السياسة النفطية في العراق بعد 2003 بين المحددات السياسية والأبعاد الاقتصادية

::cck::3083::/cck::
::introtext::

تتأتى أهمية السياسة الاقتصادية في كونها مجموعة من القواعد والأساليب والإجراءات والتدابير العملية التي تقوم بها الدولة، وتحكم قراراتها نحو تحقيق الأهداف الاقتصادية للاقتصاد القومي في ضوء الإمكانات المتاحة والظروف الموضوعية وخلال فترة زمنية معينة، كأن تكون لمدة سنة واحدة أو لبضع سنوات، وبالتالي لا يخرج مفهوم السياسة الاقتصادية عن كونها (أهدافاً وأدوات وزمناً). فضلاً عن كونها تعكس بلورة وتجسيداً للمبادئ أو الفلسفة التي توجه النشاط الاقتصادي لتحقيق الطموحات الاقتصادية.

::/introtext::
::fulltext::

تتأتى أهمية السياسة الاقتصادية في كونها مجموعة من القواعد والأساليب والإجراءات والتدابير العملية التي تقوم بها الدولة، وتحكم قراراتها نحو تحقيق الأهداف الاقتصادية للاقتصاد القومي في ضوء الإمكانات المتاحة والظروف الموضوعية وخلال فترة زمنية معينة، كأن تكون لمدة سنة واحدة أو لبضع سنوات، وبالتالي لا يخرج مفهوم السياسة الاقتصادية عن كونها (أهدافاً وأدوات وزمناً). فضلاً عن كونها تعكس بلورة وتجسيداً للمبادئ أو الفلسفة التي توجه النشاط الاقتصادي لتحقيق الطموحات الاقتصادية.
على الرغم من تباين المبادئ والمضامين الفكرية التي تعتمدها تجارب السياسات الاقتصادية استناداً إلى طبيعة وفلسفة النظام السياسي السائد في البلد والإمكانات والموارد الطبيعية (Natural Resources) المتاحة والبيئة المحيطة في كل تجربة داخلياً وإقليمياً ودولياً، فإنها في العراق قد أخذت مساراً مختلفاً في مضامينها الفكرية وتطبيقاتها العملية، كونها لم تندرج في ُسلم تطور الدولة الطبيعي، وإنما جاءت عقب الاحتلال الأمريكي للعراق بعد إبريل 2003، والذي أدى إلى إسقاط السلطة السياسية وتحطيم شامل لمؤسسات الدولة العراقية، ومن ثم الشروع بإعادة تشكيل سلطة سياسية وترميم مؤسسات الدولة القديمة، مما أضاف إلى تطبيقات السياسات الاقتصادية الجديدة في العراق في مختلف القطاعات، وخاصة في القطاع النفطي، أعباء مُضافة طيلة السنوات السبع الماضية.
* الإمكانات النفطية في العراق: تبلغُ الاحتياطيات النفطية من النفط الخام في العراق نحو (115) مليار برميل استناداً إلى الإحصاءات الرسمية العراقية، وبذلك يحتل العراق المرتبة الثالثة في العالم بعد المملكة العربية السعودية وإيران. وتعادل الاحتياطيات النفطية العراقية ستة أضعاف ما تمتلكه الدولة التي احتلته عسكرياً عام 2003 وهي الولايات المتحدة الأمريكية من النفط الخام، التي تبلغ احتياطياتها حالياً نحو (21) مليار برميل من النفط الخام فقط. كما يمتلك العراق (112) مليار قدم مكعبة من الغاز الطبيعي، ويحتل المرتبة العاشرة على المستوى العالمي في ميدان الاحتياطيات الغازية. وتعكس المعطيات الإحصائية آنفة الذكر الأرقام الرسمية الصادرة عن وزارة النفط العراقية والمعتمدة دولياً لدى منظمة الأقطار المصدرة للبترول (الأوبك)، وكذلك لدى وكالة معلومات الطاقة الأمريكية، ومنظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول (الأوابك)، وثمة أرقام أخرى سُجلت للاحتياطيات النفطية في العراق تُعادل ثلاثة أضعاف الأرقام المعلنة والمعتمدة دولياً بالوقت الحاضر.
وتتوزع الثروة النفطية في العراق على (81) حقلاً نفطياً، جرى تطوير (24) حقلاً منها ولا تزال (57) حقلاً من دون تطوير، وتتوزع جغرافياً في كافة محافظات العراق. وعلى سبيل المثال، يوجد في محافظة البصرة (15) حقلاً، وفي كركوك (6) حقول، وفي ميسان (11) حقلاً، وفي ذي قار (3) حقول، وفي نينوى (10) حقول، وفي أربيل (5) حقول، وفي صلاح الدين (5) حقول، وفي واسط (3) حقول، وفي ديالى (8) حقول، وحقلان في كربلاء، وحقل واحد في كل من بغداد والنجف والمثنى والأنبار.
كما يمتلك العراق ثلاثة حقول نفطية مُصنفة ضمن أكبر عشرين حقلاً نفطياً عملاقاً للغاية في العالم وهي: حقل الرُميلة في البصرة، وحقل شرقي بغداد، وحقل كركوك. وتبلغ احتياطيات كل واحد منها أكثر من عشرة مليارات برميل من النفط الخام. ويمتلك العراق أيضاً تسعة حقول نفطية عملاقة جداً تبلغ احتياطيات كل واحد منها خمسة مليارات برميل، إضافة إلى (22) حقلاً كبيراً تتجاوز احتياطيات كل واحد منها مليار برميل من النفط الخام.
* السياسات النفطية في العراق: تتجلى الأهمية الاستثنائية للسياسة النفطية في العراق في كونها العصب الذي يحرك مجمل القطاعات الاقتصادية الأخرى في الاقتصاد الوطني فتؤثر في اتجاهات تطورها وتتأثر بردود فعلها على نحو شديد الحساسية والخطورة، مما يتطلب سلسلة من الخطوات العملية لإرساء سياسة نفطية ذات جدوى اقتصادية وسياسية واجتماعية، وذلك من خلال إجراءات عديدة لعل أهمها الصناعات النفطية في العراق التي لا تزال متخلفة، ولدرجة أن العراق يعاني منذ سبع سنوات من أزمة اقتصادية تمثلت في نقص حاد للكميات المعروضة في الأسواق المحلية من المشتقات النفطية والتي باتت تشكل عبئاً يثقل ميزانية المواطن العراقي، وذلك لاعتبارات عديدة في مقدمتها تقادم مصافي النفط العراقية وعدم قدرتها على تلبية الاحتياجات المحلية. ولمعالجة ذلك باشرت وزارة النفط العراقية بإنفاق ما بين (200 -250) مليون دولار شهرياً، أي بتكلفة تصل إلى ثلاثة مليارات دولار سنوياً لاستيراد المشتقات النفطية من الدول المجاورة. وبالتالي فإن الفرص ربما تكون ضيقة في مثل ظروف العراق في الاختيار بين الجهد الوطني الصرف أو دعوة شركات الخدمات النفطية المتخصصة، أو دعوة الشركات العالمية، وتحت أي مسمى فليس أمام العراق سوى الاختيار من بين النماذج الشائعة في العالم من (عقود الامتياز، التراخيص، المشاركة في الإنتاج، الخدمة مع المخاطرة ومن دون مخاطرة، وإعادة الشراء… إلخ) ولكل نوع من هذه الأنواع خصائص ومتطلبات ومزايا ومساوئ قد تحقق للبلد مكاسب هائلة وربما تكلفه خسائر غير محدودة طبقاً للسياسات المطبقة، لكن يظل موضوع الإعداد العلمي والواقعي للاختيار بين أساليب وأدوات استثمار الثروات النفطية والغازية، وموضوعاً غير قابل للجدل، فضلاً عن كونه مطلباً ملحاً وعاجلاً لكل فئات الشعب العراقي مع مراعاة المصلحة الوطنية العليا في أي خطوة تتخذ في هذا المجال.
* المحددات السياسية: عقب احتلال العراق في إبريل 2003 فرضت القوات العسكرية الأمريكية سيطرتها على مبنى وزارة النفط العراقية، وحافظت على وثائقها دون غيرها من الوزارات العراقية، أعقبها قيام العراق بتصدير النفط طيلة السنوات من (2003 – 2010) كما أسلفنا آنفاً.
وعلى الرغم من إصدار مجلس النواب العراقي السابق والذي انتهت مهامه منذ 7/3/2010 العديد من القوانين طيلة السنوات الأربع الماضية، إلا أنه أخفق في إصدار قانون النفط والغاز، رغم عرض مسودة القانون المقترح على مجلس النواب لثلاث مرات ومع ذلك اعتمدت مسودة قانون النفط والغاز المقترح على عدة مواد في الدستور العراقي الجديد، وخاصة المواد (111 و112 و115)، وقد مثل التباين باختلاف تفسير مواد الدستور أول التحديات التي واجهت مسودة القانون الجديد، حول مسؤولية إدارة الحقول الحالية والمستقبلية من قبل الحكومة المركزية أو المحافظات.
وقد دأبت الحكومة العراقية السابقة خلال سنة 2009 على الشروع بما أطلق عليه اتفاقيات التراخيص (Licensing Agreement) وعبر جولتين من اتفاقيات التراخيص، الأولى، تمت في 30 يونيو 2009 والثانية في 12 ديسمبر 2009 تم بموجبهما توقيع عقود مع شركات نفطية أمريكية وأوروبية وروسية وصينية لاستثمار عشرة حقول نفطية كبيرة في مختلف مناطق العراق.
وسرعان ما دخلت جولات التراخيص إلى ميدان الخلافات السياسية في العراق، حيث تبنت الحكومة السابقة الدفاع وبقوة عن العقود التي وقعتها نتيجة لهذه الجولات متذرعة بكونها ستحقق زيادة في إنتاج النفط قدرها أربعة ملايين برميل يومياً وبشكل تدريجي، وأن العوائد المالية النفطية سوف تحقق على مدى السنوات العشرين المقبلة مبلغاً كبيراً يصل إلى تريليون و(300) مليار دولار أمريكي استناداً إلى سعر برميل نفطي مفترض يبلغ (40) دولاراً للبرميل الواحد، فيما رفض وانتقد هذه الإجراءات (استناداً لما نشرته الجزيرة نت في 15/7/2010) كل من نائب رئيس الجمهورية السابق طارق الهاشمي، وأعضاء في البرلمان السابق، وأبرزهم الدكتور جابر خليفة جابر، فيما قدم (23) خبيراً نفطياً عراقياً رسالة للسلطات العراقية اعتراضاً على هذه العقود وطلبوا تأجيل العمل بها، ووصفوها بكونها مقدمة لاحتلال العراق اقتصادياً ومجازفة رهنت من خلالها ثروة العراق النفطية لسنوات طويلة.
* الأبعاد الاقتصادية: تذبذبَ الإنتاج النفطي العراقي ما بين (1.5 – 1.9) مليون برميل يومياً بين عامي (2003 – 2005) فيما بلغت الصادرات منها (1.4) مليون برميل للمدة ذاتها، ثم انخفض الإنتاج إلى مليون برميل يومياً عام 2006، وعاود ارتفاعه إلى (1.8) مليون برميل يومياً في عامي (2007 – 2008)، فيما تجاوز مليوني برميل في عام 2009. وقد أسهمت الصادرات النفطية العراقية بالاحتفاظ بالمستوى المرتفع للعوائد النفطية والتي وصلت في سنة 2005 إلى (24) مليار دولار، ولترتفع في السنة التالية إلى (32) مليار دولار، كما أن زيادة العوائد المالية النفطية خلال سنتي (2005 – 2006) كانت في حقيقة الأمر بفعل عوامل خارجية تمثلت في الزيادة الكبيرة وغير المتوقعة في أسعار النفط في الأسواق الدولية والتي انعكست بشكل مباشر في زيادة العوائد الحكومية وتعزيز مركزها المالي، حيث وصلت عائدات البلاد من النفط الخام لعام 2007 إلى (39.8) مليار دولار. ونتيجة لزيادة صادرات العراق النفطية، التي بلغت (1.8) مليون برميل يومياً ولاستمرار ارتفاع أسعار النفط بالارتفاع، فقد بلغت العائدات النفطية خلال عام 2008 نحو (60) مليار دولار مما وفر للحكومة العراقية عوائد مالية مرتفعة أسهمت بتغطية جُل النفقات السنوية مع توفير جزء منها لاستغلاله لتغطية العجز في الميزانية السنوية لعام 2008.
وقد مثلت العائدات المالية النفطية العراقية نحو (95 في المائة) من موارد الموازنة السنوية للعراق طيلة السنوات (2005-2010)، حيث تدرجت أرقام الموازنة السنوية للعراق من (24) ملياراً عام 2005 إلى (30) ملياراً 2006 ثم انخفضت إلى (28) مليار دولار عام 2007 بسبب تراجع الصادرات النفطية جراء تدهور الوضع الأمني عام 2006. وعاودت ارتفاعها إلى (45) مليار دولار في عام 2008 وإلى (58) مليار دولار في عام 2009 ومن ثم إلى (67) مليار دولار في عام 2010.
وعلى أهمية أرقام العائدات المالية النفطية العراقية إلا أن التعامل مع هذه العائدات من قبل السلطات العراقية لا يزال مكبلاً بمجموعة من القرارات التي صدرت عن مجلس الأمن الدولي عقب دخول القوات الأمريكية واحتلالها للعراق في عام 2003، وكل هذه القرارات تؤكد بشكل أو آخر بقاء العراق تحت طائلة الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة. ومن أهم هذه القرارات، القرار 1482 لسنة 2003 والذي أكد أن العراق بلد محتل، وأن القوات الأمريكية فيه هي قوات محتلة، ويعني هذا أن الولايات المتحدة الأمريكية باعتبارها قوة محتلة ستكون هي المسؤولة عن حماية موارد وأموال وأصول البلد الذي تقوم باحتلاله في الداخل والخارج، وخاصة أن القرار المذكور تضمن ترتيبات محددة بشأن إيداع العائدات المالية المتأتية من مبيعات صادرات النفط والمنتجات النفطية العراقية والغاز الطبيعي في صندوق التنمية للعراق التابع للأمم المتحدة، كما تضمن ترتيبات أخرى بشأن قيام المجلس الدولي للمشورة والمراقبة برصد صندوق التنمية للعراق ومساعدة حكومة العراق على كفالة توخي الشفافية في استخدام موارد العراق النفطية.
ويتضح مما تقدم، أن السياسة النفطية في العراق، لا سيما ما يخص الموارد المالية النفطية كانت مُقيدة بقرارات مجلس الأمن الدولي والفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وقد انعكس ذلك سلباً على محدودية توسيع قنوات التحرك الاقتصادي في كافة المجالات، وخاصة القطاع النفطي. لذلك فإن السياسة النفطية في العراق ستبقى تدور بين اتجاهين الأول المحددات السياسية، والثاني الأبعاد الاقتصادية التي تستهدف استثمار الموارد المالية النفطية، وبما يخدم الاقتصاد العراقي بكافة قطاعاته، مما يتطلب من السلطات العراقية المختصة العمل ما بوسعها لإنهاء خضوع العراق لأحكام الفصل السابع لضمان استقراره السياسي والاقتصادي.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::3083::/cck::
::introtext::

تتأتى أهمية السياسة الاقتصادية في كونها مجموعة من القواعد والأساليب والإجراءات والتدابير العملية التي تقوم بها الدولة، وتحكم قراراتها نحو تحقيق الأهداف الاقتصادية للاقتصاد القومي في ضوء الإمكانات المتاحة والظروف الموضوعية وخلال فترة زمنية معينة، كأن تكون لمدة سنة واحدة أو لبضع سنوات، وبالتالي لا يخرج مفهوم السياسة الاقتصادية عن كونها (أهدافاً وأدوات وزمناً). فضلاً عن كونها تعكس بلورة وتجسيداً للمبادئ أو الفلسفة التي توجه النشاط الاقتصادي لتحقيق الطموحات الاقتصادية.

::/introtext::
::fulltext::

تتأتى أهمية السياسة الاقتصادية في كونها مجموعة من القواعد والأساليب والإجراءات والتدابير العملية التي تقوم بها الدولة، وتحكم قراراتها نحو تحقيق الأهداف الاقتصادية للاقتصاد القومي في ضوء الإمكانات المتاحة والظروف الموضوعية وخلال فترة زمنية معينة، كأن تكون لمدة سنة واحدة أو لبضع سنوات، وبالتالي لا يخرج مفهوم السياسة الاقتصادية عن كونها (أهدافاً وأدوات وزمناً). فضلاً عن كونها تعكس بلورة وتجسيداً للمبادئ أو الفلسفة التي توجه النشاط الاقتصادي لتحقيق الطموحات الاقتصادية.
على الرغم من تباين المبادئ والمضامين الفكرية التي تعتمدها تجارب السياسات الاقتصادية استناداً إلى طبيعة وفلسفة النظام السياسي السائد في البلد والإمكانات والموارد الطبيعية (Natural Resources) المتاحة والبيئة المحيطة في كل تجربة داخلياً وإقليمياً ودولياً، فإنها في العراق قد أخذت مساراً مختلفاً في مضامينها الفكرية وتطبيقاتها العملية، كونها لم تندرج في ُسلم تطور الدولة الطبيعي، وإنما جاءت عقب الاحتلال الأمريكي للعراق بعد إبريل 2003، والذي أدى إلى إسقاط السلطة السياسية وتحطيم شامل لمؤسسات الدولة العراقية، ومن ثم الشروع بإعادة تشكيل سلطة سياسية وترميم مؤسسات الدولة القديمة، مما أضاف إلى تطبيقات السياسات الاقتصادية الجديدة في العراق في مختلف القطاعات، وخاصة في القطاع النفطي، أعباء مُضافة طيلة السنوات السبع الماضية.
* الإمكانات النفطية في العراق: تبلغُ الاحتياطيات النفطية من النفط الخام في العراق نحو (115) مليار برميل استناداً إلى الإحصاءات الرسمية العراقية، وبذلك يحتل العراق المرتبة الثالثة في العالم بعد المملكة العربية السعودية وإيران. وتعادل الاحتياطيات النفطية العراقية ستة أضعاف ما تمتلكه الدولة التي احتلته عسكرياً عام 2003 وهي الولايات المتحدة الأمريكية من النفط الخام، التي تبلغ احتياطياتها حالياً نحو (21) مليار برميل من النفط الخام فقط. كما يمتلك العراق (112) مليار قدم مكعبة من الغاز الطبيعي، ويحتل المرتبة العاشرة على المستوى العالمي في ميدان الاحتياطيات الغازية. وتعكس المعطيات الإحصائية آنفة الذكر الأرقام الرسمية الصادرة عن وزارة النفط العراقية والمعتمدة دولياً لدى منظمة الأقطار المصدرة للبترول (الأوبك)، وكذلك لدى وكالة معلومات الطاقة الأمريكية، ومنظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول (الأوابك)، وثمة أرقام أخرى سُجلت للاحتياطيات النفطية في العراق تُعادل ثلاثة أضعاف الأرقام المعلنة والمعتمدة دولياً بالوقت الحاضر.
وتتوزع الثروة النفطية في العراق على (81) حقلاً نفطياً، جرى تطوير (24) حقلاً منها ولا تزال (57) حقلاً من دون تطوير، وتتوزع جغرافياً في كافة محافظات العراق. وعلى سبيل المثال، يوجد في محافظة البصرة (15) حقلاً، وفي كركوك (6) حقول، وفي ميسان (11) حقلاً، وفي ذي قار (3) حقول، وفي نينوى (10) حقول، وفي أربيل (5) حقول، وفي صلاح الدين (5) حقول، وفي واسط (3) حقول، وفي ديالى (8) حقول، وحقلان في كربلاء، وحقل واحد في كل من بغداد والنجف والمثنى والأنبار.
كما يمتلك العراق ثلاثة حقول نفطية مُصنفة ضمن أكبر عشرين حقلاً نفطياً عملاقاً للغاية في العالم وهي: حقل الرُميلة في البصرة، وحقل شرقي بغداد، وحقل كركوك. وتبلغ احتياطيات كل واحد منها أكثر من عشرة مليارات برميل من النفط الخام. ويمتلك العراق أيضاً تسعة حقول نفطية عملاقة جداً تبلغ احتياطيات كل واحد منها خمسة مليارات برميل، إضافة إلى (22) حقلاً كبيراً تتجاوز احتياطيات كل واحد منها مليار برميل من النفط الخام.
* السياسات النفطية في العراق: تتجلى الأهمية الاستثنائية للسياسة النفطية في العراق في كونها العصب الذي يحرك مجمل القطاعات الاقتصادية الأخرى في الاقتصاد الوطني فتؤثر في اتجاهات تطورها وتتأثر بردود فعلها على نحو شديد الحساسية والخطورة، مما يتطلب سلسلة من الخطوات العملية لإرساء سياسة نفطية ذات جدوى اقتصادية وسياسية واجتماعية، وذلك من خلال إجراءات عديدة لعل أهمها الصناعات النفطية في العراق التي لا تزال متخلفة، ولدرجة أن العراق يعاني منذ سبع سنوات من أزمة اقتصادية تمثلت في نقص حاد للكميات المعروضة في الأسواق المحلية من المشتقات النفطية والتي باتت تشكل عبئاً يثقل ميزانية المواطن العراقي، وذلك لاعتبارات عديدة في مقدمتها تقادم مصافي النفط العراقية وعدم قدرتها على تلبية الاحتياجات المحلية. ولمعالجة ذلك باشرت وزارة النفط العراقية بإنفاق ما بين (200 -250) مليون دولار شهرياً، أي بتكلفة تصل إلى ثلاثة مليارات دولار سنوياً لاستيراد المشتقات النفطية من الدول المجاورة. وبالتالي فإن الفرص ربما تكون ضيقة في مثل ظروف العراق في الاختيار بين الجهد الوطني الصرف أو دعوة شركات الخدمات النفطية المتخصصة، أو دعوة الشركات العالمية، وتحت أي مسمى فليس أمام العراق سوى الاختيار من بين النماذج الشائعة في العالم من (عقود الامتياز، التراخيص، المشاركة في الإنتاج، الخدمة مع المخاطرة ومن دون مخاطرة، وإعادة الشراء… إلخ) ولكل نوع من هذه الأنواع خصائص ومتطلبات ومزايا ومساوئ قد تحقق للبلد مكاسب هائلة وربما تكلفه خسائر غير محدودة طبقاً للسياسات المطبقة، لكن يظل موضوع الإعداد العلمي والواقعي للاختيار بين أساليب وأدوات استثمار الثروات النفطية والغازية، وموضوعاً غير قابل للجدل، فضلاً عن كونه مطلباً ملحاً وعاجلاً لكل فئات الشعب العراقي مع مراعاة المصلحة الوطنية العليا في أي خطوة تتخذ في هذا المجال.
* المحددات السياسية: عقب احتلال العراق في إبريل 2003 فرضت القوات العسكرية الأمريكية سيطرتها على مبنى وزارة النفط العراقية، وحافظت على وثائقها دون غيرها من الوزارات العراقية، أعقبها قيام العراق بتصدير النفط طيلة السنوات من (2003 – 2010) كما أسلفنا آنفاً.
وعلى الرغم من إصدار مجلس النواب العراقي السابق والذي انتهت مهامه منذ 7/3/2010 العديد من القوانين طيلة السنوات الأربع الماضية، إلا أنه أخفق في إصدار قانون النفط والغاز، رغم عرض مسودة القانون المقترح على مجلس النواب لثلاث مرات ومع ذلك اعتمدت مسودة قانون النفط والغاز المقترح على عدة مواد في الدستور العراقي الجديد، وخاصة المواد (111 و112 و115)، وقد مثل التباين باختلاف تفسير مواد الدستور أول التحديات التي واجهت مسودة القانون الجديد، حول مسؤولية إدارة الحقول الحالية والمستقبلية من قبل الحكومة المركزية أو المحافظات.
وقد دأبت الحكومة العراقية السابقة خلال سنة 2009 على الشروع بما أطلق عليه اتفاقيات التراخيص (Licensing Agreement) وعبر جولتين من اتفاقيات التراخيص، الأولى، تمت في 30 يونيو 2009 والثانية في 12 ديسمبر 2009 تم بموجبهما توقيع عقود مع شركات نفطية أمريكية وأوروبية وروسية وصينية لاستثمار عشرة حقول نفطية كبيرة في مختلف مناطق العراق.
وسرعان ما دخلت جولات التراخيص إلى ميدان الخلافات السياسية في العراق، حيث تبنت الحكومة السابقة الدفاع وبقوة عن العقود التي وقعتها نتيجة لهذه الجولات متذرعة بكونها ستحقق زيادة في إنتاج النفط قدرها أربعة ملايين برميل يومياً وبشكل تدريجي، وأن العوائد المالية النفطية سوف تحقق على مدى السنوات العشرين المقبلة مبلغاً كبيراً يصل إلى تريليون و(300) مليار دولار أمريكي استناداً إلى سعر برميل نفطي مفترض يبلغ (40) دولاراً للبرميل الواحد، فيما رفض وانتقد هذه الإجراءات (استناداً لما نشرته الجزيرة نت في 15/7/2010) كل من نائب رئيس الجمهورية السابق طارق الهاشمي، وأعضاء في البرلمان السابق، وأبرزهم الدكتور جابر خليفة جابر، فيما قدم (23) خبيراً نفطياً عراقياً رسالة للسلطات العراقية اعتراضاً على هذه العقود وطلبوا تأجيل العمل بها، ووصفوها بكونها مقدمة لاحتلال العراق اقتصادياً ومجازفة رهنت من خلالها ثروة العراق النفطية لسنوات طويلة.
* الأبعاد الاقتصادية: تذبذبَ الإنتاج النفطي العراقي ما بين (1.5 – 1.9) مليون برميل يومياً بين عامي (2003 – 2005) فيما بلغت الصادرات منها (1.4) مليون برميل للمدة ذاتها، ثم انخفض الإنتاج إلى مليون برميل يومياً عام 2006، وعاود ارتفاعه إلى (1.8) مليون برميل يومياً في عامي (2007 – 2008)، فيما تجاوز مليوني برميل في عام 2009. وقد أسهمت الصادرات النفطية العراقية بالاحتفاظ بالمستوى المرتفع للعوائد النفطية والتي وصلت في سنة 2005 إلى (24) مليار دولار، ولترتفع في السنة التالية إلى (32) مليار دولار، كما أن زيادة العوائد المالية النفطية خلال سنتي (2005 – 2006) كانت في حقيقة الأمر بفعل عوامل خارجية تمثلت في الزيادة الكبيرة وغير المتوقعة في أسعار النفط في الأسواق الدولية والتي انعكست بشكل مباشر في زيادة العوائد الحكومية وتعزيز مركزها المالي، حيث وصلت عائدات البلاد من النفط الخام لعام 2007 إلى (39.8) مليار دولار. ونتيجة لزيادة صادرات العراق النفطية، التي بلغت (1.8) مليون برميل يومياً ولاستمرار ارتفاع أسعار النفط بالارتفاع، فقد بلغت العائدات النفطية خلال عام 2008 نحو (60) مليار دولار مما وفر للحكومة العراقية عوائد مالية مرتفعة أسهمت بتغطية جُل النفقات السنوية مع توفير جزء منها لاستغلاله لتغطية العجز في الميزانية السنوية لعام 2008.
وقد مثلت العائدات المالية النفطية العراقية نحو (95 في المائة) من موارد الموازنة السنوية للعراق طيلة السنوات (2005-2010)، حيث تدرجت أرقام الموازنة السنوية للعراق من (24) ملياراً عام 2005 إلى (30) ملياراً 2006 ثم انخفضت إلى (28) مليار دولار عام 2007 بسبب تراجع الصادرات النفطية جراء تدهور الوضع الأمني عام 2006. وعاودت ارتفاعها إلى (45) مليار دولار في عام 2008 وإلى (58) مليار دولار في عام 2009 ومن ثم إلى (67) مليار دولار في عام 2010.
وعلى أهمية أرقام العائدات المالية النفطية العراقية إلا أن التعامل مع هذه العائدات من قبل السلطات العراقية لا يزال مكبلاً بمجموعة من القرارات التي صدرت عن مجلس الأمن الدولي عقب دخول القوات الأمريكية واحتلالها للعراق في عام 2003، وكل هذه القرارات تؤكد بشكل أو آخر بقاء العراق تحت طائلة الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة. ومن أهم هذه القرارات، القرار 1482 لسنة 2003 والذي أكد أن العراق بلد محتل، وأن القوات الأمريكية فيه هي قوات محتلة، ويعني هذا أن الولايات المتحدة الأمريكية باعتبارها قوة محتلة ستكون هي المسؤولة عن حماية موارد وأموال وأصول البلد الذي تقوم باحتلاله في الداخل والخارج، وخاصة أن القرار المذكور تضمن ترتيبات محددة بشأن إيداع العائدات المالية المتأتية من مبيعات صادرات النفط والمنتجات النفطية العراقية والغاز الطبيعي في صندوق التنمية للعراق التابع للأمم المتحدة، كما تضمن ترتيبات أخرى بشأن قيام المجلس الدولي للمشورة والمراقبة برصد صندوق التنمية للعراق ومساعدة حكومة العراق على كفالة توخي الشفافية في استخدام موارد العراق النفطية.
ويتضح مما تقدم، أن السياسة النفطية في العراق، لا سيما ما يخص الموارد المالية النفطية كانت مُقيدة بقرارات مجلس الأمن الدولي والفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وقد انعكس ذلك سلباً على محدودية توسيع قنوات التحرك الاقتصادي في كافة المجالات، وخاصة القطاع النفطي. لذلك فإن السياسة النفطية في العراق ستبقى تدور بين اتجاهين الأول المحددات السياسية، والثاني الأبعاد الاقتصادية التي تستهدف استثمار الموارد المالية النفطية، وبما يخدم الاقتصاد العراقي بكافة قطاعاته، مما يتطلب من السلطات العراقية المختصة العمل ما بوسعها لإنهاء خضوع العراق لأحكام الفصل السابع لضمان استقراره السياسي والاقتصادي.

::/fulltext::
::cck::3083::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *