مبادرة اسطنبول لحلف الناتو والمصالح المشتركة مع دول الخليج
::cck::1007::/cck::
::introtext::
بدعوة كريمة من وزارة الدولة لشؤون المجلس الوطني الاتحادي في دولة الإمارات والمجلس البرلماني لدول حلف شمال الأطلسي (الناتو) شاركت في أكتوبر 2008 في العاصمة أبوظبي في مؤتمر (الشرق الأوسط والتحديات الدولية).
::/introtext::
::fulltext::
بدعوة كريمة من وزارة الدولة لشؤون المجلس الوطني الاتحادي في دولة الإمارات والمجلس البرلماني لدول حلف شمال الأطلسي (الناتو) شاركت في أكتوبر 2008 في العاصمة أبوظبي في مؤتمر (الشرق الأوسط والتحديات الدولية).
يشارك في المؤتمر خمسون شخصية بينهم مسؤولون وأكاديميون وبرلمانيون من 15 دولة من دول (الناتو الـ 26) (في ذلك الوقت ارتفع عدد الدول الأعضاء اليوم إلى 28 دولة) الأعضاء في أكبر وأقوى تحالف عسكري في تاريخ العالم الحديث يمتد على 3 قارات ويتحكم في الكثير من مفاصل القضايا في العالم من أفغانستان إلى كوسوفو بقيادة الولايات المتحدة، حيث مثّل حلف شمال الأطلسي الذراع العسكرية للغرب الرأسمالي في مواجهة الشيوعية والكتلة الشرقية بقيادة الاتحاد السوفييتي طوال سنوات الحرب الباردة.
ويفاخر مسؤولو (الناتو) عندما نجتمع معهم في الاجتماعات الرسمية والمؤتمرات بأن (الناتو) انتصر في الحرب الباردة وأسهم في إسقاط الاتحاد السوفييتي ونهاية الشيوعية من دون إطلاق رصاصة. أما إطلاق الرصاص فقد أتى عقب نهاية الحرب الباردة في يوغسلافيا لتحجيم مليوسفيتش ووحشيته ضد المسلمين في كوسوفو، وأعقب ذلك الوجود العسكري للناتو في أفغانستان ضمن قوات التحالف الدولي المعروف بـ (ISAF) والذي بدأ يزيد من تردي صورة الناتو التي يشوبها الكثير من اللغط منذ البدء بسبب ارتباطها بالهيمنة الأمريكية وتصويرها (امبريالية جديدة) تتحول إلى شرطي العالم، ويحل (الناتو) مكان الأمم المتحدة في حل النزاعات من دون شرعية وغطاء من مجلس الأمن، ويتدخل في شؤون الدول في عالم بدأ يتخلص تدريجياً من الأحادية القطبية، ويتحول إلى عالم يقترب أكثر من عالم متعدد الأقطاب. وكان دور الناتو الرئيسي في عالم ما بعد الحرب الباردة واضحاً في يوغسلافيا وهو أوضح اليوم في أفغانستان.
حلف الناتو هو أكبر وأقوى تحالف عسكري في تاريخ العالم الحديث
الفارق أننا نحن دول المنطقة دول أعضاء في الأمم المتحدة ولنا صوت ودور ويمكننا أن نشارك ونعبر عن وجهات نظرنا في الجمعية العامة ولجان الأمم المتحدة. أما في حلف شمال الأطلسي فلا عضوية لدينا ولا يُستمع لآرائنا ومواقفنا وتُقدم المبادرات والمقاربات من دون أن يؤخذ برأينا.
وفي المؤتمر المذكور شاركت بورقة حملت عنوان (علاقة الناتو ودول الخليج في إطار مبادرة اسطنبول). وعلقت فيها وفقاً لما ذكرته سابقاً في مقالات نشرت لي في الصحافة عقب تنظيمي وترؤسي لأول وفد من (قادة الرأي) كما تسميه إدارة الدبلوماسية العامة في حلف الناتو من الأكاديميين والخبراء الاستراتيجيين الكويتيين في عام 2007. وكانت الكويت أول دولة من دول مجلس التعاون انضمت إلى مبادرة اسطنبول لتحصين وتطوير قدراتها الأمنية والعسكرية والتدريب والتأهيل لقواتها المسلحة. وبين عامي 2004-2005 انضمت (بالإضافة إلى الكويت) وبالترتيب كل من البحرين وقطر والإمارات إلى مبادرة الناتو. ولم تنضم حتى اليوم على الرغم من إبداء الاهتمام في الاطلاع على مضمون مبادرة اسطنبول التابعة لحلف الناتو والموجهة إلى دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، كل من المملكة العربية السعودية وسلطنة عُمان أكبر كيانين داخل منظومة مجلس التعاون الخليجي. وهذه الحقيقة تبقي المبادرة وقدرتها على التطور محدودة وتراوح مكانها من دون أن تنجح في تحقيق الآمال التي تسعى المبادرة إلى تحقيقها.
هذه المبادرة أتت كردة فعل على عالم ما بعد 11 سبتمبر ولحماية أمن واستقرار دول مجلس التعاون الخليجي من خطر الإرهاب وعدم الاستقرار وأتت متناغمة ومتزامنة مع مشروع واشنطن الذي عرف حينها بـ (الشرق الأوسط الكبير) واعتمد كمفهوم في صيف عام 2004 في قمة الدول الصناعية الثماني الكبرى في الولايات المتحدة الأمريكية. وأعقب ذلك في قمة حلف الناتو في اسطنبول في نهاية يونيو 2004 التي أطلقت مبادرة اسطنبول فيما عُرف بـ (ICI) وهي المبادرة التي أتت لمساعدة دول مجلس التعاون الخليجي كل على حدة على تأهيل وتدريب وتحصين قدراتها وقواتها وإمكاناتها الدفاعية والعسكرية والأمنية والاستخباراتية لدرء المخاطر، والتعامل مع التهديدات والتحديات المرتبطة بالشؤون الأمنية والعسكرية والدفاعية في توظيف لخبرات ودراية الناتو الذي احتفل في 2009 بالذكرى الستين لقيامه. كل ذلك ساهم في إقناع الدول الفاعلة في النظام العالمي سواء كانت الدول الصناعية الكبرى، أو حلف الناتو، بتبني المبادرة المهمة التي ترتكز على فكرة أساسية (نساعدكم لتساعدوا أنفسكم وتكونوا في وضع أفضل).
صورة حلف الناتو يشوهها الكثير من اللغط بسبب ارتباطها بالهيمنة الأمريكية
البعض ممن يؤمنون بنظرية المؤامرة يرون أن هذه المبادرة ما هي إلا غطاء وستار غربي- أمريكي للعودة إلى العهد الكولونيالي وإعادة استعمار المنطقة من قِبل القوى الغربية، ومن ثم يغرقون في المبالغة. لكن حقاً، السؤال الذي يفرض نفسه ما هي مصلحة (الناتو) من وراء هذه المبادرة التي لا يستوعب مضمونها ومغزاها الكثير من المسؤولين والنواب والأكاديميين والإعلاميين. ما لا تعنيه هذه المبادرة محدد وواضح، إنها ليست مبادرة مفروضة بل اختيارية. والمبادرة ليست شراكة ولا يوجد عرض للانضمام إلى دول الحلف. كل ما هنالك هي طبقة ومستوى آخر من الدعم والمساعدة والتدريب والتأهيل لكل دولة بمفردها لتكون مؤهلة أكثر لمواجهة التهديدات والتحديات.
هذه المبادرة تبقى مبهمة وغير واضحة المعالم، ويبرز العديد من الأسئلة التي لا تجد إجابات عنها من دون الغوص وفهم بنود وأبعاد تلك المبادرة. إن المبادرة ليست اتفاقية حماية وليست اتفاقية دفاعية وليست بديلاً عن الاتفاقيات الموقعة بين دول المنطقة والدول الكبرى وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية. كما لن تشهد دول الخليج قواعد أو قوات من الناتو على أراضينا. ولن تأتي قوات الناتو لتحمينا أو تدافع عنا في حال الاعتداء على أي من دولنا. لكن يظل السؤال الكبيرهو لماذا هذه المبادرة ودولنا قد أقامت ترتيبات أمنية مع الولايات المتحدة الأمريكية ودول أخرى فاعلة في النظام العالمي وأعضاء في حلف الناتو؟ والسؤال الآخر ما هي مصلحتنا نحن كدول خليجية في الانضمام إليها وما هي مصلحة الناتو في ذلك؟ خاصة أن من أبجديات العلاقات الدولية لا توجد علاقة بين الدول من دون المصالح؟ وكيف تنظر إيران إلى تلك المبادرة ودور حلف الأطلسي في الخليج؟ وماذا تعني لأمننا واستقرارنا؟
وللإجابة عن كل هذه الأسئلة المتعلقة بالمبادرة اللغز والتي بعد حوالي ستة أعوام من انطلاقتها تبقى غير واضحة لدى الكثير من المسؤولين والأكاديميين والعامة في دولنا لا بد من فهم النقاط التالية:
أولاً: يجب أن نفهم أن الناتو الذي احتفل العام الماضي بالذكرى الستين لقيامه كذراع عسكرية في وجه الشيوعية في أوروبا قد صمد وبقي حتى بعد سقوطها وتفكك كيانها وبعد انضمام دول شكلت العمود الفقري للكيان المناوئ للغرب. وقد انضمت دول أساسية من حلف وارسو إلى حلف الناتو، مثل دول البلطيق السوفييتية ودول أوروبا الشرقية مثل بولندا عاصمة ومقر حلف وارسو. كما أن المقر الذي كان تسعى إدارة بوش إلى تمركز الدرع الصاروخية الأمريكية على أراضيها مع جمهورية التشيك والذي تنظر إليه موسكو بأنه يشكل تهديداً استراتيجياً يهدد أمن روسيا القومي.
ثانياً: لقد توسع حلف الناتو ليشمل 26 دولة في ثلاث قارات (أصبح منذ مطلع 2009، 28 دولة) ويقوم بعمليات أمنية وعسكرية في البلقان وأفغانستان خارج نطاق وجوده واهتمامه ومناطق نفوذه.
ثالثاً: في عالم ما بعد اعتداءات 11 سبتمبر 2001 ولمواجهة الإرهاب والإرهابيين تبنى الناتو عقيدة واشنطن ومبدأ بوش (الحرب على الإرهاب). وأطلقت الدول الصناعية الثماني الكبرى مبادرة لحماية أمن واستقرار دول مجلس التعاون الخليجي التي أتى معظم خاطفي الطائرات في اعتداءات 11 سبتمبر 2001 منها وبسبب حيويتها وأهميتها لأمن الطاقة ومنابع وصادرات واحتياطيات نفط العالم ولحمايتها من خطر الإرهاب وعدم الاستقرار. وتزامنت مبادرة الناتو التي تشكل الولايات المتحدة القلب والمحرك الرئيسي فيها مع المشروع الأمريكي (الشرق الأوسط الكبير) في صيف عام 2004.

ترتكز المبادرة باختصار كما قلنا على فكرة أساسية (نساعدكم لتساعدوا أنفسكم)، وهي ليست شراكة مع دول مجلس التعاون الخليجي ولا تعرض العضوية في حلف الناتو. كل ما هنالك وكما ذكرنا آنفاً طبقة ومستوى آخر من الدعم والمساعدة والتدريب والتأهيل لكل دولة بمفردها لتكون دولنا مؤهلة أكثر لمواجهة التهديدات والتحديات من الإرهاب وحماية أمن الحدود وتأهيل وتدريب القوات المسلحة ولتطوير قدرات الدول التي تنضم إلى المباردة على إدارة الأزمات بشكل أفضل وتبادل المعلومات الأمنية والاستخباراتية. وإجراء تدريبات ومناورات مشتركة أحياناً. وقد تقوم بين الحين والآخر قطع بحرية تابعة لحلف الناتو بإجراء مناورات، كما حصل في عام 2009 مع الدول الخليجية الأربع التي انضمت إلى مبادرة اسطنبول لإجراء تمارين مشتركة. فالمبادرة باختصار من الناحية النظرية (win-win situation) ربحية لدول المنطقة كما يراها مؤيدوها.
لكن المبادرة لا تفرض على دول المنطقة التوقيع على اتفاقية أمنية أو تنص على إقامة قواعد عسكرية أو شراء أسلحة وأنظمة دفاعية من الناتو، كما أنها تعاني من لبس وإبهام. ومن المقترحات التي على الناتو إعادة النظر فيها، لماذا يٌصر حلف الناتو على تسميتها بمبادرة اسطنبول وليس مبادرة حلف الناتو تجاه دول مجلس التعاون الخليجي؟ ولماذا يصر الناتو أيضاً على التعامل مع دول مجلس التعاون الخليجي ثنائياً وليس جماعياً، المبادرة تتعامل مع دول المجلس من خلال (28+1) وليس (28+6)؟ ولماذا تصر مبادرة اسطنبول على التأكيد أن كافة مبادرات الناتو مكملة لبعضها بعضاً (complementary) وخاصة مع مبادرة حوار المتوسط التي تضم دول شمال إفريقيا باستثناء ليبيا ومصر والأردن وإسرائيل، مما يجعل دولاً مثل السعودية مترددة في الانضمام، مع التفاؤل بأن السعودية تدرس المبادرة من دون أن ترفضها وسط ما يبدو تفاوتاً في وجهات النظر بين القيادات العسكرية والسياسية تجاه المبادرة.
بدورها تنظر إيران بريبة وترفض مبادرة اسطنبول أو أي ترتيبات أمنية يكون فيها دور أو وجود عسكري لأي قوة من خارج منطقة الخليج، عربية كانت مثل (إعلان دمشق) أو دولية مثل الوجود الأمريكي أو الناتو أو الفرنسي.
وختاماً، فإن مبادرة اسطنبول التي من المفضل أن تحمل تسمية أقل لبساً ويتغير مسماها لمصطلح مرتبط بالأمن الخليجي، ويتم شرحها بشكل أقل تعقيداً، ويتم الأخذ في الاعتبار التحفظات والملاحظات التي عبرت عنها الدول التي انضمت والمملكة العربية السعودية وسلطنة عُمان اللتين لديهما تحفظات حول الانضمام ومعرفة الأسباب. لكن في المقابل تبقى المبادرة بالنسبة لدول المنطقة ربحية للطرفين. كما تُشكل المبادرة مستوى آخر من مستويات تأمين الشبكة الأمنية لدولنا. وتؤكد المبادرة حرص الدول الفاعلة في النظام العالمي على تأمين حماية أمن الطاقة من خلال عولمة أمن الخليج وليس إبقاؤه حكراً على طرف وحيد.
لكن من أجل أن تكتسب المبادرة زخماً أكبر وتحقق الأهداف التي قامت من أجلها، على دول الناتو أن تُبدي المزيد من الاهتمام وإعادة النظر في أركان المبادرة، وتجيب عن الأسئلة التي طرحناها حتى تكون المبادرة مقبولة من جميع الأطراف في المنطقة وخاصة المملكة العربية السعودية وسلطنة عُمان، وأن تستشير دول الناتو دول المنطقة في ما يتعلق بـ (Menu) القائمة المقدمة من الاقتراحات الأمنية والدفاعية التي تقترحها المبادرة لدول مجلس التعاون الخليجي، ومن أجل أن ترتقي المبادرة إلى المستوى الذي يساعد جميع الأطراف المعنية على الاستفادة المثلى من مضمونها وبنودها.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1007::/cck::
::introtext::
بدعوة كريمة من وزارة الدولة لشؤون المجلس الوطني الاتحادي في دولة الإمارات والمجلس البرلماني لدول حلف شمال الأطلسي (الناتو) شاركت في أكتوبر 2008 في العاصمة أبوظبي في مؤتمر (الشرق الأوسط والتحديات الدولية).
::/introtext::
::fulltext::
بدعوة كريمة من وزارة الدولة لشؤون المجلس الوطني الاتحادي في دولة الإمارات والمجلس البرلماني لدول حلف شمال الأطلسي (الناتو) شاركت في أكتوبر 2008 في العاصمة أبوظبي في مؤتمر (الشرق الأوسط والتحديات الدولية).
يشارك في المؤتمر خمسون شخصية بينهم مسؤولون وأكاديميون وبرلمانيون من 15 دولة من دول (الناتو الـ 26) (في ذلك الوقت ارتفع عدد الدول الأعضاء اليوم إلى 28 دولة) الأعضاء في أكبر وأقوى تحالف عسكري في تاريخ العالم الحديث يمتد على 3 قارات ويتحكم في الكثير من مفاصل القضايا في العالم من أفغانستان إلى كوسوفو بقيادة الولايات المتحدة، حيث مثّل حلف شمال الأطلسي الذراع العسكرية للغرب الرأسمالي في مواجهة الشيوعية والكتلة الشرقية بقيادة الاتحاد السوفييتي طوال سنوات الحرب الباردة.
ويفاخر مسؤولو (الناتو) عندما نجتمع معهم في الاجتماعات الرسمية والمؤتمرات بأن (الناتو) انتصر في الحرب الباردة وأسهم في إسقاط الاتحاد السوفييتي ونهاية الشيوعية من دون إطلاق رصاصة. أما إطلاق الرصاص فقد أتى عقب نهاية الحرب الباردة في يوغسلافيا لتحجيم مليوسفيتش ووحشيته ضد المسلمين في كوسوفو، وأعقب ذلك الوجود العسكري للناتو في أفغانستان ضمن قوات التحالف الدولي المعروف بـ (ISAF) والذي بدأ يزيد من تردي صورة الناتو التي يشوبها الكثير من اللغط منذ البدء بسبب ارتباطها بالهيمنة الأمريكية وتصويرها (امبريالية جديدة) تتحول إلى شرطي العالم، ويحل (الناتو) مكان الأمم المتحدة في حل النزاعات من دون شرعية وغطاء من مجلس الأمن، ويتدخل في شؤون الدول في عالم بدأ يتخلص تدريجياً من الأحادية القطبية، ويتحول إلى عالم يقترب أكثر من عالم متعدد الأقطاب. وكان دور الناتو الرئيسي في عالم ما بعد الحرب الباردة واضحاً في يوغسلافيا وهو أوضح اليوم في أفغانستان.
حلف الناتو هو أكبر وأقوى تحالف عسكري في تاريخ العالم الحديث
الفارق أننا نحن دول المنطقة دول أعضاء في الأمم المتحدة ولنا صوت ودور ويمكننا أن نشارك ونعبر عن وجهات نظرنا في الجمعية العامة ولجان الأمم المتحدة. أما في حلف شمال الأطلسي فلا عضوية لدينا ولا يُستمع لآرائنا ومواقفنا وتُقدم المبادرات والمقاربات من دون أن يؤخذ برأينا.
وفي المؤتمر المذكور شاركت بورقة حملت عنوان (علاقة الناتو ودول الخليج في إطار مبادرة اسطنبول). وعلقت فيها وفقاً لما ذكرته سابقاً في مقالات نشرت لي في الصحافة عقب تنظيمي وترؤسي لأول وفد من (قادة الرأي) كما تسميه إدارة الدبلوماسية العامة في حلف الناتو من الأكاديميين والخبراء الاستراتيجيين الكويتيين في عام 2007. وكانت الكويت أول دولة من دول مجلس التعاون انضمت إلى مبادرة اسطنبول لتحصين وتطوير قدراتها الأمنية والعسكرية والتدريب والتأهيل لقواتها المسلحة. وبين عامي 2004-2005 انضمت (بالإضافة إلى الكويت) وبالترتيب كل من البحرين وقطر والإمارات إلى مبادرة الناتو. ولم تنضم حتى اليوم على الرغم من إبداء الاهتمام في الاطلاع على مضمون مبادرة اسطنبول التابعة لحلف الناتو والموجهة إلى دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، كل من المملكة العربية السعودية وسلطنة عُمان أكبر كيانين داخل منظومة مجلس التعاون الخليجي. وهذه الحقيقة تبقي المبادرة وقدرتها على التطور محدودة وتراوح مكانها من دون أن تنجح في تحقيق الآمال التي تسعى المبادرة إلى تحقيقها.
هذه المبادرة أتت كردة فعل على عالم ما بعد 11 سبتمبر ولحماية أمن واستقرار دول مجلس التعاون الخليجي من خطر الإرهاب وعدم الاستقرار وأتت متناغمة ومتزامنة مع مشروع واشنطن الذي عرف حينها بـ (الشرق الأوسط الكبير) واعتمد كمفهوم في صيف عام 2004 في قمة الدول الصناعية الثماني الكبرى في الولايات المتحدة الأمريكية. وأعقب ذلك في قمة حلف الناتو في اسطنبول في نهاية يونيو 2004 التي أطلقت مبادرة اسطنبول فيما عُرف بـ (ICI) وهي المبادرة التي أتت لمساعدة دول مجلس التعاون الخليجي كل على حدة على تأهيل وتدريب وتحصين قدراتها وقواتها وإمكاناتها الدفاعية والعسكرية والأمنية والاستخباراتية لدرء المخاطر، والتعامل مع التهديدات والتحديات المرتبطة بالشؤون الأمنية والعسكرية والدفاعية في توظيف لخبرات ودراية الناتو الذي احتفل في 2009 بالذكرى الستين لقيامه. كل ذلك ساهم في إقناع الدول الفاعلة في النظام العالمي سواء كانت الدول الصناعية الكبرى، أو حلف الناتو، بتبني المبادرة المهمة التي ترتكز على فكرة أساسية (نساعدكم لتساعدوا أنفسكم وتكونوا في وضع أفضل).
صورة حلف الناتو يشوهها الكثير من اللغط بسبب ارتباطها بالهيمنة الأمريكية
البعض ممن يؤمنون بنظرية المؤامرة يرون أن هذه المبادرة ما هي إلا غطاء وستار غربي- أمريكي للعودة إلى العهد الكولونيالي وإعادة استعمار المنطقة من قِبل القوى الغربية، ومن ثم يغرقون في المبالغة. لكن حقاً، السؤال الذي يفرض نفسه ما هي مصلحة (الناتو) من وراء هذه المبادرة التي لا يستوعب مضمونها ومغزاها الكثير من المسؤولين والنواب والأكاديميين والإعلاميين. ما لا تعنيه هذه المبادرة محدد وواضح، إنها ليست مبادرة مفروضة بل اختيارية. والمبادرة ليست شراكة ولا يوجد عرض للانضمام إلى دول الحلف. كل ما هنالك هي طبقة ومستوى آخر من الدعم والمساعدة والتدريب والتأهيل لكل دولة بمفردها لتكون مؤهلة أكثر لمواجهة التهديدات والتحديات.
هذه المبادرة تبقى مبهمة وغير واضحة المعالم، ويبرز العديد من الأسئلة التي لا تجد إجابات عنها من دون الغوص وفهم بنود وأبعاد تلك المبادرة. إن المبادرة ليست اتفاقية حماية وليست اتفاقية دفاعية وليست بديلاً عن الاتفاقيات الموقعة بين دول المنطقة والدول الكبرى وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية. كما لن تشهد دول الخليج قواعد أو قوات من الناتو على أراضينا. ولن تأتي قوات الناتو لتحمينا أو تدافع عنا في حال الاعتداء على أي من دولنا. لكن يظل السؤال الكبيرهو لماذا هذه المبادرة ودولنا قد أقامت ترتيبات أمنية مع الولايات المتحدة الأمريكية ودول أخرى فاعلة في النظام العالمي وأعضاء في حلف الناتو؟ والسؤال الآخر ما هي مصلحتنا نحن كدول خليجية في الانضمام إليها وما هي مصلحة الناتو في ذلك؟ خاصة أن من أبجديات العلاقات الدولية لا توجد علاقة بين الدول من دون المصالح؟ وكيف تنظر إيران إلى تلك المبادرة ودور حلف الأطلسي في الخليج؟ وماذا تعني لأمننا واستقرارنا؟
وللإجابة عن كل هذه الأسئلة المتعلقة بالمبادرة اللغز والتي بعد حوالي ستة أعوام من انطلاقتها تبقى غير واضحة لدى الكثير من المسؤولين والأكاديميين والعامة في دولنا لا بد من فهم النقاط التالية:
أولاً: يجب أن نفهم أن الناتو الذي احتفل العام الماضي بالذكرى الستين لقيامه كذراع عسكرية في وجه الشيوعية في أوروبا قد صمد وبقي حتى بعد سقوطها وتفكك كيانها وبعد انضمام دول شكلت العمود الفقري للكيان المناوئ للغرب. وقد انضمت دول أساسية من حلف وارسو إلى حلف الناتو، مثل دول البلطيق السوفييتية ودول أوروبا الشرقية مثل بولندا عاصمة ومقر حلف وارسو. كما أن المقر الذي كان تسعى إدارة بوش إلى تمركز الدرع الصاروخية الأمريكية على أراضيها مع جمهورية التشيك والذي تنظر إليه موسكو بأنه يشكل تهديداً استراتيجياً يهدد أمن روسيا القومي.
ثانياً: لقد توسع حلف الناتو ليشمل 26 دولة في ثلاث قارات (أصبح منذ مطلع 2009، 28 دولة) ويقوم بعمليات أمنية وعسكرية في البلقان وأفغانستان خارج نطاق وجوده واهتمامه ومناطق نفوذه.
ثالثاً: في عالم ما بعد اعتداءات 11 سبتمبر 2001 ولمواجهة الإرهاب والإرهابيين تبنى الناتو عقيدة واشنطن ومبدأ بوش (الحرب على الإرهاب). وأطلقت الدول الصناعية الثماني الكبرى مبادرة لحماية أمن واستقرار دول مجلس التعاون الخليجي التي أتى معظم خاطفي الطائرات في اعتداءات 11 سبتمبر 2001 منها وبسبب حيويتها وأهميتها لأمن الطاقة ومنابع وصادرات واحتياطيات نفط العالم ولحمايتها من خطر الإرهاب وعدم الاستقرار. وتزامنت مبادرة الناتو التي تشكل الولايات المتحدة القلب والمحرك الرئيسي فيها مع المشروع الأمريكي (الشرق الأوسط الكبير) في صيف عام 2004.

ترتكز المبادرة باختصار كما قلنا على فكرة أساسية (نساعدكم لتساعدوا أنفسكم)، وهي ليست شراكة مع دول مجلس التعاون الخليجي ولا تعرض العضوية في حلف الناتو. كل ما هنالك وكما ذكرنا آنفاً طبقة ومستوى آخر من الدعم والمساعدة والتدريب والتأهيل لكل دولة بمفردها لتكون دولنا مؤهلة أكثر لمواجهة التهديدات والتحديات من الإرهاب وحماية أمن الحدود وتأهيل وتدريب القوات المسلحة ولتطوير قدرات الدول التي تنضم إلى المباردة على إدارة الأزمات بشكل أفضل وتبادل المعلومات الأمنية والاستخباراتية. وإجراء تدريبات ومناورات مشتركة أحياناً. وقد تقوم بين الحين والآخر قطع بحرية تابعة لحلف الناتو بإجراء مناورات، كما حصل في عام 2009 مع الدول الخليجية الأربع التي انضمت إلى مبادرة اسطنبول لإجراء تمارين مشتركة. فالمبادرة باختصار من الناحية النظرية (win-win situation) ربحية لدول المنطقة كما يراها مؤيدوها.
لكن المبادرة لا تفرض على دول المنطقة التوقيع على اتفاقية أمنية أو تنص على إقامة قواعد عسكرية أو شراء أسلحة وأنظمة دفاعية من الناتو، كما أنها تعاني من لبس وإبهام. ومن المقترحات التي على الناتو إعادة النظر فيها، لماذا يٌصر حلف الناتو على تسميتها بمبادرة اسطنبول وليس مبادرة حلف الناتو تجاه دول مجلس التعاون الخليجي؟ ولماذا يصر الناتو أيضاً على التعامل مع دول مجلس التعاون الخليجي ثنائياً وليس جماعياً، المبادرة تتعامل مع دول المجلس من خلال (28+1) وليس (28+6)؟ ولماذا تصر مبادرة اسطنبول على التأكيد أن كافة مبادرات الناتو مكملة لبعضها بعضاً (complementary) وخاصة مع مبادرة حوار المتوسط التي تضم دول شمال إفريقيا باستثناء ليبيا ومصر والأردن وإسرائيل، مما يجعل دولاً مثل السعودية مترددة في الانضمام، مع التفاؤل بأن السعودية تدرس المبادرة من دون أن ترفضها وسط ما يبدو تفاوتاً في وجهات النظر بين القيادات العسكرية والسياسية تجاه المبادرة.
بدورها تنظر إيران بريبة وترفض مبادرة اسطنبول أو أي ترتيبات أمنية يكون فيها دور أو وجود عسكري لأي قوة من خارج منطقة الخليج، عربية كانت مثل (إعلان دمشق) أو دولية مثل الوجود الأمريكي أو الناتو أو الفرنسي.
وختاماً، فإن مبادرة اسطنبول التي من المفضل أن تحمل تسمية أقل لبساً ويتغير مسماها لمصطلح مرتبط بالأمن الخليجي، ويتم شرحها بشكل أقل تعقيداً، ويتم الأخذ في الاعتبار التحفظات والملاحظات التي عبرت عنها الدول التي انضمت والمملكة العربية السعودية وسلطنة عُمان اللتين لديهما تحفظات حول الانضمام ومعرفة الأسباب. لكن في المقابل تبقى المبادرة بالنسبة لدول المنطقة ربحية للطرفين. كما تُشكل المبادرة مستوى آخر من مستويات تأمين الشبكة الأمنية لدولنا. وتؤكد المبادرة حرص الدول الفاعلة في النظام العالمي على تأمين حماية أمن الطاقة من خلال عولمة أمن الخليج وليس إبقاؤه حكراً على طرف وحيد.
لكن من أجل أن تكتسب المبادرة زخماً أكبر وتحقق الأهداف التي قامت من أجلها، على دول الناتو أن تُبدي المزيد من الاهتمام وإعادة النظر في أركان المبادرة، وتجيب عن الأسئلة التي طرحناها حتى تكون المبادرة مقبولة من جميع الأطراف في المنطقة وخاصة المملكة العربية السعودية وسلطنة عُمان، وأن تستشير دول الناتو دول المنطقة في ما يتعلق بـ (Menu) القائمة المقدمة من الاقتراحات الأمنية والدفاعية التي تقترحها المبادرة لدول مجلس التعاون الخليجي، ومن أجل أن ترتقي المبادرة إلى المستوى الذي يساعد جميع الأطراف المعنية على الاستفادة المثلى من مضمونها وبنودها.
::/fulltext::
::cck::1007::/cck::
