تحديات الحكومة العراقية الجديدة في مجتمع متأزم
::cck::3072::/cck::
::introtext::
تنتظر الحكومة العراقية الجديدة تحديات كبرى ليس من السهل الخروج منها، إذا ما بقيت الإجراءات المتبعة نفسها، وبقيت الصراعات بين القوى السياسية الناشئة على أشدها بشأن السلطة والأرض والمصالح، وإذا لم يتخلص العراق من التدخلات الخارجية لا سيما أن الانسحاب الأمريكي المعلن عنه سيكون خلال عام 2011، وما سينتج عنه من تغيرات تخص القرار العراقي وبناء الدولة على أسس صحيحة بعيداً عن المحاصصة الطائفية والخروج من قفص الثقافات المحلية إلى الثقافة الوطنية ذات الأفق الأرحب.
::/introtext::
::fulltext::
تنتظر الحكومة العراقية الجديدة تحديات كبرى ليس من السهل الخروج منها، إذا ما بقيت الإجراءات المتبعة نفسها، وبقيت الصراعات بين القوى السياسية الناشئة على أشدها بشأن السلطة والأرض والمصالح، وإذا لم يتخلص العراق من التدخلات الخارجية لا سيما أن الانسحاب الأمريكي المعلن عنه سيكون خلال عام 2011، وما سينتج عنه من تغيرات تخص القرار العراقي وبناء الدولة على أسس صحيحة بعيداً عن المحاصصة الطائفية والخروج من قفص الثقافات المحلية إلى الثقافة الوطنية ذات الأفق الأرحب.
لم يعد المجتمع العراقي يتحمل أكثر مما تحمله من أوضاع أمنية صعبة وتدن في الأداء الاقتصادي والخدمي والويلات الاجتماعية الناتجة عن المشكلات السياسية، كما أنه لم يعد يتحمل تردي أمنه الوطني جراء التدخلات الدولية والإقليمية، حتى بات العراقيون ومعهم المحيط الإقليمي يؤمنون بالمعادلة التالية:
استقرار العراق يساوي استقرار الإقليم المحيط. وأمام الحكومة الجديدة مهام كبرى عليها أن تضطلع بها وإلا سيبقى العراق في نفق طويل لا يتوقع الخروج منه بسهولة، وبقدر هذه المهام تواجه الحكومات تحديات صعبة ينبغي أن تتصدى لها.
أولاً: التحديات السياسية
لا شك في أن أعقد التحديات التي ستواجه الحكومة الجديدة هي التحديات السياسية والمتمثلة في جانبيها الداخلي والخارجي، فالجانب الداخلي يتصل بالصراعات والاختلافات بين القوى السياسية الموجودة على الساحة السياسية، ومدى قدرتها وسط هذا التناحر على بلورة رؤية وطنية تتسع للجميع، فالانتخابات البرلمانية التي جرت في 7 مارس هذا العام أفرزت قوائم انتخابية فائزة تقترب مع بعضها بعضاً، لذا يكون تشكيل الحكومة الجديدة يخضع لتحديات حقيقية بشأن قراراتها فكلما استطاعت الحكومة تقريب وجهات النظر، استطاعت أن تنفذ قراراتها بكل ثقة إذا علمنا أن كثيراً من القوى السياسية في الساحة اليوم ناشئة ولا تمتلك التجربة الكافية، مما يجعل عملية التوافق على صيغ سياسية مشتركة تواجه صعوبات حقيقية، ولعل هذا أهم ما يواجه الحكومة من تحديات سياسية، فالتحدي السياسي لا يقل أهمية عن التحديات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية، بل إن هذه التحديات نفسها ناتجة عن المشكلات السياسية في الساحة العراقية.
إن بلورة اتجاه وطني قائم على أساس وضع مصلحة العراق فوق كل اعتبار مع الاحترام الكامل لكل الثقافات الفرعية العراقية لتعمل جميعاً من أجل بناء البلد وفق الأسس الموضوعية والتي تنهض بالمجتمع وتحقق قدراً من الممارسة الديمقراطية الناجحة هي السبيل الوحيد الذي ينتظر من الحكومة القيام به.
أما على صعيد السياسة الخارجية، فإن الحكومة ستواجه تحديات إقليمية ودولية كل طرف منها له مصالحه الحيوية في العراق، وقدرة الحكومة الجديدة على بناء علاقات متكافئة مسألة في غاية الأهمية، فإذا ما نجحت في ذلك فإنها تكون قد حققت نجاحاً سياسياً في رسم خريطة سياسة العراق الخارجية على أساس الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.
ثانياً: التحديات الأمنية
يعد التحدي الأمني من أكبر التحديات التي تواجه الحكومة الجديدة، فالبلد بحاجة ماسة إلى بناء قواته المسلحة والأمنية بشكل مهني قائم على أساس الولاء للوطن، فعن طريق فرض القانون على الجميع يمكن أن يشعر المواطن بالاستقرار، ولا شك في أن قيام القوات المسلحة وقوى الأمن الداخلي بمهامها يتطلب بناء منظومة استخباراتية وطنية مهنية، فمن دون هذه المنظومة لا يمكن أن تقوم تلك القوات بدورها بشكل منظم وقانوني، وهي تحد حقيقي يواجه الحكومة الجديدة، وينبغي أن يدرك القائمون على الأمر في العراق أنه لا يمكن حفظ الأمن والنظام من دون قيام مثل هذه المؤسسات المهنية، وإلا بقيت قضايا الأمن مشتتة والبلاد فاقدة للاستقرار. إن من أهم واجبات الحكومة المقبلة هو بناء مؤسسات الجيش وقوى الأمن الداخلي على أسس علمية وموضوعية والاعتماد على الذات، فالمواطن يشعر اليوم بأنه بأمسّ الحاجة إلى تحقيق أمنه الوطني وأمنه الشخصي وهي مسألة تبقى مطروحة أمام مهام الحكومة الجديدة ومؤشر أساسي إلى نجاحها أو إخفاقها، فكل شيء مرتبط بالأمن.
ثالثاً: التحديات الاقتصادية
كان العراق مع نهاية سبعينات القرن الماضي من دول العالم الثالث المميزة، إذ أشّرت التنمية فيه على مستويات عالية من التقدم في المجال الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، وقد شهدت المدينة والقرية معاً فيه تطوراً فريداً، وزاد استخدام الإنسان للتكنولوجيا بشقيها الإنتاجي والخدمي.
وظهرت في الحياة الأساليب التحديثية، وقد كان لحركة التحضر في المدن آثارها المباشرة في بلورة اتجاهات واعدة نحو التمدن، إذ توقعت خططه التنموية آنذاك خروج العراق من دائرة العالم الثالث بحلول عام 1985، إلا أن الانتكاسات التي تعرض لها المجتمع جراء الحروب والأزمات المتلاحقة جعلت الرياح تسير بما لا تشتهي السفن، فتريفت المدينة وتخلف الريف وتراجعت الصناعة، وإذا ما اشتدت وطأة الأحداث وآخرها الاحتلال الأمريكي، بانت التحديات الاقتصادية من أكثر التحديات التي تواجه الحكومة العراقية الجديدة. ويشير الباحث ميثم كريم البدري في مقال عن التحديات التي تواجه الحكومة على موقع جريدة (الصباح) العراقية، إلى أن الحكومة تواجه تحدياً اقتصادياً يتمثل في المديونية الخارجية، إذ خرج العراق من حروبه بمديونية تصل إلى 127 مليار دولار موزعة كالآتي: 30 مليار دولار لدول الخليج العربية، إيطاليا 1.726 مليار دولار، الولايات المتحدة الأمريكية 4.1 مليار دولار، روسيا 12 مليار دولار،اليابان 4.108.600 مليار دولار، ألمانيا 2.403.900 مليار دولار، فرنسا 2.993.700 مليار دولار، يضاف إلى ذلك الفوائد على هذه المديونية (التي تصل إلى 47 مليار دولار). وعلى الرغم من إسقاط كثير من هذه الديون إلا أن الاقتصاد العراقي يواجه صعوبات كثيرة تنتظر الحكومة القادمة لعل أهمها توقف عملية التنمية منذ عقود وانتشار البطالة والفقر والحرمان وتدني الخدمات العامة. ويشير التقرير الوطني لحال التنمية البشرية في العراق 2008 الصادر عن وزارة التخطيط العراقية وبيت الحكمة. عام 2009 إلى أن مستوى المعيشة شهد تذبذباً كبيراً بسبب تذبذب أسعار النفط والمشكلات التي تعرض لها المجتمع، إذ شهد متوسط نصيب الفرد من الناتج القومي المحلي الإجمالي تحسناً ملحوظاً بعد سنة 2003 (بالأسعار الجارية) إلا أنه وبعد الأخذ في الاعتبار مستويات التضخم وتراجع الموازنة عن دعم أسعار الوقود والغذاء، فإن مستوى معيشة العراقيين سنة 2007 انخفض إلى مستواه الحقيقي بالأسعار الثابتة سنة 1980.
إن زيادة عائدات النفط في نهاية سبعينات القرن الماضي حققت إنجازاً في تحسين مستوى دخل الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، إذ بلغ 3812 دولاراً سنة 1980، ثم ما لبث أن انخفض نتيجة حرب الخليج الأولى في السنة نفسها، ولم يحتفظ بالإنجاز المتحقق، ثم في سنة 1990 تراجع مستوى المعيشة، حيث انخفض مستوى نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي ليصل إلى 180 دولاراً سنة 1994، ثم بدء يشهد ارتفاعاً متدرجاً ليصل إلى 770 دولاراً سنة 2002، وقد انخفض أثر حرب 2003 ليصل إلى 580 دولاراً ليبدأ بالتحسن تدريجياً، حيث وصل إلى 2840 دولاراً سنة 2007. وإزاء هذا المستوى من التذبذب في القدرة الشرائية بقيت أنماط الإنفاق الاستهلاكي الأسري تميل لصالح إشباع الحاجات الأساسية للفرد العراقي، فإذا تمكنت الحكومة الجديدة من أن تعالج ذلك فإنها ستحقق مكسباً سياسياً وثقافياً يفتح أمام العراق آفاقاً جديدة، فالنجاح في المجال الاقتصادي وتحقيق التنمية البشرية جعلها ملائمة للأهداف الإنمائية للألفية عام 2000 القائمة على أهدافها الثمانية وغاياتها الثماني عشرة ومؤشراتها الثماني والأربعين لتحقيقها في عام 2015 على مستوى العالم، والوصول إلى مرحلة جدية من تحقيق بعض تلك الأهداف والمؤشرات سيسجل للحكومة الجديدة نجاحاً مميزاً. ولا شك في أن تذليل الصعاب ممكن إذا علمنا أن العراق يملك قدرات فنية لتوفير بيانات وإحصائيات يمكن أن تكون قاعدة بيانات أساسية لتنفيذ خطة التنمية، مع الأخذ بالحسبان التحديات في مجالي البطالة والفقر، حيث إن معدل البطالة يصل إلى نسبة 38 في المائة حسب إحصائيات وزارة التخطيط سنة 2005. ويشير التقرير الوطني لحال التنمية المشار إليه إلى أن نتائج التشغيل والبطالة لسنة 2008 توضح أن معدل البطالة للفئة العمرية (15-24) سنة وصل إلى نسبة 30 في المائة، 30.1 في المائة للرجال و29.7 في المائة للنساء، فضلاً عن تحديات أخرى في مجال القطاعين الصناعي والخاص، إذ انعزلت الصناعة بدرجة كبيرة عن المساهمة في الاقتصاد الوطني، كما تعطل نشاط القطاع الخاص بشكل كبير أيضاً، ناهيك عن تدهور أحوال الزراعة، حتى باتت الأسواق العراقية تستقبل المنتوجات الزراعية من الدول المجاورة بعد أن كان القطاع الزراعي يسد الأسواق المحلية. إن النهوض بكل هذه الجوانب تحديات حقيقية تنتظر الحكومة المقبلة.
رابعاً: التحديات الاجتماعية
لا تقل التحديات الاجتماعية أهمية عن أهمية التحديات الأمنية والسياسية والاقتصادية، بل إن تلك التحديات مترابطة وهي كلها مرتبطة بالمشكلات السياسية في البلاد، إذ شهد قطاع التعليم والصحة والخدمات تراجعاً واضحاً وتدنياً مقلقاً في مستوياتها، وهو تحد حقيقي يطرح أمام الحكومة الجديدة، فهي مطالبة باستحضار كل التجارب الماضية لتجاوز السلبيات والبدء بعملية تنمية الجانب الاجتماعي الذي تقع عليه كل آثار التحديات الأخرى، وأن نجاح الحكومة في تطويق تلك الآثار يعد نجاحاً كبيراً في نقل البلاد إلى مرحلة جديدة من التطور والتغيير، وهو أمر بكل تأكيد سيترك انطباعاته الإيجابية على منظومة القيم الثقافية في المجتمع وتغير كثير من المفاهيم التي سادت خلال مرحلة الارتباك الوظيفي للدولة. ولا شك في أن حجم هذا التحدي كبير لأنه يتطلب إعادة مكانة الإنفاق على قطاعات التعليم والصحة والخدمات بطريقة تجعله يعيد توازنه ويؤدي وظائفه في حفظ توازن أنساق المجتمع المختلفة، إذ كان العراق خلال السبعينات مجتمعاً متماسكاً، وبدأ يعيش مرحلة من النهوض، حيث يشير التقرير الوطني لحال التنمية البشرية في العراق إلى أن الإنفاق على الصحة والتعليم والثقافة استأثر باهتمام الخطط التنموية منذ عام (1965-1980)، باعتباره إحدى أهم وسائل الاستثمار في رأس المال البشري.
فقد حظي الإنفاق على التعليم والصحة بنسبة 86.5 في المائة من تخصيصات الإنفاق الحكومي الاجتماعي (الخدمات الاجتماعية، كالصحة والتعليم والحماية الاجتماعية والدفاع والأمن والخدمات الأخرى التي تقدمها الحكومة للمجتمع) إلا أن هذا الإنفاق تأثر سلباً مع بداية الحرب العراقية-الإيرانية 1980، وقد استمرت وتيرة تهميش هذه القطاعات إبان حقبة التسعينات حتى الوقت الحاضر، كما تواجه الحكومة الجديدة تحديات أخرى في مجال الإسكان وتوفير الطاقة الكهربائية وتحسين شبكات الصرف الصحي، وأن هذه التحديات تزداد تعقيداً مع تفشي ظاهرة الفساد المالي والإداري في الدولة، مما يضاف إلى تحدياتها هذا التحدي الحيوي. لقد بات الإنسان العراقي اليوم يقبل بتحقيق قدر مقبول من المعيشة المريحة وتوفير الخدمات الأساسية، فقد ساد اعتقاد بأنه من غير الممكن أن يعيش الإنسان بحاجة إلى مثل تلك الخدمات وهو في بلد غني، ولاشك في أن قدرة الحكومة الجديدة على تحقيق قدر معقول من تلك النواحي ستساعد على استقرار المجتمع وإعادة تنظيمه الاجتماعي من جديد.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::3072::/cck::
::introtext::
تنتظر الحكومة العراقية الجديدة تحديات كبرى ليس من السهل الخروج منها، إذا ما بقيت الإجراءات المتبعة نفسها، وبقيت الصراعات بين القوى السياسية الناشئة على أشدها بشأن السلطة والأرض والمصالح، وإذا لم يتخلص العراق من التدخلات الخارجية لا سيما أن الانسحاب الأمريكي المعلن عنه سيكون خلال عام 2011، وما سينتج عنه من تغيرات تخص القرار العراقي وبناء الدولة على أسس صحيحة بعيداً عن المحاصصة الطائفية والخروج من قفص الثقافات المحلية إلى الثقافة الوطنية ذات الأفق الأرحب.
::/introtext::
::fulltext::
تنتظر الحكومة العراقية الجديدة تحديات كبرى ليس من السهل الخروج منها، إذا ما بقيت الإجراءات المتبعة نفسها، وبقيت الصراعات بين القوى السياسية الناشئة على أشدها بشأن السلطة والأرض والمصالح، وإذا لم يتخلص العراق من التدخلات الخارجية لا سيما أن الانسحاب الأمريكي المعلن عنه سيكون خلال عام 2011، وما سينتج عنه من تغيرات تخص القرار العراقي وبناء الدولة على أسس صحيحة بعيداً عن المحاصصة الطائفية والخروج من قفص الثقافات المحلية إلى الثقافة الوطنية ذات الأفق الأرحب.
لم يعد المجتمع العراقي يتحمل أكثر مما تحمله من أوضاع أمنية صعبة وتدن في الأداء الاقتصادي والخدمي والويلات الاجتماعية الناتجة عن المشكلات السياسية، كما أنه لم يعد يتحمل تردي أمنه الوطني جراء التدخلات الدولية والإقليمية، حتى بات العراقيون ومعهم المحيط الإقليمي يؤمنون بالمعادلة التالية:
استقرار العراق يساوي استقرار الإقليم المحيط. وأمام الحكومة الجديدة مهام كبرى عليها أن تضطلع بها وإلا سيبقى العراق في نفق طويل لا يتوقع الخروج منه بسهولة، وبقدر هذه المهام تواجه الحكومات تحديات صعبة ينبغي أن تتصدى لها.
أولاً: التحديات السياسية
لا شك في أن أعقد التحديات التي ستواجه الحكومة الجديدة هي التحديات السياسية والمتمثلة في جانبيها الداخلي والخارجي، فالجانب الداخلي يتصل بالصراعات والاختلافات بين القوى السياسية الموجودة على الساحة السياسية، ومدى قدرتها وسط هذا التناحر على بلورة رؤية وطنية تتسع للجميع، فالانتخابات البرلمانية التي جرت في 7 مارس هذا العام أفرزت قوائم انتخابية فائزة تقترب مع بعضها بعضاً، لذا يكون تشكيل الحكومة الجديدة يخضع لتحديات حقيقية بشأن قراراتها فكلما استطاعت الحكومة تقريب وجهات النظر، استطاعت أن تنفذ قراراتها بكل ثقة إذا علمنا أن كثيراً من القوى السياسية في الساحة اليوم ناشئة ولا تمتلك التجربة الكافية، مما يجعل عملية التوافق على صيغ سياسية مشتركة تواجه صعوبات حقيقية، ولعل هذا أهم ما يواجه الحكومة من تحديات سياسية، فالتحدي السياسي لا يقل أهمية عن التحديات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية، بل إن هذه التحديات نفسها ناتجة عن المشكلات السياسية في الساحة العراقية.
إن بلورة اتجاه وطني قائم على أساس وضع مصلحة العراق فوق كل اعتبار مع الاحترام الكامل لكل الثقافات الفرعية العراقية لتعمل جميعاً من أجل بناء البلد وفق الأسس الموضوعية والتي تنهض بالمجتمع وتحقق قدراً من الممارسة الديمقراطية الناجحة هي السبيل الوحيد الذي ينتظر من الحكومة القيام به.
أما على صعيد السياسة الخارجية، فإن الحكومة ستواجه تحديات إقليمية ودولية كل طرف منها له مصالحه الحيوية في العراق، وقدرة الحكومة الجديدة على بناء علاقات متكافئة مسألة في غاية الأهمية، فإذا ما نجحت في ذلك فإنها تكون قد حققت نجاحاً سياسياً في رسم خريطة سياسة العراق الخارجية على أساس الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.
ثانياً: التحديات الأمنية
يعد التحدي الأمني من أكبر التحديات التي تواجه الحكومة الجديدة، فالبلد بحاجة ماسة إلى بناء قواته المسلحة والأمنية بشكل مهني قائم على أساس الولاء للوطن، فعن طريق فرض القانون على الجميع يمكن أن يشعر المواطن بالاستقرار، ولا شك في أن قيام القوات المسلحة وقوى الأمن الداخلي بمهامها يتطلب بناء منظومة استخباراتية وطنية مهنية، فمن دون هذه المنظومة لا يمكن أن تقوم تلك القوات بدورها بشكل منظم وقانوني، وهي تحد حقيقي يواجه الحكومة الجديدة، وينبغي أن يدرك القائمون على الأمر في العراق أنه لا يمكن حفظ الأمن والنظام من دون قيام مثل هذه المؤسسات المهنية، وإلا بقيت قضايا الأمن مشتتة والبلاد فاقدة للاستقرار. إن من أهم واجبات الحكومة المقبلة هو بناء مؤسسات الجيش وقوى الأمن الداخلي على أسس علمية وموضوعية والاعتماد على الذات، فالمواطن يشعر اليوم بأنه بأمسّ الحاجة إلى تحقيق أمنه الوطني وأمنه الشخصي وهي مسألة تبقى مطروحة أمام مهام الحكومة الجديدة ومؤشر أساسي إلى نجاحها أو إخفاقها، فكل شيء مرتبط بالأمن.
ثالثاً: التحديات الاقتصادية
كان العراق مع نهاية سبعينات القرن الماضي من دول العالم الثالث المميزة، إذ أشّرت التنمية فيه على مستويات عالية من التقدم في المجال الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، وقد شهدت المدينة والقرية معاً فيه تطوراً فريداً، وزاد استخدام الإنسان للتكنولوجيا بشقيها الإنتاجي والخدمي.
وظهرت في الحياة الأساليب التحديثية، وقد كان لحركة التحضر في المدن آثارها المباشرة في بلورة اتجاهات واعدة نحو التمدن، إذ توقعت خططه التنموية آنذاك خروج العراق من دائرة العالم الثالث بحلول عام 1985، إلا أن الانتكاسات التي تعرض لها المجتمع جراء الحروب والأزمات المتلاحقة جعلت الرياح تسير بما لا تشتهي السفن، فتريفت المدينة وتخلف الريف وتراجعت الصناعة، وإذا ما اشتدت وطأة الأحداث وآخرها الاحتلال الأمريكي، بانت التحديات الاقتصادية من أكثر التحديات التي تواجه الحكومة العراقية الجديدة. ويشير الباحث ميثم كريم البدري في مقال عن التحديات التي تواجه الحكومة على موقع جريدة (الصباح) العراقية، إلى أن الحكومة تواجه تحدياً اقتصادياً يتمثل في المديونية الخارجية، إذ خرج العراق من حروبه بمديونية تصل إلى 127 مليار دولار موزعة كالآتي: 30 مليار دولار لدول الخليج العربية، إيطاليا 1.726 مليار دولار، الولايات المتحدة الأمريكية 4.1 مليار دولار، روسيا 12 مليار دولار،اليابان 4.108.600 مليار دولار، ألمانيا 2.403.900 مليار دولار، فرنسا 2.993.700 مليار دولار، يضاف إلى ذلك الفوائد على هذه المديونية (التي تصل إلى 47 مليار دولار). وعلى الرغم من إسقاط كثير من هذه الديون إلا أن الاقتصاد العراقي يواجه صعوبات كثيرة تنتظر الحكومة القادمة لعل أهمها توقف عملية التنمية منذ عقود وانتشار البطالة والفقر والحرمان وتدني الخدمات العامة. ويشير التقرير الوطني لحال التنمية البشرية في العراق 2008 الصادر عن وزارة التخطيط العراقية وبيت الحكمة. عام 2009 إلى أن مستوى المعيشة شهد تذبذباً كبيراً بسبب تذبذب أسعار النفط والمشكلات التي تعرض لها المجتمع، إذ شهد متوسط نصيب الفرد من الناتج القومي المحلي الإجمالي تحسناً ملحوظاً بعد سنة 2003 (بالأسعار الجارية) إلا أنه وبعد الأخذ في الاعتبار مستويات التضخم وتراجع الموازنة عن دعم أسعار الوقود والغذاء، فإن مستوى معيشة العراقيين سنة 2007 انخفض إلى مستواه الحقيقي بالأسعار الثابتة سنة 1980.
إن زيادة عائدات النفط في نهاية سبعينات القرن الماضي حققت إنجازاً في تحسين مستوى دخل الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، إذ بلغ 3812 دولاراً سنة 1980، ثم ما لبث أن انخفض نتيجة حرب الخليج الأولى في السنة نفسها، ولم يحتفظ بالإنجاز المتحقق، ثم في سنة 1990 تراجع مستوى المعيشة، حيث انخفض مستوى نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي ليصل إلى 180 دولاراً سنة 1994، ثم بدء يشهد ارتفاعاً متدرجاً ليصل إلى 770 دولاراً سنة 2002، وقد انخفض أثر حرب 2003 ليصل إلى 580 دولاراً ليبدأ بالتحسن تدريجياً، حيث وصل إلى 2840 دولاراً سنة 2007. وإزاء هذا المستوى من التذبذب في القدرة الشرائية بقيت أنماط الإنفاق الاستهلاكي الأسري تميل لصالح إشباع الحاجات الأساسية للفرد العراقي، فإذا تمكنت الحكومة الجديدة من أن تعالج ذلك فإنها ستحقق مكسباً سياسياً وثقافياً يفتح أمام العراق آفاقاً جديدة، فالنجاح في المجال الاقتصادي وتحقيق التنمية البشرية جعلها ملائمة للأهداف الإنمائية للألفية عام 2000 القائمة على أهدافها الثمانية وغاياتها الثماني عشرة ومؤشراتها الثماني والأربعين لتحقيقها في عام 2015 على مستوى العالم، والوصول إلى مرحلة جدية من تحقيق بعض تلك الأهداف والمؤشرات سيسجل للحكومة الجديدة نجاحاً مميزاً. ولا شك في أن تذليل الصعاب ممكن إذا علمنا أن العراق يملك قدرات فنية لتوفير بيانات وإحصائيات يمكن أن تكون قاعدة بيانات أساسية لتنفيذ خطة التنمية، مع الأخذ بالحسبان التحديات في مجالي البطالة والفقر، حيث إن معدل البطالة يصل إلى نسبة 38 في المائة حسب إحصائيات وزارة التخطيط سنة 2005. ويشير التقرير الوطني لحال التنمية المشار إليه إلى أن نتائج التشغيل والبطالة لسنة 2008 توضح أن معدل البطالة للفئة العمرية (15-24) سنة وصل إلى نسبة 30 في المائة، 30.1 في المائة للرجال و29.7 في المائة للنساء، فضلاً عن تحديات أخرى في مجال القطاعين الصناعي والخاص، إذ انعزلت الصناعة بدرجة كبيرة عن المساهمة في الاقتصاد الوطني، كما تعطل نشاط القطاع الخاص بشكل كبير أيضاً، ناهيك عن تدهور أحوال الزراعة، حتى باتت الأسواق العراقية تستقبل المنتوجات الزراعية من الدول المجاورة بعد أن كان القطاع الزراعي يسد الأسواق المحلية. إن النهوض بكل هذه الجوانب تحديات حقيقية تنتظر الحكومة المقبلة.
رابعاً: التحديات الاجتماعية
لا تقل التحديات الاجتماعية أهمية عن أهمية التحديات الأمنية والسياسية والاقتصادية، بل إن تلك التحديات مترابطة وهي كلها مرتبطة بالمشكلات السياسية في البلاد، إذ شهد قطاع التعليم والصحة والخدمات تراجعاً واضحاً وتدنياً مقلقاً في مستوياتها، وهو تحد حقيقي يطرح أمام الحكومة الجديدة، فهي مطالبة باستحضار كل التجارب الماضية لتجاوز السلبيات والبدء بعملية تنمية الجانب الاجتماعي الذي تقع عليه كل آثار التحديات الأخرى، وأن نجاح الحكومة في تطويق تلك الآثار يعد نجاحاً كبيراً في نقل البلاد إلى مرحلة جديدة من التطور والتغيير، وهو أمر بكل تأكيد سيترك انطباعاته الإيجابية على منظومة القيم الثقافية في المجتمع وتغير كثير من المفاهيم التي سادت خلال مرحلة الارتباك الوظيفي للدولة. ولا شك في أن حجم هذا التحدي كبير لأنه يتطلب إعادة مكانة الإنفاق على قطاعات التعليم والصحة والخدمات بطريقة تجعله يعيد توازنه ويؤدي وظائفه في حفظ توازن أنساق المجتمع المختلفة، إذ كان العراق خلال السبعينات مجتمعاً متماسكاً، وبدأ يعيش مرحلة من النهوض، حيث يشير التقرير الوطني لحال التنمية البشرية في العراق إلى أن الإنفاق على الصحة والتعليم والثقافة استأثر باهتمام الخطط التنموية منذ عام (1965-1980)، باعتباره إحدى أهم وسائل الاستثمار في رأس المال البشري.
فقد حظي الإنفاق على التعليم والصحة بنسبة 86.5 في المائة من تخصيصات الإنفاق الحكومي الاجتماعي (الخدمات الاجتماعية، كالصحة والتعليم والحماية الاجتماعية والدفاع والأمن والخدمات الأخرى التي تقدمها الحكومة للمجتمع) إلا أن هذا الإنفاق تأثر سلباً مع بداية الحرب العراقية-الإيرانية 1980، وقد استمرت وتيرة تهميش هذه القطاعات إبان حقبة التسعينات حتى الوقت الحاضر، كما تواجه الحكومة الجديدة تحديات أخرى في مجال الإسكان وتوفير الطاقة الكهربائية وتحسين شبكات الصرف الصحي، وأن هذه التحديات تزداد تعقيداً مع تفشي ظاهرة الفساد المالي والإداري في الدولة، مما يضاف إلى تحدياتها هذا التحدي الحيوي. لقد بات الإنسان العراقي اليوم يقبل بتحقيق قدر مقبول من المعيشة المريحة وتوفير الخدمات الأساسية، فقد ساد اعتقاد بأنه من غير الممكن أن يعيش الإنسان بحاجة إلى مثل تلك الخدمات وهو في بلد غني، ولاشك في أن قدرة الحكومة الجديدة على تحقيق قدر معقول من تلك النواحي ستساعد على استقرار المجتمع وإعادة تنظيمه الاجتماعي من جديد.
::/fulltext::
::cck::3072::/cck::
