الانسحاب الأمريكي من العراق: واقع أم تغيير استراتيجي؟
::cck::1179::/cck::
::introtext::
(إنني أعلن الليلة انتهاء المهمة القتالية الأمريكية في العراق. لقد انتهت عملية حرية العراق، والآن تقع على عاتق الشعب العراقي المسؤولية الأساسية عن أمن بلاده. فهذا هو ما تعهدت به للشعب الأمريكي خلال حملة ترشيحي لهذا المنصب. وفي فبراير الماضي أعلنت عن خطة لسحب ألويتنا القتالية من العراق بالتزامن مع مضاعفة جهودنا لتعزيز قوات الأمن العراقية ودعم حكومتها وشعبها. وذلك هو ما أنجزناه، فقد سحبنا قرابة 100 ألف جندي أمريكي من العراق وأغلقنا أو نقلنا مئات القواعد إلى العراقيين، كما نقلنا ملايين المعدات إلى خارج العراق).
::/introtext::
::fulltext::
(إنني أعلن الليلة انتهاء المهمة القتالية الأمريكية في العراق. لقد انتهت عملية حرية العراق، والآن تقع على عاتق الشعب العراقي المسؤولية الأساسية عن أمن بلاده. فهذا هو ما تعهدت به للشعب الأمريكي خلال حملة ترشيحي لهذا المنصب. وفي فبراير الماضي أعلنت عن خطة لسحب ألويتنا القتالية من العراق بالتزامن مع مضاعفة جهودنا لتعزيز قوات الأمن العراقية ودعم حكومتها وشعبها. وذلك هو ما أنجزناه، فقد سحبنا قرابة 100 ألف جندي أمريكي من العراق وأغلقنا أو نقلنا مئات القواعد إلى العراقيين، كما نقلنا ملايين المعدات إلى خارج العراق).
بهذه الكلمات بدأ الرئيس الأمريكي باراك أوباما خطابه في 31 أغسطس 2010 ليعلن شكلياً عن نهاية مهمة الولايات المتحدة القتالية في العراق بعد حرب استمرت 7 سنوات، فعندما تسلم أوباما مقاليد الحكم في يناير 2009 كان يوجد في العراق 144 ألف عسكري أمريكي. وفي الخطاب الذي ألقاه في قاعدة كامب لوجون في 27 فبراير 2009 أعلن الرئيس أوباما أن الولايات المتحدة ستنهي مهمتها القتالية في 31 أغسطس 2010 على أن تحتفظ بقوة مؤقتة يصل عديدها إلى 50 ألف عسكري أمريكي من أجل تدريب قوات الأمن العراقية وتقديم المشورة إليها، فضلاً عن تنفيذ عمليات مشتركة واستهدافية لمكافحة الإرهاب، وحماية الجهود المستمرة الأمريكية المدنية والعسكرية. وبحلول يناير 2010، كان يوجد في العراق 112 ألف عسكري. وبنهاية مايو 2010، انخفض هذا العدد إلى 88 ألفاً. واتخذ الجنرال اوديرنو القرار في مايو 2010 بأن التطورات الإيجابية في قطاع الأمن سمحت باستمرار خفض عدد القوات وفق الخطة الموضوعة، وبدأ بصورة جادة في يونيو 2010، تنفيذ المرحلة النهائية لخفض عدد العسكريين نزولاً عند تعهد الرئيس بإنهاء العمليات القتالية. وفي 24 أغسطس 2010 انخفض عدد العسكريين الأمريكيين في العراق إلى 50 ألفاً. أما القواعد العسكرية ففي يونيو 2009 كانت القوات العسكرية الأمريكية تحتل 357 قاعدة، وتحتل هذه القوات حالياً 92 قاعدة، 58 منها بصورة مشتركة مع العراقيين. وفي 21 أغسطس انتهت (عملية حرية العراق). وقد سميت المهمة الانتقالية (عملية الفجر الجديد) ، تماشياً مع الاتفاقية الأمريكية مع الحكومة العراقية، ومن المقرر أن تغادر كافة القوات الأمريكية العراق بنهاية عام 2011.
إن خفض عدد القوات لا يعني خفض الالتزام الأمريكي تجاه العراق، بل يعني تغييراً في طبيعة تعهدنا من التزام يقوده العسكريون إلى التزام يقوده المدنيون، وسوف تستمر القوة الانتقالية التي سنبقيها في العراق في دعم قوات الأمن العراقية، وسوف نقوي أواصر الشراكة بين الولايات المتحدة والعراق في حقول كالتعليم وحكم القانون والتجارة والتكنولوجيا. ومن أجل ترشيد التوسع في علاقتنا، وقّعت الولايات المتحدة والعراق (اتفاقية إطار العمل الاستراتيجي)، التي تحدد مجالات الحوار والمبادلات والروابط ونقل الخبرات، وهذا ما تنشره السفارة الأمريكية في العراق بموقعها الرسمي على الإنترنت.
أمام الولايات المتحدة الكثير الذي يمكن أن تفعله للحد من شدة تصفية الحسابات القادمة في العراق
قبل الدخول في تحليل حقائق الانسحاب الأمريكي من العراق لا بد من المرور بواقع السفارة الأمريكية في العراق فهي السفارة الأضخم في العالم والتي دخلت سجل غينيس للأرقام القياسية، فهي تتوسط العاصمة العراقية بغداد وتقع على الجانب الغربي لنهر دجلة، وهذه السفارة قياسية من حيث الحجم والعمارة والإنشاء وعدد الحراس وعدد الموظفين، لذلك فهي ستأخذ فصلاً كاملاً في سجل (غينيس). فقد اشترك في أعمال إنشاء هذه السفارة أكثر من 3500 عامل، وتجاوزت تكاليف الإنشاء مليار دولار، ويحتل المجمع أرضاً مساحتها نصف مليون متر مربع، أو مايعادل 104 دونمات، قامت(الحكومة العراقية) بنقل ملكيتها إلى الولايات المتحدة في عام 2004 وفق اتفاق لم تكشف مضامينه،وهي تفوقمساحة الفاتيكان، أو 6 أضعاف مجمع الأمم المتحدة في نيويورك، وتستغرق السيارةللسير بمحاذاة إحدى أضلاعه خمس دقائق، ما يجعله يقزّم كبريات السفارات الأمريكية فيالعالم التي لا تتجاوز مساحتها عادة 10 دونمات.
ويشتملالمجمع على 6 وحدات، 21 مبنى، 619 شقة لإسكان 380 عائلة، سكن خاص للسفير وآخرلنائبه، مبنى استقبال، صالات رياضية، بركة سباحة، ساحات لكرة السلة والطائرة،سينما، مناطق تسوّق، مطاعم، صالون تجميل، مساحات خضراء، ممرات تمتد على جانبيهاأشجار نخيل، محطة إطفاء، مدارس، مبنى لـ (النادي الأمريكي) من الأندية الفارهة.
وللمجمع بنية تحتية خاصة تشمل محطة توليد طاقة، محطة مياهشرب، محطة صرف صحي، محطة اتصالات هاتفية خارجية مستقلة عن شبكة الاتصالات المتداعيةلمدينة بغداد. وبحسب تقرير لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ في إبريل 2007 فإن استقلالية البنية التحتية تضمن القدرة على العمل في ظروف انقطاع الكهرباءالمتكرر، وشح المياه في بغداد. وأشار التقرير إلى أن أعمال الإنشاء نفذت بفترةزمنية ودرجة نجاح فاقت بقية المشاريع في العراق، بما فيها الطبية والطاقة والمياهوالصرف الصحي، التفاصيل الوحيدة المتوفرة عن الشكل النهائيللمجمع نشرت في تقرير مجلس الشيوخ، الذي برر الحجم الهائل للإنفاق بالصعوباتالمتزايدة التي تواجهها وزارة الخارجية الأمريكية في إقناع منتسبيها للمجيء والعملفي أجواء العنف المزمن في بغداد.
المبررات التي يسوغها الأمريكيون للانسحاب ما هي إلا شعارات جوفاء لا قيمة ملموسة لها
ويعمل في المجمع 5500موظف، أي ما يعادل سكان مدينة صغيرة، نصفهم تقريباً من عناصر الأمن والمخابرات،يعملون على مدار الساعة، وعلق المتحدث باسم البيت الأبيضجوستين هكنز على حجمالمبنى والعدد الكبير للموظفين بالقول (إنه دلالة على طبيعة العمل الذي يواجهالولايات المتحدة هنا).
والمنظومة الأمنية للمجمع لهادلالاتها أيضاً، فالمجمع محاط بأسوار عالية بسماكة 5 أمتار، فلا يرى إلا من الجو،وترتفع بجانب الأسوار وعلى مسافات متقاربة أبراج مراقبة، يحتلها قناصة مشاةالبحرية، وتتولى مسؤولية الدفاع عنه قوة خاصة يبلغ قوامها 1000 عنصر أمني، ولا تزيدمساحة النوافذ على 15 في المائة من مساحة الجدران، والأمر كما يقول مهندس معماري (لا علاقةلحرارة الطقس وأشعة الشمس الحارقة بتصميم النوافذ، فلا ننسى أن السفارة تقع ضمنمرمى قذائف الهاون من جهاتها الأربع).
وبخلاف السفاراتالأمريكية في أنحاء العالم التي يراعى في هندستها النمط المعماري المحلي ونوع موادالبناء، فقدوصف مهندس معماري مبنى السفارة الذي ينتصب وسطبغداد بأنه (عبوس، أشبه بثكنة، لا روح فيه، أعمى لا يرى أحوال الناس من حوله، أصملا يسمع نداءات العالم، خالٍ من أدنى مراعاة للذوق العام، وهو أكثر قبحاً منالهندسة المعمارية للنظم الشمولية،ويختصر بذلك مكانة أمريكا في النفوس وأضاف، هذه ليست هندسة معمارية، إنها إهانة لعمارة مدينة تزخر بالحضارة، إنه وحش) وقال دبلوماسي غربي )هذا ليس مكاناً للدبلوماسية).
إن الانسحاب الأمريكي من العراق هو انسحاب شكلي اتضحت معالمه، لكن أهدافه يكتنفها الغموض، فالنزال في العراق لم تكتمل فصوله بهذا الانسحاب الذي لا يتعدى كونه إدارة جديدة لاحتلال سيطول أمده، فالنظرة في العراق إلى الصورة التي يحاول الأمريكيون رسمها ليست كما يرى البعض بأنها صورة ضوئية وإنما نظرة إلى صورة حقيقية واقعية. فقد دخلتأمريكا معركتها في العراق قبل سبع سنوات باقتصاد قوي وجيش واثق، أما اليوم فإن اقتصادها يعاني من مشكلات عديدة،وجنودها ينتحرون أو يطلبون اللجوء السياسي، والخريطةالسياسية العالمية حبلى بالأحداث الكبيرة التي من أبرزها تغير موازين القوى.
ولا تعتمد الولايات المتحدة الأمريكية على العنصر البشري كعنصر رئيسي في الحرب، لذلك فإن خفض عدد القوات الأمريكية في العراق لا يعني خروج المحتل، بل هو يعني اكتمال بناء المنظومة الأمنية الأمريكية في العراق، فهي تعتمد على العمل اللوجستي الاستخباري في تحقيق أهدافها الاستراتيجية والعسكرية في العراق، فاستراتيجيةالحرب الأمريكيةتقوم علىترابطأدواتالسياسةمندبلوماسيةواقتصاديةوعسكرية ودعايةفيشنحربشاملةعلىكافةالجهاتلتحقيقالأهدافالسياسيةالأمريكيةالاقتصاديةوالعسكريةمنها،وترتكزعلىسياسةمحددةالأهداف ومعلوماتاستخباريةشاملةوموثقة،كماترتبطبالاستراتيجيةالعسكرية والاقتصاديةوتتسمبالعلنيةوالسريةوالخداعوالتعتيموالتلفيقوالتضليللتشكيلرأيعامعربيوإسلاميوعالمي داعمللمصالحالأمريكية.
الدولة التي تمتلك وتشيد سفارة بحجم سفارة الولايات المتحدة لا تنوي الرحيل
إن المعطيات والمبررات التي يسوغها الأمريكان للانسحاب ما هي إلا شعارات جوفاء لا قيمة ملموسة لها، وذلك لأن أسباب ومبررات غزو العراق لا تعبر عن الحقائق الاستراتيجية التي جاءت بالأمريكيين إلى المنطقة بهذا الحجم الهائل من القوة، فالأسباب الحقيقية للغزو يمكن إجمال أهمها بما يأتي:
ـ وضع اليد على ثروات العراق النفطية الهائلة والسيطرة على موقع بمنطقة لطالما راودتهم فكرة احتلالها وتقسيمها، وتقوية نفوذ إسرائيل فيها على حساب شعوبها، لذلك فقد أخطأ من تصور أن الأمريكيين سينسحبون من العراق، دونما جني ثمار ما تكبدوه من خسائر في المال والبشر وتدني الصورة الأمريكية في العالم.
إن الأمريكان لن يغادروا العراق, وهم يعلمون علم اليقين أنهم سيتركونه لقمة سائغة لجيرانه الذين لديهم أهدافهم ومصالحهم فيه، لا سيما أن تدخلهم واضح في عملية تشكيل الحكومة التي لم تتشكل بعد، رغم مرور سبعة أشهر على الانتخابات البرلمانية.
ـ تخوف الأمريكيين من قوة الحركات المتطرفة في العراق واحتمال تمكنها من الوصول إلى السلطة، لاسيما بعد أن نجح الأمريكيون في تفصيل خريطة العراق على المقياس الذي أرادوه، فحولوه إلى قوميات وطوائف وملل متناحرة ومتصارعة.
ـ تزايد الشعور الأمريكي بتراجع قوة إمبراطوريتهم أمام تزايد النفوذ الاقتصادي الصيني في كل بقاع العالم، وانبعاث النزعة القومية لدى الروس, ونجاح العديد من المقاومات الوطنية (في لبنان كما في فلسطين، كما في العديد من دول أمريكا اللاتينية)،ناهيك عن التراجع الاقتصادي الذي يضرب الولايات المتحدة اليوم، وهذه المعطيات تؤكد تراجع وانحسار المشروع الإمبراطوري الذي رفع بوش لواءه.
ـ أمام الولايات المتحدة الأمريكية الكثير الذي يمكن أن تفعلة للحد من شدة تصفية الحسابات القادمة في العراق، وأهم خيارين أمام الولايات المتحدة الأمريكية هما:
ـ العودة إلى الأمم المتحدة للحصولعلى مساعدتهافيالتفاوضعلىوضعاستراتيجيةللمصالحةالوطنيةبينالعراقيين.
ـ شنموجةمنالنشاطاتالدبلوماسيةبينالدولالمجاورة للعراقلإقناعتلكالدول بأن تستخدمنفوذهاللسيطرةعلى وكلائها،والحلفاء،والرهائنالتيتمتلكهاداخلالعراق،فإيرانتريد منالولاياتالمتحدةتقديمتنازلات بشأن برنامجها النووي فيمقابلالمساعدةعلىتحقيقالاستقرارفي العراق، والمملكة العربيةالسعوديةتريدمنالولاياتالمتحدة أن تتبنىشيئاًمامثلمبادرةالملكعبداللهعام 2002وكخطةللسلامفي فلسطين،وتركيا تريدمنالولاياتالمتحدةالأمريكيةالدعمالسياسيوالماليمنأجلالموافقةعلى عدم السماحلأكثرمنالحكمالذاتيالكرديفيشمالالعراق،وسوريا التيلهاتأثير فيحزبالبعثوالقوىالقوميةالعربيةفيالعراق،تريددعمالولاياتالمتحدة لجهودهافياستعادةمرتفعاتالجولان وأن تعترف الولاياتالمتحدةبمصالحهاالمشروعةفيلبنان.
خلاصة القول أن الدولة التي تمتلك وتشيد سفارة بحجم سفارة الولايات المتحدة الأمريكية لا تنوي الرحيل، فهكذا سفارة ليست مكاناً للدبلوماسية لا أثناء الاحتلال ولا بعده، كما أنها ليست لصنع الذاكرة الجماعية، ليست العراقية فقطأو العربية أو الإسلامية، وإنما الإنسانية، بل هي مكان يحكي قصة انقضاض أمواج بشريةأتت من وراء المحيطات، من الأرض التي هاجرت إليها أساساً وهي تبحث عن الزاد الكلأوالنار، وعندما أوشكت مؤونتها على النضوب أخذت تجوب الأرض من جديد منزلة الدماروالخراب والقتل أينما حلت. هذا مكان يحكي لزائره كيف أن البشرية تنوء اليوم بعبء 300 مليون من البشر، وُجدوا وتكاثروا خارج تراكمات الحضارةالإنسانية، وخارج تاريخها، حملهم شظف العيش على الهجرة، وتجمعوا على أساس اللقمة،امتلكوا أعتى سلاح، وأمسكوا بعنق الاقتصاد العالمي، وتستيقظ في أذهانهم ـ مع اشتدادالتنافس الأممي ـ كوابيس الهجرة، والأسباب التي مكنتهم من التفرّد بقارة كاملة،فيكررون المشهد ويشيعون الخراب والدمار على خطى الأجداد.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1179::/cck::
::introtext::
(إنني أعلن الليلة انتهاء المهمة القتالية الأمريكية في العراق. لقد انتهت عملية حرية العراق، والآن تقع على عاتق الشعب العراقي المسؤولية الأساسية عن أمن بلاده. فهذا هو ما تعهدت به للشعب الأمريكي خلال حملة ترشيحي لهذا المنصب. وفي فبراير الماضي أعلنت عن خطة لسحب ألويتنا القتالية من العراق بالتزامن مع مضاعفة جهودنا لتعزيز قوات الأمن العراقية ودعم حكومتها وشعبها. وذلك هو ما أنجزناه، فقد سحبنا قرابة 100 ألف جندي أمريكي من العراق وأغلقنا أو نقلنا مئات القواعد إلى العراقيين، كما نقلنا ملايين المعدات إلى خارج العراق).
::/introtext::
::fulltext::
(إنني أعلن الليلة انتهاء المهمة القتالية الأمريكية في العراق. لقد انتهت عملية حرية العراق، والآن تقع على عاتق الشعب العراقي المسؤولية الأساسية عن أمن بلاده. فهذا هو ما تعهدت به للشعب الأمريكي خلال حملة ترشيحي لهذا المنصب. وفي فبراير الماضي أعلنت عن خطة لسحب ألويتنا القتالية من العراق بالتزامن مع مضاعفة جهودنا لتعزيز قوات الأمن العراقية ودعم حكومتها وشعبها. وذلك هو ما أنجزناه، فقد سحبنا قرابة 100 ألف جندي أمريكي من العراق وأغلقنا أو نقلنا مئات القواعد إلى العراقيين، كما نقلنا ملايين المعدات إلى خارج العراق).
بهذه الكلمات بدأ الرئيس الأمريكي باراك أوباما خطابه في 31 أغسطس 2010 ليعلن شكلياً عن نهاية مهمة الولايات المتحدة القتالية في العراق بعد حرب استمرت 7 سنوات، فعندما تسلم أوباما مقاليد الحكم في يناير 2009 كان يوجد في العراق 144 ألف عسكري أمريكي. وفي الخطاب الذي ألقاه في قاعدة كامب لوجون في 27 فبراير 2009 أعلن الرئيس أوباما أن الولايات المتحدة ستنهي مهمتها القتالية في 31 أغسطس 2010 على أن تحتفظ بقوة مؤقتة يصل عديدها إلى 50 ألف عسكري أمريكي من أجل تدريب قوات الأمن العراقية وتقديم المشورة إليها، فضلاً عن تنفيذ عمليات مشتركة واستهدافية لمكافحة الإرهاب، وحماية الجهود المستمرة الأمريكية المدنية والعسكرية. وبحلول يناير 2010، كان يوجد في العراق 112 ألف عسكري. وبنهاية مايو 2010، انخفض هذا العدد إلى 88 ألفاً. واتخذ الجنرال اوديرنو القرار في مايو 2010 بأن التطورات الإيجابية في قطاع الأمن سمحت باستمرار خفض عدد القوات وفق الخطة الموضوعة، وبدأ بصورة جادة في يونيو 2010، تنفيذ المرحلة النهائية لخفض عدد العسكريين نزولاً عند تعهد الرئيس بإنهاء العمليات القتالية. وفي 24 أغسطس 2010 انخفض عدد العسكريين الأمريكيين في العراق إلى 50 ألفاً. أما القواعد العسكرية ففي يونيو 2009 كانت القوات العسكرية الأمريكية تحتل 357 قاعدة، وتحتل هذه القوات حالياً 92 قاعدة، 58 منها بصورة مشتركة مع العراقيين. وفي 21 أغسطس انتهت (عملية حرية العراق). وقد سميت المهمة الانتقالية (عملية الفجر الجديد) ، تماشياً مع الاتفاقية الأمريكية مع الحكومة العراقية، ومن المقرر أن تغادر كافة القوات الأمريكية العراق بنهاية عام 2011.
إن خفض عدد القوات لا يعني خفض الالتزام الأمريكي تجاه العراق، بل يعني تغييراً في طبيعة تعهدنا من التزام يقوده العسكريون إلى التزام يقوده المدنيون، وسوف تستمر القوة الانتقالية التي سنبقيها في العراق في دعم قوات الأمن العراقية، وسوف نقوي أواصر الشراكة بين الولايات المتحدة والعراق في حقول كالتعليم وحكم القانون والتجارة والتكنولوجيا. ومن أجل ترشيد التوسع في علاقتنا، وقّعت الولايات المتحدة والعراق (اتفاقية إطار العمل الاستراتيجي)، التي تحدد مجالات الحوار والمبادلات والروابط ونقل الخبرات، وهذا ما تنشره السفارة الأمريكية في العراق بموقعها الرسمي على الإنترنت.
أمام الولايات المتحدة الكثير الذي يمكن أن تفعله للحد من شدة تصفية الحسابات القادمة في العراق
قبل الدخول في تحليل حقائق الانسحاب الأمريكي من العراق لا بد من المرور بواقع السفارة الأمريكية في العراق فهي السفارة الأضخم في العالم والتي دخلت سجل غينيس للأرقام القياسية، فهي تتوسط العاصمة العراقية بغداد وتقع على الجانب الغربي لنهر دجلة، وهذه السفارة قياسية من حيث الحجم والعمارة والإنشاء وعدد الحراس وعدد الموظفين، لذلك فهي ستأخذ فصلاً كاملاً في سجل (غينيس). فقد اشترك في أعمال إنشاء هذه السفارة أكثر من 3500 عامل، وتجاوزت تكاليف الإنشاء مليار دولار، ويحتل المجمع أرضاً مساحتها نصف مليون متر مربع، أو مايعادل 104 دونمات، قامت(الحكومة العراقية) بنقل ملكيتها إلى الولايات المتحدة في عام 2004 وفق اتفاق لم تكشف مضامينه،وهي تفوقمساحة الفاتيكان، أو 6 أضعاف مجمع الأمم المتحدة في نيويورك، وتستغرق السيارةللسير بمحاذاة إحدى أضلاعه خمس دقائق، ما يجعله يقزّم كبريات السفارات الأمريكية فيالعالم التي لا تتجاوز مساحتها عادة 10 دونمات.
ويشتملالمجمع على 6 وحدات، 21 مبنى، 619 شقة لإسكان 380 عائلة، سكن خاص للسفير وآخرلنائبه، مبنى استقبال، صالات رياضية، بركة سباحة، ساحات لكرة السلة والطائرة،سينما، مناطق تسوّق، مطاعم، صالون تجميل، مساحات خضراء، ممرات تمتد على جانبيهاأشجار نخيل، محطة إطفاء، مدارس، مبنى لـ (النادي الأمريكي) من الأندية الفارهة.
وللمجمع بنية تحتية خاصة تشمل محطة توليد طاقة، محطة مياهشرب، محطة صرف صحي، محطة اتصالات هاتفية خارجية مستقلة عن شبكة الاتصالات المتداعيةلمدينة بغداد. وبحسب تقرير لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ في إبريل 2007 فإن استقلالية البنية التحتية تضمن القدرة على العمل في ظروف انقطاع الكهرباءالمتكرر، وشح المياه في بغداد. وأشار التقرير إلى أن أعمال الإنشاء نفذت بفترةزمنية ودرجة نجاح فاقت بقية المشاريع في العراق، بما فيها الطبية والطاقة والمياهوالصرف الصحي، التفاصيل الوحيدة المتوفرة عن الشكل النهائيللمجمع نشرت في تقرير مجلس الشيوخ، الذي برر الحجم الهائل للإنفاق بالصعوباتالمتزايدة التي تواجهها وزارة الخارجية الأمريكية في إقناع منتسبيها للمجيء والعملفي أجواء العنف المزمن في بغداد.
المبررات التي يسوغها الأمريكيون للانسحاب ما هي إلا شعارات جوفاء لا قيمة ملموسة لها
ويعمل في المجمع 5500موظف، أي ما يعادل سكان مدينة صغيرة، نصفهم تقريباً من عناصر الأمن والمخابرات،يعملون على مدار الساعة، وعلق المتحدث باسم البيت الأبيضجوستين هكنز على حجمالمبنى والعدد الكبير للموظفين بالقول (إنه دلالة على طبيعة العمل الذي يواجهالولايات المتحدة هنا).
والمنظومة الأمنية للمجمع لهادلالاتها أيضاً، فالمجمع محاط بأسوار عالية بسماكة 5 أمتار، فلا يرى إلا من الجو،وترتفع بجانب الأسوار وعلى مسافات متقاربة أبراج مراقبة، يحتلها قناصة مشاةالبحرية، وتتولى مسؤولية الدفاع عنه قوة خاصة يبلغ قوامها 1000 عنصر أمني، ولا تزيدمساحة النوافذ على 15 في المائة من مساحة الجدران، والأمر كما يقول مهندس معماري (لا علاقةلحرارة الطقس وأشعة الشمس الحارقة بتصميم النوافذ، فلا ننسى أن السفارة تقع ضمنمرمى قذائف الهاون من جهاتها الأربع).
وبخلاف السفاراتالأمريكية في أنحاء العالم التي يراعى في هندستها النمط المعماري المحلي ونوع موادالبناء، فقدوصف مهندس معماري مبنى السفارة الذي ينتصب وسطبغداد بأنه (عبوس، أشبه بثكنة، لا روح فيه، أعمى لا يرى أحوال الناس من حوله، أصملا يسمع نداءات العالم، خالٍ من أدنى مراعاة للذوق العام، وهو أكثر قبحاً منالهندسة المعمارية للنظم الشمولية،ويختصر بذلك مكانة أمريكا في النفوس وأضاف، هذه ليست هندسة معمارية، إنها إهانة لعمارة مدينة تزخر بالحضارة، إنه وحش) وقال دبلوماسي غربي )هذا ليس مكاناً للدبلوماسية).
إن الانسحاب الأمريكي من العراق هو انسحاب شكلي اتضحت معالمه، لكن أهدافه يكتنفها الغموض، فالنزال في العراق لم تكتمل فصوله بهذا الانسحاب الذي لا يتعدى كونه إدارة جديدة لاحتلال سيطول أمده، فالنظرة في العراق إلى الصورة التي يحاول الأمريكيون رسمها ليست كما يرى البعض بأنها صورة ضوئية وإنما نظرة إلى صورة حقيقية واقعية. فقد دخلتأمريكا معركتها في العراق قبل سبع سنوات باقتصاد قوي وجيش واثق، أما اليوم فإن اقتصادها يعاني من مشكلات عديدة،وجنودها ينتحرون أو يطلبون اللجوء السياسي، والخريطةالسياسية العالمية حبلى بالأحداث الكبيرة التي من أبرزها تغير موازين القوى.
ولا تعتمد الولايات المتحدة الأمريكية على العنصر البشري كعنصر رئيسي في الحرب، لذلك فإن خفض عدد القوات الأمريكية في العراق لا يعني خروج المحتل، بل هو يعني اكتمال بناء المنظومة الأمنية الأمريكية في العراق، فهي تعتمد على العمل اللوجستي الاستخباري في تحقيق أهدافها الاستراتيجية والعسكرية في العراق، فاستراتيجيةالحرب الأمريكيةتقوم علىترابطأدواتالسياسةمندبلوماسيةواقتصاديةوعسكرية ودعايةفيشنحربشاملةعلىكافةالجهاتلتحقيقالأهدافالسياسيةالأمريكيةالاقتصاديةوالعسكريةمنها،وترتكزعلىسياسةمحددةالأهداف ومعلوماتاستخباريةشاملةوموثقة،كماترتبطبالاستراتيجيةالعسكرية والاقتصاديةوتتسمبالعلنيةوالسريةوالخداعوالتعتيموالتلفيقوالتضليللتشكيلرأيعامعربيوإسلاميوعالمي داعمللمصالحالأمريكية.
الدولة التي تمتلك وتشيد سفارة بحجم سفارة الولايات المتحدة لا تنوي الرحيل
إن المعطيات والمبررات التي يسوغها الأمريكان للانسحاب ما هي إلا شعارات جوفاء لا قيمة ملموسة لها، وذلك لأن أسباب ومبررات غزو العراق لا تعبر عن الحقائق الاستراتيجية التي جاءت بالأمريكيين إلى المنطقة بهذا الحجم الهائل من القوة، فالأسباب الحقيقية للغزو يمكن إجمال أهمها بما يأتي:
ـ وضع اليد على ثروات العراق النفطية الهائلة والسيطرة على موقع بمنطقة لطالما راودتهم فكرة احتلالها وتقسيمها، وتقوية نفوذ إسرائيل فيها على حساب شعوبها، لذلك فقد أخطأ من تصور أن الأمريكيين سينسحبون من العراق، دونما جني ثمار ما تكبدوه من خسائر في المال والبشر وتدني الصورة الأمريكية في العالم.
إن الأمريكان لن يغادروا العراق, وهم يعلمون علم اليقين أنهم سيتركونه لقمة سائغة لجيرانه الذين لديهم أهدافهم ومصالحهم فيه، لا سيما أن تدخلهم واضح في عملية تشكيل الحكومة التي لم تتشكل بعد، رغم مرور سبعة أشهر على الانتخابات البرلمانية.
ـ تخوف الأمريكيين من قوة الحركات المتطرفة في العراق واحتمال تمكنها من الوصول إلى السلطة، لاسيما بعد أن نجح الأمريكيون في تفصيل خريطة العراق على المقياس الذي أرادوه، فحولوه إلى قوميات وطوائف وملل متناحرة ومتصارعة.
ـ تزايد الشعور الأمريكي بتراجع قوة إمبراطوريتهم أمام تزايد النفوذ الاقتصادي الصيني في كل بقاع العالم، وانبعاث النزعة القومية لدى الروس, ونجاح العديد من المقاومات الوطنية (في لبنان كما في فلسطين، كما في العديد من دول أمريكا اللاتينية)،ناهيك عن التراجع الاقتصادي الذي يضرب الولايات المتحدة اليوم، وهذه المعطيات تؤكد تراجع وانحسار المشروع الإمبراطوري الذي رفع بوش لواءه.
ـ أمام الولايات المتحدة الأمريكية الكثير الذي يمكن أن تفعلة للحد من شدة تصفية الحسابات القادمة في العراق، وأهم خيارين أمام الولايات المتحدة الأمريكية هما:
ـ العودة إلى الأمم المتحدة للحصولعلى مساعدتهافيالتفاوضعلىوضعاستراتيجيةللمصالحةالوطنيةبينالعراقيين.
ـ شنموجةمنالنشاطاتالدبلوماسيةبينالدولالمجاورة للعراقلإقناعتلكالدول بأن تستخدمنفوذهاللسيطرةعلى وكلائها،والحلفاء،والرهائنالتيتمتلكهاداخلالعراق،فإيرانتريد منالولاياتالمتحدةتقديمتنازلات بشأن برنامجها النووي فيمقابلالمساعدةعلىتحقيقالاستقرارفي العراق، والمملكة العربيةالسعوديةتريدمنالولاياتالمتحدة أن تتبنىشيئاًمامثلمبادرةالملكعبداللهعام 2002وكخطةللسلامفي فلسطين،وتركيا تريدمنالولاياتالمتحدةالأمريكيةالدعمالسياسيوالماليمنأجلالموافقةعلى عدم السماحلأكثرمنالحكمالذاتيالكرديفيشمالالعراق،وسوريا التيلهاتأثير فيحزبالبعثوالقوىالقوميةالعربيةفيالعراق،تريددعمالولاياتالمتحدة لجهودهافياستعادةمرتفعاتالجولان وأن تعترف الولاياتالمتحدةبمصالحهاالمشروعةفيلبنان.
خلاصة القول أن الدولة التي تمتلك وتشيد سفارة بحجم سفارة الولايات المتحدة الأمريكية لا تنوي الرحيل، فهكذا سفارة ليست مكاناً للدبلوماسية لا أثناء الاحتلال ولا بعده، كما أنها ليست لصنع الذاكرة الجماعية، ليست العراقية فقطأو العربية أو الإسلامية، وإنما الإنسانية، بل هي مكان يحكي قصة انقضاض أمواج بشريةأتت من وراء المحيطات، من الأرض التي هاجرت إليها أساساً وهي تبحث عن الزاد الكلأوالنار، وعندما أوشكت مؤونتها على النضوب أخذت تجوب الأرض من جديد منزلة الدماروالخراب والقتل أينما حلت. هذا مكان يحكي لزائره كيف أن البشرية تنوء اليوم بعبء 300 مليون من البشر، وُجدوا وتكاثروا خارج تراكمات الحضارةالإنسانية، وخارج تاريخها، حملهم شظف العيش على الهجرة، وتجمعوا على أساس اللقمة،امتلكوا أعتى سلاح، وأمسكوا بعنق الاقتصاد العالمي، وتستيقظ في أذهانهم ـ مع اشتدادالتنافس الأممي ـ كوابيس الهجرة، والأسباب التي مكنتهم من التفرّد بقارة كاملة،فيكررون المشهد ويشيعون الخراب والدمار على خطى الأجداد.
::/fulltext::
::cck::1179::/cck::
