السعودية والهند: اتجاه نحو شراكة استراتيجية
::cck::3054::/cck::
::introtext::
في عام 2006 زار الملك عبدالله بن عبدالعزيز الهند وحضر الاحتفال باليوم الوطني لها في شهر يناير، واعتبرته الهند حدثاً تاريخياً، وبعد تلك الزيارة الأولى من نوعها لحاكم سعودي إلى الهند منذ 50 عاماً، وقع كل من الملك عبدالله بن عبدالعزيز ورئيس وزراء الهند مانموهان سينغ على نص (إعلان دلهي) بالتزام الدولتين باتباع رؤية استراتيجية مشتركة لتعزيز السلام والأمن الإقليميين، وتعزيز العلاقات على الصعد السياسية والاقتصادية والأمنية والثقافية.
::/introtext::
::fulltext::
في عام 2006 زار الملك عبدالله بن عبد العزيز الهند وحضر الاحتفال باليوم الوطني لها في شهر يناير، واعتبرته الهند حدثاً تاريخياً، وبعد تلك الزيارة الأولى من نوعها لحاكم سعودي إلى الهند منذ 50 عاماً، وقع كل من الملك عبدالله بن عبدالعزيز ورئيس وزراء الهند مانموهان سينغ على نص (إعلان دلهي) بالتزام الدولتين باتباع رؤية استراتيجية مشتركة لتعزيز السلام والأمن الإقليميين، وتعزيز العلاقات على الصعد السياسية والاقتصادية والأمنية والثقافية.
أنجز خلال تلك الفترة بالفعل تقدم كبير نحو تحقيق مزيد من الشراكة الثنائية بين البلدين، لكنها لم تكن بالصورة التي كان يأملها الملك عبدالله بن عبدالعزيز بسبب أن الهند لم تكن قلقة من النووي الإيراني بقدر قلقها من النووي الباكستاني عندما يصل إلى أيدي حكومة أصولية وقلق يتوافق مع التخوف الغربي.
في حين ترى باكستان أن أفغانستان معترك لها في صراعها الوجودي مع الهند، ومن دون حل الجرح الكشميري المتقيح ستظل باكستان (معملاً) جهادياً يضم بين جنباته تعاطفاً مع المقاتلين، وتخشى الهند أن يمتد هذا الفكر الجهادي إلى المسلمين في الهند البالغ عددهم 170 مليون نسمة مما يزعزع استقرارها، في الوقت نفسه تتشاحن فيه الصين مع الهند من أجل الهيمنة الإقليمية، بسبب قيام الصين بتطوير صلات وموجودات استراتيجية يزيد من القلق في نيودلهي خصوصاً مع تنامي العلاقات الصينية-الباكستانية خاصة في المجالات العسكرية. وقد توقفت المحادثات بين الهند وباكستان بعد الهجوم الإرهابي على مومباي في عام 2008، والتفاوض من أجل الحد من نفوذ الهند في أفغانستان.
وهناك في الوقت الحاضر تقارب هندي-باكستاني رغم التفجيرات الانتحارية التي استهدفت الجالية الهندية في أفغانستان من أجل ضرب هذا التقارب بسبب تنامي الحضور الهندي في المشروعات التنموية. وأدركت الهند أن المملكة العربية السعودية وبقية دول الخليج الأخرى هي منطقة ممتدة وواحدة، وأن علاقاتها مع السعودية لا تقتصر على المصالح المشتركة فقط، بل تتعدى ذلك إلى تعزيز السلام والاستقرار والأمن في المنطقة والعالم خصوصاً بعد التوافق على محاربة الإرهاب والتطرف الذي يستهدف المنطقة بلا استثناء، وأنه لا توجد قضية تبرر العنف الذي ينعكس بالسلب على الأمن والسلام العالميين. وهناك نحو خمسة ملايين هندي يعملون بدول الخليج منهم مليونان في السعودية، ووقعت الهند مذكرات تفاهم حول العمل والقوى العاملة مع غالبية دول المجلس.
وتنظر السعودية إلى إقامة علاقات استراتيجية مشتركة تعزز استقرار المنطقة، وتقلص من التحديات والتهديدات التي تحيط بالمنطقة التي تعتبر عصب الحياة في العالم. وكانت السعودية بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 متهمة بتصدير الإرهاب إلى العالم، لكن حنكة خادم الحرمين الشريفين في دعوته إلى إطلاق مبادرة الحوار بين الأديان عززت مستوى أعلى من التفاهم والتسامح بين الشعوب ومحاكمة ممولي الإرهاب في السعودية، عندها أدركت الهند أن السعودية لن تكون يوماً طرفاً في دعم الإرهاب، كما يروج له اليمينيون وصقور البيت الأبيض في عهد بوش الابن.
وعلى عكس السعودية، فإن إيران تهدد بإغلاق مضيق هرمز الذي يكتسب أهمية بالغة لأن 80 في المائة من نفط الخليج يمر عبره إلى العالم، وشهدت آخر حادثة لتعطيل حركة الملاحة في مضيق هرمز وفي منطقة الخليج بشكل عام جراء إلقاء ألغام بحرية في قاع البحر أصيبت على أثرها سفينة حربية أمريكية ما دفع واشنطن إلى الرد على تلك الحادثة بتدمير سفينتين إيرانيتين وزوارق بحرية، فإذا عادت إيران الكرة مرة أخرى فإنها تعلن حرباً عالمية على كافة مصالح الدول الكبرى بما فيها الصين والهند وروسيا وغيرها. لذلك فإن السعودية والهند أدركتا بعد الإقصاء المتبادل بينهما أن يتعاونا أكثر من أي وقت مضى، فيما تعتبر الطاقة المحركة وراء العلاقة الاقتصادية والدبلوماسية باعتبار الهند سادس أكبر مستهلك للطاقة في العالم، ويتوقع أن تصبح في المرتبة الرابعة في السنوات المقبلة خصوصاً أن 40 في المائة من سكانها البالغ عددهم 531 مليون نسمة محرومون من الكهرباء، وهي ثاني أكبر دولة في العالم تضم مسلمين بعد أندونيسيا إذ تحتضن 170 مليون مسلم.
وتنظر السعودية إلى مواجهة التحديات من خلال تنمية الشراكات المتعددة التي تعزز من مكانتها وقوتها الإقليمية والدولية وتحجم من هيمنة انفراد القوى الكبرى بالمنطقة. لذلك فإن تعزيز الشراكة بين السعودية والهند يأتي في ظل تحسين الوضع الجيوسياسي في أفغانستان وباكستان بعدما أصبحت كل هذه الدول بما فيها دول الخليج تتشارك الرغبة نفسها في تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة مما يفتح آفاق تعاون عدة على صعيد الأمن والسياسات الدفاعية، بل إن السعودية هي التي تقود تمتين العلاقات بين الهند وباكستان على عكس ما يظن سابقاً من أن السعودية تدعم باكستان ضد الهند.
واتجهت الدولتان (الهند وباكستان) إلى حل خلافاتهما عبر الحوار بعدما اعترفت كل منهما بأن حكومتيهما رشيدتان ويمكنهما إرساء أسس الوفاق الدائم وإنهاء حالة العداء التاريخي التي تؤججه أطراف عدة وهي الأمنيات نفسها التي تسعى إليها الولايات المتحدة لتحقيق أهدافها الاستراتيجية في آسيا.
لكن قبل فترة ليست بالقصيرة أصاب العلاقات الهندية-الأمريكية فتور بعد التوسع الصيني الاستراتيجي في مناطق يمكن أن تكون مفتوحة للمصالح الأمريكية القصيرة والمتوسطة المدى صادفت تلك المناطق في المحيط الهندي التي تعتبر ساحة خلفية مباشرة للهند في سريلانكا، وقالت الهند إنها ليست مع تقسيم المحيط الهندي إلى مناطق نفوذ، لكنها تتحدث عن التعاون والمشاركة في أفضل الأعمال، وتريد الهند استقلالاً استراتيجياً لحكم المحيط الهندي وهي رؤية جربتها مع الزمن، ويمكن أن يمتد تأثيرها إلى منطقة الخليج كمنطقة ممتدة للمحيط الهندي وظهورها كقائد خصوصاً أنها تطمح إلى مقعد في مجلس الأمن، وهي تعود إلى عبقريتها وتصميمها وجرأتها. ويرى المحللون الهنود أن الفشل ليس خياراً لسبب وحيد هو أن قفاز التحدي هو ضد الصين، وتسعى السعودية إلى استغلال الفرصة لتشكيل قوى المنطقة وإبعادها عن الهيمنة المطلقة المتفردة والتي تقود إلى الصراع والاحتقان والتحكم في موارد المنطقة، وكلما تعددت الشراكات كلما أصبحت المنطقة ذات صبغة دولية تتغلب على الخلل الموجود في توازن القوى بين دولها.
ينبغي على الهند أن تخرج من الصداقة المفرطة والمغالية فيها مع الولايات المتحدة إلى إعادة شراكاتها المثمرة والمفيدة لبلدها كقوة إقليمية وعالمية مؤثرة خصوصاً بعدما زالت الهواجس والشكوك التي أبعدتها فترة طويلة عن المنطقة، وأن المصالح المشتركة مع السعودية وبقية دول الخليج كبيرة جداً خصوصاً أن الهند تحتاط الآن من أي انسحاب أمريكي سريع من أفغانستان لأن من شأنه أن يتسبب في اعتماد أمريكي أكبر على الصين وباكستان على حساب الهند، بل يخشى الهنود من أن تنفرد كل من الاثنين (الولايات المتحدة والصين) في تحديد الاتجاه الاقتصادي والسياسي العالمي رغم التوترات بين الصين والولايات المتحدة حول تايوان والتجارة والتبت.
وتتصاعد الشكوك لدى الهند من الزيارات العسكرية الأمريكية المتكررة والثناء المبالغ لقيادة الجيش الباكستاني على الرغم من اعتبار الهند أن هناك أدلة موثوقاً بها على تورط باكستاني رفيع المستوى في الإرهاب العابر للحدود الموجهة ضد الهند، ويمكن للهند أن تجد في السعودية البديل عن الولايات المتحدة في إقناع باكستان بالدخول في اتفاقية شاملة في محاربة الإرهاب حول الحدود لحماية المنطقة بأكملها، لأن الهند نقلت القوات الموجودة على الحدود الباكستانية إلى الحدود مع الصين في المناطق التي تدعي الصين بأن لها الحق فيها عبر خطابات عدوانية مثيرة للمشكلات، وهذا الذي جعل الهند تبالغ بالترحيب برئيس الوزراء الياباني الجديد يوكيو هاتوياما والإعلان عن خطط لعقد مناورات عسكرية مشتركة في المحيط الهندي تسعى إلى حشد حلفاء جدد استعداداً للسيناريو الأسوأ، في حين تعمل الهند على استيعاب الصين في ما يخص القضايا الاقتصادية خصوصاً مع إخفاق إدارة الرئيس باراك أوباما في إعادة التأكيد بوضوح على أن صعود الهند يخدم المصالح الاستراتيجية الأمريكية التي تخدم رؤية الرئيس الأمريكي الخاصة بنظام عالمي جديد يرتكز على المحيطين الهادي والهندي.
لهذا اتجهت الهند إلى الشراكة الاستراتيجية مع السعودية التي تحقق للجانبين فوائد عظيمة، فالهند تحصل على إمدادات آمنة للطاقة، ودول الخليج تستطيع أن تعوض نقص المواد الغذائية لديها والذي يتسبب في رفع نسب التضخم بالاستثمار الزراعي في الهند، ويمكن للتعاون أن يمتد إلى شراكة شاملة في الطاقة والصناعات التحويلية والدوائية وغيرها خصوصاً أن الهند تتمتع بمعدلات ادخارية عالية تصل إلى 38 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في ظل كبر حجم السوق المحلية والقوة العاملة الشابة وقوة القطاع الخاص، وفي الوقت نفسه تضاعف الاقتصاد السعودي أربع مرات منذ عام 1990، وشهد تنوعاً كبيراً وتعزيزاً للقطاع غير النفطي، وشهدت أيضاً إقامة مدن اقتصادية طموحة تعزز من التوسع الاقتصادي مستقبلاً.
إن الشراكة تحقق تكاملاً بين الجانبين خصوصاً أن هناك مفاوضات جارية لوضع اللمسات الأخيرة لاتفاقية التجارة الحرة بين الهند ودول المجلس. فالظروف مؤاتية للمضي قدماً للوصول إلى شراكة شاملة خصوصاً أن مجالي التعليم والتدريب يحتلان أهمية بالغة في البلدين، ويمكنهما أن يقوما بدور فاعل في مجموعة العشرين التي حلّت محل مجموعة الثماني.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::3054::/cck::
::introtext::
في عام 2006 زار الملك عبدالله بن عبدالعزيز الهند وحضر الاحتفال باليوم الوطني لها في شهر يناير، واعتبرته الهند حدثاً تاريخياً، وبعد تلك الزيارة الأولى من نوعها لحاكم سعودي إلى الهند منذ 50 عاماً، وقع كل من الملك عبدالله بن عبدالعزيز ورئيس وزراء الهند مانموهان سينغ على نص (إعلان دلهي) بالتزام الدولتين باتباع رؤية استراتيجية مشتركة لتعزيز السلام والأمن الإقليميين، وتعزيز العلاقات على الصعد السياسية والاقتصادية والأمنية والثقافية.
::/introtext::
::fulltext::
في عام 2006 زار الملك عبدالله بن عبد العزيز الهند وحضر الاحتفال باليوم الوطني لها في شهر يناير، واعتبرته الهند حدثاً تاريخياً، وبعد تلك الزيارة الأولى من نوعها لحاكم سعودي إلى الهند منذ 50 عاماً، وقع كل من الملك عبدالله بن عبدالعزيز ورئيس وزراء الهند مانموهان سينغ على نص (إعلان دلهي) بالتزام الدولتين باتباع رؤية استراتيجية مشتركة لتعزيز السلام والأمن الإقليميين، وتعزيز العلاقات على الصعد السياسية والاقتصادية والأمنية والثقافية.
أنجز خلال تلك الفترة بالفعل تقدم كبير نحو تحقيق مزيد من الشراكة الثنائية بين البلدين، لكنها لم تكن بالصورة التي كان يأملها الملك عبدالله بن عبدالعزيز بسبب أن الهند لم تكن قلقة من النووي الإيراني بقدر قلقها من النووي الباكستاني عندما يصل إلى أيدي حكومة أصولية وقلق يتوافق مع التخوف الغربي.
في حين ترى باكستان أن أفغانستان معترك لها في صراعها الوجودي مع الهند، ومن دون حل الجرح الكشميري المتقيح ستظل باكستان (معملاً) جهادياً يضم بين جنباته تعاطفاً مع المقاتلين، وتخشى الهند أن يمتد هذا الفكر الجهادي إلى المسلمين في الهند البالغ عددهم 170 مليون نسمة مما يزعزع استقرارها، في الوقت نفسه تتشاحن فيه الصين مع الهند من أجل الهيمنة الإقليمية، بسبب قيام الصين بتطوير صلات وموجودات استراتيجية يزيد من القلق في نيودلهي خصوصاً مع تنامي العلاقات الصينية-الباكستانية خاصة في المجالات العسكرية. وقد توقفت المحادثات بين الهند وباكستان بعد الهجوم الإرهابي على مومباي في عام 2008، والتفاوض من أجل الحد من نفوذ الهند في أفغانستان.
وهناك في الوقت الحاضر تقارب هندي-باكستاني رغم التفجيرات الانتحارية التي استهدفت الجالية الهندية في أفغانستان من أجل ضرب هذا التقارب بسبب تنامي الحضور الهندي في المشروعات التنموية. وأدركت الهند أن المملكة العربية السعودية وبقية دول الخليج الأخرى هي منطقة ممتدة وواحدة، وأن علاقاتها مع السعودية لا تقتصر على المصالح المشتركة فقط، بل تتعدى ذلك إلى تعزيز السلام والاستقرار والأمن في المنطقة والعالم خصوصاً بعد التوافق على محاربة الإرهاب والتطرف الذي يستهدف المنطقة بلا استثناء، وأنه لا توجد قضية تبرر العنف الذي ينعكس بالسلب على الأمن والسلام العالميين. وهناك نحو خمسة ملايين هندي يعملون بدول الخليج منهم مليونان في السعودية، ووقعت الهند مذكرات تفاهم حول العمل والقوى العاملة مع غالبية دول المجلس.
وتنظر السعودية إلى إقامة علاقات استراتيجية مشتركة تعزز استقرار المنطقة، وتقلص من التحديات والتهديدات التي تحيط بالمنطقة التي تعتبر عصب الحياة في العالم. وكانت السعودية بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 متهمة بتصدير الإرهاب إلى العالم، لكن حنكة خادم الحرمين الشريفين في دعوته إلى إطلاق مبادرة الحوار بين الأديان عززت مستوى أعلى من التفاهم والتسامح بين الشعوب ومحاكمة ممولي الإرهاب في السعودية، عندها أدركت الهند أن السعودية لن تكون يوماً طرفاً في دعم الإرهاب، كما يروج له اليمينيون وصقور البيت الأبيض في عهد بوش الابن.
وعلى عكس السعودية، فإن إيران تهدد بإغلاق مضيق هرمز الذي يكتسب أهمية بالغة لأن 80 في المائة من نفط الخليج يمر عبره إلى العالم، وشهدت آخر حادثة لتعطيل حركة الملاحة في مضيق هرمز وفي منطقة الخليج بشكل عام جراء إلقاء ألغام بحرية في قاع البحر أصيبت على أثرها سفينة حربية أمريكية ما دفع واشنطن إلى الرد على تلك الحادثة بتدمير سفينتين إيرانيتين وزوارق بحرية، فإذا عادت إيران الكرة مرة أخرى فإنها تعلن حرباً عالمية على كافة مصالح الدول الكبرى بما فيها الصين والهند وروسيا وغيرها. لذلك فإن السعودية والهند أدركتا بعد الإقصاء المتبادل بينهما أن يتعاونا أكثر من أي وقت مضى، فيما تعتبر الطاقة المحركة وراء العلاقة الاقتصادية والدبلوماسية باعتبار الهند سادس أكبر مستهلك للطاقة في العالم، ويتوقع أن تصبح في المرتبة الرابعة في السنوات المقبلة خصوصاً أن 40 في المائة من سكانها البالغ عددهم 531 مليون نسمة محرومون من الكهرباء، وهي ثاني أكبر دولة في العالم تضم مسلمين بعد أندونيسيا إذ تحتضن 170 مليون مسلم.
وتنظر السعودية إلى مواجهة التحديات من خلال تنمية الشراكات المتعددة التي تعزز من مكانتها وقوتها الإقليمية والدولية وتحجم من هيمنة انفراد القوى الكبرى بالمنطقة. لذلك فإن تعزيز الشراكة بين السعودية والهند يأتي في ظل تحسين الوضع الجيوسياسي في أفغانستان وباكستان بعدما أصبحت كل هذه الدول بما فيها دول الخليج تتشارك الرغبة نفسها في تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة مما يفتح آفاق تعاون عدة على صعيد الأمن والسياسات الدفاعية، بل إن السعودية هي التي تقود تمتين العلاقات بين الهند وباكستان على عكس ما يظن سابقاً من أن السعودية تدعم باكستان ضد الهند.
واتجهت الدولتان (الهند وباكستان) إلى حل خلافاتهما عبر الحوار بعدما اعترفت كل منهما بأن حكومتيهما رشيدتان ويمكنهما إرساء أسس الوفاق الدائم وإنهاء حالة العداء التاريخي التي تؤججه أطراف عدة وهي الأمنيات نفسها التي تسعى إليها الولايات المتحدة لتحقيق أهدافها الاستراتيجية في آسيا.
لكن قبل فترة ليست بالقصيرة أصاب العلاقات الهندية-الأمريكية فتور بعد التوسع الصيني الاستراتيجي في مناطق يمكن أن تكون مفتوحة للمصالح الأمريكية القصيرة والمتوسطة المدى صادفت تلك المناطق في المحيط الهندي التي تعتبر ساحة خلفية مباشرة للهند في سريلانكا، وقالت الهند إنها ليست مع تقسيم المحيط الهندي إلى مناطق نفوذ، لكنها تتحدث عن التعاون والمشاركة في أفضل الأعمال، وتريد الهند استقلالاً استراتيجياً لحكم المحيط الهندي وهي رؤية جربتها مع الزمن، ويمكن أن يمتد تأثيرها إلى منطقة الخليج كمنطقة ممتدة للمحيط الهندي وظهورها كقائد خصوصاً أنها تطمح إلى مقعد في مجلس الأمن، وهي تعود إلى عبقريتها وتصميمها وجرأتها. ويرى المحللون الهنود أن الفشل ليس خياراً لسبب وحيد هو أن قفاز التحدي هو ضد الصين، وتسعى السعودية إلى استغلال الفرصة لتشكيل قوى المنطقة وإبعادها عن الهيمنة المطلقة المتفردة والتي تقود إلى الصراع والاحتقان والتحكم في موارد المنطقة، وكلما تعددت الشراكات كلما أصبحت المنطقة ذات صبغة دولية تتغلب على الخلل الموجود في توازن القوى بين دولها.
ينبغي على الهند أن تخرج من الصداقة المفرطة والمغالية فيها مع الولايات المتحدة إلى إعادة شراكاتها المثمرة والمفيدة لبلدها كقوة إقليمية وعالمية مؤثرة خصوصاً بعدما زالت الهواجس والشكوك التي أبعدتها فترة طويلة عن المنطقة، وأن المصالح المشتركة مع السعودية وبقية دول الخليج كبيرة جداً خصوصاً أن الهند تحتاط الآن من أي انسحاب أمريكي سريع من أفغانستان لأن من شأنه أن يتسبب في اعتماد أمريكي أكبر على الصين وباكستان على حساب الهند، بل يخشى الهنود من أن تنفرد كل من الاثنين (الولايات المتحدة والصين) في تحديد الاتجاه الاقتصادي والسياسي العالمي رغم التوترات بين الصين والولايات المتحدة حول تايوان والتجارة والتبت.
وتتصاعد الشكوك لدى الهند من الزيارات العسكرية الأمريكية المتكررة والثناء المبالغ لقيادة الجيش الباكستاني على الرغم من اعتبار الهند أن هناك أدلة موثوقاً بها على تورط باكستاني رفيع المستوى في الإرهاب العابر للحدود الموجهة ضد الهند، ويمكن للهند أن تجد في السعودية البديل عن الولايات المتحدة في إقناع باكستان بالدخول في اتفاقية شاملة في محاربة الإرهاب حول الحدود لحماية المنطقة بأكملها، لأن الهند نقلت القوات الموجودة على الحدود الباكستانية إلى الحدود مع الصين في المناطق التي تدعي الصين بأن لها الحق فيها عبر خطابات عدوانية مثيرة للمشكلات، وهذا الذي جعل الهند تبالغ بالترحيب برئيس الوزراء الياباني الجديد يوكيو هاتوياما والإعلان عن خطط لعقد مناورات عسكرية مشتركة في المحيط الهندي تسعى إلى حشد حلفاء جدد استعداداً للسيناريو الأسوأ، في حين تعمل الهند على استيعاب الصين في ما يخص القضايا الاقتصادية خصوصاً مع إخفاق إدارة الرئيس باراك أوباما في إعادة التأكيد بوضوح على أن صعود الهند يخدم المصالح الاستراتيجية الأمريكية التي تخدم رؤية الرئيس الأمريكي الخاصة بنظام عالمي جديد يرتكز على المحيطين الهادي والهندي.
لهذا اتجهت الهند إلى الشراكة الاستراتيجية مع السعودية التي تحقق للجانبين فوائد عظيمة، فالهند تحصل على إمدادات آمنة للطاقة، ودول الخليج تستطيع أن تعوض نقص المواد الغذائية لديها والذي يتسبب في رفع نسب التضخم بالاستثمار الزراعي في الهند، ويمكن للتعاون أن يمتد إلى شراكة شاملة في الطاقة والصناعات التحويلية والدوائية وغيرها خصوصاً أن الهند تتمتع بمعدلات ادخارية عالية تصل إلى 38 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في ظل كبر حجم السوق المحلية والقوة العاملة الشابة وقوة القطاع الخاص، وفي الوقت نفسه تضاعف الاقتصاد السعودي أربع مرات منذ عام 1990، وشهد تنوعاً كبيراً وتعزيزاً للقطاع غير النفطي، وشهدت أيضاً إقامة مدن اقتصادية طموحة تعزز من التوسع الاقتصادي مستقبلاً.
إن الشراكة تحقق تكاملاً بين الجانبين خصوصاً أن هناك مفاوضات جارية لوضع اللمسات الأخيرة لاتفاقية التجارة الحرة بين الهند ودول المجلس. فالظروف مؤاتية للمضي قدماً للوصول إلى شراكة شاملة خصوصاً أن مجالي التعليم والتدريب يحتلان أهمية بالغة في البلدين، ويمكنهما أن يقوما بدور فاعل في مجموعة العشرين التي حلّت محل مجموعة الثماني.
::/fulltext::
::cck::3054::/cck::
