القدرات النووية الإسرائيلية.. بين الموقفين الأمريكي والعربي

::cck::774::/cck::
::introtext::

فرضت جائزة نوبل للسلام‏،‏ التي مُنحت عام 2009 للرئيس الأمريكي باراك أوباما، قيوداً أخلاقية لكي يمضي قدماً في الاتجاه الذي يخدم الأغراض التي حصل من أجلها على الجائزة، وعلى الأخص منها دعمه لإيجاد عالم خال من أسلحة الدمار الشامل‏. وبحسب الإشارة الواردة في تقرير لجنة نوبل إلى انحياز أوباما إلى عالم خال من أسلحة الدمار الشامل، وأنه ملتزم بنزع شامل للسلاح النووي في العالم، من خلال المصادقة على معاهدة الحظر التام للتجارب النووية، وتقليص الترسانات النووية الموجودة بما فيها الترسانة الأمريكية، وإقامة نظام جديد لوقف إنتاج المواد النووية.

::/introtext::
::fulltext::

فرضت جائزة نوبل للسلام‏،‏ التي مُنحت عام 2009 للرئيس الأمريكي باراك أوباما ، قيوداً أخلاقية لكي يمضي قدماً في الاتجاه الذي يخدم الأغراض التي حصل من أجلها على الجائزة، وعلى الأخص منها دعمه لإيجاد عالم خال من أسلحة الدمار الشامل‏. وبحسب الإشارة الواردة في تقرير لجنة نوبل إلى انحياز أوباما إلى عالم خال من أسلحة الدمار الشامل، وأنه ملتزم بنزع شامل للسلاح النووي في العالم، من خلال المصادقة على معاهدة الحظر التام للتجارب النووية، وتقليص الترسانات النووية الموجودة بما فيها الترسانة الأمريكية، وإقامة نظام جديد لوقف إنتاج المواد النووية.

 جاءت الجائزة خصيصاً عقب رئاسة أوباما لجلسة مجلس الأمن في سبتمبر 2009‏،‏ وعرضه لمشروع قرار حظي بتأييد وترحيب جماعي من أعضاء المجلس‏،‏ وحمل الرقم (‏1887‏)، ويقضي بالحد من انتشار الأسلحة النووية ونزعها‏، ولعل ذلك أصبح يستدعي من إدارة أوباما بحث الملف النووي، وبصفة خاصة البرنامج النووي الإسرائيلي.

 وبقدر ما أثار صدور هذا القرار من تفاؤل خاصة لدى الدول العربية‏،‏ وفي مقدمتها دول مجلس التعاون الخليجي ومصر،‏ التي دعت إلى جعل منطقة الشرق الأوسط خالية من أسلحة الدمار الشامل‏،‏ بقدر ما أصاب هذه الدول بالإحباط عقب نشر صحيفة‏‏ (واشنطن تايمز‏) الأمريكية أنباء عن تعهد الرئيس الأمريكي باراك أوباما خلال استقباله رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو في واشنطن مايو ‏2009‏، بتغطية برنامج إسرائيل النووي وحمايته‏،‏ بعد أيام قليلة من تزعم أوباما الدعوة لنزع الأسلحة النووية‏.

‏كما يأتي ذلك التفاهم الأمريكي – الإسرائيلي بعد أيام قليلة من نجاح المجموعة العربية خلال المؤتمر السنوي الثالث والخمسين للوكالة الدولية للطاقة الذرية، والذي عقد في سبتمبر 2009، في دفع الوكالة عبر التصويت لتبني مشروعي قرارين في شأن قضايا الانتشار النووي، والقرار الأول بعنوان‏ (القدرات النووية الإسرائيلية) الذي تقدمت به المجموعة العربية، ويطالب إسرائيل صراحة بالانضمام إلى معاهدة حظر الانتشار النووي‏،‏ وفتح منشآتها النووية أمام المفتشين الدوليين‏،‏ وحظي مشروع القرار العربي في جلسة التصويت بتأييد 49 دولة، فيما رفضته 45 دولة، وامتنعت 16 دولة عن التصويت. أما القرار الثاني فقد قدمته مصر، ويقضي بفرض نظام الضمانات الدولية في الشرق الأوسط‏،‏ وحظي بتأييد ‏103‏ دول وامتناع ‏4‏ دول عن التصويت من بينها الولايات المتحدة والهند‏، وهو ما اعتبرته الدول العربية بمثابة نقطة تحول محورية في إعادة صياغة دور المجتمع الدولي تجاه هذه القضايا.

 وبذلك يبقى الرهان على انحياز أوباما بشكل جدي يصعب التعويل عليه‏،‏ خاصة تجاه قضية الانتشار النووي في الشرق الأوسط‏،‏ وبتحديد أكثر قضية الأسلحة النووية الإسرائيلية في ظل حمى الانشغال الأمريكي والإسرائيلي بما يسمونه الخطر النووي الإيراني‏.‏

 الموقف الأمريكي من قدرات إسرائيل النووية

منذ مجيء إدارة أوباما، كانت لدى إسرائيل مخاوف من إمكانية أن تطال نيته بالعمل على تفكيك الأسلحة النووية في العالم التفاهمات الأمريكية-الإسرائيلية السابقة، وظلّ الوضع قيد الترقّب حتى 5 مايو 2009، حين دعت نائبة وزيرة الخارجية الأمريكية (روز غوتمولر) كلاً من إسرائيل والهند وباكستان وكوريا الشمالية إلى دعـم معاهدة حظر الانتشار النووي. إزاء ذلك، ثارت عاصفة في إسرائيل، واعتبر هذا التصريح بمثابة (تحول درامي) في سياسة الولايات المتحدة تجاه برنامجها النووي، وأنه يشكل تطوراً خطيراً، مفاجئاً ومقلقاً، خاصة أنه لم يسبق أن طلب الأمريكيون ذلك، ولم يتم التنسيق مع الإسرائيليين بشكل مسبق حوله.

 وقيل إن مجرد ذكر اسم إسرائيل في قائمة الدول التي لديها سلاح نووي، مثل الهند وباكستان وكوريا الشمالية، يشكل خروجاً على التزام السياسة الأمريكية الرسمية التي طالما أيدت الغموض الإسرائيلي في الموضوع النووي.

 لكن بعد أن عملت آلة الضغط الإسرائيلية، لم يطل وقت الإعلان عن توضيحات أمريكية تبطل عملياً مفعول تصريحات غوتمولر، فبعد يومين من صدوره، أبرزت صحيفة (يديعوت أحرونوت) في 7 مايو 2009، تصريحاً لمسؤول أمريكي كبير مفاده أن الانضمام إلى معاهدة منع الانتشار النووي لن يمس بإسرائيل، ولن يوقع أي ضرر بالمصالح الإسرائيلية. كما أوضحت إدارة أوباما أنها افترضت أن مطالبة انضمام إسرائيل إلى المعاهدة ستسهل ممارسة الضغط على إيران كي توقف برنامجها النووي، كما تكررت الإشارة إلى أن الولايات المتحدة تعترف بالوضع الاستثنائي لكل من إسرائيل والهند وباكستان، التي تعتبر كلها اليوم دولاً حليفة مهمة لها.

 فضلاً عن أن الرئيس أوباما تعهد بالحفاظ على أمن إسرائيل، وهو لا ينوي (إغلاق ديمونة)، أكدت وزيرة خارجيته هيلاري كلينتون، خلال مقابلة مع شبكة (ABC) الأمريكية في 8 يونيو 2009، (أن سياسة الإدارة الأمريكية تعتبر أن هجوماً نووياً إيرانياً على إسرائيل بمثابة هجوم على الولايات المتحدة)، وكانت هذه هي المرة الأولى التي تعلن فيها الوزيرة كلينتون هذا الالتزام، والمرة الأولى أيضاً التي تتحول فيها المظلة النووية الأمريكية لإسرائيل إلى سياسة معلنة، خاصة في ظل تهديد إيران بإزالة إسرائيل من خريطة العالم. وعلى هذا المنوال من الدعم الأمريكي، شهد شهر سبتمبر 2009، قيام إسرائيل والولايات المتحدة بالتوقيع على اتفاقية لزيادة التنسيق بينهما في قضية الأمن النووي، وقعها كل من المدير العام لهيئة الطاقة الذرية الإسرائيلية، شاؤول حوريف، والمدير العام لمديرية الإشراف على أمان الأفران الذرية الأمريكية ديل كلاين، ويمنح الاتفاق الجديد فرصة لإسرائيل للاطلاع على معظم المعلومات والترتيبات والتكنولوجيا الأكثر تطوراً في الولايات المتحدة الأمريكية في مجال الحفاظ على الأسلحة النووية. ومع أن هذا الاتفاق تقني إلا أن أبعاده مهمة جداً لإسرائيل، لأن العديد من الدول ترفض التعاون معها في مجال الذرة، بسبب رفضها التوقيع على معاهدة منع الانتشار النووي.

 وعلى الرغم من كل أشكال التطمينات والدعم التي تقدمها الولايات المتحدة الأمريكية، عبر الإسرائيليون عن خشيتهم من أن الولايات المتحدة قد تتعهد لإيران بأنه إذا ما تخلت عن برنامجها النووي، فإنها ستحصل على تعهد إسرائيلي بالتوقيع على معاهدة منع الانتشار النووي.

 ثم حدثت نقلة نوعية في الموقف الأمريكي، عبر تصريحات ثلاثة مسؤولين أمريكيين، نقلتها صحيفة (واشنطن تايمز) 2 أكتوبر 2009، أكدوا فيها أن الرئيس أوباما قرر (عدم تغيير سياسة الضبابية النووية لإسرائيل)، وجدد التزامه بسياسة الإدارات السابقة بالحفاظ على سرية البرنامج النووي الإسرائيلي، وعدم توقيع (الدولة العبرية) لمعاهدة منع الانتشار النووي، خلال اجتماعه مع نتنياهو في البيت الأبيض في مايو 2009. كما نقلت الصحيفة عن أحد المصادر في مجلس الشيوخ الأمريكي قوله (ما يعنيه هذا أن الرئيس قدم التزامات بأنه سياسياً لا خيار له سوى التسليم في ما يتعلق ببرنامج إسرائيل النووي).

 ووفقاً لذلك، فإن هذا الالتزام يثير التساؤل حول جدية الرئيس أوباما في الحد من نشر الأسلحة النووية في العالم، وقد يقوض مصداقية مبادرته بإيجاد عالم خال من الأسلحة النووية، من دون الحديث عن أنه يصطدم بالجهود الأمريكية لتفعيل معاهدتي الحظر التام للتجارب النووية وإنتاج المواد النووية. علاوة على ذلك، سوف تجد إدارة أوباما صعوبة في تفسير لماذا تحظى إيران بمعاملة أمريكية ودولية متصلبة، بينما تعفى إسرائيل من مسؤولية إخفاء ما يجري في منشأة (ديمونة) وسواها، ومن تبعة امتلاكها نحو 200 رأس نووي، حسب المنشورات الدولية.

 ويطمح الإسرائيليون إلى أن توفر هذه الإجراءات العسكرية الأمريكية الدرع الصاروخية البديلة إلى الدرع الصاروخية الأمريكية التي تم إلغاء نشرها في أوروبا الشرقية‏،‏ وأن تعزز قوة إسرائيل وتترجم لديها تعزيزاً للثقة بالنفس‏،‏ وطمأنتها في المواجهة‏،‏ خاصة في ظل الاستعدادات الإسرائيلية لتلقي ضربة إيرانية مضادة في حالة قيام إسرائيل منفردة‏‏ أو بالتعاون مع الولايات المتحدة بشن غارات على المنشآت النووية الإيرانية بغرض تدميرها‏.‏

 قدرات إسرائيل النووية والضعف العربي

اعتبرت المجموعة العربية تمكنها من تمرير مشروعي القرارين إنجازاً تاريخياً، على الرغم من كونهما غير ملزمين خاصة مشروع قرارها في شأن القدرات النووية الإسرائيلية، وأجمعت على أنه يحتسب لوحدة الموقف العربي، حيث كانت المجموعة العربية تكتفي في السابق ومنذ عام 1992، بطرح الموضوع كبند على جدول أعمال مؤتمرات الوكالة، وتوافق على الاكتفاء ببيان من رئيس المؤتمر، يعرب عن القلق بسبب هذه القدرات والمخاطر الناجمة عنها، ومن ثم يكتفي بطرح البند على جدول أعمال المؤتمر الذي يليه حتى عام 2008.

 لكن الأمر اختلف هذا العام خاصة أن الكثيرين ضاقوا ذرعاً من سياسة (الكيل بمكيالين) التي تتبناها الولايات المتحدة تجاه إسرائيل، حيث تقوم إسرائيل والولايات المتحدة كل عام بمحاولة عرقلة التصويت على مشروع القرار من خلال الضغط على الدول الغربية للتصويت ضد مشروعي القرارين، وأيضاً من خلال إقناع المجموعة العربية بالتخلي عن المشروعين، مما يمثل استثناءً لإسرائيل طوال الأعوام الماضية، ولعل هذا كان الدافع وراء تقديم مجموعة الدول العربية مشروعي القرارين هذا العام، وإصرارها على عدم جعل إسرائيل حالة استثنائية في هذا الأمر، في حين انضمت كافة دول المنطقة إلى المعاهدة، وأخضعت كافة منشآتها وأنشطتها النووية إلى رقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

 ومما يثير الدهشة في ظل مواقف الولايات المتحدة وبعض الدول الغربية مجدداً سياساتها ذات المعايير المزدوجة التي تنتهجها في ما يتعلق بالمسائل النووية والأمنية في الشرق الأوسط، حيث تركز واشنطن والدول الأوروبية على البرنامج النووي الإيراني منذ الغزو الأمريكي البريطاني للعراق، وتطالب طهران بالتخلي عن أنشطتها النووية الحساسة وتغض البصر عن البرنامج النووي الإسرائيلي، مما قد يجعل بعض دول المنطقة تفكر وتسعى إلى امتلاك سلاح نووي مقابل للسلاح الإسرائيلي الذي يحظى بحصانة غير مبررة من المساءلة الدولية.

 والغريب أيضاً، أن إسرائيل تُعبر من خلال الوكالة، وبمنتهى الانزعاج، عن قلقها من مخاطر الانتشار، في إشارة منها إلى طهران النووية في المنطقة، وهو أمر يمثل بلا شك استهتاراً بالنظام الدولي برمته، ثقة منها بأنها لا تخضع لحساب أو عقاب. والذي لا تريد الولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول الغربية فهمه هو أن الأمن والاستقرار لن يتحققا في المنطقة إلا إذا انضمت إسرائيل أسوة ببقية دول المنطقة إلى المعاهدة، كما أن استمرار هذا الوضع سيؤدي إلى مزيد من الخلل في أمن المنطقة واستقرارها وسيدخلها في سباق تسلح وخيم العواقب.

 كما تتعمد إسرائيل دائماً عند الإشارة إلى قدراتها النووية، وفي مجال انفرادها بالسلاح النووي في المنطقة، خلط الأوراق وإيهام العالم بأن مصادر الخطر على الأمن الإسرائيلي لا تنحصر بجيرانها العرب فحسب، بل من دول أبعد جغرافياً عنها مثل إيران وباكستان لتصل حتى إلى كوريا الشمالية، والزعم بأن احتكارها للسلاح النووي هو الكفيل بتحقيق ما أسمته الاستقرار السياسي والأمني في المنطقة، والأساس لضمان استمرار التسويات (السلمية) للصراع العربي-الإسرائيلي.‏ وهو ما أشار إليه السفير الإسرائيلي لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية، إسرائيل ميخائيل، عقب التصويت على مشروع قرار المجموعة العربية، عن استيائه من تبني القرار، وأكد في جلسة التصويت أن الدول المؤيدة له لن تستفيد شيئاً، وأن بلاده غير ملزمة بتنفيذه، ملمحاً إلى وجود دول في منطقة الشرق الأوسط لا تزال قيد التحقيق والتحري في شأن امتلاكها للسلاح الذري، كما رهن امتثال إسرائيل لمطلب المجموعة العربية بتغيير سياستها أولاً تجاه إسرائيل، والاعتراف بها والحوار معها قبل الخوض في مسائل من هذا النوع.

 وما يزيد من الإحساس بالانزعاج لدى الدول العربية أنها سعت على مدى أكثر من ثلاثة عقود إلى جعل الشرق الأوسط منطقة خالية من الأسلحة النووية، وبذلت جهوداً حثيثة لذلك، وأطلقت عدداً من المبادرات على الساحة الدولية، وعلى الرغم من صدور العديد من القرارات الدولية، التي تؤكد ضرورة تطبيق نظام الضمانات الشاملة في المنطقة، وتطالب إسرائيل بالانضمام إلى معاهدة منع الانتشار النووي، فإن آليات التنفيذ على الساحة الدولية مازالت غائبة، مما يجعل العمل على عدم الاستمرار في التغاضي عن هذه القضية في الوكالة أمراً ملحاً باعتبارها مسألة في صميم اختصاص الوكالة.

 وفي ظل السند الخارجي لإسرائيل والذي تتلقاه من قبل الغرب ولا سيما الولايات المتحدة الأمريكية، والانقسام والانشقاق والتشرذم في الصف العربي وعدم قدرة القادة العرب على اتخاذ قرار استراتيجي تاريخي بالشروع بالحصول على أسلحة مقابلة تحقق توازن الرعب الإقليمي في المنطقة، تبقى القوة النووية الإسرائيلية مصدر قوة وردع بيد إسرائيل التي استطاعت من خلالها أن تفرض واقعاً سياسياً واقتصادياً في المنطقة يصب في خدمتها ويؤمّن مصالحها، وفي ظل انتظار امتلاك العرب وسائل الردع المقابل، أو إجبار المجتمع الدولي إسرائيل على التخلي عن ترسانتها النووية، والتوقيع على معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية، وخضوع منشآتها النووية لتفتيش المراقبين الدوليين، يبقى العرب تحت رحمة السلاح النووي الإسرائيلي في ظل الدعم الأمريكي والغربي المطلق وفي غياب أية ضمانات أمنية دولية في مستوى الطموحات العربية.‏

 أما بخصوص القرار الخاص بتطبيق الضمانات الشاملة للوكالة على كافة المنشآت النووية في الشرق الأوسط الذي قدمته مصر وأقرته الوكالة الدولية للطاقة الذرية فإن الباحث يرى أن وجود أسلحة نووية لدى أطراف إقليمية في الشرق الأوسط يهدد أمن واستقرار الدول المجاورة التي لا تمتلك أسلحة الردع النووي‏،‏ حيث هناك تهديد إسرائيلي نووي قائم بالفعل وتهديد نووي محتمل من إيران‏،‏ كما أن احتمال التهديد النووي من إحدى الدول النووية الأخرى لا يمكن استبعاده‏،‏ هذا يعني أننا بحاجة فعلية إلى تطبيق قرارات مجلس الأمن وقرارات المؤتمر العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية في ما يخص الحد من انتشار الأسلحة النووية سواء لإسرائيل أو إيران‏.‏ فقوة الردع النووي لإسرائيل لا يختلف عليها أحد، لكن إيران بقرارها الأخير برفع الستار عن منشأة نووية ثانية لتخصيب اليورانيوم رآه البعض يشكل خطورة وتحدياً بمواصلة إنتاج الطاقة النووية والذي يمكن أن يتيح الطريق في مرحلة لاحقة إلى تصنيع القنبلة الذرية‏،‏ خاصة مع تصريحات زعماء إيران بأن طهران لا تنوي تعليق تخصيب اليورانيوم‏.‏

 السلاح النووي في الشرق الأوسط وازدواجية المعايير

أمام هذه التطورات تجد الدول العربية نفسها في مأزق في ظل الإصرار الإسرائيلي على فرض الحل العسكري للبرنامج النووي الايراني‏،‏ والتداعيات الخطيرة التي يمكن أن تحدث نتيجة للجوء إلى هذا الحل على صعيد المصالح العربية‏،‏ وعلى صعيد توازن القوى الإقليمي‏، وأيضاً في ظل ازدواجية المعايير التي ينتهجها الغرب في ما يتعلق بالمسائل النووية والأمنية في الشرق الأوسط، ومع اقتراب موعد انعقاد المؤتمر الدولي لمراجعة معاهدة حظر الانتشار النووي في مايو 2010‏،‏ ستكون قد مضت خمس عشرة سنة على قبول الدول العربية الموافقة على تمديد العمل بهذه المعاهدة‏،‏ من دون أن يتحقق الوعد الذي قدمته الدول الغربية للدول العربية عند التمديد،‏ وهو توقيع إسرائيل على معاهدة حظر الانتشار النووي وفتح منشآتها أمام المفتشين الدوليين‏.‏

 وفي ظل ازدواجية المعايير التي ينتهجها الغرب في ما يتعلق بالمسائل النووية والأمنية في الشرق الأوسط فقد نتج عنها العديد من المعطيات أهمها:

1- إن وجود إسرائيل في المنطقة، وهي تحوز ما يقرب من مائتي رأس نووي وترفض التوقيع على اتفاقية منع الانتشار، يعني ببساطة انهيار أية محاولة لوضع قواعد عادلة للسلم والأمن في المنطقة برمتها، لأن استئثار إسرائيل بهذا السلاح على حساب جيرانها إنما هو محاولة ليست للردع وإنما للإرهاب والتخويف أيضاً، فالدولة العبرية تريد أن تمتلك ميزات تنفرد بها لترويع الجيران وابتلاع حقوق الآخرين وإقامة الدولة اليهودية وفقاً لشروطها بغض النظر عن سلامة الإقليم واستقراره.

 2- إن سياسة ازدواج المعايير والكيل بمكيالين للدول الغربية، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية، تبدو واضحة تماماً في المجال النووي، إذ جرى غزو العراق لمجرد الاشتباه في وجود أسلحة دمار شامل لديه ومن بينها السلاح النووي، وثبت في ما بعد أن ذلك كان ادعاء مغلوطاً دفعت به إسرائيل ومن يدعمونها من أجل تحطيم العراق وإخراجه من معادلة القوة العربية وتأمين الحديقة الخلفية للكيان العبري، كما أن الأمر ذاته يتكرر الآن مع إيران – رغم اختلاف السيناريو نتيجة لاختلاف الظروف والأسباب – ورغم تحفظنا الموضوعي على حيازة إيران سلاحاً نووياً، وليس برنامجاً سلمياً فقط، وذلك لأسباب تتصل بمبدأ إخلاء منطقة الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل، فإننا نرى أن الذين يحاولون تفجير المنطقة لإيقاف البرنامج النووي الإيراني هم أنفسهم الذين يغضون الطرف عن البرنامج النووي العسكري الإسرائيلي الذي بدأ منذ الخمسينات في القرن العشرين بدعم فرنسي في البداية.

 3- هناك مقولة تتردد على نطاق واسع تروج للتخويف من الخطر النووي الإيراني المقبل، وتتناسى تماماً الخطر النووي الإسرائيلي القائم، وهذه مغالطة خطيرة يسعى بها الغرب إلى شد الأنظار العربية عن الترسانة النووية الإسرائيلية وتوجيهها نحو الدولة الفارسية. ونحن بهذه المناسبة لا نعفي إيران من وجود أجندة لديها تسعى إلى الهيمنة والسيطرة كما لا يمكن التقليل من تأثيرها ونتائجها إلا أننا نرى في الوقت ذاته أن إسرائيل هي الخطر الرئيس الموجود فعلاً، أما إيران فهي تمثل خطراً ثانوياً محتملاً.

 4- إن الخطرين الإسرائيلي والإيراني – رغم الاختلاف الكبير بينهما من حيث نوعية البرنامجين ودرجة تأثيرهما – يمثلان تهديداً محتملاً للمنطقة بأسرها وليس لدول الخليج وحدها، إذ إنه فضلاً عن احتمالات مخاطر الأمان النووي، إلا أن الخطر الأكبر يأتي من احتمال الاستخدام النووي في منطقة ملتهبة سياسياً ومتوترة استراتيجياً وغير مستقرة على امتداد العقود الأخيرة.

 5- إن إسرائيل التي حاولت في السنوات الأخيرة تسريب معلومات غير مؤكدة وبطريقة غير مباشرة عن برنامجها النووي إنما تسعى فعلاً إلى استخدامه سياسياً كمصدر للتخويف والتحذير تجاه دول الجوار، كما أنها تبعث برسالة إلى دول الإقليم مؤداها أنها لا تنفي ولا تؤكد ما لديها وتترك الأمر للحدس والتخمين إمعاناً في التخويف ومغالاة في الإرهاب.

 6- لا تبدو العلاقات العربية – الإيرانية في أفضل حالاتها بسبب ما جرى ويجري في العراق وما جرى ويجري في لبنان وغيرهما، وقد أصبحت تمثل عبئاً على منطقة الشرق الأوسط وتنشر روح الشك بين أطرافها، لذلك لم يكن مستغرباً أن تتجه المنطقة إلى حالة من الترقب لمعرفة نتائج التصعيد الظاهري والتهدئة الحقيقية في الوقت نفسه بين أطراف الصراع في المنطقة مع إدخال البعد النووي كعنصر حاكم فيها، خصوصاً في ظل تنامي المخاوف من انتشار الدور الإيراني على امتداد المنطقة العربية ونجاحه في إحداث عملية اختراق في بعضها قد تكون لها نتائجها على مستقبل الإقليم برمته.

 ونخلص من هذه المعطيات إلى أنه من الصعب على الدول العربية قبول التمديد أو التجديد لمعاهدة حظر الانتشار النووي في ظل الإصرار الإسرائيلي المدعوم أمريكياً،‏ والرافض لإخضاع القدرات النووية الإسرائيلية للتفتيش الدولي‏،‏ وتفعيل القرارين الأخيرين الصادرين عن الوكالة الدولية للطاقة الذرية بمبادرتين عربيتين‏،‏ وفي ظل صعوبة رفض التمديد بما يعني التراجع الضمني عن استراتيجية جعل الشرق الأوسط منطقة خالية من السلاح النووي‏،‏ فهل يلجأ العرب إلى الخيار البديل الاضطراري وهو التوجه نحو امتلاك قدرات نووية حقيقية؟

 سؤال صعب، لكن لا خيار أمام العرب من الإجابة عنه‏،‏ وتحمل تبعات تلك الإجابة‏،‏ بعد أن أصبح التعويل على استراتيجية منع الانتشار النووي تعويلاً على سراب أكثر منه تعويلاً على واقع‏.‏

::/fulltext::

issrael-f3b
Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::774::/cck::
::introtext::

فرضت جائزة نوبل للسلام‏،‏ التي مُنحت عام 2009 للرئيس الأمريكي باراك أوباما، قيوداً أخلاقية لكي يمضي قدماً في الاتجاه الذي يخدم الأغراض التي حصل من أجلها على الجائزة، وعلى الأخص منها دعمه لإيجاد عالم خال من أسلحة الدمار الشامل‏. وبحسب الإشارة الواردة في تقرير لجنة نوبل إلى انحياز أوباما إلى عالم خال من أسلحة الدمار الشامل، وأنه ملتزم بنزع شامل للسلاح النووي في العالم، من خلال المصادقة على معاهدة الحظر التام للتجارب النووية، وتقليص الترسانات النووية الموجودة بما فيها الترسانة الأمريكية، وإقامة نظام جديد لوقف إنتاج المواد النووية.

::/introtext::
::fulltext::

فرضت جائزة نوبل للسلام‏،‏ التي مُنحت عام 2009 للرئيس الأمريكي باراك أوباما ، قيوداً أخلاقية لكي يمضي قدماً في الاتجاه الذي يخدم الأغراض التي حصل من أجلها على الجائزة، وعلى الأخص منها دعمه لإيجاد عالم خال من أسلحة الدمار الشامل‏. وبحسب الإشارة الواردة في تقرير لجنة نوبل إلى انحياز أوباما إلى عالم خال من أسلحة الدمار الشامل، وأنه ملتزم بنزع شامل للسلاح النووي في العالم، من خلال المصادقة على معاهدة الحظر التام للتجارب النووية، وتقليص الترسانات النووية الموجودة بما فيها الترسانة الأمريكية، وإقامة نظام جديد لوقف إنتاج المواد النووية.

 جاءت الجائزة خصيصاً عقب رئاسة أوباما لجلسة مجلس الأمن في سبتمبر 2009‏،‏ وعرضه لمشروع قرار حظي بتأييد وترحيب جماعي من أعضاء المجلس‏،‏ وحمل الرقم (‏1887‏)، ويقضي بالحد من انتشار الأسلحة النووية ونزعها‏، ولعل ذلك أصبح يستدعي من إدارة أوباما بحث الملف النووي، وبصفة خاصة البرنامج النووي الإسرائيلي.

 وبقدر ما أثار صدور هذا القرار من تفاؤل خاصة لدى الدول العربية‏،‏ وفي مقدمتها دول مجلس التعاون الخليجي ومصر،‏ التي دعت إلى جعل منطقة الشرق الأوسط خالية من أسلحة الدمار الشامل‏،‏ بقدر ما أصاب هذه الدول بالإحباط عقب نشر صحيفة‏‏ (واشنطن تايمز‏) الأمريكية أنباء عن تعهد الرئيس الأمريكي باراك أوباما خلال استقباله رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو في واشنطن مايو ‏2009‏، بتغطية برنامج إسرائيل النووي وحمايته‏،‏ بعد أيام قليلة من تزعم أوباما الدعوة لنزع الأسلحة النووية‏.

‏كما يأتي ذلك التفاهم الأمريكي – الإسرائيلي بعد أيام قليلة من نجاح المجموعة العربية خلال المؤتمر السنوي الثالث والخمسين للوكالة الدولية للطاقة الذرية، والذي عقد في سبتمبر 2009، في دفع الوكالة عبر التصويت لتبني مشروعي قرارين في شأن قضايا الانتشار النووي، والقرار الأول بعنوان‏ (القدرات النووية الإسرائيلية) الذي تقدمت به المجموعة العربية، ويطالب إسرائيل صراحة بالانضمام إلى معاهدة حظر الانتشار النووي‏،‏ وفتح منشآتها النووية أمام المفتشين الدوليين‏،‏ وحظي مشروع القرار العربي في جلسة التصويت بتأييد 49 دولة، فيما رفضته 45 دولة، وامتنعت 16 دولة عن التصويت. أما القرار الثاني فقد قدمته مصر، ويقضي بفرض نظام الضمانات الدولية في الشرق الأوسط‏،‏ وحظي بتأييد ‏103‏ دول وامتناع ‏4‏ دول عن التصويت من بينها الولايات المتحدة والهند‏، وهو ما اعتبرته الدول العربية بمثابة نقطة تحول محورية في إعادة صياغة دور المجتمع الدولي تجاه هذه القضايا.

 وبذلك يبقى الرهان على انحياز أوباما بشكل جدي يصعب التعويل عليه‏،‏ خاصة تجاه قضية الانتشار النووي في الشرق الأوسط‏،‏ وبتحديد أكثر قضية الأسلحة النووية الإسرائيلية في ظل حمى الانشغال الأمريكي والإسرائيلي بما يسمونه الخطر النووي الإيراني‏.‏

 الموقف الأمريكي من قدرات إسرائيل النووية

منذ مجيء إدارة أوباما، كانت لدى إسرائيل مخاوف من إمكانية أن تطال نيته بالعمل على تفكيك الأسلحة النووية في العالم التفاهمات الأمريكية-الإسرائيلية السابقة، وظلّ الوضع قيد الترقّب حتى 5 مايو 2009، حين دعت نائبة وزيرة الخارجية الأمريكية (روز غوتمولر) كلاً من إسرائيل والهند وباكستان وكوريا الشمالية إلى دعـم معاهدة حظر الانتشار النووي. إزاء ذلك، ثارت عاصفة في إسرائيل، واعتبر هذا التصريح بمثابة (تحول درامي) في سياسة الولايات المتحدة تجاه برنامجها النووي، وأنه يشكل تطوراً خطيراً، مفاجئاً ومقلقاً، خاصة أنه لم يسبق أن طلب الأمريكيون ذلك، ولم يتم التنسيق مع الإسرائيليين بشكل مسبق حوله.

 وقيل إن مجرد ذكر اسم إسرائيل في قائمة الدول التي لديها سلاح نووي، مثل الهند وباكستان وكوريا الشمالية، يشكل خروجاً على التزام السياسة الأمريكية الرسمية التي طالما أيدت الغموض الإسرائيلي في الموضوع النووي.

 لكن بعد أن عملت آلة الضغط الإسرائيلية، لم يطل وقت الإعلان عن توضيحات أمريكية تبطل عملياً مفعول تصريحات غوتمولر، فبعد يومين من صدوره، أبرزت صحيفة (يديعوت أحرونوت) في 7 مايو 2009، تصريحاً لمسؤول أمريكي كبير مفاده أن الانضمام إلى معاهدة منع الانتشار النووي لن يمس بإسرائيل، ولن يوقع أي ضرر بالمصالح الإسرائيلية. كما أوضحت إدارة أوباما أنها افترضت أن مطالبة انضمام إسرائيل إلى المعاهدة ستسهل ممارسة الضغط على إيران كي توقف برنامجها النووي، كما تكررت الإشارة إلى أن الولايات المتحدة تعترف بالوضع الاستثنائي لكل من إسرائيل والهند وباكستان، التي تعتبر كلها اليوم دولاً حليفة مهمة لها.

 فضلاً عن أن الرئيس أوباما تعهد بالحفاظ على أمن إسرائيل، وهو لا ينوي (إغلاق ديمونة)، أكدت وزيرة خارجيته هيلاري كلينتون، خلال مقابلة مع شبكة (ABC) الأمريكية في 8 يونيو 2009، (أن سياسة الإدارة الأمريكية تعتبر أن هجوماً نووياً إيرانياً على إسرائيل بمثابة هجوم على الولايات المتحدة)، وكانت هذه هي المرة الأولى التي تعلن فيها الوزيرة كلينتون هذا الالتزام، والمرة الأولى أيضاً التي تتحول فيها المظلة النووية الأمريكية لإسرائيل إلى سياسة معلنة، خاصة في ظل تهديد إيران بإزالة إسرائيل من خريطة العالم. وعلى هذا المنوال من الدعم الأمريكي، شهد شهر سبتمبر 2009، قيام إسرائيل والولايات المتحدة بالتوقيع على اتفاقية لزيادة التنسيق بينهما في قضية الأمن النووي، وقعها كل من المدير العام لهيئة الطاقة الذرية الإسرائيلية، شاؤول حوريف، والمدير العام لمديرية الإشراف على أمان الأفران الذرية الأمريكية ديل كلاين، ويمنح الاتفاق الجديد فرصة لإسرائيل للاطلاع على معظم المعلومات والترتيبات والتكنولوجيا الأكثر تطوراً في الولايات المتحدة الأمريكية في مجال الحفاظ على الأسلحة النووية. ومع أن هذا الاتفاق تقني إلا أن أبعاده مهمة جداً لإسرائيل، لأن العديد من الدول ترفض التعاون معها في مجال الذرة، بسبب رفضها التوقيع على معاهدة منع الانتشار النووي.

 وعلى الرغم من كل أشكال التطمينات والدعم التي تقدمها الولايات المتحدة الأمريكية، عبر الإسرائيليون عن خشيتهم من أن الولايات المتحدة قد تتعهد لإيران بأنه إذا ما تخلت عن برنامجها النووي، فإنها ستحصل على تعهد إسرائيلي بالتوقيع على معاهدة منع الانتشار النووي.

 ثم حدثت نقلة نوعية في الموقف الأمريكي، عبر تصريحات ثلاثة مسؤولين أمريكيين، نقلتها صحيفة (واشنطن تايمز) 2 أكتوبر 2009، أكدوا فيها أن الرئيس أوباما قرر (عدم تغيير سياسة الضبابية النووية لإسرائيل)، وجدد التزامه بسياسة الإدارات السابقة بالحفاظ على سرية البرنامج النووي الإسرائيلي، وعدم توقيع (الدولة العبرية) لمعاهدة منع الانتشار النووي، خلال اجتماعه مع نتنياهو في البيت الأبيض في مايو 2009. كما نقلت الصحيفة عن أحد المصادر في مجلس الشيوخ الأمريكي قوله (ما يعنيه هذا أن الرئيس قدم التزامات بأنه سياسياً لا خيار له سوى التسليم في ما يتعلق ببرنامج إسرائيل النووي).

 ووفقاً لذلك، فإن هذا الالتزام يثير التساؤل حول جدية الرئيس أوباما في الحد من نشر الأسلحة النووية في العالم، وقد يقوض مصداقية مبادرته بإيجاد عالم خال من الأسلحة النووية، من دون الحديث عن أنه يصطدم بالجهود الأمريكية لتفعيل معاهدتي الحظر التام للتجارب النووية وإنتاج المواد النووية. علاوة على ذلك، سوف تجد إدارة أوباما صعوبة في تفسير لماذا تحظى إيران بمعاملة أمريكية ودولية متصلبة، بينما تعفى إسرائيل من مسؤولية إخفاء ما يجري في منشأة (ديمونة) وسواها، ومن تبعة امتلاكها نحو 200 رأس نووي، حسب المنشورات الدولية.

 ويطمح الإسرائيليون إلى أن توفر هذه الإجراءات العسكرية الأمريكية الدرع الصاروخية البديلة إلى الدرع الصاروخية الأمريكية التي تم إلغاء نشرها في أوروبا الشرقية‏،‏ وأن تعزز قوة إسرائيل وتترجم لديها تعزيزاً للثقة بالنفس‏،‏ وطمأنتها في المواجهة‏،‏ خاصة في ظل الاستعدادات الإسرائيلية لتلقي ضربة إيرانية مضادة في حالة قيام إسرائيل منفردة‏‏ أو بالتعاون مع الولايات المتحدة بشن غارات على المنشآت النووية الإيرانية بغرض تدميرها‏.‏

 قدرات إسرائيل النووية والضعف العربي

اعتبرت المجموعة العربية تمكنها من تمرير مشروعي القرارين إنجازاً تاريخياً، على الرغم من كونهما غير ملزمين خاصة مشروع قرارها في شأن القدرات النووية الإسرائيلية، وأجمعت على أنه يحتسب لوحدة الموقف العربي، حيث كانت المجموعة العربية تكتفي في السابق ومنذ عام 1992، بطرح الموضوع كبند على جدول أعمال مؤتمرات الوكالة، وتوافق على الاكتفاء ببيان من رئيس المؤتمر، يعرب عن القلق بسبب هذه القدرات والمخاطر الناجمة عنها، ومن ثم يكتفي بطرح البند على جدول أعمال المؤتمر الذي يليه حتى عام 2008.

 لكن الأمر اختلف هذا العام خاصة أن الكثيرين ضاقوا ذرعاً من سياسة (الكيل بمكيالين) التي تتبناها الولايات المتحدة تجاه إسرائيل، حيث تقوم إسرائيل والولايات المتحدة كل عام بمحاولة عرقلة التصويت على مشروع القرار من خلال الضغط على الدول الغربية للتصويت ضد مشروعي القرارين، وأيضاً من خلال إقناع المجموعة العربية بالتخلي عن المشروعين، مما يمثل استثناءً لإسرائيل طوال الأعوام الماضية، ولعل هذا كان الدافع وراء تقديم مجموعة الدول العربية مشروعي القرارين هذا العام، وإصرارها على عدم جعل إسرائيل حالة استثنائية في هذا الأمر، في حين انضمت كافة دول المنطقة إلى المعاهدة، وأخضعت كافة منشآتها وأنشطتها النووية إلى رقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

 ومما يثير الدهشة في ظل مواقف الولايات المتحدة وبعض الدول الغربية مجدداً سياساتها ذات المعايير المزدوجة التي تنتهجها في ما يتعلق بالمسائل النووية والأمنية في الشرق الأوسط، حيث تركز واشنطن والدول الأوروبية على البرنامج النووي الإيراني منذ الغزو الأمريكي البريطاني للعراق، وتطالب طهران بالتخلي عن أنشطتها النووية الحساسة وتغض البصر عن البرنامج النووي الإسرائيلي، مما قد يجعل بعض دول المنطقة تفكر وتسعى إلى امتلاك سلاح نووي مقابل للسلاح الإسرائيلي الذي يحظى بحصانة غير مبررة من المساءلة الدولية.

 والغريب أيضاً، أن إسرائيل تُعبر من خلال الوكالة، وبمنتهى الانزعاج، عن قلقها من مخاطر الانتشار، في إشارة منها إلى طهران النووية في المنطقة، وهو أمر يمثل بلا شك استهتاراً بالنظام الدولي برمته، ثقة منها بأنها لا تخضع لحساب أو عقاب. والذي لا تريد الولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول الغربية فهمه هو أن الأمن والاستقرار لن يتحققا في المنطقة إلا إذا انضمت إسرائيل أسوة ببقية دول المنطقة إلى المعاهدة، كما أن استمرار هذا الوضع سيؤدي إلى مزيد من الخلل في أمن المنطقة واستقرارها وسيدخلها في سباق تسلح وخيم العواقب.

 كما تتعمد إسرائيل دائماً عند الإشارة إلى قدراتها النووية، وفي مجال انفرادها بالسلاح النووي في المنطقة، خلط الأوراق وإيهام العالم بأن مصادر الخطر على الأمن الإسرائيلي لا تنحصر بجيرانها العرب فحسب، بل من دول أبعد جغرافياً عنها مثل إيران وباكستان لتصل حتى إلى كوريا الشمالية، والزعم بأن احتكارها للسلاح النووي هو الكفيل بتحقيق ما أسمته الاستقرار السياسي والأمني في المنطقة، والأساس لضمان استمرار التسويات (السلمية) للصراع العربي-الإسرائيلي.‏ وهو ما أشار إليه السفير الإسرائيلي لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية، إسرائيل ميخائيل، عقب التصويت على مشروع قرار المجموعة العربية، عن استيائه من تبني القرار، وأكد في جلسة التصويت أن الدول المؤيدة له لن تستفيد شيئاً، وأن بلاده غير ملزمة بتنفيذه، ملمحاً إلى وجود دول في منطقة الشرق الأوسط لا تزال قيد التحقيق والتحري في شأن امتلاكها للسلاح الذري، كما رهن امتثال إسرائيل لمطلب المجموعة العربية بتغيير سياستها أولاً تجاه إسرائيل، والاعتراف بها والحوار معها قبل الخوض في مسائل من هذا النوع.

 وما يزيد من الإحساس بالانزعاج لدى الدول العربية أنها سعت على مدى أكثر من ثلاثة عقود إلى جعل الشرق الأوسط منطقة خالية من الأسلحة النووية، وبذلت جهوداً حثيثة لذلك، وأطلقت عدداً من المبادرات على الساحة الدولية، وعلى الرغم من صدور العديد من القرارات الدولية، التي تؤكد ضرورة تطبيق نظام الضمانات الشاملة في المنطقة، وتطالب إسرائيل بالانضمام إلى معاهدة منع الانتشار النووي، فإن آليات التنفيذ على الساحة الدولية مازالت غائبة، مما يجعل العمل على عدم الاستمرار في التغاضي عن هذه القضية في الوكالة أمراً ملحاً باعتبارها مسألة في صميم اختصاص الوكالة.

 وفي ظل السند الخارجي لإسرائيل والذي تتلقاه من قبل الغرب ولا سيما الولايات المتحدة الأمريكية، والانقسام والانشقاق والتشرذم في الصف العربي وعدم قدرة القادة العرب على اتخاذ قرار استراتيجي تاريخي بالشروع بالحصول على أسلحة مقابلة تحقق توازن الرعب الإقليمي في المنطقة، تبقى القوة النووية الإسرائيلية مصدر قوة وردع بيد إسرائيل التي استطاعت من خلالها أن تفرض واقعاً سياسياً واقتصادياً في المنطقة يصب في خدمتها ويؤمّن مصالحها، وفي ظل انتظار امتلاك العرب وسائل الردع المقابل، أو إجبار المجتمع الدولي إسرائيل على التخلي عن ترسانتها النووية، والتوقيع على معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية، وخضوع منشآتها النووية لتفتيش المراقبين الدوليين، يبقى العرب تحت رحمة السلاح النووي الإسرائيلي في ظل الدعم الأمريكي والغربي المطلق وفي غياب أية ضمانات أمنية دولية في مستوى الطموحات العربية.‏

 أما بخصوص القرار الخاص بتطبيق الضمانات الشاملة للوكالة على كافة المنشآت النووية في الشرق الأوسط الذي قدمته مصر وأقرته الوكالة الدولية للطاقة الذرية فإن الباحث يرى أن وجود أسلحة نووية لدى أطراف إقليمية في الشرق الأوسط يهدد أمن واستقرار الدول المجاورة التي لا تمتلك أسلحة الردع النووي‏،‏ حيث هناك تهديد إسرائيلي نووي قائم بالفعل وتهديد نووي محتمل من إيران‏،‏ كما أن احتمال التهديد النووي من إحدى الدول النووية الأخرى لا يمكن استبعاده‏،‏ هذا يعني أننا بحاجة فعلية إلى تطبيق قرارات مجلس الأمن وقرارات المؤتمر العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية في ما يخص الحد من انتشار الأسلحة النووية سواء لإسرائيل أو إيران‏.‏ فقوة الردع النووي لإسرائيل لا يختلف عليها أحد، لكن إيران بقرارها الأخير برفع الستار عن منشأة نووية ثانية لتخصيب اليورانيوم رآه البعض يشكل خطورة وتحدياً بمواصلة إنتاج الطاقة النووية والذي يمكن أن يتيح الطريق في مرحلة لاحقة إلى تصنيع القنبلة الذرية‏،‏ خاصة مع تصريحات زعماء إيران بأن طهران لا تنوي تعليق تخصيب اليورانيوم‏.‏

 السلاح النووي في الشرق الأوسط وازدواجية المعايير

أمام هذه التطورات تجد الدول العربية نفسها في مأزق في ظل الإصرار الإسرائيلي على فرض الحل العسكري للبرنامج النووي الايراني‏،‏ والتداعيات الخطيرة التي يمكن أن تحدث نتيجة للجوء إلى هذا الحل على صعيد المصالح العربية‏،‏ وعلى صعيد توازن القوى الإقليمي‏، وأيضاً في ظل ازدواجية المعايير التي ينتهجها الغرب في ما يتعلق بالمسائل النووية والأمنية في الشرق الأوسط، ومع اقتراب موعد انعقاد المؤتمر الدولي لمراجعة معاهدة حظر الانتشار النووي في مايو 2010‏،‏ ستكون قد مضت خمس عشرة سنة على قبول الدول العربية الموافقة على تمديد العمل بهذه المعاهدة‏،‏ من دون أن يتحقق الوعد الذي قدمته الدول الغربية للدول العربية عند التمديد،‏ وهو توقيع إسرائيل على معاهدة حظر الانتشار النووي وفتح منشآتها أمام المفتشين الدوليين‏.‏

 وفي ظل ازدواجية المعايير التي ينتهجها الغرب في ما يتعلق بالمسائل النووية والأمنية في الشرق الأوسط فقد نتج عنها العديد من المعطيات أهمها:

1- إن وجود إسرائيل في المنطقة، وهي تحوز ما يقرب من مائتي رأس نووي وترفض التوقيع على اتفاقية منع الانتشار، يعني ببساطة انهيار أية محاولة لوضع قواعد عادلة للسلم والأمن في المنطقة برمتها، لأن استئثار إسرائيل بهذا السلاح على حساب جيرانها إنما هو محاولة ليست للردع وإنما للإرهاب والتخويف أيضاً، فالدولة العبرية تريد أن تمتلك ميزات تنفرد بها لترويع الجيران وابتلاع حقوق الآخرين وإقامة الدولة اليهودية وفقاً لشروطها بغض النظر عن سلامة الإقليم واستقراره.

 2- إن سياسة ازدواج المعايير والكيل بمكيالين للدول الغربية، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية، تبدو واضحة تماماً في المجال النووي، إذ جرى غزو العراق لمجرد الاشتباه في وجود أسلحة دمار شامل لديه ومن بينها السلاح النووي، وثبت في ما بعد أن ذلك كان ادعاء مغلوطاً دفعت به إسرائيل ومن يدعمونها من أجل تحطيم العراق وإخراجه من معادلة القوة العربية وتأمين الحديقة الخلفية للكيان العبري، كما أن الأمر ذاته يتكرر الآن مع إيران – رغم اختلاف السيناريو نتيجة لاختلاف الظروف والأسباب – ورغم تحفظنا الموضوعي على حيازة إيران سلاحاً نووياً، وليس برنامجاً سلمياً فقط، وذلك لأسباب تتصل بمبدأ إخلاء منطقة الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل، فإننا نرى أن الذين يحاولون تفجير المنطقة لإيقاف البرنامج النووي الإيراني هم أنفسهم الذين يغضون الطرف عن البرنامج النووي العسكري الإسرائيلي الذي بدأ منذ الخمسينات في القرن العشرين بدعم فرنسي في البداية.

 3- هناك مقولة تتردد على نطاق واسع تروج للتخويف من الخطر النووي الإيراني المقبل، وتتناسى تماماً الخطر النووي الإسرائيلي القائم، وهذه مغالطة خطيرة يسعى بها الغرب إلى شد الأنظار العربية عن الترسانة النووية الإسرائيلية وتوجيهها نحو الدولة الفارسية. ونحن بهذه المناسبة لا نعفي إيران من وجود أجندة لديها تسعى إلى الهيمنة والسيطرة كما لا يمكن التقليل من تأثيرها ونتائجها إلا أننا نرى في الوقت ذاته أن إسرائيل هي الخطر الرئيس الموجود فعلاً، أما إيران فهي تمثل خطراً ثانوياً محتملاً.

 4- إن الخطرين الإسرائيلي والإيراني – رغم الاختلاف الكبير بينهما من حيث نوعية البرنامجين ودرجة تأثيرهما – يمثلان تهديداً محتملاً للمنطقة بأسرها وليس لدول الخليج وحدها، إذ إنه فضلاً عن احتمالات مخاطر الأمان النووي، إلا أن الخطر الأكبر يأتي من احتمال الاستخدام النووي في منطقة ملتهبة سياسياً ومتوترة استراتيجياً وغير مستقرة على امتداد العقود الأخيرة.

 5- إن إسرائيل التي حاولت في السنوات الأخيرة تسريب معلومات غير مؤكدة وبطريقة غير مباشرة عن برنامجها النووي إنما تسعى فعلاً إلى استخدامه سياسياً كمصدر للتخويف والتحذير تجاه دول الجوار، كما أنها تبعث برسالة إلى دول الإقليم مؤداها أنها لا تنفي ولا تؤكد ما لديها وتترك الأمر للحدس والتخمين إمعاناً في التخويف ومغالاة في الإرهاب.

 6- لا تبدو العلاقات العربية – الإيرانية في أفضل حالاتها بسبب ما جرى ويجري في العراق وما جرى ويجري في لبنان وغيرهما، وقد أصبحت تمثل عبئاً على منطقة الشرق الأوسط وتنشر روح الشك بين أطرافها، لذلك لم يكن مستغرباً أن تتجه المنطقة إلى حالة من الترقب لمعرفة نتائج التصعيد الظاهري والتهدئة الحقيقية في الوقت نفسه بين أطراف الصراع في المنطقة مع إدخال البعد النووي كعنصر حاكم فيها، خصوصاً في ظل تنامي المخاوف من انتشار الدور الإيراني على امتداد المنطقة العربية ونجاحه في إحداث عملية اختراق في بعضها قد تكون لها نتائجها على مستقبل الإقليم برمته.

 ونخلص من هذه المعطيات إلى أنه من الصعب على الدول العربية قبول التمديد أو التجديد لمعاهدة حظر الانتشار النووي في ظل الإصرار الإسرائيلي المدعوم أمريكياً،‏ والرافض لإخضاع القدرات النووية الإسرائيلية للتفتيش الدولي‏،‏ وتفعيل القرارين الأخيرين الصادرين عن الوكالة الدولية للطاقة الذرية بمبادرتين عربيتين‏،‏ وفي ظل صعوبة رفض التمديد بما يعني التراجع الضمني عن استراتيجية جعل الشرق الأوسط منطقة خالية من السلاح النووي‏،‏ فهل يلجأ العرب إلى الخيار البديل الاضطراري وهو التوجه نحو امتلاك قدرات نووية حقيقية؟

 سؤال صعب، لكن لا خيار أمام العرب من الإجابة عنه‏،‏ وتحمل تبعات تلك الإجابة‏،‏ بعد أن أصبح التعويل على استراتيجية منع الانتشار النووي تعويلاً على سراب أكثر منه تعويلاً على واقع‏.‏

::/fulltext::
::cck::774::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *