المثل (ستقاتل بريطانيا في آسيا حتى آخر هندي)، كناية عن أهمية الهنود في الدفاع عن الإمبراطورية البريطانية.
إن الهند كقوة اقتصادية تنمو بشكل كبير، ورغم التنوع الهندي العرقي واللغوي فقد استطاعت أن تبني جمهورية ديمقراطية يمكن التعايش فيها، لكنها تعاني من تدني مستوى المعيشة ونسبة الفقر المرتفعة، لكنها جذبت الشركات التقنية بما لديها من أيدي عاملة مدربة في مجال التقنية الإلكترونية.
الصين تسعى إلى احتواء الهند من خلال التبادل التجاري والتعاون الإقليمي
لكن يبقى السؤال هل تدخل الهند في توازن قوى مع فرنسا والولايات المتحدة ضد الصين؟ يبقى الأمر محل تساؤل لأن الهند تحاول أن تستفيد من هذا التقارب الأمريكي-الفرنسي، وفي الوقت نفسه لا تريد أن تزعج الجارة الصين فقد زار رئيس الوزراء الهندي سينغ، بكين في 2008 في سبيل تعزيز التعاون بين نيودلهي وبكين وتجاوز الخلافات الحدودية وتم توقيع بعض الاتفاقيات التجارية وتحاول الهند أن تزيد من تجارتها الخارجية مع الصين، حيث إن الميزان التجاري في صالح الصين. هذا التوجه الهندي نحو الصين هو محاولة لطمأنة بكين التي تنظر بحذر شديد إلى سياسة الولايات المتحدة وفرنسا، رغم أن ساركوزي وقع عدة اتفاقيات مع بكين قدرت بحوالي ثلاثين مليار دولار.
وما يقلق حول الهند هو تعاون إسرائيل التقني في مجالات التجسس، فقد طورت إسرائيل مع الهند طائرات من دون طيار تستفيد منها الهند في التجسس على عناصر الجماعات الإسلامية في كشمير، وأخيراً القمر الصناعي الذي أطلق من مركز ساكش رهوان للفضاء وبالتعاون مع إسرائيل، وتحاول الأخيرة اللعب على ورقة خطر الجماعات الإسلامية خاصة الربط بين جماعات في كشمير مع ما تريد إسرائيل تصويره في فلسطين بأنها مقاومة جماعات إسلامية تصفها بالإرهاب. وكانت الهند قد طورت صاروخ (سوريا) وهو صاروخ عابر للقارات يطلق عليه (SURYA) ويعني الشمس، هذا التطور في الصواريخ العابرة للقارات قد يكون موجهاً نحو الصين في ظل التنافس بينهما.
ويبقى السؤال ما هو الموقف العربي من الهند في ظل السعي الدولي نحو الفيل الآسيوي؟ فالهند بحاجة للطاقة ولها علاقات تجارية مع دول الخليج العربية والعمالة الهندية الوافدة، ويمكن البناء على هذه المصالح في قمة عربية-هندية، لكسب الهند في ظل ما تحاول إسرائيل تسويقه من بناء مثلث هندي-إسرائيلي-أمريكي، وتبقى الاحتمالات مفتوحة على الهند، لكن بحاجة إلى موقف من دولة جارة أخذت تصعد في النظام الدولي بشكل سريع.
::/fulltext::
::cck::979::/cck::
