الاقتصاد اليمني في مرحلة ما بعد النفط
::cck::1889::/cck::
::introtext::
حتى وقتنا الراهن، يمكن القول إن النفط في قاموس اقتصاد دولة نامية كاليمن يعني (العمود الفقري) لاقتصاد أنهكته الأزمات الاقتصادية والمالية والسياسية والأمنية، والتدهور في قطاع حيوي كهذا ينعكس بصورة مباشرة على أداء الاقتصاد الوطني بشكل عام، فما بالنا إذا بدأت تباشير نضوب هذا المورد الحيوي تلوح في الأفق. وبالتأكيد فإن عدداً من الأسئلة المهمة، ستتوالى تباعاً: هل فعلاً بدأ العد العكسي لنضوب النفط في اليمن؟ وهل هناك استعداد حقيقي لمواجهة تحديات مرحلة اقتصاد ما بعد النفط؟ وما هي البدائل المتاحة أمامنا للتكيّف مع تحديات هذه المرحلة؟
::/introtext::
::fulltext::
حتى وقتنا الراهن، يمكن القول إن النفط في قاموس اقتصاد دولة نامية كاليمن يعني (العمود الفقري) لاقتصاد أنهكته الأزمات الاقتصادية والمالية والسياسية والأمنية، والتدهور في قطاع حيوي كهذا ينعكس بصورة مباشرة على أداء الاقتصاد الوطني بشكل عام، فما بالنا إذا بدأت تباشير نضوب هذا المورد الحيوي تلوح في الأفق. وبالتأكيد فإن عدداً من الأسئلة المهمة، ستتوالى تباعاً: هل فعلاً بدأ العد العكسي لنضوب النفط في اليمن؟ وهل هناك استعداد حقيقي لمواجهة تحديات مرحلة اقتصاد ما بعد النفط؟ وما هي البدائل المتاحة أمامنا للتكيّف مع تحديات هذه المرحلة؟
إن المؤشرات والأرقام هي من ستحدثنا بذلك؛ فخلال السنوات الأخيرة تراجع الإنتاج النفطي لليمن بنسبة تتراوح بين 6 في المائة و8 في المائة سنوياً، وبالمثل تراجعت أسعاره، الأمر الذي ألقى بظلالٍ قاتمة على اقتصاد البلاد نظراً لما تمثله العائدات النفطية من أهمية اقتصادية ومالية كبرى؛ فنسبة عائدات النفط تقدر بـ 95 في المائة من مجمل عوائد التصدير و75 في المائة من إيرادات الموازنة، وتمثل نسبة مساهمته في مجمل الإنتاج المحلي حوالي 30 في المائة. ويمثل تناقص إنتاج النفط وخطر تقلبات السوق الدولية بفعل الأزمة المالية العالمية، تحدياً مزدوجاً بالنسبة للاقتصاد اليمني. فمستوى الإنتاج النفطي تقلص من 420 ألف برميل يومياً عام 2006 إلى 380 ألف برميل عام 2008، وتراوح تراجع إنتاجه العام الفائت ما بين 280 و300 ألف برميل في اليوم الواحد، في الوقت الذي انهارت فيه الأسعار بشكل كبير بدت مخاطره تلوح منذ مطلع العام الحالي 2010، حيث زادت الحكومة من أسعار الوقود بنسبة 14 في المائة بداية العام الحالي محاولةً رفع ملياريّ دولار من على كاهلها نتيجة دعم المشتقات النفطية كالديزل.
والمؤكد أن تراجع إنتاج النفط وتقلص عوائده بالتالي سيؤديان إلى زيادة حجم الضغوط المتوقعة على الموازنة العامة ويجعلانها عرضةً لعجز مالي غير مسبوق بعد أن حققت فائضاً نتيجة للارتفاع النسبي والمتصاعد في أسعار النفط خلال السنوات الثماني الماضية. وحسب تقرير رسمي أصدره البنك المركزي اليمني، فقد شهدت المديونية الخارجية لليمن ارتفاعاً مقداره 135 مليون دولار بنهاية عام 2009 مقارنة بالعام الذي سبقه، فيما شهد احتياطي اليمن من العملات الصعبة انخفاضاً مقداره 157 مليون دولار. وبناء على ذلك، يأتي تحذير الخبراء من أن التراجع في مخزون العملات الأجنبية نتيجة لتناقص إيرادات النفط وارتفاع المديونية سيؤدي إلى أضرار اقتصادية كبيرة قد تصل إلى حد إفلاس الميزانية العامة.
وعلى الرغم من وجود بارقة أمل لإنعاش ميزانية الدولة تتمثل في دخول اليمن نادي الدول المصدرة للغاز بدءاً من أواخر العام 2009، إلا أن الخبراء قللوا من أهمية ما يعلق من آمال على قطاع الغاز الناهض، خاصةً أن حصة الدولة منه تقل عن 17 في المائة، فيما تتقاسم الشركات الأجنبية بقية النسب. وتشير التوقعات الحكومية إلى أن اليمن سيتمكن من تحقيق مكاسب تقدر بما بين 30 و50 مليار دولار سنوياً على مدار دورة حياة المشروع التي تقدر ما بين 20 و25 سنة. ومع أن اليمن بحاجة ماسة إلى هذا الدخل، إلا أن صادراته للغاز لا تكفي لتغطية الانخفاض الحاد في مخزونات النفط في الوقت الذي يعيش ما يقرب من 40 في المائة من سكانه على أقل من دولارين يومياً. ومن المتوقع أن يتضاعف عدد السكان الذي يبلغ حالياً 23 مليوناً خلال عشر سنوات، مما يضيف عبئاً جديداً على كاهل الميزانية في المدى القريب. وحسب معهد كارنيغي للسلام الدولي (فإن زيادة المساعدات إلى اليمن، وليس فقط الدعم الأمني المتزايد ستساعد على منع انهيار الدولة، إلى جانب موازنة الخيارات الاقتصادية الصعبة التي يجب اتخاذها في اليمن بينما يستعد اقتصادها للانتقال إلى (اقتصاد ما بعد النفط)).
والمؤكد هنا أن زمن ما بعد النفط قادمٌ لا محالة، ليس في اليمن فحسب، بل في العالم أجمع، وما يؤكد ذلك حقيقة واضحة جداً وهي أن العالم يستخدم حالياً حوالي 27 مليار برميل من النفط سنوياً، لكننا نجد أن الاكتشافات في الحقول العالمية الجديدة أقل من 6 مليارات برميل من النفط سنوياً (أي أن حوالي 21 مليار برميل من النفط تستهلك سنوياً من المخزون العالمي المتراكم). وتبدو حقيقة أن الإنتاج العالمي من النفط سوف يتزايد ليصل إلى ذروته العظمى ثم يبدأ بالتناقص، صعبة الدحض اليوم وربما تكون عند البعض غير قابلة للنقاش.
وبالتطبيق على حالة اليمن، نجد أن سقف الإنتاج المحلي من النفط بلغ ذروته خلال تسعينات القرن الماضي، وبدأت مرحلة الانحدار مع حلول الألفية الثالثة، وهذا يقودنا إلى أن النفط اليمني – وفق الوتيرة الحالية، وبسبب عدم وجود استكشافات جديدة – سينضب حتماً حتى لو تضاربت آراء المراقبين حول تاريخ النضوب. ففي عام 2006 تنبأت الخبيرة الدولية في البنك الدولي، إيمان عقداوي، بأن النفط اليمني سينضب في عام 2011، في حين توقعت الحكومة اليمنية أنه سينفد في عام 2014، وهناك أيضاً توقعات بنفاده في 2018م أو 2019م. ويذكر البنك الدولي أنه بحلول عام 2017م لن تكسب الحكومة اليمنية أيّ دخلٍ من النفط، وهذا الواقع يستدعي من الحكومة أن تعمل من الآن، وأن تستعد لمواجهة مرحلة ما بعد النفط، لاسيما أن التحديات التي يواجهها اليمن حالياً لم تعد تنال الاستقرار المحلي فحسب، بل أيضاً الاستقرار الإقليمي والعالمي في آنٍ واحد، وإذا ما تركت دون حلول ناجعة، فإن تداعياتها السالبة ستصيب دول المنطقة ككل.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1889::/cck::
::introtext::
حتى وقتنا الراهن، يمكن القول إن النفط في قاموس اقتصاد دولة نامية كاليمن يعني (العمود الفقري) لاقتصاد أنهكته الأزمات الاقتصادية والمالية والسياسية والأمنية، والتدهور في قطاع حيوي كهذا ينعكس بصورة مباشرة على أداء الاقتصاد الوطني بشكل عام، فما بالنا إذا بدأت تباشير نضوب هذا المورد الحيوي تلوح في الأفق. وبالتأكيد فإن عدداً من الأسئلة المهمة، ستتوالى تباعاً: هل فعلاً بدأ العد العكسي لنضوب النفط في اليمن؟ وهل هناك استعداد حقيقي لمواجهة تحديات مرحلة اقتصاد ما بعد النفط؟ وما هي البدائل المتاحة أمامنا للتكيّف مع تحديات هذه المرحلة؟
::/introtext::
::fulltext::
حتى وقتنا الراهن، يمكن القول إن النفط في قاموس اقتصاد دولة نامية كاليمن يعني (العمود الفقري) لاقتصاد أنهكته الأزمات الاقتصادية والمالية والسياسية والأمنية، والتدهور في قطاع حيوي كهذا ينعكس بصورة مباشرة على أداء الاقتصاد الوطني بشكل عام، فما بالنا إذا بدأت تباشير نضوب هذا المورد الحيوي تلوح في الأفق. وبالتأكيد فإن عدداً من الأسئلة المهمة، ستتوالى تباعاً: هل فعلاً بدأ العد العكسي لنضوب النفط في اليمن؟ وهل هناك استعداد حقيقي لمواجهة تحديات مرحلة اقتصاد ما بعد النفط؟ وما هي البدائل المتاحة أمامنا للتكيّف مع تحديات هذه المرحلة؟
إن المؤشرات والأرقام هي من ستحدثنا بذلك؛ فخلال السنوات الأخيرة تراجع الإنتاج النفطي لليمن بنسبة تتراوح بين 6 في المائة و8 في المائة سنوياً، وبالمثل تراجعت أسعاره، الأمر الذي ألقى بظلالٍ قاتمة على اقتصاد البلاد نظراً لما تمثله العائدات النفطية من أهمية اقتصادية ومالية كبرى؛ فنسبة عائدات النفط تقدر بـ 95 في المائة من مجمل عوائد التصدير و75 في المائة من إيرادات الموازنة، وتمثل نسبة مساهمته في مجمل الإنتاج المحلي حوالي 30 في المائة. ويمثل تناقص إنتاج النفط وخطر تقلبات السوق الدولية بفعل الأزمة المالية العالمية، تحدياً مزدوجاً بالنسبة للاقتصاد اليمني. فمستوى الإنتاج النفطي تقلص من 420 ألف برميل يومياً عام 2006 إلى 380 ألف برميل عام 2008، وتراوح تراجع إنتاجه العام الفائت ما بين 280 و300 ألف برميل في اليوم الواحد، في الوقت الذي انهارت فيه الأسعار بشكل كبير بدت مخاطره تلوح منذ مطلع العام الحالي 2010، حيث زادت الحكومة من أسعار الوقود بنسبة 14 في المائة بداية العام الحالي محاولةً رفع ملياريّ دولار من على كاهلها نتيجة دعم المشتقات النفطية كالديزل.
والمؤكد أن تراجع إنتاج النفط وتقلص عوائده بالتالي سيؤديان إلى زيادة حجم الضغوط المتوقعة على الموازنة العامة ويجعلانها عرضةً لعجز مالي غير مسبوق بعد أن حققت فائضاً نتيجة للارتفاع النسبي والمتصاعد في أسعار النفط خلال السنوات الثماني الماضية. وحسب تقرير رسمي أصدره البنك المركزي اليمني، فقد شهدت المديونية الخارجية لليمن ارتفاعاً مقداره 135 مليون دولار بنهاية عام 2009 مقارنة بالعام الذي سبقه، فيما شهد احتياطي اليمن من العملات الصعبة انخفاضاً مقداره 157 مليون دولار. وبناء على ذلك، يأتي تحذير الخبراء من أن التراجع في مخزون العملات الأجنبية نتيجة لتناقص إيرادات النفط وارتفاع المديونية سيؤدي إلى أضرار اقتصادية كبيرة قد تصل إلى حد إفلاس الميزانية العامة.
وعلى الرغم من وجود بارقة أمل لإنعاش ميزانية الدولة تتمثل في دخول اليمن نادي الدول المصدرة للغاز بدءاً من أواخر العام 2009، إلا أن الخبراء قللوا من أهمية ما يعلق من آمال على قطاع الغاز الناهض، خاصةً أن حصة الدولة منه تقل عن 17 في المائة، فيما تتقاسم الشركات الأجنبية بقية النسب. وتشير التوقعات الحكومية إلى أن اليمن سيتمكن من تحقيق مكاسب تقدر بما بين 30 و50 مليار دولار سنوياً على مدار دورة حياة المشروع التي تقدر ما بين 20 و25 سنة. ومع أن اليمن بحاجة ماسة إلى هذا الدخل، إلا أن صادراته للغاز لا تكفي لتغطية الانخفاض الحاد في مخزونات النفط في الوقت الذي يعيش ما يقرب من 40 في المائة من سكانه على أقل من دولارين يومياً. ومن المتوقع أن يتضاعف عدد السكان الذي يبلغ حالياً 23 مليوناً خلال عشر سنوات، مما يضيف عبئاً جديداً على كاهل الميزانية في المدى القريب. وحسب معهد كارنيغي للسلام الدولي (فإن زيادة المساعدات إلى اليمن، وليس فقط الدعم الأمني المتزايد ستساعد على منع انهيار الدولة، إلى جانب موازنة الخيارات الاقتصادية الصعبة التي يجب اتخاذها في اليمن بينما يستعد اقتصادها للانتقال إلى (اقتصاد ما بعد النفط)).
والمؤكد هنا أن زمن ما بعد النفط قادمٌ لا محالة، ليس في اليمن فحسب، بل في العالم أجمع، وما يؤكد ذلك حقيقة واضحة جداً وهي أن العالم يستخدم حالياً حوالي 27 مليار برميل من النفط سنوياً، لكننا نجد أن الاكتشافات في الحقول العالمية الجديدة أقل من 6 مليارات برميل من النفط سنوياً (أي أن حوالي 21 مليار برميل من النفط تستهلك سنوياً من المخزون العالمي المتراكم). وتبدو حقيقة أن الإنتاج العالمي من النفط سوف يتزايد ليصل إلى ذروته العظمى ثم يبدأ بالتناقص، صعبة الدحض اليوم وربما تكون عند البعض غير قابلة للنقاش.
وبالتطبيق على حالة اليمن، نجد أن سقف الإنتاج المحلي من النفط بلغ ذروته خلال تسعينات القرن الماضي، وبدأت مرحلة الانحدار مع حلول الألفية الثالثة، وهذا يقودنا إلى أن النفط اليمني – وفق الوتيرة الحالية، وبسبب عدم وجود استكشافات جديدة – سينضب حتماً حتى لو تضاربت آراء المراقبين حول تاريخ النضوب. ففي عام 2006 تنبأت الخبيرة الدولية في البنك الدولي، إيمان عقداوي، بأن النفط اليمني سينضب في عام 2011، في حين توقعت الحكومة اليمنية أنه سينفد في عام 2014، وهناك أيضاً توقعات بنفاده في 2018م أو 2019م. ويذكر البنك الدولي أنه بحلول عام 2017م لن تكسب الحكومة اليمنية أيّ دخلٍ من النفط، وهذا الواقع يستدعي من الحكومة أن تعمل من الآن، وأن تستعد لمواجهة مرحلة ما بعد النفط، لاسيما أن التحديات التي يواجهها اليمن حالياً لم تعد تنال الاستقرار المحلي فحسب، بل أيضاً الاستقرار الإقليمي والعالمي في آنٍ واحد، وإذا ما تركت دون حلول ناجعة، فإن تداعياتها السالبة ستصيب دول المنطقة ككل.
::/fulltext::
::cck::1889::/cck::
