خصخصة الحرب وصفقات الحرب العالمية على الإرهاب
::cck::1196::/cck::
::introtext::
أصبحت تجارة المرتزقة وما يطلق عليها أمريكياً (صناعة الأمن) من الصفقات التجارية المربحة للغاية، وتفوق إيراداتها المالية حالياً مداخل النفط والذهب في العالم، خصوصاً بعدما ارتبطت هذه التجارة بمبررات وهمية صنعتها دوائر المخابرات والشركات الكبرى، السلاح، المرتزقة، المعدات، المعلومات، الفضاء..إلخ.
::/introtext::
::fulltext::
أصبحت تجارة المرتزقة وما يطلق عليها أمريكياً (صناعة الأمن) من الصفقات التجارية المربحة للغاية، وتفوق إيراداتها المالية حالياً مداخل النفط والذهب في العالم، خصوصاً بعدما ارتبطت هذه التجارة بمبررات وهمية صنعتها دوائر المخابرات والشركات الكبرى، السلاح، المرتزقة، المعدات، المعلومات، الفضاء..إلخ.
لقد أطلق على هذه التجارة (الحرب العالمية على الإرهاب) وبمنحى الراديكالي المتشدد المتسق بمفاهيم المحافظين الجدد في أمريكا، خصوصاً أن الشركات الكبرى باتت تسيطر وبشكل تام على مجريات ومقدرات صنع السياسة العالمية، وتتحكم في مصير الدول والأنظمة والشعوب، وسعت إلى فتح دول العالم على مصاريعها، واخترقت شعوبها وأنظمتها ومؤسساتها، وإعادة تشكيلها كما ترغب، وألغت بذلك مفاهيم الوطن والأمة والمنظومة القيمية والجيوش المهنية، وفق فلسفة خصخصة العنف والحرب، وباستخدام فوبيا القاعدة المزمنة، والتي لا يمكن حصر تواجدها وتنظيماتها والحدس بأفعالها، والتأكد من أنها تقف خلف ما تروج له وسائل الإعلام لتضخيم قدرتها (صناعة العدو)، وخصوصاً أننا نعيش اليوم عالم الاتصالات المتطور والتقنيات الرقمية الحديثة، وتسوده حمى الدعاية السياسية الإعلامية والمأجورة منها، وقد برزت جلياً في الاستراتيجيات الأمريكية الأخيرة تحت وصف (الفاعلين غير الحكوميين) وأبرزها القاعدة وحلفاؤها، وهنا تم اغتيال النظام الرسمي العالمي والمنظومة الوطنية، واخترقت كافة الحدود السياسية للدول، وأصبح العالم ميداناً حراً وسوقاً مفتوحة لشركات المرتزقة والمعلومات والإلكترونيات والسلاح، وبذلك تحافظ على البيئة الأمنية الاستراتيجية الدولية والإقليمية مضطربة ومتقدة لغرض ديمومة تجارتها وما تسميه (صناعة الأمن) لمحاربة الإرهاب.
خصخصة الحرب ? صفقة المحافظين الجدد
يعتبر رامسفيلد وتشيني عرابي الانهيار العالمي واندثار القيم العسكرية ومهنيتها وخصائصها، وذلك من خلال تبنيهما فلسفة خصخصة الحرب والعنف، وإشراك المرتزقة في الأعمال الحربية، خصوصاً في ما يتعلق بالعمليات الخاصة والاستخبارات والتحقيق والأسلحة المتطورة والخدمات اللوجستية الإدارية والاتصالات وغيرها، واقتصار الجندي على القتال فقط، وتعد هذه الفلسفة مدمرة للجيوش ونهجها المهني ومنظومتها التكاملية، وأضحت الجيوش بهذه الشاكلة تفكر بأن تقاتل من أجل المال لا من أجل العقيدة أو الدفاع عن تراب الوطن، وحصر الولاء للمالك والراعي والمتعهد بدلاً من الجيش ودولته، وقد جرى بالفعل إخضاع المؤسسة العسكرية الأمريكية لهذه الصفقات، خصوصاً بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، وقد تمخض عنها إبرام صفقتي حربي أفغانستان والعراق من قبل المحافظين الجدد في أكبر عملية نهب عرفها العالم، ففي حرب العراق جاء رامسفيلد بأكبر جيش للمقاولين من المرتزقة لم يسبق له مثيل، وقدر بما يقارب مائة ألف مرتزق، وأصبحت النسبة العاملة جندياً نظامياً واحداً يقابله مرتزق واحد، وقد اعتبر رامسفيلد رسمياً أن المقاولين جزء من الآلة الحربية الأمريكية، وبذلك أعلن الحرب على (البنتاغون) لتمهيد الطريق أمام استخدام القطاع الخاص في شن حروب أمريكا وكصفقة تجارية مربحة، واعتمدت سياسة البنتاغون الجديدة على القطاع الخاص، وتوسيع نطاق الأعمال السرية، وأنظمة الأسلحة المتطورة، واستخدام أكبر للقوات الخاصة والمقاولين، وصار يعرف بـ (عقيدة رامسفيلد) مما يلغي بيروقراطية الجيش المهنية التقليدية والضرورية، ويستبدلها بالرأسمالية لشركات السلاح والمرتزقة والمعلومات والمعدات… إلخ عبر استثمارها للحرب والقتل والمهام الخاصة، وهذا فتح المجال الواسع لاستخدام المرتزقة في كل مظهر من مظاهر الحرب بما في ذلك القتل باسم الدولة والجيش والنظام الرسمي الدولي.
وتولى ديك تشيني حليف رامسفيلد منصب وزير الدفاع إبان حرب الخليج 1991، وقد أعد دراسة عند ترؤسه شركة (هاليبرتون) حول كيفية خصخصة سريعة للعسكرية الأمريكية، علماً أن رامسفيلد وتشيني كانا عضوين أساسيين في (مشروع القرن الأمريكي الجديد) والذي طرحه اليمين المتشدد في أمريكا كتوصيف للحرب الأيديولوجية القادمة ضد العالم الإسلامي، وقد نشر مشروع القرن الأمريكي الجديد تقريراً سماه (إعادة بناء دفاعات أمريكا ?القوى والموارد للقرن الجديد)، واعترف التقرير بوضعه رؤية لإصلاح آلة الحرب الأمريكية إصلاحاً شاملاً كما يزعم، وهذا يتطلب حدثاً كارثياً أو محفزاً حربياً مثل (بيرل هاربر جديدة). وبالفعل بعد سنة شهد العالم أحداث 11 سبتمبر، ويبدو أنها جاءت محفزاً حربياً لهيكلة عقول الرأي العام وحشده حول صفقة (الحرب العالمية على الإرهاب)، ويعد تبريراً غير مسبوق للمضي قدماً في الأجندة الراديكالية التي وضعها العملاء السريون من المحافظين الجدد وممن تسلقوا السلطة في ظل إدارة بوش.
الهدف من صفقات الخصخصة
تميزت إدارة الرئيس السابق جورج بوش بتوزيع الأدوار والمناصب على المحافظين دعاة الحروب التجارية، وقد تكدس في البنتاغون عدد منهم ومن المؤدلجين بمفهوم الحروب الصليبية كمعبر لخلفياتهم المالية والمرتبطة بالشركات الكبرى، أمثال بول وولفويتز، ودوغلاس فيث، وزلماي خليل زاد، وستيفن كامبون، ومديرين تنفيذيين قدماء في الشركات المدمجة، وكثيرون منهم في شركات كبرى لصناعة الأسلحة أمثال نائب وزير الدفاع بيت الدريدج- شركة إيرو سبيس، ووزير الجيش توماس وايت-شركة انرون، ووزير البحرية غوردون انغلند -شركة جنرال داينميكس، ووزير سلاح الجو جيمس روش- شركة نورثروب غرامان، وجاءت القيادة المدنية الجديدة إلى البنتاغون بأهداف أساسية وهي:
1- تغير الأنظمة السياسية الدول الاستراتيجية.
2- تطبيق عملية الخصخصة واستخدام المصادر الأجنبية.
3- فتح سوق الشركات والاستثمار داخل المؤسسة الأمريكية كأسبقية أولى.
4- إلغاء فلسفة الدولة والنظام الرسمي الدولي وقيود القانون الدولي.
5- الانفتاح على دول الاهتمام الاستراتيجي وتوأمة بيئتها ومناخها لتصبح دولاً تابعة.
6- تمرير صفقة الحرب العالمية على الإرهاب كمبرر محوري لرواج صناعة الأمن.
7- قرصنة رؤوس الأموال الأمريكية على مقدرات أمريكا والعالم.
8- تعميم فلسفة تجزئة الحرب وخصخصة الموارد خارج مسارح الحركات.
9- خوض حروب دينية راديكالية تحت يافطة الحرب على الإرهاب.
(بلاكووتر) القسم الخامس في القوة الأمريكية الشاملة
تعد مجموعة شركات (بلاكووتر) جيشاً خاصاً مخيفاً وخطيراً، يسيطر عليه شخص واحد، هو الضابط في البحرية الأمريكية السابق إريك برنس، والملياردير الأمريكي المسيحي اليمني الراديكالي، ومتبني استراتيجية التشدد الديني والحرب على الإسلام، وهذه الشركة وصيفة الحرب العالمية على الإرهاب، وقد اتسعت مهامها وفعالياتها، وتغلغلت في المؤسسات الأمريكية، وخصوصاً دوائر صنع واتخاذ القرار في واشنطن، وتصنفها العقيدة العسكرية الأمريكية بالقسم الخامس في القدرة الأمريكية الشاملة بعد الجيش، البحرية، سلاح الجو، المارينز، بلاك ووتر.
تبلغ مساحة الشركة سبعة آلاف فدان في (مويوك – كارولينا الشمالية) وهي أوسع منشأة عسكرية خاصة بالعالم، تدرب فيها عشرات آلاف رجال الأمن الاتحاديين والمحليين في السنة، وكذلك قوات من دول خارجية تتعاقد معها أو ترتبط بمهام مشتركة تخضع لمعايير السياسة الخارجية الأمريكية ومهامها بالعالم.
وتحتفظ (بلاك ووتر) بسجل بياني لواحد وعشرين ألف عنصر سابق في القوات الخاصة، والجنود، وعملاء تطبيق النظام المتقاعدين، اللذين يمكن أن تستدعيهم في أي لحظة كجيش احتياط، وتمتلك (بلاك ووتر) أسطولاً خاصاً من عشرين طائرة، وكذلك الهليكوبتر الهجومية، وحوامات، وفرقة من مناطيد الرصد الصغيرة، وتدير الشركة فرقة استخبارات خاصة بها، وتعتمد الشركة في تعيين مديريها من كبار المسؤولين السابقين في الجيش والاستخبارات حصراً، وأن بعض مديريها التنفيذيين يتباهون بانتمائهم إلى (فرسان مالطة) ذات السيادة، وقد توسعت قاعدتها المادية كثيراً، وشرعت ببناء منشآت جديدة في كاليفورنيا (بلاكووتر وست) وفي (الينوي) (بلاكووتر نورث)، بالإضافة إلى منشأة تدريب في الأدغال بالفلبين، ولديها صندوق العمليات الأسود السري، والتي لا تكشف عن حقيقة وأسعار عقودها مع الحكومة الأمريكية ?وكالة الاستخبارات الأمريكية ? والشركات أو الأفراد والحكومات الأجنبية المتعاملة معها، وتستطيع مجموعة (بلاكووتر) أن تزعزع أنظمة وحكومات كثيرة في العالم، وتذكي صراعات ونزاعات عرقية وطائفية، وخصوصاً في العالمين العربي والإسلامي، وذلك عبر ما يسمى (الحركة) ضمن الحرب النفسية ولاحتكامها بمفاعيل القوة وتأثيرها في ميدان السياسة الدولية.

جيش سري فوق القانون في العراق
توسعت شركة (بلاكووتر) في العراق كثيراً، وفي عهد برايمر أتاح لها العمل وبحصانة قانونية، وقد أصدر برايمر السيئ الصيت القرار (17) في 28/6/2004، ويعطي بذلك حصانة من الملاحقة القانونية في العراق، في حين يخضع الجيش الأمريكي لمساءلة قانونية عسكرية تتعلق بقواعد الاشتباك، وهذا شجع على رواج سوق العراق للمرتزقة، وأضحت تلك الشركات قوة خفية خطيرة تتحكم في مقدرات العراق السياسية والاقتصادية والأمنية وكذلك العسكرية، حيث كلف العقيد توماس إكس ببناء الجيش الجديد بعد غزو العراق.
أصبح عدد شركات المرتزقة الأجنبية في العراق ما يقارب الـ 60 شركة وقد أسست (اتحاد الشركات الأمنية في العراق ?PSC)، ناهيك عن توسيع قدرتها المكتسبة وأذرعها، وتشكيل شركات بواجهات عراقية لتقوم بتجنيد الشعب الجائع للعمل في مجال الأمن السياسي لقوات الاحتلال الأمريكي في العراق، وبرواتب زهيدة تتراوح من (600 -800) دولار في الشهر، بينما يتقاضى المجند الأمريكي أو البريطاني 1200 دولار في اليوم. وهنا نقف أمام حقيقة تشير إلى أن تدمير وتجريف مؤسسات الدولة العراقية لم يكونا ذا طابع استراتيجي وعقائدي راديكالي فحسب، بل ذو منحى ربحي ارتزاقي، وذلك بخصخصة مؤسسات الدولة العراقية، وإعادة بنائها بعقود مليارية، وبلغ إنفاق وتكاليف تشكيل القوات المسلحة الحالية وعملها طيلة السبع سنوات ما يزيد على تريليون دولار. وتعد تلك الترتيبات من أبجديات الأمن السلبي لديمومة حمى الإرهاب وفوبيا القاعدة، التي لم تكن موجودة أصلاً في العراق قبل غزوه، وقد أصبحت هذه التجارة الرائجة ووقودها الشعوب والمجتمعات والدول، وتستنزف ثوراتها وفق فلسفة الخوف وصناعة التخويف، خصوصاً إذا علمنا أن مرتكزات الاستراتيجيات الأمريكية الثلاثة (العسكرية- النووية- الأمن القومي) عاملها المشترك محاربة ما تسميه (الفاعلين غير الحكوميين) والقاعدة والإرهاب، مما يؤكد هيمنة هذه الشركات على مقدرات السياسة الداخلية والخارجية الأمريكية، وكان آخر مقترح للبنتاغون مطالبة بتشكيل جيش صغير في العراق لحماية الوجود السياسي الأمريكي بعد (ترقيع) القطعات أو انسحاب جزء منها وفقاً لتوقيت المناورة بالقطعات من العراق إلى أفغانستان، أو في حالة إتمام صفقة التقاطع الإقليمي للولاية على العراق وفق رقع محسوبة ضمن (المهارشة) الاستراتيجية في المنطقة.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1196::/cck::
::introtext::
أصبحت تجارة المرتزقة وما يطلق عليها أمريكياً (صناعة الأمن) من الصفقات التجارية المربحة للغاية، وتفوق إيراداتها المالية حالياً مداخل النفط والذهب في العالم، خصوصاً بعدما ارتبطت هذه التجارة بمبررات وهمية صنعتها دوائر المخابرات والشركات الكبرى، السلاح، المرتزقة، المعدات، المعلومات، الفضاء..إلخ.
::/introtext::
::fulltext::
أصبحت تجارة المرتزقة وما يطلق عليها أمريكياً (صناعة الأمن) من الصفقات التجارية المربحة للغاية، وتفوق إيراداتها المالية حالياً مداخل النفط والذهب في العالم، خصوصاً بعدما ارتبطت هذه التجارة بمبررات وهمية صنعتها دوائر المخابرات والشركات الكبرى، السلاح، المرتزقة، المعدات، المعلومات، الفضاء..إلخ.
لقد أطلق على هذه التجارة (الحرب العالمية على الإرهاب) وبمنحى الراديكالي المتشدد المتسق بمفاهيم المحافظين الجدد في أمريكا، خصوصاً أن الشركات الكبرى باتت تسيطر وبشكل تام على مجريات ومقدرات صنع السياسة العالمية، وتتحكم في مصير الدول والأنظمة والشعوب، وسعت إلى فتح دول العالم على مصاريعها، واخترقت شعوبها وأنظمتها ومؤسساتها، وإعادة تشكيلها كما ترغب، وألغت بذلك مفاهيم الوطن والأمة والمنظومة القيمية والجيوش المهنية، وفق فلسفة خصخصة العنف والحرب، وباستخدام فوبيا القاعدة المزمنة، والتي لا يمكن حصر تواجدها وتنظيماتها والحدس بأفعالها، والتأكد من أنها تقف خلف ما تروج له وسائل الإعلام لتضخيم قدرتها (صناعة العدو)، وخصوصاً أننا نعيش اليوم عالم الاتصالات المتطور والتقنيات الرقمية الحديثة، وتسوده حمى الدعاية السياسية الإعلامية والمأجورة منها، وقد برزت جلياً في الاستراتيجيات الأمريكية الأخيرة تحت وصف (الفاعلين غير الحكوميين) وأبرزها القاعدة وحلفاؤها، وهنا تم اغتيال النظام الرسمي العالمي والمنظومة الوطنية، واخترقت كافة الحدود السياسية للدول، وأصبح العالم ميداناً حراً وسوقاً مفتوحة لشركات المرتزقة والمعلومات والإلكترونيات والسلاح، وبذلك تحافظ على البيئة الأمنية الاستراتيجية الدولية والإقليمية مضطربة ومتقدة لغرض ديمومة تجارتها وما تسميه (صناعة الأمن) لمحاربة الإرهاب.
خصخصة الحرب ? صفقة المحافظين الجدد
يعتبر رامسفيلد وتشيني عرابي الانهيار العالمي واندثار القيم العسكرية ومهنيتها وخصائصها، وذلك من خلال تبنيهما فلسفة خصخصة الحرب والعنف، وإشراك المرتزقة في الأعمال الحربية، خصوصاً في ما يتعلق بالعمليات الخاصة والاستخبارات والتحقيق والأسلحة المتطورة والخدمات اللوجستية الإدارية والاتصالات وغيرها، واقتصار الجندي على القتال فقط، وتعد هذه الفلسفة مدمرة للجيوش ونهجها المهني ومنظومتها التكاملية، وأضحت الجيوش بهذه الشاكلة تفكر بأن تقاتل من أجل المال لا من أجل العقيدة أو الدفاع عن تراب الوطن، وحصر الولاء للمالك والراعي والمتعهد بدلاً من الجيش ودولته، وقد جرى بالفعل إخضاع المؤسسة العسكرية الأمريكية لهذه الصفقات، خصوصاً بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، وقد تمخض عنها إبرام صفقتي حربي أفغانستان والعراق من قبل المحافظين الجدد في أكبر عملية نهب عرفها العالم، ففي حرب العراق جاء رامسفيلد بأكبر جيش للمقاولين من المرتزقة لم يسبق له مثيل، وقدر بما يقارب مائة ألف مرتزق، وأصبحت النسبة العاملة جندياً نظامياً واحداً يقابله مرتزق واحد، وقد اعتبر رامسفيلد رسمياً أن المقاولين جزء من الآلة الحربية الأمريكية، وبذلك أعلن الحرب على (البنتاغون) لتمهيد الطريق أمام استخدام القطاع الخاص في شن حروب أمريكا وكصفقة تجارية مربحة، واعتمدت سياسة البنتاغون الجديدة على القطاع الخاص، وتوسيع نطاق الأعمال السرية، وأنظمة الأسلحة المتطورة، واستخدام أكبر للقوات الخاصة والمقاولين، وصار يعرف بـ (عقيدة رامسفيلد) مما يلغي بيروقراطية الجيش المهنية التقليدية والضرورية، ويستبدلها بالرأسمالية لشركات السلاح والمرتزقة والمعلومات والمعدات… إلخ عبر استثمارها للحرب والقتل والمهام الخاصة، وهذا فتح المجال الواسع لاستخدام المرتزقة في كل مظهر من مظاهر الحرب بما في ذلك القتل باسم الدولة والجيش والنظام الرسمي الدولي.
وتولى ديك تشيني حليف رامسفيلد منصب وزير الدفاع إبان حرب الخليج 1991، وقد أعد دراسة عند ترؤسه شركة (هاليبرتون) حول كيفية خصخصة سريعة للعسكرية الأمريكية، علماً أن رامسفيلد وتشيني كانا عضوين أساسيين في (مشروع القرن الأمريكي الجديد) والذي طرحه اليمين المتشدد في أمريكا كتوصيف للحرب الأيديولوجية القادمة ضد العالم الإسلامي، وقد نشر مشروع القرن الأمريكي الجديد تقريراً سماه (إعادة بناء دفاعات أمريكا ?القوى والموارد للقرن الجديد)، واعترف التقرير بوضعه رؤية لإصلاح آلة الحرب الأمريكية إصلاحاً شاملاً كما يزعم، وهذا يتطلب حدثاً كارثياً أو محفزاً حربياً مثل (بيرل هاربر جديدة). وبالفعل بعد سنة شهد العالم أحداث 11 سبتمبر، ويبدو أنها جاءت محفزاً حربياً لهيكلة عقول الرأي العام وحشده حول صفقة (الحرب العالمية على الإرهاب)، ويعد تبريراً غير مسبوق للمضي قدماً في الأجندة الراديكالية التي وضعها العملاء السريون من المحافظين الجدد وممن تسلقوا السلطة في ظل إدارة بوش.
الهدف من صفقات الخصخصة
تميزت إدارة الرئيس السابق جورج بوش بتوزيع الأدوار والمناصب على المحافظين دعاة الحروب التجارية، وقد تكدس في البنتاغون عدد منهم ومن المؤدلجين بمفهوم الحروب الصليبية كمعبر لخلفياتهم المالية والمرتبطة بالشركات الكبرى، أمثال بول وولفويتز، ودوغلاس فيث، وزلماي خليل زاد، وستيفن كامبون، ومديرين تنفيذيين قدماء في الشركات المدمجة، وكثيرون منهم في شركات كبرى لصناعة الأسلحة أمثال نائب وزير الدفاع بيت الدريدج- شركة إيرو سبيس، ووزير الجيش توماس وايت-شركة انرون، ووزير البحرية غوردون انغلند -شركة جنرال داينميكس، ووزير سلاح الجو جيمس روش- شركة نورثروب غرامان، وجاءت القيادة المدنية الجديدة إلى البنتاغون بأهداف أساسية وهي:
1- تغير الأنظمة السياسية الدول الاستراتيجية.
2- تطبيق عملية الخصخصة واستخدام المصادر الأجنبية.
3- فتح سوق الشركات والاستثمار داخل المؤسسة الأمريكية كأسبقية أولى.
4- إلغاء فلسفة الدولة والنظام الرسمي الدولي وقيود القانون الدولي.
5- الانفتاح على دول الاهتمام الاستراتيجي وتوأمة بيئتها ومناخها لتصبح دولاً تابعة.
6- تمرير صفقة الحرب العالمية على الإرهاب كمبرر محوري لرواج صناعة الأمن.
7- قرصنة رؤوس الأموال الأمريكية على مقدرات أمريكا والعالم.
8- تعميم فلسفة تجزئة الحرب وخصخصة الموارد خارج مسارح الحركات.
9- خوض حروب دينية راديكالية تحت يافطة الحرب على الإرهاب.
(بلاكووتر) القسم الخامس في القوة الأمريكية الشاملة
تعد مجموعة شركات (بلاكووتر) جيشاً خاصاً مخيفاً وخطيراً، يسيطر عليه شخص واحد، هو الضابط في البحرية الأمريكية السابق إريك برنس، والملياردير الأمريكي المسيحي اليمني الراديكالي، ومتبني استراتيجية التشدد الديني والحرب على الإسلام، وهذه الشركة وصيفة الحرب العالمية على الإرهاب، وقد اتسعت مهامها وفعالياتها، وتغلغلت في المؤسسات الأمريكية، وخصوصاً دوائر صنع واتخاذ القرار في واشنطن، وتصنفها العقيدة العسكرية الأمريكية بالقسم الخامس في القدرة الأمريكية الشاملة بعد الجيش، البحرية، سلاح الجو، المارينز، بلاك ووتر.
تبلغ مساحة الشركة سبعة آلاف فدان في (مويوك – كارولينا الشمالية) وهي أوسع منشأة عسكرية خاصة بالعالم، تدرب فيها عشرات آلاف رجال الأمن الاتحاديين والمحليين في السنة، وكذلك قوات من دول خارجية تتعاقد معها أو ترتبط بمهام مشتركة تخضع لمعايير السياسة الخارجية الأمريكية ومهامها بالعالم.
وتحتفظ (بلاك ووتر) بسجل بياني لواحد وعشرين ألف عنصر سابق في القوات الخاصة، والجنود، وعملاء تطبيق النظام المتقاعدين، اللذين يمكن أن تستدعيهم في أي لحظة كجيش احتياط، وتمتلك (بلاك ووتر) أسطولاً خاصاً من عشرين طائرة، وكذلك الهليكوبتر الهجومية، وحوامات، وفرقة من مناطيد الرصد الصغيرة، وتدير الشركة فرقة استخبارات خاصة بها، وتعتمد الشركة في تعيين مديريها من كبار المسؤولين السابقين في الجيش والاستخبارات حصراً، وأن بعض مديريها التنفيذيين يتباهون بانتمائهم إلى (فرسان مالطة) ذات السيادة، وقد توسعت قاعدتها المادية كثيراً، وشرعت ببناء منشآت جديدة في كاليفورنيا (بلاكووتر وست) وفي (الينوي) (بلاكووتر نورث)، بالإضافة إلى منشأة تدريب في الأدغال بالفلبين، ولديها صندوق العمليات الأسود السري، والتي لا تكشف عن حقيقة وأسعار عقودها مع الحكومة الأمريكية ?وكالة الاستخبارات الأمريكية ? والشركات أو الأفراد والحكومات الأجنبية المتعاملة معها، وتستطيع مجموعة (بلاكووتر) أن تزعزع أنظمة وحكومات كثيرة في العالم، وتذكي صراعات ونزاعات عرقية وطائفية، وخصوصاً في العالمين العربي والإسلامي، وذلك عبر ما يسمى (الحركة) ضمن الحرب النفسية ولاحتكامها بمفاعيل القوة وتأثيرها في ميدان السياسة الدولية.

جيش سري فوق القانون في العراق
توسعت شركة (بلاكووتر) في العراق كثيراً، وفي عهد برايمر أتاح لها العمل وبحصانة قانونية، وقد أصدر برايمر السيئ الصيت القرار (17) في 28/6/2004، ويعطي بذلك حصانة من الملاحقة القانونية في العراق، في حين يخضع الجيش الأمريكي لمساءلة قانونية عسكرية تتعلق بقواعد الاشتباك، وهذا شجع على رواج سوق العراق للمرتزقة، وأضحت تلك الشركات قوة خفية خطيرة تتحكم في مقدرات العراق السياسية والاقتصادية والأمنية وكذلك العسكرية، حيث كلف العقيد توماس إكس ببناء الجيش الجديد بعد غزو العراق.
أصبح عدد شركات المرتزقة الأجنبية في العراق ما يقارب الـ 60 شركة وقد أسست (اتحاد الشركات الأمنية في العراق ?PSC)، ناهيك عن توسيع قدرتها المكتسبة وأذرعها، وتشكيل شركات بواجهات عراقية لتقوم بتجنيد الشعب الجائع للعمل في مجال الأمن السياسي لقوات الاحتلال الأمريكي في العراق، وبرواتب زهيدة تتراوح من (600 -800) دولار في الشهر، بينما يتقاضى المجند الأمريكي أو البريطاني 1200 دولار في اليوم. وهنا نقف أمام حقيقة تشير إلى أن تدمير وتجريف مؤسسات الدولة العراقية لم يكونا ذا طابع استراتيجي وعقائدي راديكالي فحسب، بل ذو منحى ربحي ارتزاقي، وذلك بخصخصة مؤسسات الدولة العراقية، وإعادة بنائها بعقود مليارية، وبلغ إنفاق وتكاليف تشكيل القوات المسلحة الحالية وعملها طيلة السبع سنوات ما يزيد على تريليون دولار. وتعد تلك الترتيبات من أبجديات الأمن السلبي لديمومة حمى الإرهاب وفوبيا القاعدة، التي لم تكن موجودة أصلاً في العراق قبل غزوه، وقد أصبحت هذه التجارة الرائجة ووقودها الشعوب والمجتمعات والدول، وتستنزف ثوراتها وفق فلسفة الخوف وصناعة التخويف، خصوصاً إذا علمنا أن مرتكزات الاستراتيجيات الأمريكية الثلاثة (العسكرية- النووية- الأمن القومي) عاملها المشترك محاربة ما تسميه (الفاعلين غير الحكوميين) والقاعدة والإرهاب، مما يؤكد هيمنة هذه الشركات على مقدرات السياسة الداخلية والخارجية الأمريكية، وكان آخر مقترح للبنتاغون مطالبة بتشكيل جيش صغير في العراق لحماية الوجود السياسي الأمريكي بعد (ترقيع) القطعات أو انسحاب جزء منها وفقاً لتوقيت المناورة بالقطعات من العراق إلى أفغانستان، أو في حالة إتمام صفقة التقاطع الإقليمي للولاية على العراق وفق رقع محسوبة ضمن (المهارشة) الاستراتيجية في المنطقة.
::/fulltext::
::cck::1196::/cck::
