المظلة الدفاعية الأمريكية لن تحقق الأمن في الخليج
::cck::3055::/cck::
::introtext::
كانت منطقة الخليج العربي دوماً مثار اهتمام القوى الكبرى على الصعيد العالمي، وذلك بفضل ما تمتلكه دول المنطقة من ثروات نفطية هائلة. وتضع الولايات المتحدة الأمريكية تحديداً مسألة الحفاظ على استقرار المنطقة على رأس أولوياتها منذ أمد بعيد، فقد أكد الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر في عام 1980 أن بلاده ستستخدم كل الوسائل الضرورية، ومنها العسكرية إذا تطلب الأمر، لمنع أي قوة خارجية من محاولة السيطرة على منطقة الخليج.
::/introtext::
::fulltext::
كانت منطقة الخليج العربي دوماً مثار اهتمام القوى الكبرى على الصعيد العالمي، وذلك بفضل ما تمتلكه دول المنطقة من ثروات نفطية هائلة. وتضع الولايات المتحدة الأمريكية تحديداً مسألة الحفاظ على استقرار المنطقة على رأس أولوياتها منذ أمد بعيد، فقد أكد الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر في عام 1980 أن بلاده ستستخدم كل الوسائل الضرورية، ومنها العسكرية إذا تطلب الأمر، لمنع أي قوة خارجية من محاولة السيطرة على منطقة الخليج.
لهذا ارتبطت الإدارات الأمريكية المتعاقبة بعلاقات أمنية مع دول مجلس التعاون الخليجي من خلال عقد صفقات تسلح وإجراء تدريبات ومناورات عسكرية مشتركة وإقامة القواعد العسكرية، بل التدخل العسكري المباشر كما حدث في حرب الخليج عام 1991 لتحرير الكويت، وفي عام 2003 لاحتلال العراق.
ومن بين الوسائل التي تحاول واشنطن تسويقها لدول الخليج (المظلة الدفاعية)، فقد حاول وزير الدفاع الأمريكي الأسبق وليم كوهين (1997-2001) وخلال جولات عدة في دول مجلس التعاون الخليجي إقناع تلك الدول بفكرة إنشاء نظام دفاع صاروخي يغطي المنطقة للدفاع عنها في مواجهة أي تهديدات إيرانية محتملة.
وفي مايو 2006 وفي ظل القلاقل والاضطرابات المتعددة التي نتجت عن احتلال العراق، عمل الرئيس الأمريكي السابقجورج بوش على تأسيس (الحوار الأمني الخليجي ـ الأمريكي) كآلية لتعزيز التعاون الدفاعي بين الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون، فضلاً عن مواجهة التهديدات الإرهابية ومخاطر الانتشار النووي، والاستجابة للتغيرات الطارئة على التوازن الاستراتيجي الإقليمي.
وفي كلمة له أمام (منتدى حوار المنامة الرابع) في عام 2007، دعا وزير الدفاع الأمريكي روبرت غيتس دول مجلس التعاون الخليجي إلى الوقوف صفاً واحداً ضد إيران لإجبارها على التخلي عن برنامجها النووي، وإقامة (مظلة دفاع جوي) ضد الصواريخ لردع طهران. وعادت واشنطن لتؤكد إصرارها من جديد على إقامة (المظلة الدفاعية) في دول الخليج، وذلك بإعلان وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون ، في 22/7/2009 عن الرغبة الأمريكية في تسليح شركائها في المنطقة ومد مظلة دفاعية لحمايتهم من أية هجمات إيرانية محتملة.
واللافت أن إعلان كلينتون تزامن مع صدور تقرير أمريكي يطالب بضرورة إقامة (تحالف نووي أمريكي- خليجي) لردع إيران. وهذا التقرير الذي يحمل عنوان (القضاء على منبع الاضطراب: انخراط أمريكا بالتصدي للتطور النووي الإيراني)، تم إعداده بواسطة 18 مختصاً في معهد (واشنطن لسياسة الشرق الأدنى)، ومن أبرز خبراء اللوبي الإسرائيلي، ومعظمهم من اليهود الأمريكيين النافذين في الحزب الديمقراطي، بالإضافة إلى دينيس روس، المبعوث الأمريكي لشؤون الخليج العربي وإيران وجنوب آسيا.
وتشمل (المظلة الدفاعية) الأمريكية المقترحة دول مجلس التعاون الخليجي الست بالإضافة إلى مصر في إطار ما يسمى ترتيبات أمن الخليج، ووفقاً للخبراء والمتخصصين فإنها تتكون من مجموعة من نظم البطاريات المضادة للصواريخ (باتريوت)، ومراكز تحميل معلومات رئيسية، وقواعد اتصالات مركزية، كما ستتضمن أيضاً طائرات (أواكس) من نوع بعيد المدى. وستتوافر للمظلة كافة الإمكانات المطلوبة عسكرياً، من قواعد عسكرية دائمة، إلى قواعد عسكرية مستأجرة، وتسهيلات عسكرية، خاصة التسهيلات الخاصة بالمرور البحري، فضلاً عن اتفاقيات دفاع مشترك، كتلك التي بين الولايات المتحدة الأمريكية والعراق. ولن تتحمل واشنطن نفقات قواعدها وتسهيلاتها العسكرية الخليجية، بل ستستخدم أساليب تمويل ذكية تضمن أن يقوم الآخرون بدفع تكاليف حماية المصالح الأمريكية. والدول المرشحة لتمويل الترتيبات الخاصة بالمظلة الدفاعية هي السعودية والإمارات والكويت والبحرين.
والظاهر هو أن المظلة الدفاعية التي تقترحها واشنطن وتحاول تسويقها وتعمل على تنفيذها على أرض الواقع هي نوعٍ من أنواع التحالف الأمريكي مع دول الخليج في مواجهة إيران، إلا أن الواقع يؤكد أن المظلة الدفاعية تأتي لخدمة المصالح الأمريكية في المقام الأول، كما أنها تجسد التحالف الأمريكي مع إسرائيل وحرص واشنطن على تلبية مطالب تل أبيب وصرف الأنظار عن الممارسات الإسرائيلية الهمجية والعدوانية والتي تنتهك كافة القواعد والمعايير القانونية والأخلاقية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وإعطاء القضية النووية الإيرانية أولوية على عملية السلام في الشرق الأوسط.
إن واشنطن أرادت من المظلة الدفاعية المقترحة القفز على متطلبات عملية السلام ومنح إسرائيل تطبيعاً مجانياً مع الدول العربية من دون أن تفي بمتطلبات هذا التطبيع، حيث طرحت الولايات المتحدة هذه الفكرة بعد ظهور مؤشرات حول إمكانية وجود تنسيق عربي-إسرائيلي لردع أي هجوم إيراني، وهو ما كشف عنه المسؤول الأول في إدارة الرئيس أوباما عن الملف النووي الإيراني دينيس روس في كتابه الذي نشر مؤخراً في الولايات المتحدة بعنوان (أساطير وأوهام وسلام ـ البحث عن اتجاهات جديدة لأمريكا في الشرق الأوسط)، والذي خلص فيه إلى أن تنفيذ سياسات مبنية على مصالح عربية وإسرائيلية متلاقية أمر ممكن لأن الدول العربية ترى في طهران مصدر التهديد الأول والرئيسي وتأتي إسرائيل في مرحلة لاحقة لطهران
بدليل أنها رغم اقتناعها على مدى عقود متوالية بامتلاك إسرائيل للسلاح النووي، إلا أن تلك الدول لم تسع إلى امتلاك برامج نووية خاصة بها، بينما هي الآن تحاول أن تفعل ذلك لموازنة الخطر النووي الإيراني. وفي ضوء ذلك تستخدم واشنطن هذا (التهديد النووي) الإيراني لدفع كافة الدول العربية نحو التطبيع مع إسرائيل. وتأتي هذه (المظلة الدفاعية) لتؤكد معارضة واشنطن لهجوم إسرائيلي ضد طهران، وكوسيلة ضمنية للاعتراف بإيران نووية، ولهذا حثت وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون (إسرائيل) على التخلي عن أي خطط لشن هجمات أحادية الجانب ضد المنشآت النووية الإيرانية، ومنح وقت للدبلوماسية الأمريكية حتى تؤتي ثمارها, وقالت (لدينا علاقة طويلة ودائمة مع إسرائيل، ونحن نعتقد بقوة أنه ينبغي حماية أمن (إسرائيل).
وهذا الموقف ينسجم مع سياسة الرئيس الأمريكي باراك أوباما تجاه إيران، حيث تتجه العلاقات الأمريكية-الإيرانية إلى التوافق العلني الواضح ودعوات متبادلة إلى الحوار، وهو ما أثار قلقاً خليجياً وعربياً. كما تهدف الولايات المتحدة من المظلة الدفاعية إلى الحيلولة دون إقامة برنامج خليجي نووي مدني مشترك. وقد عبرت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة، كوندوليزا رايس عن ذلك صراحة عند إجابتها على سؤال عن سبب احتياج المملكة العربية السعودية، أغنى دول النفط في العالم، للطاقة النووية، وقالت إنها تريد أن تعرف المزيد عن خطط دول الخليج العربية لدراسة برنامج للطاقة النووية، مشككةً في كون هذا البرنامج يستهدف تلبية احتياجات الطاقة، وقالت (إن جورج بوش يؤيد بقوة التوسع في الطاقة النووية، لكنه يريد أن تحصل الدول الطامحة إلى هذه البرامج على الوقود النووي من الخارج بدلاً من صنعه بنفسها، بهدف الحد من عدد الدول التي تمتلك القدرة على إنتاج وقود نووي يسمح بصنع أسلحة).
وتشير مثل تلك التصريحات إلى أن واشنطن يمكن أن تسمح بقوة نووية إيرانية، كما سمحت بقوة نووية (إسرائيلية)، إلا أنها لن تسمح بقوة نووية خليجية أو عربية، ومن أجل ذلك فهي تعرض فكرة (المظلة الدفاعية) لثني الدول الخليجية عن مجرد التفكير في الحصول على التكنولوجيا النووية، ولتوفير حماية لإسرائيل من الصواريخ الإيرانية بأموال خليجية.
ورغم أن المظلة الدفاعية الأمريكية ستكون كفيلة بحماية منشآت النفط، وكذلك حماية المصالح الأمريكية التي يمكن أن تكون عرضة لعمليات انتقامية من قبل إيران في حال اندلاع حرب ضدها، إلا أنها تحمل العديد من المخاطر، حيث إنها قد تدفع بعض الدول إلى اختراق الجبهات الداخلية العربية لإثارة النزاعات المذهبية والعرقية من أجل امتلاك أكبر قدر من أوراق الضغط والمساومة، وكذلك ستؤدي إلى تهميش القضايا المصيرية العربية في ظل صعود الملف النووي الإيراني إلى مقدمة الأولويات، وتزيد من الانقسامات العربية وربما تؤدي إلى عودة المنطقة إلى حالة من الاستقطاب التي قد تصل إلى نشوب حرب في المنطقة؛ خاصة أن (المظلة الدفاعية) ستشجع طهران على المضي قدماً في برنامجها والدفاع عن مصالحها من خلال الأساليب التقليدية وغير التقليدية للصراع، مما قد يدفع إسرائيل إلى شن هجوم عسكري على المنشآت النووية الإيرانية، وبالتالي جر دول الشرق الأوسط إلى الحرب.
وفي ضوء ما سبق، يمكن القول إن المظلة الدفاعية الأمريكية لن توفر نظاماً أمنياً مستقراً في منطقة الخليج، بل إنها قد تدفع إلى مزيد من التوتر والقلق الحاصل أساساً في المنطقة، لذا فمن الأجدى لدول الخليج أن تعمل على تقليل أمد الاعتماد على الوجود العسكري الأمريكي كمظلة لحماية أمنها، خاصة في ظل الرفض الشعبي الخليجي للتواجد العسكري الأجنبي، وذلك باتباع سياسة قصيرة المدى تقوم على عقد شراكة أمنية متعددة مع دول أخرى غير الولايات المتحدة، ومن أبرزها دول حلف (الناتو)، وسياسة أخرى طويلة المدى يكون هدفها النهائي توفير (منظومة خليجية موحدة مضادة للصواريخ) عبر وسائل وآليات عدة من بينها: تفعيل التعاون العسكري البيني الخليجي-الخليجي، والاستمرار في العمل على رفع كفاءة القدرات العسكرية وتحديث القوات البحرية والجوية، وتوسيع المظلة الدفاعية الجوية الموجودة حالياً في المناطق العسكرية والمناطق النفطية، لتشمل كافة المناطق العسكرية والمدنية، وذلك بالاستفادة من منظومة الصواريخ التي تمتلكها كل دولة خليجية على حدة، واستغلال التنسيق الحاصل بين دول المجلس والولايات المتحدة في وضع الصواريخ المضادة.
وبذلك يمكن لدول مجلس التعاون الخليجي أن تؤمن استراتيجية دفاعية متوازنة بما يمكنها من تأمين أراضيها ويوفر لها القدرة على ردع العدوان البحري والجوي من دون تدخل خارجي مبالغ فيه قد يورطها في إعلان الحرب.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::3055::/cck::
::introtext::
كانت منطقة الخليج العربي دوماً مثار اهتمام القوى الكبرى على الصعيد العالمي، وذلك بفضل ما تمتلكه دول المنطقة من ثروات نفطية هائلة. وتضع الولايات المتحدة الأمريكية تحديداً مسألة الحفاظ على استقرار المنطقة على رأس أولوياتها منذ أمد بعيد، فقد أكد الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر في عام 1980 أن بلاده ستستخدم كل الوسائل الضرورية، ومنها العسكرية إذا تطلب الأمر، لمنع أي قوة خارجية من محاولة السيطرة على منطقة الخليج.
::/introtext::
::fulltext::
كانت منطقة الخليج العربي دوماً مثار اهتمام القوى الكبرى على الصعيد العالمي، وذلك بفضل ما تمتلكه دول المنطقة من ثروات نفطية هائلة. وتضع الولايات المتحدة الأمريكية تحديداً مسألة الحفاظ على استقرار المنطقة على رأس أولوياتها منذ أمد بعيد، فقد أكد الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر في عام 1980 أن بلاده ستستخدم كل الوسائل الضرورية، ومنها العسكرية إذا تطلب الأمر، لمنع أي قوة خارجية من محاولة السيطرة على منطقة الخليج.
لهذا ارتبطت الإدارات الأمريكية المتعاقبة بعلاقات أمنية مع دول مجلس التعاون الخليجي من خلال عقد صفقات تسلح وإجراء تدريبات ومناورات عسكرية مشتركة وإقامة القواعد العسكرية، بل التدخل العسكري المباشر كما حدث في حرب الخليج عام 1991 لتحرير الكويت، وفي عام 2003 لاحتلال العراق.
ومن بين الوسائل التي تحاول واشنطن تسويقها لدول الخليج (المظلة الدفاعية)، فقد حاول وزير الدفاع الأمريكي الأسبق وليم كوهين (1997-2001) وخلال جولات عدة في دول مجلس التعاون الخليجي إقناع تلك الدول بفكرة إنشاء نظام دفاع صاروخي يغطي المنطقة للدفاع عنها في مواجهة أي تهديدات إيرانية محتملة.
وفي مايو 2006 وفي ظل القلاقل والاضطرابات المتعددة التي نتجت عن احتلال العراق، عمل الرئيس الأمريكي السابقجورج بوش على تأسيس (الحوار الأمني الخليجي ـ الأمريكي) كآلية لتعزيز التعاون الدفاعي بين الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون، فضلاً عن مواجهة التهديدات الإرهابية ومخاطر الانتشار النووي، والاستجابة للتغيرات الطارئة على التوازن الاستراتيجي الإقليمي.
وفي كلمة له أمام (منتدى حوار المنامة الرابع) في عام 2007، دعا وزير الدفاع الأمريكي روبرت غيتس دول مجلس التعاون الخليجي إلى الوقوف صفاً واحداً ضد إيران لإجبارها على التخلي عن برنامجها النووي، وإقامة (مظلة دفاع جوي) ضد الصواريخ لردع طهران. وعادت واشنطن لتؤكد إصرارها من جديد على إقامة (المظلة الدفاعية) في دول الخليج، وذلك بإعلان وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون ، في 22/7/2009 عن الرغبة الأمريكية في تسليح شركائها في المنطقة ومد مظلة دفاعية لحمايتهم من أية هجمات إيرانية محتملة.
واللافت أن إعلان كلينتون تزامن مع صدور تقرير أمريكي يطالب بضرورة إقامة (تحالف نووي أمريكي- خليجي) لردع إيران. وهذا التقرير الذي يحمل عنوان (القضاء على منبع الاضطراب: انخراط أمريكا بالتصدي للتطور النووي الإيراني)، تم إعداده بواسطة 18 مختصاً في معهد (واشنطن لسياسة الشرق الأدنى)، ومن أبرز خبراء اللوبي الإسرائيلي، ومعظمهم من اليهود الأمريكيين النافذين في الحزب الديمقراطي، بالإضافة إلى دينيس روس، المبعوث الأمريكي لشؤون الخليج العربي وإيران وجنوب آسيا.
وتشمل (المظلة الدفاعية) الأمريكية المقترحة دول مجلس التعاون الخليجي الست بالإضافة إلى مصر في إطار ما يسمى ترتيبات أمن الخليج، ووفقاً للخبراء والمتخصصين فإنها تتكون من مجموعة من نظم البطاريات المضادة للصواريخ (باتريوت)، ومراكز تحميل معلومات رئيسية، وقواعد اتصالات مركزية، كما ستتضمن أيضاً طائرات (أواكس) من نوع بعيد المدى. وستتوافر للمظلة كافة الإمكانات المطلوبة عسكرياً، من قواعد عسكرية دائمة، إلى قواعد عسكرية مستأجرة، وتسهيلات عسكرية، خاصة التسهيلات الخاصة بالمرور البحري، فضلاً عن اتفاقيات دفاع مشترك، كتلك التي بين الولايات المتحدة الأمريكية والعراق. ولن تتحمل واشنطن نفقات قواعدها وتسهيلاتها العسكرية الخليجية، بل ستستخدم أساليب تمويل ذكية تضمن أن يقوم الآخرون بدفع تكاليف حماية المصالح الأمريكية. والدول المرشحة لتمويل الترتيبات الخاصة بالمظلة الدفاعية هي السعودية والإمارات والكويت والبحرين.
والظاهر هو أن المظلة الدفاعية التي تقترحها واشنطن وتحاول تسويقها وتعمل على تنفيذها على أرض الواقع هي نوعٍ من أنواع التحالف الأمريكي مع دول الخليج في مواجهة إيران، إلا أن الواقع يؤكد أن المظلة الدفاعية تأتي لخدمة المصالح الأمريكية في المقام الأول، كما أنها تجسد التحالف الأمريكي مع إسرائيل وحرص واشنطن على تلبية مطالب تل أبيب وصرف الأنظار عن الممارسات الإسرائيلية الهمجية والعدوانية والتي تنتهك كافة القواعد والمعايير القانونية والأخلاقية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وإعطاء القضية النووية الإيرانية أولوية على عملية السلام في الشرق الأوسط.
إن واشنطن أرادت من المظلة الدفاعية المقترحة القفز على متطلبات عملية السلام ومنح إسرائيل تطبيعاً مجانياً مع الدول العربية من دون أن تفي بمتطلبات هذا التطبيع، حيث طرحت الولايات المتحدة هذه الفكرة بعد ظهور مؤشرات حول إمكانية وجود تنسيق عربي-إسرائيلي لردع أي هجوم إيراني، وهو ما كشف عنه المسؤول الأول في إدارة الرئيس أوباما عن الملف النووي الإيراني دينيس روس في كتابه الذي نشر مؤخراً في الولايات المتحدة بعنوان (أساطير وأوهام وسلام ـ البحث عن اتجاهات جديدة لأمريكا في الشرق الأوسط)، والذي خلص فيه إلى أن تنفيذ سياسات مبنية على مصالح عربية وإسرائيلية متلاقية أمر ممكن لأن الدول العربية ترى في طهران مصدر التهديد الأول والرئيسي وتأتي إسرائيل في مرحلة لاحقة لطهران
بدليل أنها رغم اقتناعها على مدى عقود متوالية بامتلاك إسرائيل للسلاح النووي، إلا أن تلك الدول لم تسع إلى امتلاك برامج نووية خاصة بها، بينما هي الآن تحاول أن تفعل ذلك لموازنة الخطر النووي الإيراني. وفي ضوء ذلك تستخدم واشنطن هذا (التهديد النووي) الإيراني لدفع كافة الدول العربية نحو التطبيع مع إسرائيل. وتأتي هذه (المظلة الدفاعية) لتؤكد معارضة واشنطن لهجوم إسرائيلي ضد طهران، وكوسيلة ضمنية للاعتراف بإيران نووية، ولهذا حثت وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون (إسرائيل) على التخلي عن أي خطط لشن هجمات أحادية الجانب ضد المنشآت النووية الإيرانية، ومنح وقت للدبلوماسية الأمريكية حتى تؤتي ثمارها, وقالت (لدينا علاقة طويلة ودائمة مع إسرائيل، ونحن نعتقد بقوة أنه ينبغي حماية أمن (إسرائيل).
وهذا الموقف ينسجم مع سياسة الرئيس الأمريكي باراك أوباما تجاه إيران، حيث تتجه العلاقات الأمريكية-الإيرانية إلى التوافق العلني الواضح ودعوات متبادلة إلى الحوار، وهو ما أثار قلقاً خليجياً وعربياً. كما تهدف الولايات المتحدة من المظلة الدفاعية إلى الحيلولة دون إقامة برنامج خليجي نووي مدني مشترك. وقد عبرت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة، كوندوليزا رايس عن ذلك صراحة عند إجابتها على سؤال عن سبب احتياج المملكة العربية السعودية، أغنى دول النفط في العالم، للطاقة النووية، وقالت إنها تريد أن تعرف المزيد عن خطط دول الخليج العربية لدراسة برنامج للطاقة النووية، مشككةً في كون هذا البرنامج يستهدف تلبية احتياجات الطاقة، وقالت (إن جورج بوش يؤيد بقوة التوسع في الطاقة النووية، لكنه يريد أن تحصل الدول الطامحة إلى هذه البرامج على الوقود النووي من الخارج بدلاً من صنعه بنفسها، بهدف الحد من عدد الدول التي تمتلك القدرة على إنتاج وقود نووي يسمح بصنع أسلحة).
وتشير مثل تلك التصريحات إلى أن واشنطن يمكن أن تسمح بقوة نووية إيرانية، كما سمحت بقوة نووية (إسرائيلية)، إلا أنها لن تسمح بقوة نووية خليجية أو عربية، ومن أجل ذلك فهي تعرض فكرة (المظلة الدفاعية) لثني الدول الخليجية عن مجرد التفكير في الحصول على التكنولوجيا النووية، ولتوفير حماية لإسرائيل من الصواريخ الإيرانية بأموال خليجية.
ورغم أن المظلة الدفاعية الأمريكية ستكون كفيلة بحماية منشآت النفط، وكذلك حماية المصالح الأمريكية التي يمكن أن تكون عرضة لعمليات انتقامية من قبل إيران في حال اندلاع حرب ضدها، إلا أنها تحمل العديد من المخاطر، حيث إنها قد تدفع بعض الدول إلى اختراق الجبهات الداخلية العربية لإثارة النزاعات المذهبية والعرقية من أجل امتلاك أكبر قدر من أوراق الضغط والمساومة، وكذلك ستؤدي إلى تهميش القضايا المصيرية العربية في ظل صعود الملف النووي الإيراني إلى مقدمة الأولويات، وتزيد من الانقسامات العربية وربما تؤدي إلى عودة المنطقة إلى حالة من الاستقطاب التي قد تصل إلى نشوب حرب في المنطقة؛ خاصة أن (المظلة الدفاعية) ستشجع طهران على المضي قدماً في برنامجها والدفاع عن مصالحها من خلال الأساليب التقليدية وغير التقليدية للصراع، مما قد يدفع إسرائيل إلى شن هجوم عسكري على المنشآت النووية الإيرانية، وبالتالي جر دول الشرق الأوسط إلى الحرب.
وفي ضوء ما سبق، يمكن القول إن المظلة الدفاعية الأمريكية لن توفر نظاماً أمنياً مستقراً في منطقة الخليج، بل إنها قد تدفع إلى مزيد من التوتر والقلق الحاصل أساساً في المنطقة، لذا فمن الأجدى لدول الخليج أن تعمل على تقليل أمد الاعتماد على الوجود العسكري الأمريكي كمظلة لحماية أمنها، خاصة في ظل الرفض الشعبي الخليجي للتواجد العسكري الأجنبي، وذلك باتباع سياسة قصيرة المدى تقوم على عقد شراكة أمنية متعددة مع دول أخرى غير الولايات المتحدة، ومن أبرزها دول حلف (الناتو)، وسياسة أخرى طويلة المدى يكون هدفها النهائي توفير (منظومة خليجية موحدة مضادة للصواريخ) عبر وسائل وآليات عدة من بينها: تفعيل التعاون العسكري البيني الخليجي-الخليجي، والاستمرار في العمل على رفع كفاءة القدرات العسكرية وتحديث القوات البحرية والجوية، وتوسيع المظلة الدفاعية الجوية الموجودة حالياً في المناطق العسكرية والمناطق النفطية، لتشمل كافة المناطق العسكرية والمدنية، وذلك بالاستفادة من منظومة الصواريخ التي تمتلكها كل دولة خليجية على حدة، واستغلال التنسيق الحاصل بين دول المجلس والولايات المتحدة في وضع الصواريخ المضادة.
وبذلك يمكن لدول مجلس التعاون الخليجي أن تؤمن استراتيجية دفاعية متوازنة بما يمكنها من تأمين أراضيها ويوفر لها القدرة على ردع العدوان البحري والجوي من دون تدخل خارجي مبالغ فيه قد يورطها في إعلان الحرب.
::/fulltext::
::cck::3055::/cck::
