الدين والسياسة الأمريكية الخارجية (1-3)

::cck::777::/cck::
::introtext::

نُـشـِـر هذا المقال أصلاً باللغة الإنجليزية في مجلة (سرفايفل) (Survival)، المجلد السادس والأربعين، العدد الأول، ربيع عام 2004، (ص- 23-37)، وقام مركز الخليج للأبحاث بترجمته ونشره باللغة العربية في سلسلة ترجمات خليجية، العدد السادس (ص 7-21)، صيف عام 2006، وذلك بناءً على اتفاق مع المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية.

::/introtext::
::fulltext::

نُـشـِـر هذا المقال أصلاً باللغة الإنجليزية في مجلة (سرفايفل) (Survival)، المجلد السادس والأربعين، العدد الأول، ربيع عام 2004، (ص- 23-37)، وقام مركز الخليج للأبحاث بترجمته ونشره باللغة العربية في سلسلة ترجمات خليجية، العدد السادس (ص 7-21)، صيف عام 2006، وذلك بناءً على اتفاق مع المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية.

 لقد وضعت هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 الدين على الأجندة الأمريكية في مكانة جديدة وربما غير مسبوقة. وبتحديد أكبر، يبدو كأن الحادي عشر من سبتمبر قد وضع الدين الإسلامي على الأجندة في صيغة الإرهاب الإسلامي. ومع هذا فقد أعلنت الإدارة الأمريكية الحرب لا على الإرهاب الإسلامي وإنما على الإرهاب كإرهاب. ولا بد من الاعتراف بأنه ربما يكون من حكمة الإدارة الأمريكية تكتيكياً ألا تذكر الإسلام إلا ذكراً عابراً، وأن تتحدث بدلاً من ذلك عن الحرية كقضية مقدسة تتخطى الانقسامات الدينية، كما فعل النائب العام جون أشكروفت في التاسع عشر من فبراير 2002 حين قال:

ليس هذا صراعاً مبنياً على أساس ديني. إنه صراع بين من يؤمنون بأن الله منحنا حرية الاختيار وأولئك الذين يريدون فرض اختياراتهم علينا. إنه صراع بين الإيحاء والفرض، بين طريق السلام وطريق الدمار والفوضى. إنه صراع بين الخير والشر. وقد ذكرنا جورج بوش بذلك حين قال (إننا نعلم أن الله ليس حيادياً بين الاثنين).

لكن قد يبدو لزاماً على الإدارة الأمريكية أن تعترف، في الأروقة الخاصة على الأقل، بحقيقة أن عدوها يُعرِّف الحرب بأنها (معركة الإسلام في هذه الحقبة ضد الصليبيين الجدد من اليهود والنصارى بقيادة الصليبي الأكبر بوش حامل راية الصليب) كما قال أسامة بن لادن في أواخر سبتمبر 2001.

ولتوضيح هذا الفرق بطريقة أخرى نقول إن من الواضح أن الحرب الأمريكية على الإرهاب لن تؤدي إلى القيام بأي عمل ضد نمور التاميل في سريلانكا، أو حركة إيتا الانفصالية في إقليم الباسك في إسبانيا، أو الجيش الجمهوري في إيرلندا الشمالية، أو أي شكل آخر للإرهاب غير الإسلامي. فالواقع أن الإرهاب الإسلامي فقط هو ما يهدد الولايات المتحدة وبناء على ذلك جاء الرد الأمريكي.

لكن هل يمكن الدخول في اشتباك مع هذا الشكل المهدد والفريد من الإرهاب من دون إدخال الدوافع المعلنة للإرهابيين في الحسبان؟

والمفارقة أن الجهود الجادة المبذولة لفهم الأبعاد الدينية للهجمات الإسلامية يجب أن تبدأ من تاريخ الحروب الدينية بين المسيحيين أنفسهم. فبعد اتفاق وسيتفيليا للسلام عام 1648 لم يعد الدين تقريباً يشكل دافعاً للحرب بين الدول في الغرب المسيحي، رغم استمرار الخلافات الدينية الشديدة والاضطهاد الديني الحاد داخل حدود تلك الدول. وبعد الهزيمة التي ألحقها جان سوبسكي بالعثمانيين الأتراك على أبواب فيينا في عام 1683 أفل أيضاً نجم الحروب الإسلامية – على الأقل تلك الحروب التي يمكن أن توحد المسيحيين على طول حدودهم القومية.

أما من جهة المسلمين، فقد كانت هذه الهزيمة بداية لتراجع طويل مذل، لكنه لم يؤدِّ إلى أي شرخ مفاهيمي في الحرب الدينية بما يماثل شعار وسيتفيليا الشهير: (الدين تحدده السلاطين). فعندما استولت روسيا المسيحية على آسيا الوسطى المسلمة؛ وعندما استولت بريطانيا المسيحية على جنوب آسيا المسلم؛ وعندما استولت بلغاريا وصربيا واليونان المسيحية على البلقان المسلمة؛ وعندما استولت فرنسا المسيحية على شمال إفريقيا المسلم؛ إلى آخر هذه القائمة الطويلة، كانت كل هذه الهزائم تفسر من الجانب الإسلامي على أنها هزائم للإسلام في حرب دينية غير منتهية. إذ ذاك وُضِعت الأسس التي بني عليها سوء فهم تاريخي عظيم ما زال مستمراً حتى يومنا هذا. ففي عيون الغربيين لم تكن هذه الانتصارات تفسر على أنها انتصارات للمسيحية، بل انتصارات للدول المعنية كدول.

خذ على سبيل المثال لورد بيرون وهو يموت من أجل اليونان، لكنه ما كان ليموت في سبيل المسيحية. وحتى عندما تم الاعتراف بأجندة تتخطى حد القومية في القرن التاسع عشر فقد كانت أجندة (حضارة) أو على أعلى تقدير (حضارة مسيحية) أكثر من كونها المسيحية بحد ذاتها. صحيح أن القوى الغربية ظلت تلف نفسها بصور ورموز مسيحية واضحة في المناسبات القومية المهيبة حتى نهاية الحرب العالمية الأولى. (ومن يشك في ذلك ما عليه إلا القيام بزيارة للاطلاع على اللوحات الفسيفسائية المستردة حديثاً في متاحف برلين). لكن من المهم أنه حتى في تلك الحرب نفسها كانت ألمانيا توصم بأنها (الهمجية) أو بعبارة أخرى البربرية الثقافية أكثر من وصفها بالكفر والإلحاد. وهذا التحول مهم لأن القوى الغربية عندما سلطت مذهبها القومي المتزايدة علمانيته على بقية العالم، كانت تفترض أنه في حال حصول هجوم مضاد من المهزومين عرباً أو تركاً أو بنجاباً فسوف يأتي هذا الهجوم باسم قومية من القوميات أكثر من مجيئه باسم دين من الأديان.

لكن ليس هذا ما حدث، فالقاعدة قوة إسلامية لكنها ليست قومية. ولا يمكن اعتبار هذه النقطة اسطوانة مشروخة أو مكررة أو أن التركيز عليها أمر مبالغ فيه. فالدعم الذي تحظى به لا يأتي من الحكومات العربية، التي تخشاه لأسباب وجيهة، لكنه يأتي من شريحة واسعة الانتشار، وإن رقت، في العالم الإسلامي. وقد يكون الإرهاب واحداً من الناحية الأخلاقية سواء مارسته جماعة دينية كالقاعدة أو عصابة مجرمة كالمافيا أو حركة انفصالية كحركة إيتا، لكنه ليس واحداً في التهديد الذي يمثله في هذه الحالات الثلاث. والافتراض الذي نعمل عليه في هذا المقال هو أن مثل هذه الفروق ذات أهمية كبيرة بالفعل.

ففي كتابه (سلام لإنهاء كل عمليات السلام)، يلقي ديفيد فرومكين اللوم في كثير من حالات عدم الاستقرار في الشرق الأوسط المعاصر على البريطانيين والفرنسيين لمبالغتهم في تقييم القومية العربية وتقليلهم من شأن تدين المسلمين. والخطأ المقابل لهذا في أيامنا هذه هو افتراض حتمية وجود حكومات ترعى القاعدة بحيث يكون القضاء على أحدها قضاءً على الآخر. إن هذا الافتراض يعكس إنكاراً أعمى لاستطاعة دين من الأديان أن يولد، باعتماده على مصادره الاجتماعية فحسب، تحدياً خطيراً لقوة عالمية، لكن الدين يستطيع ذلك بالفعل، فقد فعلها من قبل، ويمكن أن يفعلها من جديد.

إن الحلم الجميل في الفكر السياسي الأمريكي، والذي يبدو أنه يتوالد من جديد في كل جيل، هو أن العوامل الثقافية كالدين ستضمحل وينعدم تأثيرها وذلك مع بروز البراغماتية المبجلة في محلها. فلقد كان كثير من الناس، بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، متحمسين لتجاوز أمر الدين والإعلان بأنه حتى الأيديولوجية العلمانية لم تعد تشكل سبباً للحرب. لكن شيئاً يكاد يكون على النقيض التام من ذلك قد حدث الآن. فها هو ذا الغرب يواجه كياناً يتخطى القومية ويُعرِّف نفسه دينياً وله من القوة المنذرة بالشؤم ما يشبه قوة الدول في شن الحروب.

إن القاعدة بدعة من البدع الخَلقية لأنها تعد تَأَسُّلاً أو ارتداداً إلى صفات الأسلاف كما يقال في علم تطور الأحياء. وهي ليست شيئاً لم يواجه الغرب مثله من قبل. وإنما هي شيء لم يواجه الغرب مثله منذ زمن بعيد، لم يواجهه في الحقيقة منذ ما قبل ظهور الولايات المتحدة إلى ساحة الوجود السياسي. وفي العادة تذوي البدع وتختفي بسرعة لكننا لا نعلم بعد إن كانت هذه البدعة سيكون مصيرها كذلك. فالشيوعية بقيت قوية أيديولوجياً وعسكرياً معظم القرن العشرين. وكل ما نعرفه عن الإرهاب الإسلامي الآن أن نهايته غير مرئية.

فكيف سيكون رد الولايات المتحدة في مواجهة تحدٍ خبيث يحتمل أن يطول أمده؟ وإذا كان الدين يمثل كل أو جل السبب الذي تهاجم (القاعدة) الولايات المتحدة من أجله، فهل ينبغي للولايات المتحدة أن تلفت الانتباه إلى هذا الدافع الديني وهي تشكل حملتها المتواصلة على (القاعدة)؟ وكم على الولايات المتحدة أن تتحدث، إن كان عليها أن تفعل ذلك أصلاً، عن ادعاء (القاعدة) أنها، فعلياً، هي الصورة الوحيدة الصادقة للإسلام؟ وهل نحتاج إلى الاهتمام بعدد الذين يقبلون هذا الادعاء؟ وهل يكفي مجرد التغاضي والاستخفاف، أم سيثبت في نهاية المطاف ضرورة القيام بحملة مضادة وتفنيد أكثر توسعاً؟ وبالأهمية نفسها نتساءل كم ينبغي للولايات المتحدة، عند هذا المنعطف، أن تتحدث للعالم عن الكيفية التي يعامل بها الدين في ظل الدستور الأمريكي؟ وكيف، بالتحديد، يؤثر الدستور في وضع المسيحية واليهودية وهما الدينان المسيطران عددياً في أمريكا؟

في مقابلة معه أجرتها مجلة (نيو برسبكتفز كوارترلي) وصف صاموئيل هنتنغتون(القاعدة) بأنها )شبكة كثيفة من الإرهاب العابر للقوميات).

وكان هنتنغتون قد بين للشخص الذي أجرى المقابلة وهو ناثان جاردلز، أن أسامة بن لادن شخص خارج على القانون مطرود من بلده المملكة العربية السعودية ومن السودان فيما بعد. كما أن حركة طالبان التي دعمته لم يكن يعترف بها إلا ثلاثة من أصل 53 بلداً مسلماً في العالم. ولقد دانت كل الحكومات الإسلامية- بما فيها السودان وإيران – باستثناء العراق، هجماته الإرهابية في الحادي عشر من سبتمبر. كما وافقت، أو على الأقل، أذعنت كل الحكومات لاستراتيجية الولايات المتحدة في الرد العسكري في أفغانستان.

بيد أن هنتنغتون تابع ملاحظته قائلاً إنه على الرغم من الإدانة الرسمية الواسعة، فإن ابن لادن يحظى بتأييد شعبي قوي في العالم الإسلامي ولاسيما العربي. وإنه (في الوقت الذي كان يسعى فيه إلى حشد المسلمين بإعلانه الحرب على الغرب أعاد للغرب إحساسه بالهوية المشتركة في الدفاع عن نفسه).

ولقد كان هنتنغتون محقاً تماماً في تأكيده هذا. ومن المفارقة أن هجمات الحادي عشر من سبتمبر كانت ضربة أدت في الوقت نفسه إلى تمزيق الأمة الإسلامية وتوثيق عرى مجتمع الدول الغربية، بحيث أضعف طرفاً وقوى الطرف الآخر بعكس ما كانت تبتغي نوايا خاطفي الطائرات الانتحاريين أنفسهم، وللأسف بعد ثمانية عشر شهراً كان لغزو العراق واحتلاله أثر معاكس فرَّق الغرب ووثق عرى الأمة الإسلامية لفترة مؤقتة على الأقل.

وقال هنتنغتون لجاردلز مصادقاً على الجهود الأولى لإدارة بوش في مواجهة الإرهاب: (من المناسب أن ترى الولايات المتحدة أن ردها ليس حرباً على الإسلام، وإنما هي حرب بين شبكة كثيفة من الإرهاب العابر للحدود وبين العالم المتحضر). لكن هنتنغتون كان، وهو يقاوم استدراج جاردلز المتكرر، مقتنعاً بأن الإرهاب الذي تحركه دوافع إسلامية ما هو إلا حالة متطرفة من عدم التسامح، بدل اعتبار وضع الإسلام بحد ذاته قضية سياسية بطريقة ما. وكان في ذلك يعطي نمطاً نموذجياً لمذهبه الفكري. لكن بعد ما رأيناه من انتشار هجمات الحادي عشر من سبتمبر انتشار النار في الهشيم أمام أعيننا لتتحول إلى صراع عالمي تقوم فيه (شبكة) هنتنغتون (الكثيفة من الإرهاب العابر للقوميات) باستحضار الإسلام في كل عمل وقضية أصبح الرفض أو التردد الذي يبديه هذا المذهب الفكري في الحديث عن دور الدين، والذي كنا نتفهمه فيما سبق، أصبح ينظر إليه الآن أكثر فأكثر باعتباره قصراً في النظر.

إن رد إدارة بوش على أحداث الحادي عشر من سبتمبر، مثله مثل رد هنتنغتون على جاردلز، يتفق كثيراً مع الطبيعة الأمريكية. فالأمريكيون، في الأعم الأغلب، كانوا بالتأكيد سيصابون بانزعاج شديد من رئيس يرى من الصواب التحيز في أي مناظرة أو حوار إسلامي بين التيار الأساسي في الإسلام وتيار (القاعدة) آخذاً في الاعتبار الاختلاف بينهما في فهم الأسس الأيديولوجية للإسلام.

لكن إذا كانت نتيجة مثل هذه المناظرة بين الأيديولوجيات الإسلامية المختلفة تؤثر تأثيراً قوياً في استمرار حدوث أو عدم حدوث هجمات مستقبلية شديدة القسوة على الولايات المتحدة، أقول إن كان لنتيجة هذه المناظرة مثل هذا الأثر أفلا تستحق إذن هذه المناظرة قدراً وافياً من الاهتمام الأمريكي، حتى على مستوى التوجه السياسي؟ فلو ألقينا نظرة مقارنة على فترة شبيهة بهذه أيام الصراع مع الشيوعية، لوجدنا أن مؤسسة السياسة الخارجية الأمريكية لم تكن لتتردد في الاشتباك مع خصمها على المستوى الفكري.

وكان يعتبر أمراً حاسماً في الخمسينات من القرن العشرين التمييز الدقيق والعلني بين الاشتراكية الديمقراطية كما يمارسها عدد من أكثر حلفاء أمريكا أهمية والاشتراكية اللاديمقراطية كما كان يمارسها الاتحاد السوفييتي السابق. ولولا هذا التمييز فلربما كان بعض أصدقائنا سيظن نفسه عدونا، ولما فهم عدونا أساس عداوتنا له. إن ثيولوجيا الحرب الباردة، التي يمكن أن تبدو تخديرية لو نظرنا إليها نظرة استرجاعية، كانت لها علاقة كبيرة بكسب معركة دولية لجذب القلوب والعقول. والآن أرى أن حشد الحلفاء من المسلمين وعزل العدو الإسلامي يستدعي جهداً مماثلاً لذلك الجهد، لاسيما إن عرفنا أن العدو لا يمكن عزله إلا بالتعاون الأمني الوثيق مع الدول الإسلامية. وإذا سلمنا بأن صياغة هذه الفوارق الثيولوجية المميِّزة في التعامل مع المسلمين ليست مهمة تقع حصرياً أو حتى مبدئياً على عاتق الرئيس الأمريكي، فقد تكون مع ذلك مهمة ملحة وجزءاً ضرورياً من أي استجابة دبلوماسية أمريكية للتهديد الإسلامي.

والسؤال الذي يطرح نفسه هو أين يبدأ مثل هذا الاشتباك الفكري؟ ونبدأ فنقول إن مصطلح الإسلام السياسي (Islamism) تمت صياغته ليشير إلى إسلام أصلحه أصحاب هذا التوجه أو أعادوا صياغته أو ربما بالأحرى تمت تعبئته ليكون بديلاً أيديولوجياً واجتماعياً أسمى من الشيوعية والرأسمالية والقومية وما شاكلها من المذاهب الأخرى التي اجتذبت المسلمين المعاصرين. وقد ذكر بول برمان في كتابه (الرعب والليبرالية) أنه يرى في العالم المصري سيد قطب كالفن هذا الإصلاح الإسلامي، وفي الوقت نفسه يراه ماركس في محاولته لتحويل الإسلام إلى أيديولوجية توتاليتارية مستبدة. ويرى برمان أنه في الوقت الذي يجري به الرد عسكرياً على (القاعدة) ومن لفّ لفها يجب على الغرب، وعلى رأسه الولايات المتحدة، أن يرد أيديولوجياً على سيد قطب ومن لف لفه. لكن هذا بدوره يعني أن ينظر إلى سيد قطب والدراما الفكرية الداخلية للإسلام نفسه نظرة جادة وجديدة. 

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::777::/cck::
::introtext::

نُـشـِـر هذا المقال أصلاً باللغة الإنجليزية في مجلة (سرفايفل) (Survival)، المجلد السادس والأربعين، العدد الأول، ربيع عام 2004، (ص- 23-37)، وقام مركز الخليج للأبحاث بترجمته ونشره باللغة العربية في سلسلة ترجمات خليجية، العدد السادس (ص 7-21)، صيف عام 2006، وذلك بناءً على اتفاق مع المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية.

::/introtext::
::fulltext::

نُـشـِـر هذا المقال أصلاً باللغة الإنجليزية في مجلة (سرفايفل) (Survival)، المجلد السادس والأربعين، العدد الأول، ربيع عام 2004، (ص- 23-37)، وقام مركز الخليج للأبحاث بترجمته ونشره باللغة العربية في سلسلة ترجمات خليجية، العدد السادس (ص 7-21)، صيف عام 2006، وذلك بناءً على اتفاق مع المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية.

 لقد وضعت هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 الدين على الأجندة الأمريكية في مكانة جديدة وربما غير مسبوقة. وبتحديد أكبر، يبدو كأن الحادي عشر من سبتمبر قد وضع الدين الإسلامي على الأجندة في صيغة الإرهاب الإسلامي. ومع هذا فقد أعلنت الإدارة الأمريكية الحرب لا على الإرهاب الإسلامي وإنما على الإرهاب كإرهاب. ولا بد من الاعتراف بأنه ربما يكون من حكمة الإدارة الأمريكية تكتيكياً ألا تذكر الإسلام إلا ذكراً عابراً، وأن تتحدث بدلاً من ذلك عن الحرية كقضية مقدسة تتخطى الانقسامات الدينية، كما فعل النائب العام جون أشكروفت في التاسع عشر من فبراير 2002 حين قال:

ليس هذا صراعاً مبنياً على أساس ديني. إنه صراع بين من يؤمنون بأن الله منحنا حرية الاختيار وأولئك الذين يريدون فرض اختياراتهم علينا. إنه صراع بين الإيحاء والفرض، بين طريق السلام وطريق الدمار والفوضى. إنه صراع بين الخير والشر. وقد ذكرنا جورج بوش بذلك حين قال (إننا نعلم أن الله ليس حيادياً بين الاثنين).

لكن قد يبدو لزاماً على الإدارة الأمريكية أن تعترف، في الأروقة الخاصة على الأقل، بحقيقة أن عدوها يُعرِّف الحرب بأنها (معركة الإسلام في هذه الحقبة ضد الصليبيين الجدد من اليهود والنصارى بقيادة الصليبي الأكبر بوش حامل راية الصليب) كما قال أسامة بن لادن في أواخر سبتمبر 2001.

ولتوضيح هذا الفرق بطريقة أخرى نقول إن من الواضح أن الحرب الأمريكية على الإرهاب لن تؤدي إلى القيام بأي عمل ضد نمور التاميل في سريلانكا، أو حركة إيتا الانفصالية في إقليم الباسك في إسبانيا، أو الجيش الجمهوري في إيرلندا الشمالية، أو أي شكل آخر للإرهاب غير الإسلامي. فالواقع أن الإرهاب الإسلامي فقط هو ما يهدد الولايات المتحدة وبناء على ذلك جاء الرد الأمريكي.

لكن هل يمكن الدخول في اشتباك مع هذا الشكل المهدد والفريد من الإرهاب من دون إدخال الدوافع المعلنة للإرهابيين في الحسبان؟

والمفارقة أن الجهود الجادة المبذولة لفهم الأبعاد الدينية للهجمات الإسلامية يجب أن تبدأ من تاريخ الحروب الدينية بين المسيحيين أنفسهم. فبعد اتفاق وسيتفيليا للسلام عام 1648 لم يعد الدين تقريباً يشكل دافعاً للحرب بين الدول في الغرب المسيحي، رغم استمرار الخلافات الدينية الشديدة والاضطهاد الديني الحاد داخل حدود تلك الدول. وبعد الهزيمة التي ألحقها جان سوبسكي بالعثمانيين الأتراك على أبواب فيينا في عام 1683 أفل أيضاً نجم الحروب الإسلامية – على الأقل تلك الحروب التي يمكن أن توحد المسيحيين على طول حدودهم القومية.

أما من جهة المسلمين، فقد كانت هذه الهزيمة بداية لتراجع طويل مذل، لكنه لم يؤدِّ إلى أي شرخ مفاهيمي في الحرب الدينية بما يماثل شعار وسيتفيليا الشهير: (الدين تحدده السلاطين). فعندما استولت روسيا المسيحية على آسيا الوسطى المسلمة؛ وعندما استولت بريطانيا المسيحية على جنوب آسيا المسلم؛ وعندما استولت بلغاريا وصربيا واليونان المسيحية على البلقان المسلمة؛ وعندما استولت فرنسا المسيحية على شمال إفريقيا المسلم؛ إلى آخر هذه القائمة الطويلة، كانت كل هذه الهزائم تفسر من الجانب الإسلامي على أنها هزائم للإسلام في حرب دينية غير منتهية. إذ ذاك وُضِعت الأسس التي بني عليها سوء فهم تاريخي عظيم ما زال مستمراً حتى يومنا هذا. ففي عيون الغربيين لم تكن هذه الانتصارات تفسر على أنها انتصارات للمسيحية، بل انتصارات للدول المعنية كدول.

خذ على سبيل المثال لورد بيرون وهو يموت من أجل اليونان، لكنه ما كان ليموت في سبيل المسيحية. وحتى عندما تم الاعتراف بأجندة تتخطى حد القومية في القرن التاسع عشر فقد كانت أجندة (حضارة) أو على أعلى تقدير (حضارة مسيحية) أكثر من كونها المسيحية بحد ذاتها. صحيح أن القوى الغربية ظلت تلف نفسها بصور ورموز مسيحية واضحة في المناسبات القومية المهيبة حتى نهاية الحرب العالمية الأولى. (ومن يشك في ذلك ما عليه إلا القيام بزيارة للاطلاع على اللوحات الفسيفسائية المستردة حديثاً في متاحف برلين). لكن من المهم أنه حتى في تلك الحرب نفسها كانت ألمانيا توصم بأنها (الهمجية) أو بعبارة أخرى البربرية الثقافية أكثر من وصفها بالكفر والإلحاد. وهذا التحول مهم لأن القوى الغربية عندما سلطت مذهبها القومي المتزايدة علمانيته على بقية العالم، كانت تفترض أنه في حال حصول هجوم مضاد من المهزومين عرباً أو تركاً أو بنجاباً فسوف يأتي هذا الهجوم باسم قومية من القوميات أكثر من مجيئه باسم دين من الأديان.

لكن ليس هذا ما حدث، فالقاعدة قوة إسلامية لكنها ليست قومية. ولا يمكن اعتبار هذه النقطة اسطوانة مشروخة أو مكررة أو أن التركيز عليها أمر مبالغ فيه. فالدعم الذي تحظى به لا يأتي من الحكومات العربية، التي تخشاه لأسباب وجيهة، لكنه يأتي من شريحة واسعة الانتشار، وإن رقت، في العالم الإسلامي. وقد يكون الإرهاب واحداً من الناحية الأخلاقية سواء مارسته جماعة دينية كالقاعدة أو عصابة مجرمة كالمافيا أو حركة انفصالية كحركة إيتا، لكنه ليس واحداً في التهديد الذي يمثله في هذه الحالات الثلاث. والافتراض الذي نعمل عليه في هذا المقال هو أن مثل هذه الفروق ذات أهمية كبيرة بالفعل.

ففي كتابه (سلام لإنهاء كل عمليات السلام)، يلقي ديفيد فرومكين اللوم في كثير من حالات عدم الاستقرار في الشرق الأوسط المعاصر على البريطانيين والفرنسيين لمبالغتهم في تقييم القومية العربية وتقليلهم من شأن تدين المسلمين. والخطأ المقابل لهذا في أيامنا هذه هو افتراض حتمية وجود حكومات ترعى القاعدة بحيث يكون القضاء على أحدها قضاءً على الآخر. إن هذا الافتراض يعكس إنكاراً أعمى لاستطاعة دين من الأديان أن يولد، باعتماده على مصادره الاجتماعية فحسب، تحدياً خطيراً لقوة عالمية، لكن الدين يستطيع ذلك بالفعل، فقد فعلها من قبل، ويمكن أن يفعلها من جديد.

إن الحلم الجميل في الفكر السياسي الأمريكي، والذي يبدو أنه يتوالد من جديد في كل جيل، هو أن العوامل الثقافية كالدين ستضمحل وينعدم تأثيرها وذلك مع بروز البراغماتية المبجلة في محلها. فلقد كان كثير من الناس، بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، متحمسين لتجاوز أمر الدين والإعلان بأنه حتى الأيديولوجية العلمانية لم تعد تشكل سبباً للحرب. لكن شيئاً يكاد يكون على النقيض التام من ذلك قد حدث الآن. فها هو ذا الغرب يواجه كياناً يتخطى القومية ويُعرِّف نفسه دينياً وله من القوة المنذرة بالشؤم ما يشبه قوة الدول في شن الحروب.

إن القاعدة بدعة من البدع الخَلقية لأنها تعد تَأَسُّلاً أو ارتداداً إلى صفات الأسلاف كما يقال في علم تطور الأحياء. وهي ليست شيئاً لم يواجه الغرب مثله من قبل. وإنما هي شيء لم يواجه الغرب مثله منذ زمن بعيد، لم يواجهه في الحقيقة منذ ما قبل ظهور الولايات المتحدة إلى ساحة الوجود السياسي. وفي العادة تذوي البدع وتختفي بسرعة لكننا لا نعلم بعد إن كانت هذه البدعة سيكون مصيرها كذلك. فالشيوعية بقيت قوية أيديولوجياً وعسكرياً معظم القرن العشرين. وكل ما نعرفه عن الإرهاب الإسلامي الآن أن نهايته غير مرئية.

فكيف سيكون رد الولايات المتحدة في مواجهة تحدٍ خبيث يحتمل أن يطول أمده؟ وإذا كان الدين يمثل كل أو جل السبب الذي تهاجم (القاعدة) الولايات المتحدة من أجله، فهل ينبغي للولايات المتحدة أن تلفت الانتباه إلى هذا الدافع الديني وهي تشكل حملتها المتواصلة على (القاعدة)؟ وكم على الولايات المتحدة أن تتحدث، إن كان عليها أن تفعل ذلك أصلاً، عن ادعاء (القاعدة) أنها، فعلياً، هي الصورة الوحيدة الصادقة للإسلام؟ وهل نحتاج إلى الاهتمام بعدد الذين يقبلون هذا الادعاء؟ وهل يكفي مجرد التغاضي والاستخفاف، أم سيثبت في نهاية المطاف ضرورة القيام بحملة مضادة وتفنيد أكثر توسعاً؟ وبالأهمية نفسها نتساءل كم ينبغي للولايات المتحدة، عند هذا المنعطف، أن تتحدث للعالم عن الكيفية التي يعامل بها الدين في ظل الدستور الأمريكي؟ وكيف، بالتحديد، يؤثر الدستور في وضع المسيحية واليهودية وهما الدينان المسيطران عددياً في أمريكا؟

في مقابلة معه أجرتها مجلة (نيو برسبكتفز كوارترلي) وصف صاموئيل هنتنغتون(القاعدة) بأنها )شبكة كثيفة من الإرهاب العابر للقوميات).

وكان هنتنغتون قد بين للشخص الذي أجرى المقابلة وهو ناثان جاردلز، أن أسامة بن لادن شخص خارج على القانون مطرود من بلده المملكة العربية السعودية ومن السودان فيما بعد. كما أن حركة طالبان التي دعمته لم يكن يعترف بها إلا ثلاثة من أصل 53 بلداً مسلماً في العالم. ولقد دانت كل الحكومات الإسلامية- بما فيها السودان وإيران – باستثناء العراق، هجماته الإرهابية في الحادي عشر من سبتمبر. كما وافقت، أو على الأقل، أذعنت كل الحكومات لاستراتيجية الولايات المتحدة في الرد العسكري في أفغانستان.

بيد أن هنتنغتون تابع ملاحظته قائلاً إنه على الرغم من الإدانة الرسمية الواسعة، فإن ابن لادن يحظى بتأييد شعبي قوي في العالم الإسلامي ولاسيما العربي. وإنه (في الوقت الذي كان يسعى فيه إلى حشد المسلمين بإعلانه الحرب على الغرب أعاد للغرب إحساسه بالهوية المشتركة في الدفاع عن نفسه).

ولقد كان هنتنغتون محقاً تماماً في تأكيده هذا. ومن المفارقة أن هجمات الحادي عشر من سبتمبر كانت ضربة أدت في الوقت نفسه إلى تمزيق الأمة الإسلامية وتوثيق عرى مجتمع الدول الغربية، بحيث أضعف طرفاً وقوى الطرف الآخر بعكس ما كانت تبتغي نوايا خاطفي الطائرات الانتحاريين أنفسهم، وللأسف بعد ثمانية عشر شهراً كان لغزو العراق واحتلاله أثر معاكس فرَّق الغرب ووثق عرى الأمة الإسلامية لفترة مؤقتة على الأقل.

وقال هنتنغتون لجاردلز مصادقاً على الجهود الأولى لإدارة بوش في مواجهة الإرهاب: (من المناسب أن ترى الولايات المتحدة أن ردها ليس حرباً على الإسلام، وإنما هي حرب بين شبكة كثيفة من الإرهاب العابر للحدود وبين العالم المتحضر). لكن هنتنغتون كان، وهو يقاوم استدراج جاردلز المتكرر، مقتنعاً بأن الإرهاب الذي تحركه دوافع إسلامية ما هو إلا حالة متطرفة من عدم التسامح، بدل اعتبار وضع الإسلام بحد ذاته قضية سياسية بطريقة ما. وكان في ذلك يعطي نمطاً نموذجياً لمذهبه الفكري. لكن بعد ما رأيناه من انتشار هجمات الحادي عشر من سبتمبر انتشار النار في الهشيم أمام أعيننا لتتحول إلى صراع عالمي تقوم فيه (شبكة) هنتنغتون (الكثيفة من الإرهاب العابر للقوميات) باستحضار الإسلام في كل عمل وقضية أصبح الرفض أو التردد الذي يبديه هذا المذهب الفكري في الحديث عن دور الدين، والذي كنا نتفهمه فيما سبق، أصبح ينظر إليه الآن أكثر فأكثر باعتباره قصراً في النظر.

إن رد إدارة بوش على أحداث الحادي عشر من سبتمبر، مثله مثل رد هنتنغتون على جاردلز، يتفق كثيراً مع الطبيعة الأمريكية. فالأمريكيون، في الأعم الأغلب، كانوا بالتأكيد سيصابون بانزعاج شديد من رئيس يرى من الصواب التحيز في أي مناظرة أو حوار إسلامي بين التيار الأساسي في الإسلام وتيار (القاعدة) آخذاً في الاعتبار الاختلاف بينهما في فهم الأسس الأيديولوجية للإسلام.

لكن إذا كانت نتيجة مثل هذه المناظرة بين الأيديولوجيات الإسلامية المختلفة تؤثر تأثيراً قوياً في استمرار حدوث أو عدم حدوث هجمات مستقبلية شديدة القسوة على الولايات المتحدة، أقول إن كان لنتيجة هذه المناظرة مثل هذا الأثر أفلا تستحق إذن هذه المناظرة قدراً وافياً من الاهتمام الأمريكي، حتى على مستوى التوجه السياسي؟ فلو ألقينا نظرة مقارنة على فترة شبيهة بهذه أيام الصراع مع الشيوعية، لوجدنا أن مؤسسة السياسة الخارجية الأمريكية لم تكن لتتردد في الاشتباك مع خصمها على المستوى الفكري.

وكان يعتبر أمراً حاسماً في الخمسينات من القرن العشرين التمييز الدقيق والعلني بين الاشتراكية الديمقراطية كما يمارسها عدد من أكثر حلفاء أمريكا أهمية والاشتراكية اللاديمقراطية كما كان يمارسها الاتحاد السوفييتي السابق. ولولا هذا التمييز فلربما كان بعض أصدقائنا سيظن نفسه عدونا، ولما فهم عدونا أساس عداوتنا له. إن ثيولوجيا الحرب الباردة، التي يمكن أن تبدو تخديرية لو نظرنا إليها نظرة استرجاعية، كانت لها علاقة كبيرة بكسب معركة دولية لجذب القلوب والعقول. والآن أرى أن حشد الحلفاء من المسلمين وعزل العدو الإسلامي يستدعي جهداً مماثلاً لذلك الجهد، لاسيما إن عرفنا أن العدو لا يمكن عزله إلا بالتعاون الأمني الوثيق مع الدول الإسلامية. وإذا سلمنا بأن صياغة هذه الفوارق الثيولوجية المميِّزة في التعامل مع المسلمين ليست مهمة تقع حصرياً أو حتى مبدئياً على عاتق الرئيس الأمريكي، فقد تكون مع ذلك مهمة ملحة وجزءاً ضرورياً من أي استجابة دبلوماسية أمريكية للتهديد الإسلامي.

والسؤال الذي يطرح نفسه هو أين يبدأ مثل هذا الاشتباك الفكري؟ ونبدأ فنقول إن مصطلح الإسلام السياسي (Islamism) تمت صياغته ليشير إلى إسلام أصلحه أصحاب هذا التوجه أو أعادوا صياغته أو ربما بالأحرى تمت تعبئته ليكون بديلاً أيديولوجياً واجتماعياً أسمى من الشيوعية والرأسمالية والقومية وما شاكلها من المذاهب الأخرى التي اجتذبت المسلمين المعاصرين. وقد ذكر بول برمان في كتابه (الرعب والليبرالية) أنه يرى في العالم المصري سيد قطب كالفن هذا الإصلاح الإسلامي، وفي الوقت نفسه يراه ماركس في محاولته لتحويل الإسلام إلى أيديولوجية توتاليتارية مستبدة. ويرى برمان أنه في الوقت الذي يجري به الرد عسكرياً على (القاعدة) ومن لفّ لفها يجب على الغرب، وعلى رأسه الولايات المتحدة، أن يرد أيديولوجياً على سيد قطب ومن لف لفه. لكن هذا بدوره يعني أن ينظر إلى سيد قطب والدراما الفكرية الداخلية للإسلام نفسه نظرة جادة وجديدة. 

::/fulltext::
::cck::777::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *