الانسحاب الأمريكي.. متغيرات في شكل القوة والمسلك

::cck::1176::/cck::
::introtext::

خلّف غزو واحتلال العراق فوضى سياسية وعسكرية واقتصادية وتناسلاً لبؤر العنف كمبرر لصناعة الإرهاب وتجارة الأمن، في ظل تطبيق استراتيجيات طويلة الأمد وأخرى وسيطة، لإعادة تشكيل البيئة السياسة العربية، وبالتعاون مع الأضداد الإقليميين، و(تقرصن) الشركات القابضة المتعددة الجنسيات بجيوشها وسياسييها ومفاصلها المختلفة على القرار الدولي والأمريكي منه.

::/introtext::
::fulltext::

خلّف غزو واحتلال العراق فوضى سياسية وعسكرية واقتصادية وتناسلاً لبؤر العنف كمبرر لصناعة الإرهاب وتجارة الأمن، في ظل تطبيق استراتيجيات طويلة الأمد وأخرى وسيطة، لإعادة تشكيل البيئة السياسة العربية، وبالتعاون مع الأضداد الإقليميين، و(تقرصن) الشركات القابضة المتعددة الجنسيات بجيوشها وسياسييها ومفاصلها المختلفة على القرار الدولي والأمريكي منه.

لاحظنا متغيراً جوهرياً مخيفاً في شكل الصراع الدولي، والسلوك الحربي، بالتحول إلى الحرب المركبة المدمرة، حرب العقائد والأفكار(Beliefs War)، الحرب الديموغرافية حرب الجواسيس، حرب التقشير وتصفير القيم، حرب المخابرات الشبحية الخاصة والعمليات الخاصة، وأضحى العراق والعالم العربي يعيش في خطر مزمن، خصوصاً بعد إزاحة العراق البعد الرابع من معادلة التوازن الإقليمي، وحجر الزاوية في القدرة العربية الصلبة، وبذلك فتحت أبواب النفوذ الإيراني والإسرائيلي لتمزيق العالم العربي الإسلامي، وجعل شعوبه وثرواته أدوات الصراع ووقوداً للعنف والفوضى، ناهيك عن الإخلال بالتوازن الديموغرافي العربي، ولعل النفوذ في العراق شاهد إثبات، لا يقبل الدحض والإدغام، خصوصاً في ظل حمى الدعاية والتسويق للانسحاب الأمريكي، الذي أصبح ضرورة استراتيجية نظراً لفقدان عاملي القدرة الصلبة الأمريكية (القوة والاقتصاد)، لكن جنرالات الحرب ينظرون للعراق كصفقة تجارية ومغانم شخصية، وبذلك يطرحون الانسحاب كمتغير تكتيكي ومناورة دعائية، تقود إلى وجود دائم في العراق، خصوصاً إذا علمنا أن هناك فرقاً جوهرياً بين إنهاء الاحتلال والانسحاب كون الانسحاب إحدى صفحات الحرب، أي أن الحرب لا تزال مستعرة، وقد أصبح العراق بيئة رخوة، وفقد كيانه وبات مستقبله مجهولاً ويقود لمئات الاحتمالات المخيفة.

الانسحاب الأمريكي.. متغيرات في شكل القوة والمسلك

تفاءل العراقيون والعرب بإنهاء احتلال العراق، بعد إعلان استراتيجية الانسحاب مطلع عام 2009، وبدت خريطة طريق منطقية وموضوعية، لحلحلة ملفات العراق المستعصية والكارثية، وقد احتوت على تحديدات استراتيجية أبرزها: المصالحة الوطنية الحقيقية، وتأمين العودة الآمنة للمهجرين، وإعادة التوازن الديموغرافي في العراق، مع وجود حكومة عراقية تقبل المساءلة، وقوات عراقية غير طائفية ومهنية، وترك العراق لشعبه بانسحاب المسؤول، وتشكل هذه الحزمة ثورة ناعمة لتحقيق الاستقرار في العراق والمنطقة، وعند مقارنتها بالتطبيقات والسلوك السياسي والعسكري، نصطدم بخيبة أمل كبرى، خصوصاً مع رواج عمليات القتل للشخصيات السياسية والعشائرية والدينية والعسكرية، وقمع منظم للشعب العراقي، وعمليات التجريد الطائفي تحت مزدوجي الاجتثاث والإرهاب، والتغيير الديموغرافي لمدن العراق، وفرض طبقة المتعهدين السياسيين الوافدة على الشعب العراقي.

لقر حرصت (البنتاغون) على تغير نمط الحرب بمحورين أساسيين (شكل القوة – المسلك) لتقليل الإنفاق والتكاليف وديمومة الحرب باستخدام (الحرب المركبة) (إذكاء النزاعات والحروب بالوكالة – افتعال الأزمات – الدبلوماسية المخادعة – التحكم في الأدوات السياسية والحروب الخاصة)، ويبدو أن الغاية الاستراتيجية الأمريكية في العراق (التقسيم) وقد هيكلت أمريكا فكرة الانسحاب في عقول الرأي العام، والتشبث بالأدوات السياسية الطائفية والعرقية التي شكلت أضلاع الأزمة العراقية وانهيار قدراته، وبكل الأحوال يجري التقنين في حجم القوة كما يلي:

1- قوة الواجب مؤلفة من 50 ألف جندي يتمركزون في 94 قاعدة في مدن العراق خمس منها حصون – (مدن عسكرية).

2- القوات الساندة والمعقبة من اللوجست والمعلومات والأسلحة المتطورة ولو حسب العدد مع 50 ألف جندي تعد قوة الواجب 200 ألف جندي.

3- تكامل وصول ستة ألوية أمريكية مارينز في منتصف عام 2009 تحت بند الألوية الاستشارية وتقوم بمهام خاصة كالمداهمات والاغتيالات والتقشير.

4- جيش الظل- القسم الخامس في القدرة العسكرية الشاملة – الشركات الخاصة المرتزقة، ويقدر العدد المتبقي منها بـ 90 ألف متعهد من أصل 160 ألف متعهد بالإضافة إلى الشركات العراقية الملحقة التي تنفذ المهام نفسها.

5- الجيش الخاص الصغير لحماية السفارة والعاملين، وقد خصصت له عربات وحوامات ومروحيات من الجيش الأمريكي.

6- القدرة المكتسبة – القوات العراقية- وقد شكلت وفق فلسفة (سد الثغرات) وهي قوات شرطية وعقيدتها التدريبية والعملياتية مقتبسة من شركات المرتزقة، ولا تتسق بمفاهيم صفحة الدفاع والأمن الانسيابي، وتغيب عنها العقيدة العسكرية، وتعاني من خطيئة دمج الميليشيات، والمحاصصة الطائفية والعرقية، وفقاً لقواعد اللعبة الأمريكية والإقليمية في العراق، كما تشير المادتان 9 و10 من اتفاقية (صوفا) بسيطرة الولايات المتحدة الأمريكية على وزارتي الدفاع والداخلية لعشر سنوات.

لا يمكن فهم العلاقات الدولية المعاصرة من دون الأخذ في الاعتبار توازن القوى

العراق بيئة هشة وكيان مفقود ومستقبل مجهول

أصبح العراق بيئة خصبة للإرهاب الوافد والجريمة المنظمة والمخططات المشبوهة، ولا وجود لكيان العراق اليوم إذا ما قورنت الحقائق والوقائع مع المرتكزات، (الديموغرافية المستدامة –الوطن الموحد -الأمن–التكامل العسكري -الدولة ومؤسساتها – السيادة – الاستقرار-الرفاهية والدور الدولي والعربي)، ويمكن بيان ذلك كما يلي:

1- الشعب العراقي: ممزق وفق سياسة التجريف المجتمعي وتفكيك البنى التحتية والمنظومات القيمية، ناهيك عن قتل وتهجير واغتيال العلماء والنخب الوطنية والطبقة الوسطى الحرفية، وتنخره البطالة والجوع والتجسس والجريمة المنظمة والمخدرات والأوبئة، ويمارس ضده الإرهاب السياسي والحكومي، والإذلال الجسدي والنفسي، ورواج مشاهد الجثث المنزوعة الهوية، ولا وجود لمعالم الاستقرار فيه.

2- الوطن العراقي: أصبح رقع نفوذ ومحميات لإقطاعيات سياسية مرتبطة بأجندات إقليمية وأجنبية ويبدو كدولة طوائف ومذاهب وأعراق، وقد خصخصت ثرواته الاستراتيجية.

3- الدولة العراقية: حطم بريمر الدولة العراقية بالكامل في أكبر عملية تجريف ونهب عرفها التاريخ، ابتداء من حل المؤسسات والقوات المسلحة، ونهبها وحرقها، وإعادة تشكيلها وفق معايير مشوهة وهجينة (المكارثية) وتتسق بمنظومة قوانين هجينة قسرية (مكافحة الإرهاب) وقوات وحشية طائفية مدمجة، وقد خصخصت كافة المؤسسات الخدمية (نهب الشركات) مع ملء الفراغ المؤسساتي من الأحزاب الطائفية والعرقية كغنيمة حرب للأدوات السياسية الوافدة (طبقة النكبة السياسية).

4- النظام السياسي: ويفترض أنه يواكب حركة المجتمع ومتطلباته، وتحقيق حمايته ورغباته، ويحقق شرعيته بتحقيق إرادة الشعب، ولطالما تشدقت الأدوات السياسية الوافدة بالتعددية والديمقراطية كإطار للنظام السياسي الجديد، ولم يفلحوا في تطبيق أبسط مقوماتها، وبات شكل السلطة دكتاتورياً طائفياً راديكالياً – ولاية فقيه مقتبسة في ظل تعاظم دور الميليشيات الطائفية المسلحة ودمجها في الدولة (قسمة الغرماء).

5- السلطة: لم تتمكن الحكومات المتعاقبة من تحقيق لبنة السلطة الوطنية العصرية، نظراً لهشاشتها البنيوية وقد سخرت موارد الدولة لبقائها، وسعت السلطة إلى تطبيق مفاهيم الأمن السياسي لقوات الاحتلال كأسبقية أولى وتمسكها بالسلطة كأسبقية ثانية والتضحية بأمن المواطن العراقي واحتياجاته، وأسهمت بسلوكها في تعزيز النفوذ الإقليمي، وأضحى العراق مسرحاً لبطش السلطات المختلفة – الاحتلال – السلطة – المرتزقة – المخابرات الأجنبية والإقليمية – عصابات الجريمة المنظمة – الميليشيات الموشحة بملابس الدولة – الشركات الأمنية الخاصة والمجاميع الخاصة.

إن الولايات المتحدة لا تكترث ببناء دولة ونظام ديمقراطي حقيقي في العراق أو صيانة توازن القوى بالمنطقة، في ظل تعدد مراكز القوى، البيت الأبيض، البنتاغون، الخارجية، الـ (سي أي إيه)، ناهيك عن سطوة المجتمع الصناعي العسكري، وجماعات الضغط واللوبي الصهيوني، وسلطة الظل الحقيقية (الشركات القابضة)، ويحتكر جنرالات الحرب ملف العراق السياسي والعسكري، ويتمسكون بالأدوات السياسية الوافدة والمستوردة، ويتعاملون مع العراق كصفقة تجارية ومغانم حرب، خصوصاً بعد أن استخدموا مسالك حربية دموية أصبحت تراكماتها حزمة مخاطر يصعب مجابهتها، ونشهد وقائع ممسرحة لصراع السلطة وأحداثاً دراماتيكية ضمن صناعة الخوف، بغية إطالة وقت تشكيل الحكومة حتى سبتمبر2010، وهو مطلب أمريكي لتهيئة قاعدة انتخابية للحزب الديمقراطي، ضمن حزمة حوافز تبدو كنجاح في السياسة الخارجية، وأبرزها تشكيل الحكومة العراقية بعد مسرحية الاستعصاء، وسحب عدد من القوات، ومساومة إيران (الملف النووي)، وأفغانستان، والمفاوضات الفلسطينية.

العراق شكل في تاريخه الحديث العنصر الرابع في توازن القوى بالمنطقة

توازن القوى بين التقويم الاستراتيجي وصيانة القوة

اعتمد النظام الدولي مبدأ صيانة نسق القوة للحفاظ على التوازن السياسي والعسكري والديموغرافي وشكل توزيع القوة وفق نظرية الساق (توازن التوافق – توازن الأضداد)، ويعد توازن القوى ذا ديناميكية متطورة لتحقيق السلام والاستقرار، والذي يتطلب إدراكاً دقيقاً للقوة، كما أن توازن القوى يتعارض مع الهيمنة، ويسعى إلى منع قيام قوة مهيمنة، ويعمل على ضبط النفس وضبط الآخرين، مع الحفاظ على الاستقلالية، والحرص على المصلحة العامة مع الحفاظ على الخصائص الأساسية للمجتمع الذي تعمل ضمنه، ولا يمكن فهم العلاقات الدولية المعاصرة من دون الأخذ في الاعتبار توازن القوى. وفي البيئة الدولية المؤاتية يجري استخدام التحالفات الناجعة لصيانة توازن القوى، وعلى العكس في البيئة المجافية عندما يعمل النظام الدولي في ظل غياب المجتمع الدولي والمؤسسات الأخرى، يتعاظم مناخ الحرب في المجتمع الفوضوي، وتلك مرحلة بالغة التعقيد في صراع القوة، خصوصاً إذا أضفي عليها الطابع الديني الراديكالي المتشدد، وكما شهده العالم مطلع القرن الحالي تحت يافطة (الحرب العالمية على الإرهاب) حيث تصبح الحرب أكثر ضراوة وشمولية، وتعمل على تعميم سلوكهم وفهمهم الخاطئ على معتقدات الآخرين، وتصاحبه إراقة دماء وهمجية غير مبررة، وبرز جلياً في العراق، بعد تصفير قوته العسكرية التقليدية بما لا يتسق مع مفاهيم صيانة توازن القوى في المنطقة، وقد شكل العراق في تاريخه الحديث العنصر الرابع في توازن القوى في المنطقة مقابل تعاظم القدرة العسكرية الإسرائيلية والإيرانية والتركية، وارتكبت أمريكا خطيئة استراتيجية بإزاحة القدرة العراقية التي تشكل عنصر الاستقرار والتوازن، وبذلك حولت المنطقة من النسق المتوازن المستقر إلى التهديد المبعثر المنتشر، وقد أغفل العرب قيمة القدرة العراقية وفسحة وجودها الجغرافي، خصوصاً بعد تحول العراق بين (لبننة) و(صوملة)، ولا بد من إجراء تقويم استراتيجي لتلك التداعيات في نسق القوة العربية، خصوصاً بعد وضوح المسلك الأمريكي السياسي والحربي ما بعد الانسحاب التكتيكي كما يلي:

1- تقاسم النفوذ الدولي الإقليمي في اللوحة الاستراتيجية العربية.

2- القضم الجيوبولتيكي لدول الطوق العربي ومظاهر التفتيت الديموغرافي واستخدام الطائفية السياسية كغطاء ومحرك تفتيت للعالم العربي عمودياً.

3- استنزاف القدرة العربية الشاملة وخصوصاً القدرة البشرية.

4- توسيع النفوذ الإقليمي والليبرالي في دول الاهتمام الاستراتيجي.

5- اختلال موازين القوى وفقدان الردع الاستراتيجي وإغفال أهمية العراق فيه مع تعاظم القدرات الحربية الإقليمية – النووي – الصاروخي – البحري.

6- اتساع ظاهرة صناعة الإرهاب وتجارة الأمن وفتح الأسواق بالقوة.

7- احتقان المنطقة بالمناورات العسكرية وحافة الحرب لتحقيق مكاسب سياسية.

8- اندثار منظومة الأمن العربي ورواج حرب الجواسيس والأشباح – والعمليات الخاصة –الاغتيالات – التفجيرات – الحرائق – والمناخ – والقرصنة التي انتقلت من البحار إلى جنوب العراق وفي المياه الإقليمية، وانتشار مظاهر الفوضى – العنف والميليشيات – مؤسسات التأثير – الجريمة المنظمة – تجارة الرقيق – المخدرات – البطالة والجوع..إلخ.

أفرزت خطيئة احتلال العراق حقائق جيوسياسية خطيرة، تتطلب التقويم واستعادة المبادأة الاستراتيجية، ويفترض تطويع المعطيات والحقائق كما هي بعيداً عن منظومة الدعاية المضللة، وكشف نقاط الضعف ومعالجتها باستخدام الخطوط الاستراتيجية الناجعة في معالجة التهديدات وحسم موضوع إنهاء الاحتلال، والتركيز على أولوية المعالجات الموضوعية (الفورية – العاجلة – القريبة – المتوسطة – الطويلة الأمد)، ومن الضروري إيقاف التصدع الاستراتيجي والعملياتي، وتفكيك أزمة احتلال العراق إلى عواملها الأولية ومعالجة كل عامل على حدة، وإعادة بناء القدرات الذاتية التي تؤمن الدفاع الطوعي وتحقق توازن القوى، مع الأخذ في الاعتبار شكل وطبيعة التحالفات الدولية والإقليمية، وتطويعها لتحقيق المصلحة الدفاعية العليا، ومعالجة نقاط الخرق والضعف في الأمن العربي. وبالتأكيد أن استعادة المبادأة الاستراتيجية تحتاج إلى بحوث ودراسات تخصصية، لتعالج الثغرات وفق آليات عمل ناجعة، تمهيداً لإعادة الأمن والاستقرار للعراق والمنطقة، وإشغال دور مؤثر في صنع القرار الدولي مع الحفاظ على الثوابت الأساسية، خلافاً لذلك ستبقى البيئة الاستراتيجية قلقة ومتدحرجة والمناخ الأمني منهاراً والاستقرار السياسي مفقوداً في غياب الحل الموضوعي، وتعاظم الاستهداف للمواطن العراقي كوقود للحرب، ولا متغير جوهرياً من تشكيل حكومة محاصصة من الوجوه نفسها التي قادت العراق إلى الانهيار الشامل، خصوصاً عندما تعمل المنظومات الأمنية ودوائر المعلومات على توسيع مساحة العنف من خلال تنميط المقاومة بالإرهاب، وملاحقة عناصرها والتنكيل بهم وانتهاك حقوقهم وتعذيبهم، وفي المنظور الواقعي تعد المقاومة مفاعيل قوة في القدرة العراقية، ويعول عليها في تحقيق استقرار العراق وإعادة بنائه، وخلافاً لذلك فإن الوجود الأمريكي سيجعل العراق غارقاً في احتراب مزمن، ويعد السلام أضاليل في عالم الدعاية فقط.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1176::/cck::
::introtext::

خلّف غزو واحتلال العراق فوضى سياسية وعسكرية واقتصادية وتناسلاً لبؤر العنف كمبرر لصناعة الإرهاب وتجارة الأمن، في ظل تطبيق استراتيجيات طويلة الأمد وأخرى وسيطة، لإعادة تشكيل البيئة السياسة العربية، وبالتعاون مع الأضداد الإقليميين، و(تقرصن) الشركات القابضة المتعددة الجنسيات بجيوشها وسياسييها ومفاصلها المختلفة على القرار الدولي والأمريكي منه.

::/introtext::
::fulltext::

خلّف غزو واحتلال العراق فوضى سياسية وعسكرية واقتصادية وتناسلاً لبؤر العنف كمبرر لصناعة الإرهاب وتجارة الأمن، في ظل تطبيق استراتيجيات طويلة الأمد وأخرى وسيطة، لإعادة تشكيل البيئة السياسة العربية، وبالتعاون مع الأضداد الإقليميين، و(تقرصن) الشركات القابضة المتعددة الجنسيات بجيوشها وسياسييها ومفاصلها المختلفة على القرار الدولي والأمريكي منه.

لاحظنا متغيراً جوهرياً مخيفاً في شكل الصراع الدولي، والسلوك الحربي، بالتحول إلى الحرب المركبة المدمرة، حرب العقائد والأفكار(Beliefs War)، الحرب الديموغرافية حرب الجواسيس، حرب التقشير وتصفير القيم، حرب المخابرات الشبحية الخاصة والعمليات الخاصة، وأضحى العراق والعالم العربي يعيش في خطر مزمن، خصوصاً بعد إزاحة العراق البعد الرابع من معادلة التوازن الإقليمي، وحجر الزاوية في القدرة العربية الصلبة، وبذلك فتحت أبواب النفوذ الإيراني والإسرائيلي لتمزيق العالم العربي الإسلامي، وجعل شعوبه وثرواته أدوات الصراع ووقوداً للعنف والفوضى، ناهيك عن الإخلال بالتوازن الديموغرافي العربي، ولعل النفوذ في العراق شاهد إثبات، لا يقبل الدحض والإدغام، خصوصاً في ظل حمى الدعاية والتسويق للانسحاب الأمريكي، الذي أصبح ضرورة استراتيجية نظراً لفقدان عاملي القدرة الصلبة الأمريكية (القوة والاقتصاد)، لكن جنرالات الحرب ينظرون للعراق كصفقة تجارية ومغانم شخصية، وبذلك يطرحون الانسحاب كمتغير تكتيكي ومناورة دعائية، تقود إلى وجود دائم في العراق، خصوصاً إذا علمنا أن هناك فرقاً جوهرياً بين إنهاء الاحتلال والانسحاب كون الانسحاب إحدى صفحات الحرب، أي أن الحرب لا تزال مستعرة، وقد أصبح العراق بيئة رخوة، وفقد كيانه وبات مستقبله مجهولاً ويقود لمئات الاحتمالات المخيفة.

الانسحاب الأمريكي.. متغيرات في شكل القوة والمسلك

تفاءل العراقيون والعرب بإنهاء احتلال العراق، بعد إعلان استراتيجية الانسحاب مطلع عام 2009، وبدت خريطة طريق منطقية وموضوعية، لحلحلة ملفات العراق المستعصية والكارثية، وقد احتوت على تحديدات استراتيجية أبرزها: المصالحة الوطنية الحقيقية، وتأمين العودة الآمنة للمهجرين، وإعادة التوازن الديموغرافي في العراق، مع وجود حكومة عراقية تقبل المساءلة، وقوات عراقية غير طائفية ومهنية، وترك العراق لشعبه بانسحاب المسؤول، وتشكل هذه الحزمة ثورة ناعمة لتحقيق الاستقرار في العراق والمنطقة، وعند مقارنتها بالتطبيقات والسلوك السياسي والعسكري، نصطدم بخيبة أمل كبرى، خصوصاً مع رواج عمليات القتل للشخصيات السياسية والعشائرية والدينية والعسكرية، وقمع منظم للشعب العراقي، وعمليات التجريد الطائفي تحت مزدوجي الاجتثاث والإرهاب، والتغيير الديموغرافي لمدن العراق، وفرض طبقة المتعهدين السياسيين الوافدة على الشعب العراقي.

لقر حرصت (البنتاغون) على تغير نمط الحرب بمحورين أساسيين (شكل القوة – المسلك) لتقليل الإنفاق والتكاليف وديمومة الحرب باستخدام (الحرب المركبة) (إذكاء النزاعات والحروب بالوكالة – افتعال الأزمات – الدبلوماسية المخادعة – التحكم في الأدوات السياسية والحروب الخاصة)، ويبدو أن الغاية الاستراتيجية الأمريكية في العراق (التقسيم) وقد هيكلت أمريكا فكرة الانسحاب في عقول الرأي العام، والتشبث بالأدوات السياسية الطائفية والعرقية التي شكلت أضلاع الأزمة العراقية وانهيار قدراته، وبكل الأحوال يجري التقنين في حجم القوة كما يلي:

1- قوة الواجب مؤلفة من 50 ألف جندي يتمركزون في 94 قاعدة في مدن العراق خمس منها حصون – (مدن عسكرية).

2- القوات الساندة والمعقبة من اللوجست والمعلومات والأسلحة المتطورة ولو حسب العدد مع 50 ألف جندي تعد قوة الواجب 200 ألف جندي.

3- تكامل وصول ستة ألوية أمريكية مارينز في منتصف عام 2009 تحت بند الألوية الاستشارية وتقوم بمهام خاصة كالمداهمات والاغتيالات والتقشير.

4- جيش الظل- القسم الخامس في القدرة العسكرية الشاملة – الشركات الخاصة المرتزقة، ويقدر العدد المتبقي منها بـ 90 ألف متعهد من أصل 160 ألف متعهد بالإضافة إلى الشركات العراقية الملحقة التي تنفذ المهام نفسها.

5- الجيش الخاص الصغير لحماية السفارة والعاملين، وقد خصصت له عربات وحوامات ومروحيات من الجيش الأمريكي.

6- القدرة المكتسبة – القوات العراقية- وقد شكلت وفق فلسفة (سد الثغرات) وهي قوات شرطية وعقيدتها التدريبية والعملياتية مقتبسة من شركات المرتزقة، ولا تتسق بمفاهيم صفحة الدفاع والأمن الانسيابي، وتغيب عنها العقيدة العسكرية، وتعاني من خطيئة دمج الميليشيات، والمحاصصة الطائفية والعرقية، وفقاً لقواعد اللعبة الأمريكية والإقليمية في العراق، كما تشير المادتان 9 و10 من اتفاقية (صوفا) بسيطرة الولايات المتحدة الأمريكية على وزارتي الدفاع والداخلية لعشر سنوات.

لا يمكن فهم العلاقات الدولية المعاصرة من دون الأخذ في الاعتبار توازن القوى

العراق بيئة هشة وكيان مفقود ومستقبل مجهول

أصبح العراق بيئة خصبة للإرهاب الوافد والجريمة المنظمة والمخططات المشبوهة، ولا وجود لكيان العراق اليوم إذا ما قورنت الحقائق والوقائع مع المرتكزات، (الديموغرافية المستدامة –الوطن الموحد -الأمن–التكامل العسكري -الدولة ومؤسساتها – السيادة – الاستقرار-الرفاهية والدور الدولي والعربي)، ويمكن بيان ذلك كما يلي:

1- الشعب العراقي: ممزق وفق سياسة التجريف المجتمعي وتفكيك البنى التحتية والمنظومات القيمية، ناهيك عن قتل وتهجير واغتيال العلماء والنخب الوطنية والطبقة الوسطى الحرفية، وتنخره البطالة والجوع والتجسس والجريمة المنظمة والمخدرات والأوبئة، ويمارس ضده الإرهاب السياسي والحكومي، والإذلال الجسدي والنفسي، ورواج مشاهد الجثث المنزوعة الهوية، ولا وجود لمعالم الاستقرار فيه.

2- الوطن العراقي: أصبح رقع نفوذ ومحميات لإقطاعيات سياسية مرتبطة بأجندات إقليمية وأجنبية ويبدو كدولة طوائف ومذاهب وأعراق، وقد خصخصت ثرواته الاستراتيجية.

3- الدولة العراقية: حطم بريمر الدولة العراقية بالكامل في أكبر عملية تجريف ونهب عرفها التاريخ، ابتداء من حل المؤسسات والقوات المسلحة، ونهبها وحرقها، وإعادة تشكيلها وفق معايير مشوهة وهجينة (المكارثية) وتتسق بمنظومة قوانين هجينة قسرية (مكافحة الإرهاب) وقوات وحشية طائفية مدمجة، وقد خصخصت كافة المؤسسات الخدمية (نهب الشركات) مع ملء الفراغ المؤسساتي من الأحزاب الطائفية والعرقية كغنيمة حرب للأدوات السياسية الوافدة (طبقة النكبة السياسية).

4- النظام السياسي: ويفترض أنه يواكب حركة المجتمع ومتطلباته، وتحقيق حمايته ورغباته، ويحقق شرعيته بتحقيق إرادة الشعب، ولطالما تشدقت الأدوات السياسية الوافدة بالتعددية والديمقراطية كإطار للنظام السياسي الجديد، ولم يفلحوا في تطبيق أبسط مقوماتها، وبات شكل السلطة دكتاتورياً طائفياً راديكالياً – ولاية فقيه مقتبسة في ظل تعاظم دور الميليشيات الطائفية المسلحة ودمجها في الدولة (قسمة الغرماء).

5- السلطة: لم تتمكن الحكومات المتعاقبة من تحقيق لبنة السلطة الوطنية العصرية، نظراً لهشاشتها البنيوية وقد سخرت موارد الدولة لبقائها، وسعت السلطة إلى تطبيق مفاهيم الأمن السياسي لقوات الاحتلال كأسبقية أولى وتمسكها بالسلطة كأسبقية ثانية والتضحية بأمن المواطن العراقي واحتياجاته، وأسهمت بسلوكها في تعزيز النفوذ الإقليمي، وأضحى العراق مسرحاً لبطش السلطات المختلفة – الاحتلال – السلطة – المرتزقة – المخابرات الأجنبية والإقليمية – عصابات الجريمة المنظمة – الميليشيات الموشحة بملابس الدولة – الشركات الأمنية الخاصة والمجاميع الخاصة.

إن الولايات المتحدة لا تكترث ببناء دولة ونظام ديمقراطي حقيقي في العراق أو صيانة توازن القوى بالمنطقة، في ظل تعدد مراكز القوى، البيت الأبيض، البنتاغون، الخارجية، الـ (سي أي إيه)، ناهيك عن سطوة المجتمع الصناعي العسكري، وجماعات الضغط واللوبي الصهيوني، وسلطة الظل الحقيقية (الشركات القابضة)، ويحتكر جنرالات الحرب ملف العراق السياسي والعسكري، ويتمسكون بالأدوات السياسية الوافدة والمستوردة، ويتعاملون مع العراق كصفقة تجارية ومغانم حرب، خصوصاً بعد أن استخدموا مسالك حربية دموية أصبحت تراكماتها حزمة مخاطر يصعب مجابهتها، ونشهد وقائع ممسرحة لصراع السلطة وأحداثاً دراماتيكية ضمن صناعة الخوف، بغية إطالة وقت تشكيل الحكومة حتى سبتمبر2010، وهو مطلب أمريكي لتهيئة قاعدة انتخابية للحزب الديمقراطي، ضمن حزمة حوافز تبدو كنجاح في السياسة الخارجية، وأبرزها تشكيل الحكومة العراقية بعد مسرحية الاستعصاء، وسحب عدد من القوات، ومساومة إيران (الملف النووي)، وأفغانستان، والمفاوضات الفلسطينية.

العراق شكل في تاريخه الحديث العنصر الرابع في توازن القوى بالمنطقة

توازن القوى بين التقويم الاستراتيجي وصيانة القوة

اعتمد النظام الدولي مبدأ صيانة نسق القوة للحفاظ على التوازن السياسي والعسكري والديموغرافي وشكل توزيع القوة وفق نظرية الساق (توازن التوافق – توازن الأضداد)، ويعد توازن القوى ذا ديناميكية متطورة لتحقيق السلام والاستقرار، والذي يتطلب إدراكاً دقيقاً للقوة، كما أن توازن القوى يتعارض مع الهيمنة، ويسعى إلى منع قيام قوة مهيمنة، ويعمل على ضبط النفس وضبط الآخرين، مع الحفاظ على الاستقلالية، والحرص على المصلحة العامة مع الحفاظ على الخصائص الأساسية للمجتمع الذي تعمل ضمنه، ولا يمكن فهم العلاقات الدولية المعاصرة من دون الأخذ في الاعتبار توازن القوى. وفي البيئة الدولية المؤاتية يجري استخدام التحالفات الناجعة لصيانة توازن القوى، وعلى العكس في البيئة المجافية عندما يعمل النظام الدولي في ظل غياب المجتمع الدولي والمؤسسات الأخرى، يتعاظم مناخ الحرب في المجتمع الفوضوي، وتلك مرحلة بالغة التعقيد في صراع القوة، خصوصاً إذا أضفي عليها الطابع الديني الراديكالي المتشدد، وكما شهده العالم مطلع القرن الحالي تحت يافطة (الحرب العالمية على الإرهاب) حيث تصبح الحرب أكثر ضراوة وشمولية، وتعمل على تعميم سلوكهم وفهمهم الخاطئ على معتقدات الآخرين، وتصاحبه إراقة دماء وهمجية غير مبررة، وبرز جلياً في العراق، بعد تصفير قوته العسكرية التقليدية بما لا يتسق مع مفاهيم صيانة توازن القوى في المنطقة، وقد شكل العراق في تاريخه الحديث العنصر الرابع في توازن القوى في المنطقة مقابل تعاظم القدرة العسكرية الإسرائيلية والإيرانية والتركية، وارتكبت أمريكا خطيئة استراتيجية بإزاحة القدرة العراقية التي تشكل عنصر الاستقرار والتوازن، وبذلك حولت المنطقة من النسق المتوازن المستقر إلى التهديد المبعثر المنتشر، وقد أغفل العرب قيمة القدرة العراقية وفسحة وجودها الجغرافي، خصوصاً بعد تحول العراق بين (لبننة) و(صوملة)، ولا بد من إجراء تقويم استراتيجي لتلك التداعيات في نسق القوة العربية، خصوصاً بعد وضوح المسلك الأمريكي السياسي والحربي ما بعد الانسحاب التكتيكي كما يلي:

1- تقاسم النفوذ الدولي الإقليمي في اللوحة الاستراتيجية العربية.

2- القضم الجيوبولتيكي لدول الطوق العربي ومظاهر التفتيت الديموغرافي واستخدام الطائفية السياسية كغطاء ومحرك تفتيت للعالم العربي عمودياً.

3- استنزاف القدرة العربية الشاملة وخصوصاً القدرة البشرية.

4- توسيع النفوذ الإقليمي والليبرالي في دول الاهتمام الاستراتيجي.

5- اختلال موازين القوى وفقدان الردع الاستراتيجي وإغفال أهمية العراق فيه مع تعاظم القدرات الحربية الإقليمية – النووي – الصاروخي – البحري.

6- اتساع ظاهرة صناعة الإرهاب وتجارة الأمن وفتح الأسواق بالقوة.

7- احتقان المنطقة بالمناورات العسكرية وحافة الحرب لتحقيق مكاسب سياسية.

8- اندثار منظومة الأمن العربي ورواج حرب الجواسيس والأشباح – والعمليات الخاصة –الاغتيالات – التفجيرات – الحرائق – والمناخ – والقرصنة التي انتقلت من البحار إلى جنوب العراق وفي المياه الإقليمية، وانتشار مظاهر الفوضى – العنف والميليشيات – مؤسسات التأثير – الجريمة المنظمة – تجارة الرقيق – المخدرات – البطالة والجوع..إلخ.

أفرزت خطيئة احتلال العراق حقائق جيوسياسية خطيرة، تتطلب التقويم واستعادة المبادأة الاستراتيجية، ويفترض تطويع المعطيات والحقائق كما هي بعيداً عن منظومة الدعاية المضللة، وكشف نقاط الضعف ومعالجتها باستخدام الخطوط الاستراتيجية الناجعة في معالجة التهديدات وحسم موضوع إنهاء الاحتلال، والتركيز على أولوية المعالجات الموضوعية (الفورية – العاجلة – القريبة – المتوسطة – الطويلة الأمد)، ومن الضروري إيقاف التصدع الاستراتيجي والعملياتي، وتفكيك أزمة احتلال العراق إلى عواملها الأولية ومعالجة كل عامل على حدة، وإعادة بناء القدرات الذاتية التي تؤمن الدفاع الطوعي وتحقق توازن القوى، مع الأخذ في الاعتبار شكل وطبيعة التحالفات الدولية والإقليمية، وتطويعها لتحقيق المصلحة الدفاعية العليا، ومعالجة نقاط الخرق والضعف في الأمن العربي. وبالتأكيد أن استعادة المبادأة الاستراتيجية تحتاج إلى بحوث ودراسات تخصصية، لتعالج الثغرات وفق آليات عمل ناجعة، تمهيداً لإعادة الأمن والاستقرار للعراق والمنطقة، وإشغال دور مؤثر في صنع القرار الدولي مع الحفاظ على الثوابت الأساسية، خلافاً لذلك ستبقى البيئة الاستراتيجية قلقة ومتدحرجة والمناخ الأمني منهاراً والاستقرار السياسي مفقوداً في غياب الحل الموضوعي، وتعاظم الاستهداف للمواطن العراقي كوقود للحرب، ولا متغير جوهرياً من تشكيل حكومة محاصصة من الوجوه نفسها التي قادت العراق إلى الانهيار الشامل، خصوصاً عندما تعمل المنظومات الأمنية ودوائر المعلومات على توسيع مساحة العنف من خلال تنميط المقاومة بالإرهاب، وملاحقة عناصرها والتنكيل بهم وانتهاك حقوقهم وتعذيبهم، وفي المنظور الواقعي تعد المقاومة مفاعيل قوة في القدرة العراقية، ويعول عليها في تحقيق استقرار العراق وإعادة بنائه، وخلافاً لذلك فإن الوجود الأمريكي سيجعل العراق غارقاً في احتراب مزمن، ويعد السلام أضاليل في عالم الدعاية فقط.

::/fulltext::
::cck::1176::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *