السياسة الأمريكية المحتملة تجاه العراق في مرحلة ما بعد الانسحاب
::cck::1175::/cck::
::introtext::
في الحادي والثلاثين من أغسطس 2010 أعلن الرئيس الأمريكي باراك أوباما انتهاء المهمة القتالية للقوات الأمريكية في العراق باكتمال سحب نحو (100) ألف جندي أمريكي منه وإبقاء (50) ألف جندي لأغراض تدريبية. وتجنيء أهمية وخطورة هذه العملية من كونها أكبر عملية سحب لقوات عسكريةفي التاريخ، وحدثت عقب سبع سنوات ونصف السنة من الاحتلال الأمريكي للعراق (من 9 إبريل 2003 ولغاية 31 أغسطس 2010) من دون الاعتراف الرسمي بالنصر في هذه الحرب، بل حتى إن أوباما اكتفى بوصف العملية بكونها (في مصلحة العراق والولايات المتحدة الأمريكية).
::/introtext::
::fulltext::
في الحادي والثلاثين من أغسطس 2010 أعلن الرئيس الأمريكي باراك أوباما انتهاء المهمة القتالية للقوات الأمريكية في العراق باكتمال سحب نحو (100) ألف جندي أمريكي منه وإبقاء (50) ألف جندي لأغراض تدريبية. وتجنيء أهمية وخطورة هذه العملية من كونها أكبر عملية سحب لقوات عسكريةفي التاريخ، وحدثت عقب سبع سنوات ونصف السنة من الاحتلال الأمريكي للعراق (من 9 إبريل 2003 ولغاية 31 أغسطس 2010) من دون الاعتراف الرسمي بالنصر في هذه الحرب، بل حتى إن أوباما اكتفى بوصف العملية بكونها (في مصلحة العراق والولايات المتحدة الأمريكية).
على الرغم من تباين الآراء بشأن خلفيات القرار الأمريكي بالانسحاب العسكري الجزئي من العراق، إلا أن هذا القرار وغيره من القرارات الاستراتيجية الأمريكية، يرتبط من الناحية العملية بعمليات التحول في السياسة الأمريكية التي ترتبط هي الأخرى بتغيير الحقائق الموجبة لها. وعلى سبيل المثال، تزامنت مع بروز الدور العالمي للولايات المتحدة الأمريكية، منذ عام 1945 وحتى الوقت الحاضر، وجود حقائق فاعلة ومؤثرة بالقرار الأمريكي، يمكن تلخيص مراحلها كما يأتي:
أولاً: مرحلة القطبية الثنائية: وكانت إحدى النتائج الميدانية للحرب العالمية الثانية (1939 ــ 1944)، والتي أفضت بانتهاء الإمبراطوريات القديمة (بريطانيا وفرنسا وألمانيا)، وبروز الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي كدولتين عظميين في العالم.
ثانياً: مرحلة القطبية الأحادية: بدأت هذه المرحلة مع انتهاء الحرب الباردة بانهيار الاتحاد السوفييتي وانفراد الولايات المتحدة الأمريكية منذ عام 1991 لتحتل الموقع الأول على مسرح الأحداث العالمي.
ثالثاً: مرحلة الإعياء الأمريكي: جاءت هذه المرحلة كنتيجة للتدخل العسكري الأمريكي الخارجي، باحتلال أفغانستان منذ عام 2001 والعراق منذ عام 2003 فإن الولايات المتحدة الأمريكية أصيبت بالإعياء، وكان من نتائجها انتخاب باراك أوباما لرئاسة الولايات المتحدة الأمريكية. ومع ذلك لا توجد متغيرات جوهرية في السياسة الأمريكية،إلا إنها أفرزت حقائق مؤثرة في القرار الأمريكي.
* العراق في السياسة الأمريكية: برزت خطورة السنوات السبع ونصف السنة العجاف من تاريخ الاحتلال الأمريكي للعراق منذ عام 2003 حتى الوقت الحاضر لتُثبت وبشكل لا يقبل اللبس خطل السياسة الأمريكية تجاه العراق بعد أن أثبتت الأحداث اللاحقة أن احتلاله غير مسوغ وفقاً لمعايير القانون الدولي، استناداً إلى أدلة أثبتتها دولة الاحتلال الأمريكي ذاتها في عهد إدارة جورج بوش الابندون غيرها، عندما أعلنت بعد تحقيق معمق قامت به أجهزتها المختلفة عدم امتلاك العراق أسلحة الدمار الشامل، ولا صلة له بتنظيم القاعدة – وهما السببان اللذان تذرعت بهما إدارة بوش الابن لاحتلالها للعراق- فضلاً عن استمرار حالة الحرب وعدم الاستقرار الأمني في العراق طيلة السنوات السبع ونصف السنة الماضية.
وبحلول يناير 2009، وبعد حصول الحزب الديمقراطي على غالبية مقاعد الكونغرس ومجلس الشيوخ الأمريكي، ومن ثم تربع الرئيس باراك أوباما على سدة الحكم في واشنطن، وإعلانه عن خطته (Change) التي استهدفت إحداث التغيير في مجمل ميادين الحياة الأمريكية، وبخاصة في الميدان الاقتصادي، بعد الأزمة المالية العالمية التي حدثت في سبتمبر 2008.
ولمحاولة إنقاذ سمعة الولايات المتحدة الأمريكية عالمياً بعد أن تضررت كثيراً جراء احتلالها للعراق، أعلن أوباما تمسكه ببنود الاتفاقية الأمنية بين العراق والولايات المتحدة التي وقعها بوش الابن مع رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي في بغداد في 20 أكتوبر 2008، ومن ثم أعلن عن خطته التي عُرفت بـ (خطة أوباما ـ بايدن) لسحب القوات الأمريكية من العراق وترك العراق للعراقيين مستنداً إلى سلسلة من الدراسات العلمية التي تضمنت الخطوات الآتية:
1- إنهاء الحرب في العراق: وذلك لتتمكن الولايات المتحدة الأمريكية من إعادة تجديد القوة العسكرية الأمريكية، وتخصيص مزيد من الموارد لمقاتلة طالبان و(القاعدة) في أفغانستان.
2- التزام أوباما وبايدن بإنهاء الحرب: دعت الخطة إلى الثقة بأوباما، وذكّرت بمواقفه عام 2002، ووصفتها بالحكمة والشجاعة حينما عبر جهاراً عن رأيه المعارض للذهاب إلى الحرب والتحذير من احتلال مجهول المدة والتكاليف والعواقب، وكررت التزام أوباما وبايدن بإنهاء الحرب في العراق.
3- الانسحاب المسؤول: طرح أوباما فرضية الانسحاب المسؤول حينما أشار إلى أنه علينا الخروج من العراق مثلما كنا غير مبالين عند دخوله، وأنه سيقوم فور توليه الحكم بإعطاء وزير الدفاع والقادة العسكريين مهمة جديدة في العراق هي إنهاء الحرب.
4- الانسحاب عبر مراحل: سيكون الانسحاب حسب هذه الخطة على مراحل، ينفذه القادة العسكريون على الأرض وبالتشاور مع الحكومة العراقية، وبمعدل لواءين في الشهر، مما يعني انسحابها جميعاً خلال (18) شهراً بحلول صيف 2010.
5- إبقاء قوات محدودة في العراق: بموجب خطة (أوباما ــ بايدن) ستبقى قوات أمريكية محدودة في العراق وفي المنطقة للقيام بمهمات (ضد الإرهاب) في العراق وحماية الدبلوماسيين الأمريكيين والمدنيين.
6- الاستيعاب السياسي: على الولايات المتحدة ممارسة الضغط على الحكومة العراقية للعمل نحو (استيعاب سياسي حقيقي) لوجود قناعة بعدم وجود حل عسكري للاختلافات السياسية العراقية، وينبغي الضغط على القادة العراقيين لتحمل المسؤولية عن مستقبلهم واستثمار عائدات النفط في إعادة إعمار بلدهم.
7- إيجاد استقرار دائم في العراق: سيشجع الانسحاب العسكري الأمريكي، بحسب هذه الخطة على مراحل، العراقيين على أخذ زمام القيادة في تأمين بلدهم والقيام بتسويات سياسية.
8- الدبلوماسية المندفعة: طرحت هذه الخطة مفهوماً سياسياً جديداً أطلق عليه (الدبلوماسية المندفعة)، وذلك من خلال بذل جهود مضنية للتوصل إلى اتفاق شامل حول استقرار العراق والمنطقة، وتشمل كافة الدول المجاورة للعراق، بما فيها إيران وسوريا، وهو ما اقترحه تقرير دراسة مجموعة الحزبين للعراق (تقرير بيكر ــ هاملتون). وسيهدف هذا الاتفاق إلى تأمين الحدود العراقية، ومنع الدول المجاورة من التدخل في الشأن العراقي، ودعم تسوية بين المجموعات الطائفية العراقية، وتوفير دعم مالي لإعادة اعمار العراق.
9- المسؤولية الأخلاقية: أكدت هذه الخطة أن على الولايات المتحدة التزاماً ومسؤولية أخلاقية يتطلبان مواجهة الأزمات الإنسانية العراقية (أكثر من خمسة ملايين لاجئ أو مشرد عراقي داخل وطنه). والسعي إلى تشكيل مجموعة عمل دولية لمعالجة هذه الأزمة، من أجل تقديم ما لا يقل عن ملياري دولار لخدمة اللاجئين العراقيين في الدول المجاورة، وضمان قدرة العراقيين على إيجاد ملاذ داخل وطنهم.
10- دعم أي اتفاقية مع العراق: دعمت هذه الخطة أية اتفاقية توفر لقوات الولايات المتحدة الحماية والحصانة القانونية التي تحتاجها.
وقد حدد باراك أوباما بقوله (بحلول 31 أغسطس 2010 فإن مهمتنا القتالية في العراق ستنتهي، وسنحافظ على قوة انتقالية لتقوم بثلاث مهام رئيسية، التدريب، والتجهيز، وتقديم المشورة لقوات الأمن العراقية طالما أنها قوات غير طائفية، والقيام بعمليات ضد الإرهاب وحماية الجهد العسكري والمدني المستمر في العراق، وهذه القوة ستكون على الأرجح من (35) ألف جندي إلى (50) ألفاً. وبحلول الموعد المذكور أوفى أوباما بوعده وبذلك استكملت الولايات المتحدة الأمريكية بسحب قطاعاتها العسكرية المقاتلة من العراق في 31 أغسطس 2010.
العوامل المؤثرة في السياسة الأمريكية تجاه العراق:
1- الضغوط العسكرية: تكبدت القوات العسكرية الأمريكية خسائر بشرية ومادية كبيرة جراء احتلالها للعراق، وعلى سبيل المثال، فقد بلغت الخسائر البشرية المعلنة رسمياً ولغاية 31 أغسطس 2010 نحو (4417) قتيلاً وأكثر من (30) ألف جريح، ويعتقد السفير الأمريكي في بغداد جيمس جيفري إن جماعات تدعمها إيران مسؤولة عن ربع الخسائر الأمريكية في العراق، ناهيك عن الخسائر المادية الأخرى.
2- تصاعد التكاليف العسكرية: تصاعدت أعباء التدخل العسكري الأمريكي في العراق وبشكل تدريجي منذ عام 2003، لتتجاوز التكاليف المالية لكل الحروب الأمريكية السابقة، ومنذ عام 2008 تجاوز المبلغ ثلاثة تريليونات دولار أمريكي (التريليون يساوي ألف مليار) استناداً إلى كتاب عالم الاقتصاد الأمريكي جوزيف ستيغلتز الذي يحمل جائزة نوبل في الاقتصاد، والموسوم حرب الثلاثة تريليونات دولار، التكلفة الحقيقية لحرب العراق الذي صدر في عام 2009، فضلاً عن استمرار ارتفاع أرقام ميزانية الدفاع السنوية الأمريكية، إذ كانت في عام 2009 نحو (636.537) مليار دولار، وارتفعت إلى (688.041) مليار دولار في عام 2010.
3- العامل النفطي: في إطار المساعي الأمريكية لتأمين إمدادات الطاقة وسيطرتها على مناطق الوفرة، اعتمدت الإدارات الأمريكية المتعاقبة على القوة العسكرية لتأمينها. وهذا النهج عبّر عنه الرئيس الأسبق جيمي كارتر في خطابه لحالة الاتحاد في 23 يناير 1980 فقد قال (إن أية محاولة لقوى خارجية ــــ في إشارة إلى الاتحاد السوفييتي السابق حينذاك ــــ للسيطرة على منطقة الخليج العربي ستعد اعتداء على المصالح الحيوية الأمريكية. ومثل هذا الاعتداء سترد عليه واشنطن بكافة الوسائل بما فيها القوة العسكرية. كما أن الحرب الأمريكية في العراق استهدفت بالأساس، وإن لم تعلن إدارة جورج دبليو بوش السابقة، السيطرة على الاحتياطيات النفطية العراقية، فضلاً عن الانتشار العسكري والقواعد الأمريكية في بلاد الوفرة النفطية والغاز الطبيعي في إقليم بحر قزوين والدول الإفريقية على سبيل المثال، فضلاً عن الانتشار العسكري الأمريكي في منطقة الخليج العربي.
وتجسد هذه السياسة حقيقة أن معظم الحروب الأمريكية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية لم يكن الهدف المعلن منها هو الطاقة، ولكنه هدف خفي من الصعب إنكاره، آخذين في الاعتبار أن الولايات المتحدة تستهلك يومياً نحو (19) مليون برميل من النفط، وهي بذلك أكبر مستهلك للنفط في العالم، حيث تستورد أكثر من نصف هذه الكمية من مختلف دول العالم، وبخاصة من إقليم الشرق الأوسط الغني بالنفط.
1- العوامل السياسية: تتابع السياسة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط عدة ملفات، في مقدمتها ملف التدخل العسكري الأمريكي في العراق، وملف الصراع العربي-الإسرائيلي، والملف النووي الإيراني، والملف الأفغاني، ويصعب للمتتبع، من الناحية العملية الفصل بين هذه الملفات لتداخلها، ولوجود مداخلات إقليمية ودولية تواجه التطبيقات العملية للسياسة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط التي عكستها الاستراتيجية الأمريكية في جوانبها السياسية والعسكرية والاقتصادية، وبخاصة تقاطع المصالح والاستراتيجيات بين السياسة الأمريكية والاستراتيجيات والمصالح الإقليمية والكونية الأخرى في منطقة الشرق الأوسط ومنها وجود مصالح لروسيا والصين والاتحاد الأوروبي واليابان، فضلاً عن طموحات ومصالح إقليمية لكل من إيران وتركيا والهند في منطقة الشرق الأوسط، والتي تساهم بصورة مباشرة أم غير مباشرة في عرقلة التوجهات الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط.
وعلى الرغم من الثبات النسبي لاتجاهات السياسة العامة للولايات المتحدة الأمريكية حيال منطقة الشرق الأوسط بصورة عامة، والعراق منه على وجه الخصوص، فإن التطبيقات التي مثلتها استراتيجيات الأمن القومي الأمريكي التي صدرت من قبل إدارتي الرئيسين بوش وأوباما، تكاد تتفق في مضامينها ودلالاتها حيال العراق.
وقد انفردت إدارة الرئيس باراك أوباما عن سابقتها في التعبير عن استراتيجيتها للأمن القومي الأمريكي والتي أصدرها البيت الأبيض في 27 مايو 2010 وما أوضحته من قيم أخلاقية، من خلال إصرارها على فكرة إنهاء الاحتلال العسكري من العراق وتصويرها باتجاهين:
الأول: داخلي، كونها تمثل إيفاء الرئيس باراك أوباما بوعوده بسحب الجيش الأمريكي من العراق، ويعكس هذا الأمر قناعة أوباما الشخصية الرافضة لفكرة احتلال العراق منذ عام 2002، فضلاً عن كونها مطلب شرائح واسعة من الشعب الأمريكي، وبخاصة شريحة المحاربين القدامى ذات التأثير الواسع في الشارع الأمريكي.
الثاني: خارجي، ويمثل محاولة لاستهداف مركز تنظيم (القاعدة) المتمترس في جبال أفغانستان وباكستان وحليفته منظمة طالبان التي تقود معارضة عسكرية واسعة لقوات الحلفاء في الساحة الأفغانية. لذلك فإن السياسة الأمريكية حيال العراق ستتمحور في المدى المنظور بالآتي:
أ- توجه أمريكي، يستهدف تطبيق استراتيجية معتدلة ومقبولة حيال العراق تأخذ في الاعتبار جوانب متداخلة من الميادين السياسية والاقتصادية والعسكرية، وبما يضمن تثبيت نمط مقبول عراقياً وإقليمياً من العلاقات العراقية – الأمريكية، وبخاصة في المدى المنظور، وإلى حين تجاوز الولايات المتحدة الأمريكية مرحلة الإعياء التي تعاني منها منذ عدة سنوات.
ب- اعتماد جوانب الحذر من قبل إدارة أوباما حيال القيام بمتغيرات جذرية في السياسة الأمريكية تجاه العراق تحسباً من حصول انعكاسات سلبية في تطورات العملية السياسية في العراق قد تؤثر في خطط أوباما في الدورة الانتخابية المقبلة.
ج- تعمل إدارة باراك أوباما على تنشيط صيغة الدبلوماسية المندفعة، وبما يحقق شبكة علاقات معلنة وخفية مع كافة الأطراف الفاعلة في العراق والدول المجاورة له، بما في ذلك إيران وسوريا على ألا تشكل هذه الصيغة تراجعاً في السياسة العامة الأمريكية حيال العراق ومنطقة الشرق الأوسط على المدى الاستراتيجي.
د- بتقديرنا أن الإدارة الأمريكية الحالية والتي تعاني من إخفاقات عسكرية واقتصادية ورثتها عن سابقتها بسبب احتلالها غير المسوغ للعراق، ستكيف سياستها بما يتيح لقوى إقليمية مؤثرة أن تحتفظ بعلاقات وطيدة مع الولايات المتحدة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط، وبخاصة المملكة العربية السعودية وتركيا لممارسة دور فاعل ومؤثر في التوازن الإقليمي لمواجهة الدور العسكري الإيراني.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1175::/cck::
::introtext::
في الحادي والثلاثين من أغسطس 2010 أعلن الرئيس الأمريكي باراك أوباما انتهاء المهمة القتالية للقوات الأمريكية في العراق باكتمال سحب نحو (100) ألف جندي أمريكي منه وإبقاء (50) ألف جندي لأغراض تدريبية. وتجنيء أهمية وخطورة هذه العملية من كونها أكبر عملية سحب لقوات عسكريةفي التاريخ، وحدثت عقب سبع سنوات ونصف السنة من الاحتلال الأمريكي للعراق (من 9 إبريل 2003 ولغاية 31 أغسطس 2010) من دون الاعتراف الرسمي بالنصر في هذه الحرب، بل حتى إن أوباما اكتفى بوصف العملية بكونها (في مصلحة العراق والولايات المتحدة الأمريكية).
::/introtext::
::fulltext::
في الحادي والثلاثين من أغسطس 2010 أعلن الرئيس الأمريكي باراك أوباما انتهاء المهمة القتالية للقوات الأمريكية في العراق باكتمال سحب نحو (100) ألف جندي أمريكي منه وإبقاء (50) ألف جندي لأغراض تدريبية. وتجنيء أهمية وخطورة هذه العملية من كونها أكبر عملية سحب لقوات عسكريةفي التاريخ، وحدثت عقب سبع سنوات ونصف السنة من الاحتلال الأمريكي للعراق (من 9 إبريل 2003 ولغاية 31 أغسطس 2010) من دون الاعتراف الرسمي بالنصر في هذه الحرب، بل حتى إن أوباما اكتفى بوصف العملية بكونها (في مصلحة العراق والولايات المتحدة الأمريكية).
على الرغم من تباين الآراء بشأن خلفيات القرار الأمريكي بالانسحاب العسكري الجزئي من العراق، إلا أن هذا القرار وغيره من القرارات الاستراتيجية الأمريكية، يرتبط من الناحية العملية بعمليات التحول في السياسة الأمريكية التي ترتبط هي الأخرى بتغيير الحقائق الموجبة لها. وعلى سبيل المثال، تزامنت مع بروز الدور العالمي للولايات المتحدة الأمريكية، منذ عام 1945 وحتى الوقت الحاضر، وجود حقائق فاعلة ومؤثرة بالقرار الأمريكي، يمكن تلخيص مراحلها كما يأتي:
أولاً: مرحلة القطبية الثنائية: وكانت إحدى النتائج الميدانية للحرب العالمية الثانية (1939 ــ 1944)، والتي أفضت بانتهاء الإمبراطوريات القديمة (بريطانيا وفرنسا وألمانيا)، وبروز الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي كدولتين عظميين في العالم.
ثانياً: مرحلة القطبية الأحادية: بدأت هذه المرحلة مع انتهاء الحرب الباردة بانهيار الاتحاد السوفييتي وانفراد الولايات المتحدة الأمريكية منذ عام 1991 لتحتل الموقع الأول على مسرح الأحداث العالمي.
ثالثاً: مرحلة الإعياء الأمريكي: جاءت هذه المرحلة كنتيجة للتدخل العسكري الأمريكي الخارجي، باحتلال أفغانستان منذ عام 2001 والعراق منذ عام 2003 فإن الولايات المتحدة الأمريكية أصيبت بالإعياء، وكان من نتائجها انتخاب باراك أوباما لرئاسة الولايات المتحدة الأمريكية. ومع ذلك لا توجد متغيرات جوهرية في السياسة الأمريكية،إلا إنها أفرزت حقائق مؤثرة في القرار الأمريكي.
* العراق في السياسة الأمريكية: برزت خطورة السنوات السبع ونصف السنة العجاف من تاريخ الاحتلال الأمريكي للعراق منذ عام 2003 حتى الوقت الحاضر لتُثبت وبشكل لا يقبل اللبس خطل السياسة الأمريكية تجاه العراق بعد أن أثبتت الأحداث اللاحقة أن احتلاله غير مسوغ وفقاً لمعايير القانون الدولي، استناداً إلى أدلة أثبتتها دولة الاحتلال الأمريكي ذاتها في عهد إدارة جورج بوش الابندون غيرها، عندما أعلنت بعد تحقيق معمق قامت به أجهزتها المختلفة عدم امتلاك العراق أسلحة الدمار الشامل، ولا صلة له بتنظيم القاعدة – وهما السببان اللذان تذرعت بهما إدارة بوش الابن لاحتلالها للعراق- فضلاً عن استمرار حالة الحرب وعدم الاستقرار الأمني في العراق طيلة السنوات السبع ونصف السنة الماضية.
وبحلول يناير 2009، وبعد حصول الحزب الديمقراطي على غالبية مقاعد الكونغرس ومجلس الشيوخ الأمريكي، ومن ثم تربع الرئيس باراك أوباما على سدة الحكم في واشنطن، وإعلانه عن خطته (Change) التي استهدفت إحداث التغيير في مجمل ميادين الحياة الأمريكية، وبخاصة في الميدان الاقتصادي، بعد الأزمة المالية العالمية التي حدثت في سبتمبر 2008.
ولمحاولة إنقاذ سمعة الولايات المتحدة الأمريكية عالمياً بعد أن تضررت كثيراً جراء احتلالها للعراق، أعلن أوباما تمسكه ببنود الاتفاقية الأمنية بين العراق والولايات المتحدة التي وقعها بوش الابن مع رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي في بغداد في 20 أكتوبر 2008، ومن ثم أعلن عن خطته التي عُرفت بـ (خطة أوباما ـ بايدن) لسحب القوات الأمريكية من العراق وترك العراق للعراقيين مستنداً إلى سلسلة من الدراسات العلمية التي تضمنت الخطوات الآتية:
1- إنهاء الحرب في العراق: وذلك لتتمكن الولايات المتحدة الأمريكية من إعادة تجديد القوة العسكرية الأمريكية، وتخصيص مزيد من الموارد لمقاتلة طالبان و(القاعدة) في أفغانستان.
2- التزام أوباما وبايدن بإنهاء الحرب: دعت الخطة إلى الثقة بأوباما، وذكّرت بمواقفه عام 2002، ووصفتها بالحكمة والشجاعة حينما عبر جهاراً عن رأيه المعارض للذهاب إلى الحرب والتحذير من احتلال مجهول المدة والتكاليف والعواقب، وكررت التزام أوباما وبايدن بإنهاء الحرب في العراق.
3- الانسحاب المسؤول: طرح أوباما فرضية الانسحاب المسؤول حينما أشار إلى أنه علينا الخروج من العراق مثلما كنا غير مبالين عند دخوله، وأنه سيقوم فور توليه الحكم بإعطاء وزير الدفاع والقادة العسكريين مهمة جديدة في العراق هي إنهاء الحرب.
4- الانسحاب عبر مراحل: سيكون الانسحاب حسب هذه الخطة على مراحل، ينفذه القادة العسكريون على الأرض وبالتشاور مع الحكومة العراقية، وبمعدل لواءين في الشهر، مما يعني انسحابها جميعاً خلال (18) شهراً بحلول صيف 2010.
5- إبقاء قوات محدودة في العراق: بموجب خطة (أوباما ــ بايدن) ستبقى قوات أمريكية محدودة في العراق وفي المنطقة للقيام بمهمات (ضد الإرهاب) في العراق وحماية الدبلوماسيين الأمريكيين والمدنيين.
6- الاستيعاب السياسي: على الولايات المتحدة ممارسة الضغط على الحكومة العراقية للعمل نحو (استيعاب سياسي حقيقي) لوجود قناعة بعدم وجود حل عسكري للاختلافات السياسية العراقية، وينبغي الضغط على القادة العراقيين لتحمل المسؤولية عن مستقبلهم واستثمار عائدات النفط في إعادة إعمار بلدهم.
7- إيجاد استقرار دائم في العراق: سيشجع الانسحاب العسكري الأمريكي، بحسب هذه الخطة على مراحل، العراقيين على أخذ زمام القيادة في تأمين بلدهم والقيام بتسويات سياسية.
8- الدبلوماسية المندفعة: طرحت هذه الخطة مفهوماً سياسياً جديداً أطلق عليه (الدبلوماسية المندفعة)، وذلك من خلال بذل جهود مضنية للتوصل إلى اتفاق شامل حول استقرار العراق والمنطقة، وتشمل كافة الدول المجاورة للعراق، بما فيها إيران وسوريا، وهو ما اقترحه تقرير دراسة مجموعة الحزبين للعراق (تقرير بيكر ــ هاملتون). وسيهدف هذا الاتفاق إلى تأمين الحدود العراقية، ومنع الدول المجاورة من التدخل في الشأن العراقي، ودعم تسوية بين المجموعات الطائفية العراقية، وتوفير دعم مالي لإعادة اعمار العراق.
9- المسؤولية الأخلاقية: أكدت هذه الخطة أن على الولايات المتحدة التزاماً ومسؤولية أخلاقية يتطلبان مواجهة الأزمات الإنسانية العراقية (أكثر من خمسة ملايين لاجئ أو مشرد عراقي داخل وطنه). والسعي إلى تشكيل مجموعة عمل دولية لمعالجة هذه الأزمة، من أجل تقديم ما لا يقل عن ملياري دولار لخدمة اللاجئين العراقيين في الدول المجاورة، وضمان قدرة العراقيين على إيجاد ملاذ داخل وطنهم.
10- دعم أي اتفاقية مع العراق: دعمت هذه الخطة أية اتفاقية توفر لقوات الولايات المتحدة الحماية والحصانة القانونية التي تحتاجها.
وقد حدد باراك أوباما بقوله (بحلول 31 أغسطس 2010 فإن مهمتنا القتالية في العراق ستنتهي، وسنحافظ على قوة انتقالية لتقوم بثلاث مهام رئيسية، التدريب، والتجهيز، وتقديم المشورة لقوات الأمن العراقية طالما أنها قوات غير طائفية، والقيام بعمليات ضد الإرهاب وحماية الجهد العسكري والمدني المستمر في العراق، وهذه القوة ستكون على الأرجح من (35) ألف جندي إلى (50) ألفاً. وبحلول الموعد المذكور أوفى أوباما بوعده وبذلك استكملت الولايات المتحدة الأمريكية بسحب قطاعاتها العسكرية المقاتلة من العراق في 31 أغسطس 2010.
العوامل المؤثرة في السياسة الأمريكية تجاه العراق:
1- الضغوط العسكرية: تكبدت القوات العسكرية الأمريكية خسائر بشرية ومادية كبيرة جراء احتلالها للعراق، وعلى سبيل المثال، فقد بلغت الخسائر البشرية المعلنة رسمياً ولغاية 31 أغسطس 2010 نحو (4417) قتيلاً وأكثر من (30) ألف جريح، ويعتقد السفير الأمريكي في بغداد جيمس جيفري إن جماعات تدعمها إيران مسؤولة عن ربع الخسائر الأمريكية في العراق، ناهيك عن الخسائر المادية الأخرى.
2- تصاعد التكاليف العسكرية: تصاعدت أعباء التدخل العسكري الأمريكي في العراق وبشكل تدريجي منذ عام 2003، لتتجاوز التكاليف المالية لكل الحروب الأمريكية السابقة، ومنذ عام 2008 تجاوز المبلغ ثلاثة تريليونات دولار أمريكي (التريليون يساوي ألف مليار) استناداً إلى كتاب عالم الاقتصاد الأمريكي جوزيف ستيغلتز الذي يحمل جائزة نوبل في الاقتصاد، والموسوم حرب الثلاثة تريليونات دولار، التكلفة الحقيقية لحرب العراق الذي صدر في عام 2009، فضلاً عن استمرار ارتفاع أرقام ميزانية الدفاع السنوية الأمريكية، إذ كانت في عام 2009 نحو (636.537) مليار دولار، وارتفعت إلى (688.041) مليار دولار في عام 2010.
3- العامل النفطي: في إطار المساعي الأمريكية لتأمين إمدادات الطاقة وسيطرتها على مناطق الوفرة، اعتمدت الإدارات الأمريكية المتعاقبة على القوة العسكرية لتأمينها. وهذا النهج عبّر عنه الرئيس الأسبق جيمي كارتر في خطابه لحالة الاتحاد في 23 يناير 1980 فقد قال (إن أية محاولة لقوى خارجية ــــ في إشارة إلى الاتحاد السوفييتي السابق حينذاك ــــ للسيطرة على منطقة الخليج العربي ستعد اعتداء على المصالح الحيوية الأمريكية. ومثل هذا الاعتداء سترد عليه واشنطن بكافة الوسائل بما فيها القوة العسكرية. كما أن الحرب الأمريكية في العراق استهدفت بالأساس، وإن لم تعلن إدارة جورج دبليو بوش السابقة، السيطرة على الاحتياطيات النفطية العراقية، فضلاً عن الانتشار العسكري والقواعد الأمريكية في بلاد الوفرة النفطية والغاز الطبيعي في إقليم بحر قزوين والدول الإفريقية على سبيل المثال، فضلاً عن الانتشار العسكري الأمريكي في منطقة الخليج العربي.
وتجسد هذه السياسة حقيقة أن معظم الحروب الأمريكية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية لم يكن الهدف المعلن منها هو الطاقة، ولكنه هدف خفي من الصعب إنكاره، آخذين في الاعتبار أن الولايات المتحدة تستهلك يومياً نحو (19) مليون برميل من النفط، وهي بذلك أكبر مستهلك للنفط في العالم، حيث تستورد أكثر من نصف هذه الكمية من مختلف دول العالم، وبخاصة من إقليم الشرق الأوسط الغني بالنفط.
1- العوامل السياسية: تتابع السياسة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط عدة ملفات، في مقدمتها ملف التدخل العسكري الأمريكي في العراق، وملف الصراع العربي-الإسرائيلي، والملف النووي الإيراني، والملف الأفغاني، ويصعب للمتتبع، من الناحية العملية الفصل بين هذه الملفات لتداخلها، ولوجود مداخلات إقليمية ودولية تواجه التطبيقات العملية للسياسة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط التي عكستها الاستراتيجية الأمريكية في جوانبها السياسية والعسكرية والاقتصادية، وبخاصة تقاطع المصالح والاستراتيجيات بين السياسة الأمريكية والاستراتيجيات والمصالح الإقليمية والكونية الأخرى في منطقة الشرق الأوسط ومنها وجود مصالح لروسيا والصين والاتحاد الأوروبي واليابان، فضلاً عن طموحات ومصالح إقليمية لكل من إيران وتركيا والهند في منطقة الشرق الأوسط، والتي تساهم بصورة مباشرة أم غير مباشرة في عرقلة التوجهات الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط.
وعلى الرغم من الثبات النسبي لاتجاهات السياسة العامة للولايات المتحدة الأمريكية حيال منطقة الشرق الأوسط بصورة عامة، والعراق منه على وجه الخصوص، فإن التطبيقات التي مثلتها استراتيجيات الأمن القومي الأمريكي التي صدرت من قبل إدارتي الرئيسين بوش وأوباما، تكاد تتفق في مضامينها ودلالاتها حيال العراق.
وقد انفردت إدارة الرئيس باراك أوباما عن سابقتها في التعبير عن استراتيجيتها للأمن القومي الأمريكي والتي أصدرها البيت الأبيض في 27 مايو 2010 وما أوضحته من قيم أخلاقية، من خلال إصرارها على فكرة إنهاء الاحتلال العسكري من العراق وتصويرها باتجاهين:
الأول: داخلي، كونها تمثل إيفاء الرئيس باراك أوباما بوعوده بسحب الجيش الأمريكي من العراق، ويعكس هذا الأمر قناعة أوباما الشخصية الرافضة لفكرة احتلال العراق منذ عام 2002، فضلاً عن كونها مطلب شرائح واسعة من الشعب الأمريكي، وبخاصة شريحة المحاربين القدامى ذات التأثير الواسع في الشارع الأمريكي.
الثاني: خارجي، ويمثل محاولة لاستهداف مركز تنظيم (القاعدة) المتمترس في جبال أفغانستان وباكستان وحليفته منظمة طالبان التي تقود معارضة عسكرية واسعة لقوات الحلفاء في الساحة الأفغانية. لذلك فإن السياسة الأمريكية حيال العراق ستتمحور في المدى المنظور بالآتي:
أ- توجه أمريكي، يستهدف تطبيق استراتيجية معتدلة ومقبولة حيال العراق تأخذ في الاعتبار جوانب متداخلة من الميادين السياسية والاقتصادية والعسكرية، وبما يضمن تثبيت نمط مقبول عراقياً وإقليمياً من العلاقات العراقية – الأمريكية، وبخاصة في المدى المنظور، وإلى حين تجاوز الولايات المتحدة الأمريكية مرحلة الإعياء التي تعاني منها منذ عدة سنوات.
ب- اعتماد جوانب الحذر من قبل إدارة أوباما حيال القيام بمتغيرات جذرية في السياسة الأمريكية تجاه العراق تحسباً من حصول انعكاسات سلبية في تطورات العملية السياسية في العراق قد تؤثر في خطط أوباما في الدورة الانتخابية المقبلة.
ج- تعمل إدارة باراك أوباما على تنشيط صيغة الدبلوماسية المندفعة، وبما يحقق شبكة علاقات معلنة وخفية مع كافة الأطراف الفاعلة في العراق والدول المجاورة له، بما في ذلك إيران وسوريا على ألا تشكل هذه الصيغة تراجعاً في السياسة العامة الأمريكية حيال العراق ومنطقة الشرق الأوسط على المدى الاستراتيجي.
د- بتقديرنا أن الإدارة الأمريكية الحالية والتي تعاني من إخفاقات عسكرية واقتصادية ورثتها عن سابقتها بسبب احتلالها غير المسوغ للعراق، ستكيف سياستها بما يتيح لقوى إقليمية مؤثرة أن تحتفظ بعلاقات وطيدة مع الولايات المتحدة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط، وبخاصة المملكة العربية السعودية وتركيا لممارسة دور فاعل ومؤثر في التوازن الإقليمي لمواجهة الدور العسكري الإيراني.
::/fulltext::
::cck::1175::/cck::
