أمريكا والديمقراطية في العراق.. تساؤلات مشروعة

::cck::3074::/cck::
::introtext::

إن أي متابع لما يجري في العراق، لا يستطيع أن يصدق بحيادية الدور الأمريكي في الانتخابات التي جرت في العراق في السابع من شهر مارس الماضي، وفي أحداث التغييرات وتفعيل الأحداث. فالولايات المتحدة تمثل العنصر الخارجي والداخلي في آن معاً.

::/introtext::
::fulltext::

إن أي متابع لما يجري في العراق، لا يستطيع أن يصدق بحيادية الدور الأمريكي في الانتخابات التي جرت في العراق في السابع من شهر مارس الماضي، وفي أحداث التغييرات وتفعيل الأحداث. فالولايات المتحدة تمثل العنصر الخارجي والداخلي في آن معاً.
لعل التساؤلات تطرح عن حقيقة ما يجري، وهل إن العراقيين يمارسون الديمقراطية بشكل حقيقي ومن دون تدخل من المحتل؟ وهل إن إدارة أوباما تنوي الانسحاب فعلاً من العراق، بما يعنيه الانسحاب من ترك العراقيين يديرون شؤون بلدهم بأنفسهم، كما يدعي الجانب الأمريكي؟ وهل اكتفت الإدارة الأمريكية بما تضمنته الاتفاقية الأمنية التي عقدتها إدارة الرئيس السابق جورج بوش في أيامها الأخيرة، من ضمانات وامتيازات؟ أم أنها جادة بسحب جنودها من العراق، بفعل انشغالاتها في الساحة الأفغانية، بعد أن احتج الحلفاء الأطلسيون بثقل المهمة وطالبوا بتخفيف أعبائهم وبدور أمريكي أكبر في تلك الساحة، وبفعل رفض أمريكي داخلي لاستمرار تلك المغامرة المكلفة في ظل وضع اقتصادي يزداد حراجة؟ وهل تقبل إدارة الرئيس باراك أوباما بالتفرج على السياسيين العراقيين وهم يتصارعون فيما بينهم ويتسابقون للتنسيق مع دول الجوار تحت دعاوى تطمين مخاوف تلك الدول من توجهات الحكومة المقبلة في العراق؟ أليس غريباً أن يذهب السياسيون إلى جيرانهم دونما استثناء ولا يزورون واشنطن حيث يصنع القرار حقاً، إلا خفية وتحت مسميات أخرى؟ وهل يعقل أن تعمل أجهزة مخابرات إقليمية ودولية في الساحة العراقية بينما المخابرات الأمريكية تكتفي بالمراقبة؟ وتطول قائمة الأسئلة لكن الإجابات مؤجلة نوعاً ما.
إن الحديث عن الحراك السياسي الذي سبق الانتخابات ونتج عنه تحديد الكتل المشاركة في تلك الانتخابات، وما جرى في أعقابها من عودة إلى تكتلات شبيهة بتلك التي قادت الدولة بعد انتخابات عام 2005، يرى العراقيون أنه يجري برعاية أمريكية مباشرة أيضاً. وهكذا تزدحم نشرات الأخبار في كافة الفضائيات لتتابع تحركات من حصلوا على مقاعد برلمانية، وأين يذهبون ومع من يتحالفون، بينما الفاعل الأمريكي يظهر في فترات متباعدة، سواء ليبارك العملية (الديمقراطية) ونجاح الانتخابات، كما فعل الرئيس باراك أوباما، أو ليعلن مسؤول أمريكي هنا وآخر هناك عن اعتقاده بنزاهة الانتخابات وقبوله لنتائجها. وإذا ما علمنا أن تلك النتائج لم تحسم الفوز لأية جهة، نجد أن الرضا الأمريكي له ما يبرره، فلا أحد يستطيع التبجح بأنه فائز بالأغلبية ليقوم بقيادة العملية السياسية في المرحلة المقبلة. ولم يكن غريباً ذلك الرأي الذي أطلقه السفير الأمريكي الأسبق في العراق زلماي خليل زادة على صفحات (الفاينانشيال تايمز) البريطانية ودعا فيه واشنطن إلى حث كتلتي نوري المالكي وإياد علاوي على العمل سوية وتقاسم السلطة وفق أية صيغة ممكنة مقترحاً تقسيماً زمنياً لرئاسة الوزراء بينهما. ولأن خليل زادة أمريكي وعمل في العراق فإنه يعرف تماماً أن قواعد اللعبة بصيغتها الأمريكية لا تقبل بتولي نوري المالكي رئاسة الحكومة المقبلة، ليس لأنها تفضل إياد علاوي، بل إن علاوي قد لا يمنح هذه الفرصة أيضاً، لأن النموذج الديمقراطي الذي رسمته الإدارة الأمريكية في العراق يقتضي أن يتم تغيير الوجوه باستمرار، لكي تثبت أمام دول المنطقة أن الديمقراطية تفترض تداولاً مستمراً للسلطة وعدم احتكارها، والمالكي وعلاوي قد توليا رئاسة الحكومة فيما سبق، واستنفدا أجلهما في هذه المهمة، والمطلوب الآن إعادة ترتيب المسؤوليات وطرح البدائل لكليهما.
وما يقال عن تأثير دول الجوار، يمكن أن يكون منطقياً، لو أن الوجود العسكري الأمريكي لم يكن بهذه الكثافة، ولو لم يكن التغيير في العراق قد تم بقرار أمريكي، وبفعل عسكري أمريكي مباشر على الأرض العراقية، بينما النخب الحاكمة منذ عام 2003 مرت عبر القناة الأمريكية للتصفية حتى إن كان بعضهم من عراقيي الداخل الذين لم يهاجروا أو يشاركوا في المؤتمرات التي رعتها الولايات المتحدة في الخارج.
وكيف تسمح الولايات المتحدة بأن يظهر الدور الإيراني بهذا الوضوح، فيذهب الجميع دونما استثناء ليحصلوا على مباركة إيران للعملية السياسية ودعمها للحكومة المقبلة، بينما الولايات المتحدة المشغولة بالملف النووي الإيراني وبتأليب العالم على إيران في القمة العالمية للأمن النووي، تراقب ولا تتدخل، مما يثير التساؤلات منطقياً بشأن طبيعة التقاطع الأمريكي- الإيراني على أرض العراق، والكل يستذكر تصريحات الرئيس الإيراني الأسبق رفسنجاني حول الدعم الذي قدمته إيران للولايات المتحدة في غزوها للعراق، والذي لولاه لما كانت العملية الأمريكية قد نجحت (بحسب المسؤول الإيراني)، بينما كان العراق مكاناً لعقد المفاوضات الأمريكية- الإيرانية لإيجاد مقتربات لحل المشكلات العالقة بينهما، وخاصة تلك المتعلقة بالشأن العراقي. وهل تقبل الولايات المتحدة بأن تقوم إيران، وكما أعلن المسؤولون فيها بملء الفراغ الذي يمكن أن ينشأ إذا ما انسحبت القوات الأمريكية من العراق؟ لقد تحالف الجانبان من أجل إكمال الاحتلال الأمريكي للعراق، وبدا أنهما افترقا لوقت ما، لكن ها هما يعودان للعمل سوية. فإلى أين تفضي المسارات الجديدة في العلاقة، وما تأثيرها في رسم خريطة العراق السياسية الجديدة؟
وماذا عن بقية دول الجوار وفي مقدمتها تركيا الأطلسية، والتي تحولت هي الأخرى إلى مزار للطامحين في تشكيل الوزارة المقبلة، هل تلعب لصالحها من أجل دور إقليمي أكبر؟ أم أنها تعمل مع الحليف الأمريكي لمعادلة الدور الإيراني في العراق؟ لقد سبق لتركيا أن أثارت خلافات داخل المجموعة الأطلسية عندما رفضت أن تكون أراضيها ممراً لدخول القوات الأمريكية للعراق في عام 2003، بينما قدمت كل أنواع الدعم اللوجستي لتلك القوات، وهي لا تخفي رغبتها في التدخل بالشأن العراقي لتأمين حدودها بعدما تسببت عمليات حزب العمل الكردي المعارض في تصعيد واضح للقلق، وتدخلت الولايات المتحدة يومها للتخفيف من ردة الفعل التركية المتمثلة في التهديد بعمل عسكري واسع يستهدف الأراضي العراقية إذا لم تضع حكومة العراق حداً للعمليات المنطلقة من أراضي كردستان.
أما الدولتان الجارتان الأخريان وهما المملكة العربية السعودية والكويت، فهما تستقبلان الوفود، وبشكل خاص المملكة السعودية، فيما تلمح المصادر الأمريكية بشكل خاص إلى أنه محاولة للتلويح بتجاوز البعد الطائفي في العملية السياسية العراقية ولتبدو العملية متوازنة عندما يزور الجميع إيران ثم يتوجهون إلى المملكة العربية السعودية أو العكس. بينما الطرف العربي الثالث أي سوريا لا يلقى اهتماماً بالدرجة نفسها رغم أنه الأقرب إلى الشأن العراقي، وربما كان السبب محاولة الإيحاء باستمرار توتر العلاقة مع سوريا على خلفية اتهام المخابرات السورية بدعم المسلحين الذين يقومون بالتفجيرات في المدن العراقية. لكن هذا لم يمنع بعض السياسيين من زيارة سوريا في إطار عملية الموازنة المطلوبة، بينما كانت الزيارات إلى المملكة الأردنية الهاشمية مقننة أيضاً للإيحاء باعتدال الدور الأردني في هذه العملية.
إن المشروع الاستراتيجي الأمريكي في العراق لم يتوقف لكي تبدو الولايات المتحدة غير معنية بالشأن العراقي وبشكل الحكومة المقبلة، وتكتفي بدعوة الفرقاء المتنافسين إلى ضرورة الإسراع للوصول إلى تسويات وتوافقات فيما بينهم، ولا تزال القوانين التي وضعها الحاكم المدني للاحتلال بول بريمر سارية المفعول والتي على أساسها وضعت آلية الانتخابات والقاسم الانتخابي الذي مثل أسلوباً غريباً يسهل وصول من لم يحصل على الأصوات المطلوبة إلى قبة البرلمان مزيحاً آخرين حصلوا على أصوات أكثر، وموضوع المقاعد التعويضية التي تتيح للكتل المتقدمة على غيرها ترشيح من تراه من أعضائها ليصبح عضواً في ذلك البرلمان مهما كان عدد الأصوات التي يحصل عليها.
صحيح أننا لم نعد نرى الجنود الأمريكيين وهم يعلقون الدعايات الانتخابية كما فعلوا في عام 2005، لكنهم لم يغادروا المدن كما أعلنوا على الفضائيات، فالجميع يراهم وهم يتجولون في الأحياء مدججين بالسلاح، ويمارسون القتل والاعتقالات، وكانوا يحيطون بمقر مفوضية الانتخابات، التي ادعى رئيسها أنهم مكلفون بحماية بعثة الأمم المتحدة لمراقبة الانتخابات.
لكن في الوقت نفسه، ورغم أن القوات الأمريكية هي الفاعل الأكثر تأثيراً وحضوراً في العملية السياسية في العراق، فإن التدخلات الخارجية والإقليمية بشكل خاص، يمكن أن تؤثر ولو بدرجة أقل وبشكل خاص الدور الإيراني والتركي، أما الأطراف العربية فإن الأدوار التي يمكن أن ثقوم بها أمر فيه الكثير من المبالغة، بفعل حرص أطراف العملية السياسية على تقليص الدور العربي في العراق، استجابة لدواع أمريكية بالدرجة الأولى.
المهم وأياً كانت نتيجة الانتخابات ومهما بلغ حجم التحركات والاتصالات داخلياً وخارجياً، فإن المطلوب أمريكياً، أن تعلن الحكومة الجديدة حرصها على تدعيم العلاقات مع الولايات المتحدة في المجالات كافة، أمنياً واقتصادياً وثقافياً وتجارياً. وربما لن يكون بعيداً الوقت الذي تعلن فيه تلك الحكومة عن رغبتها في بقاء أطول للقوات الأمريكية، استناداً إلى ما تضمنته الاتفاقية الأمنية الموقعة بين الجانبين، بحجة استمرار الخطر على التجربة الديمقراطية بفعل استمرار العمليات الإرهابية، ووجود جيوب للفصائل المناهضة للاحتلال، والخشية من نشوء فراغ أمني قد يغري دول الجوار بالتدخل في الشأن العراقي. أما شكل الحكومة الجديدة فلن يختلف عن سابقاتها وسواء حملت توصيف حكومة الوحدة الوطنية أو المشاركة السياسية فهي وكما يرى العراقيون لن تخرج عن عباءة نظام المحاصصة الذي جاءت به إدارة بريمر وما زال شاهداً على إخفاق كل الحكومات التي عملت به، لكنه في الوقت نفسه ضمن ولاء الجميع للدور الأمريكي وللرعاية الأمريكية.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::3074::/cck::
::introtext::

إن أي متابع لما يجري في العراق، لا يستطيع أن يصدق بحيادية الدور الأمريكي في الانتخابات التي جرت في العراق في السابع من شهر مارس الماضي، وفي أحداث التغييرات وتفعيل الأحداث. فالولايات المتحدة تمثل العنصر الخارجي والداخلي في آن معاً.

::/introtext::
::fulltext::

إن أي متابع لما يجري في العراق، لا يستطيع أن يصدق بحيادية الدور الأمريكي في الانتخابات التي جرت في العراق في السابع من شهر مارس الماضي، وفي أحداث التغييرات وتفعيل الأحداث. فالولايات المتحدة تمثل العنصر الخارجي والداخلي في آن معاً.
لعل التساؤلات تطرح عن حقيقة ما يجري، وهل إن العراقيين يمارسون الديمقراطية بشكل حقيقي ومن دون تدخل من المحتل؟ وهل إن إدارة أوباما تنوي الانسحاب فعلاً من العراق، بما يعنيه الانسحاب من ترك العراقيين يديرون شؤون بلدهم بأنفسهم، كما يدعي الجانب الأمريكي؟ وهل اكتفت الإدارة الأمريكية بما تضمنته الاتفاقية الأمنية التي عقدتها إدارة الرئيس السابق جورج بوش في أيامها الأخيرة، من ضمانات وامتيازات؟ أم أنها جادة بسحب جنودها من العراق، بفعل انشغالاتها في الساحة الأفغانية، بعد أن احتج الحلفاء الأطلسيون بثقل المهمة وطالبوا بتخفيف أعبائهم وبدور أمريكي أكبر في تلك الساحة، وبفعل رفض أمريكي داخلي لاستمرار تلك المغامرة المكلفة في ظل وضع اقتصادي يزداد حراجة؟ وهل تقبل إدارة الرئيس باراك أوباما بالتفرج على السياسيين العراقيين وهم يتصارعون فيما بينهم ويتسابقون للتنسيق مع دول الجوار تحت دعاوى تطمين مخاوف تلك الدول من توجهات الحكومة المقبلة في العراق؟ أليس غريباً أن يذهب السياسيون إلى جيرانهم دونما استثناء ولا يزورون واشنطن حيث يصنع القرار حقاً، إلا خفية وتحت مسميات أخرى؟ وهل يعقل أن تعمل أجهزة مخابرات إقليمية ودولية في الساحة العراقية بينما المخابرات الأمريكية تكتفي بالمراقبة؟ وتطول قائمة الأسئلة لكن الإجابات مؤجلة نوعاً ما.
إن الحديث عن الحراك السياسي الذي سبق الانتخابات ونتج عنه تحديد الكتل المشاركة في تلك الانتخابات، وما جرى في أعقابها من عودة إلى تكتلات شبيهة بتلك التي قادت الدولة بعد انتخابات عام 2005، يرى العراقيون أنه يجري برعاية أمريكية مباشرة أيضاً. وهكذا تزدحم نشرات الأخبار في كافة الفضائيات لتتابع تحركات من حصلوا على مقاعد برلمانية، وأين يذهبون ومع من يتحالفون، بينما الفاعل الأمريكي يظهر في فترات متباعدة، سواء ليبارك العملية (الديمقراطية) ونجاح الانتخابات، كما فعل الرئيس باراك أوباما، أو ليعلن مسؤول أمريكي هنا وآخر هناك عن اعتقاده بنزاهة الانتخابات وقبوله لنتائجها. وإذا ما علمنا أن تلك النتائج لم تحسم الفوز لأية جهة، نجد أن الرضا الأمريكي له ما يبرره، فلا أحد يستطيع التبجح بأنه فائز بالأغلبية ليقوم بقيادة العملية السياسية في المرحلة المقبلة. ولم يكن غريباً ذلك الرأي الذي أطلقه السفير الأمريكي الأسبق في العراق زلماي خليل زادة على صفحات (الفاينانشيال تايمز) البريطانية ودعا فيه واشنطن إلى حث كتلتي نوري المالكي وإياد علاوي على العمل سوية وتقاسم السلطة وفق أية صيغة ممكنة مقترحاً تقسيماً زمنياً لرئاسة الوزراء بينهما. ولأن خليل زادة أمريكي وعمل في العراق فإنه يعرف تماماً أن قواعد اللعبة بصيغتها الأمريكية لا تقبل بتولي نوري المالكي رئاسة الحكومة المقبلة، ليس لأنها تفضل إياد علاوي، بل إن علاوي قد لا يمنح هذه الفرصة أيضاً، لأن النموذج الديمقراطي الذي رسمته الإدارة الأمريكية في العراق يقتضي أن يتم تغيير الوجوه باستمرار، لكي تثبت أمام دول المنطقة أن الديمقراطية تفترض تداولاً مستمراً للسلطة وعدم احتكارها، والمالكي وعلاوي قد توليا رئاسة الحكومة فيما سبق، واستنفدا أجلهما في هذه المهمة، والمطلوب الآن إعادة ترتيب المسؤوليات وطرح البدائل لكليهما.
وما يقال عن تأثير دول الجوار، يمكن أن يكون منطقياً، لو أن الوجود العسكري الأمريكي لم يكن بهذه الكثافة، ولو لم يكن التغيير في العراق قد تم بقرار أمريكي، وبفعل عسكري أمريكي مباشر على الأرض العراقية، بينما النخب الحاكمة منذ عام 2003 مرت عبر القناة الأمريكية للتصفية حتى إن كان بعضهم من عراقيي الداخل الذين لم يهاجروا أو يشاركوا في المؤتمرات التي رعتها الولايات المتحدة في الخارج.
وكيف تسمح الولايات المتحدة بأن يظهر الدور الإيراني بهذا الوضوح، فيذهب الجميع دونما استثناء ليحصلوا على مباركة إيران للعملية السياسية ودعمها للحكومة المقبلة، بينما الولايات المتحدة المشغولة بالملف النووي الإيراني وبتأليب العالم على إيران في القمة العالمية للأمن النووي، تراقب ولا تتدخل، مما يثير التساؤلات منطقياً بشأن طبيعة التقاطع الأمريكي- الإيراني على أرض العراق، والكل يستذكر تصريحات الرئيس الإيراني الأسبق رفسنجاني حول الدعم الذي قدمته إيران للولايات المتحدة في غزوها للعراق، والذي لولاه لما كانت العملية الأمريكية قد نجحت (بحسب المسؤول الإيراني)، بينما كان العراق مكاناً لعقد المفاوضات الأمريكية- الإيرانية لإيجاد مقتربات لحل المشكلات العالقة بينهما، وخاصة تلك المتعلقة بالشأن العراقي. وهل تقبل الولايات المتحدة بأن تقوم إيران، وكما أعلن المسؤولون فيها بملء الفراغ الذي يمكن أن ينشأ إذا ما انسحبت القوات الأمريكية من العراق؟ لقد تحالف الجانبان من أجل إكمال الاحتلال الأمريكي للعراق، وبدا أنهما افترقا لوقت ما، لكن ها هما يعودان للعمل سوية. فإلى أين تفضي المسارات الجديدة في العلاقة، وما تأثيرها في رسم خريطة العراق السياسية الجديدة؟
وماذا عن بقية دول الجوار وفي مقدمتها تركيا الأطلسية، والتي تحولت هي الأخرى إلى مزار للطامحين في تشكيل الوزارة المقبلة، هل تلعب لصالحها من أجل دور إقليمي أكبر؟ أم أنها تعمل مع الحليف الأمريكي لمعادلة الدور الإيراني في العراق؟ لقد سبق لتركيا أن أثارت خلافات داخل المجموعة الأطلسية عندما رفضت أن تكون أراضيها ممراً لدخول القوات الأمريكية للعراق في عام 2003، بينما قدمت كل أنواع الدعم اللوجستي لتلك القوات، وهي لا تخفي رغبتها في التدخل بالشأن العراقي لتأمين حدودها بعدما تسببت عمليات حزب العمل الكردي المعارض في تصعيد واضح للقلق، وتدخلت الولايات المتحدة يومها للتخفيف من ردة الفعل التركية المتمثلة في التهديد بعمل عسكري واسع يستهدف الأراضي العراقية إذا لم تضع حكومة العراق حداً للعمليات المنطلقة من أراضي كردستان.
أما الدولتان الجارتان الأخريان وهما المملكة العربية السعودية والكويت، فهما تستقبلان الوفود، وبشكل خاص المملكة السعودية، فيما تلمح المصادر الأمريكية بشكل خاص إلى أنه محاولة للتلويح بتجاوز البعد الطائفي في العملية السياسية العراقية ولتبدو العملية متوازنة عندما يزور الجميع إيران ثم يتوجهون إلى المملكة العربية السعودية أو العكس. بينما الطرف العربي الثالث أي سوريا لا يلقى اهتماماً بالدرجة نفسها رغم أنه الأقرب إلى الشأن العراقي، وربما كان السبب محاولة الإيحاء باستمرار توتر العلاقة مع سوريا على خلفية اتهام المخابرات السورية بدعم المسلحين الذين يقومون بالتفجيرات في المدن العراقية. لكن هذا لم يمنع بعض السياسيين من زيارة سوريا في إطار عملية الموازنة المطلوبة، بينما كانت الزيارات إلى المملكة الأردنية الهاشمية مقننة أيضاً للإيحاء باعتدال الدور الأردني في هذه العملية.
إن المشروع الاستراتيجي الأمريكي في العراق لم يتوقف لكي تبدو الولايات المتحدة غير معنية بالشأن العراقي وبشكل الحكومة المقبلة، وتكتفي بدعوة الفرقاء المتنافسين إلى ضرورة الإسراع للوصول إلى تسويات وتوافقات فيما بينهم، ولا تزال القوانين التي وضعها الحاكم المدني للاحتلال بول بريمر سارية المفعول والتي على أساسها وضعت آلية الانتخابات والقاسم الانتخابي الذي مثل أسلوباً غريباً يسهل وصول من لم يحصل على الأصوات المطلوبة إلى قبة البرلمان مزيحاً آخرين حصلوا على أصوات أكثر، وموضوع المقاعد التعويضية التي تتيح للكتل المتقدمة على غيرها ترشيح من تراه من أعضائها ليصبح عضواً في ذلك البرلمان مهما كان عدد الأصوات التي يحصل عليها.
صحيح أننا لم نعد نرى الجنود الأمريكيين وهم يعلقون الدعايات الانتخابية كما فعلوا في عام 2005، لكنهم لم يغادروا المدن كما أعلنوا على الفضائيات، فالجميع يراهم وهم يتجولون في الأحياء مدججين بالسلاح، ويمارسون القتل والاعتقالات، وكانوا يحيطون بمقر مفوضية الانتخابات، التي ادعى رئيسها أنهم مكلفون بحماية بعثة الأمم المتحدة لمراقبة الانتخابات.
لكن في الوقت نفسه، ورغم أن القوات الأمريكية هي الفاعل الأكثر تأثيراً وحضوراً في العملية السياسية في العراق، فإن التدخلات الخارجية والإقليمية بشكل خاص، يمكن أن تؤثر ولو بدرجة أقل وبشكل خاص الدور الإيراني والتركي، أما الأطراف العربية فإن الأدوار التي يمكن أن ثقوم بها أمر فيه الكثير من المبالغة، بفعل حرص أطراف العملية السياسية على تقليص الدور العربي في العراق، استجابة لدواع أمريكية بالدرجة الأولى.
المهم وأياً كانت نتيجة الانتخابات ومهما بلغ حجم التحركات والاتصالات داخلياً وخارجياً، فإن المطلوب أمريكياً، أن تعلن الحكومة الجديدة حرصها على تدعيم العلاقات مع الولايات المتحدة في المجالات كافة، أمنياً واقتصادياً وثقافياً وتجارياً. وربما لن يكون بعيداً الوقت الذي تعلن فيه تلك الحكومة عن رغبتها في بقاء أطول للقوات الأمريكية، استناداً إلى ما تضمنته الاتفاقية الأمنية الموقعة بين الجانبين، بحجة استمرار الخطر على التجربة الديمقراطية بفعل استمرار العمليات الإرهابية، ووجود جيوب للفصائل المناهضة للاحتلال، والخشية من نشوء فراغ أمني قد يغري دول الجوار بالتدخل في الشأن العراقي. أما شكل الحكومة الجديدة فلن يختلف عن سابقاتها وسواء حملت توصيف حكومة الوحدة الوطنية أو المشاركة السياسية فهي وكما يرى العراقيون لن تخرج عن عباءة نظام المحاصصة الذي جاءت به إدارة بريمر وما زال شاهداً على إخفاق كل الحكومات التي عملت به، لكنه في الوقت نفسه ضمن ولاء الجميع للدور الأمريكي وللرعاية الأمريكية.

::/fulltext::
::cck::3074::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *